موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الطلاق - شرح فروع الفقه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فروع الفقه لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح فروع الفقه
 المقدمة
 ترجمة المؤلف
 قسم العبادات - كتاب الصلاة
 الشرط الأول الطهارة من الحدث
 الطهارة الصغرى
 المسح على الخفين
 الطهارة الكبرى
 نواقض الطهارة
 الشرط الثاني الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ
 الشرط الثالث الْوَقْتُ
 الشرط الرابع ستر العورة
 الشرط الخامس اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ
 الشرط السادس النية
 أركان الصلاة القيام,تكبيرة الإحرام,قرأة الفاتحة
 تابع أركان الصلاة وَالرُّكُوعُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَالاِعْتِدَالُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ مِنْهُ، وَالطُّمَأْنِينَةُ
 تابع أركان الصلاة وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأُولَى، وَالتَّرْتِيبُ
 واجبات الصلاة
 المستحبات في الصلاة
 المباحات في الصلاة
 المكروهات في الصلاة
 المحرمات في الصلاة
 أقسام الصلاة من حيث التكليف فرض العين وفرض الكفاية
 تابع أقسام الصلاة من حيث التكليف -السنة
 صلاة الضحى
 صلاة الوتر
 صلاة التراويح
 صلاة الكسوف
 صلاة الاستسقاء
 سجود التلاوة
 حكم صلاة الجماعة وأحكام الأمامة
 أعذار ترك الجماعة
 صلاة الجمعة
 كتاب الزكاة
 المُزكي
 المُزَكًّى
 زكاة السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ-الإبل
 زكاة البقر و الغنم
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة و الخارج من الأرض
 الدافع و المدفوع له-مصارف الزكاة
 من لا تحق لهم الزكاة
 كتاب الصيام-على من يجب الصيام
 أقسام الصيام من حيث التكليف
 ما يفسد الصيام
 أعمال الصائم
 الاعتكاف
 كتاب الحج-شروط الحج
 أقسام الحج من حيث التكليف
 مكان الحج
 الإحرام
 المواقيت
 أنواع الإحرام
 التلبية
 محظورات الإحرام
 الفدية
 صفة الحج
 َأَرْكَانُ وواجبات الْحَجِّ والعمرة
 أحكام الأضحية والعقيقة
 كتاب الجهاد-حكم الجهاد والجزية
 على من يجب الجهاد
 آداب الجهاد
 أقسام الكفار
 الجزية-الأمان-العهد
 الغنائم
 المصالحة
 كتاب المعاملات
 شروط البيع
 الشروط في البيع
 الْخِيارُ
 الربا
 بيع السلم
 الإجارة
 القرض
 الرهن
 الضمان والكفالة
 الحوالة
 المتصرف
 الوكالة
 أنواع الشركات
 أخذ الأموال بغير عوض
 تابع أخذ الأموال بغير عوض
 إخراج الأموال بغير عوض
 الوقف
 تابع إخراج الأموال بغير عوض
 الوصية
 العتق
 كتاب النكاح-الزوج و الزوجة
 المحرمات
 الولي
 الصيغة
 الصداق
 كتاب الطلاق -الخلع
 الطلاق
 الظهار
 اللِّعَانُ
 الإيلاء
 كتاب الجنايات و الحدود- الجناية على النفس
 الجناية على الأعضاء
 حد الزنا
 حد القذف و شرب الخمر والسرقة
 حد قطع الطريق و البغي والردة والسحر
 كتاب الأقضية - شروط من يتولى القضاء
 الشروط في الشهود والمشهود عليه
 اليمين والإقرار
 كتاب الأطعمة و الأشرابة
 كتاب المواريث
شرح فروع الفقه - الطلاق

(الثَّانِي: الطَّلاَقُ، وَهُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مُطَلِّقٍ، وَمُطَلَّقٍ، وَمُطَلَّقٍ بِهِ.

الْمُطَلِّقُ: هُوَ الزَّوْجُ أَوْ وَكِيلُهُ، حَتَّى الزَّوْجَةُ.

وَالْمُطَلَّقُ: هِيَ الزَّوْجَةُ.

وَالْمُطَلَّقُ بِهِ: هُوَ اللَّفْظُ؛ مِنْهُ صَرِيحٌ يَقَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَكِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، يَقَعُ بِالظَّاهِرَةِ وَبِالْخَفِيَّةِ مَعَ النِّيَّةِ.

وَيَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَالْعَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ.

وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ، وَيَصِحُّ الطَّلاَقُ مُنَجَّزًا، وَمُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ يَقَعُ عِنْدَ وُجُودِهِ.

وَمِنَ الطَّلاَقِ بَائِنٌ، وَهُوَ الثَّلاَثُ، وَالطَّلاَقُ عَلَى عِوَضٍ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ. وَرَجْعِيٌّ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا إِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَوْ كَرِهَتْ إِذَا أَشْهَدَ).


الطلاق الثاني: الطلاق، وهو أشهرها أنزل الله به سورة كاملة غالبًا وتُسمى سورة الطلاق، وتُسمى سورة النساء الصغرى؛ لأن فيها ذكر النساء، وذكر الله الطلاق في سُورة البقرة، وذكر في سورة النساء أيضًا العشرة، وسوءها والنشوز، وشيئا من ذلك، فهذا الطلاق هو العبارة التي تُفَرِّقُ بين الزوجين، يأتي بعبارة أو كلمة يَحْصُلُ بها فِرَاقُ زوجته.

يقول: (مرتب على مطلق ومطلق ومطلق به؛ المطلق هو الزوج أو وكيله حتى الزوجة)، يجوز له أن يُوَكِّلَ من يطلق؛ وكلتك تطلق زوجتي متى أرادت، وكلتك تطلقها بعد شهر. فأنت وكيل فلك أن تطلقها.

كذلك يجوز أن يوكلها؛ وكلتك تطلقين نفسكِ، ويجوز أن يُحَدِّدَ وكلتك أن تطلقين نفسك في هذا الشهر، وإذا مضى الشهر وهي ما طلقت نفسها؛ لم تملك الطلاق بعد، وكذلك الوكيل، إذا وكلك تطلق زوجته؛ قال: طَلِّقْهَا قبل رمضان، ودخل رمضان وأنت ما طلقت؛ انفسخت وَكَالَتُكَ، وكذا فسخ وكالتك، قال: كنت وكلتك أن تطلقها في هذا الشهر، فلا تطلقها وقد اصطلحنا، فلا تملك الطلاق؛ لأنه خَلَعَكَ مِنَ الوكالة.

(الثاني المطلق)، وهي المرأة الزوجة، الأمة إذا كان له أمة سُرِّيَّة ما يقال له: طلقها، وإنما يقال: أعتقها، فالطلاق يختص بالزوجة أيا كانت مسلمة أو كتابية.

(الثالث المطلق به)، الصيغة التي يطلق بها، أو العبارة، أو اللفظ.

(منه صريح يقع به من غير نية، ومنه كناية ظاهرة، ومنه كناية خفية)، يقع بالظاهرة ويقع بالخفية مع النية، ذكره الله -تعالى- بلفظ الطلاق: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، وذكره بلفظ التسريح؛ ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(1)، وذكره بلفظ الفراق بقوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(2).

فإذا قال: طلقتك، سرحتك، فارقتك؛ فهذا صريح، وكذلك ما تَصَرَّفَ منها، أنتِ مطلقة، أنتِ تطلقين في هذا اليوم، أنتِ مُسَرَّحَةٌ، سوف أسرحك غدا هذه ألفاظ صريحة، ولو ما نوى يقع أن كثيرًا يغضب عند النِّـزَاع أو والشِّقَاق، فيُوقع الطلاق، ثم يقول: ما نويت، ما لي نية بالطلاق، لا أدري كيف خرجت هذه الكلمة مني، فماذا نقول له؟ نقول: وقع الطلاق، هذا اللفظ لا يَحتاج إلى نية؛ وذلك لأنه صريح، ولا تُرَدُّ عليه إلا إذا كان في حالة لا يعقل فيها نفسه مع خلاف في طلاق السكران، وفي بعض حالات طلاق السنة.

والعلماء الفقهاء يُمضون الطلاق في كل الحالات ولكن اختار شيخ الإسلام(3) وابن القيم(4) وابن باز(5) صُوَرًا لا يقع بها الطلاق:

الصورة الأولى: طلاق الغضبان، إذا كان شديدَ الغضب؛ فلا يقع طلاقه، الفقهاء يقولون: إذا كان يعقل؛ فإنها تَطْلُقُ.

الصورة الثانية: طلاق السكران، يختار الشيخ تقي الدين أنها لا تَطْلُقُ، والفقهاء يقولون: تطلق؛ لأنه عَلِمَ بأن الخمر يُسكر، فيعاقب ويُشَدَّدُ عليه.

الصورة الثالثة: طلاق الحائض أو النفساء، الفقهاء يقولون: يقع، والشيخ تقي الدين لا يُوقِعُهُ.

الصورة الرابعة: الطلاق في طُهْرٍ جامعها فيه، يقولون: لا يقع، يقول: الفقهاء يقع ويقول الشيخ تقي الدين وابن باز: لا يقع؛ أي لأنه طلاق بدعة.

الصورة الخامسة: إذا كان مُعَلَّقًا، ولم يقصِدِ الطلاق، وإنما قصد التحذير، أو الإلزام، فالفقهاء جعلوه طلاقا؛ كأن قال مثلا: إذا كلمتِ فلانا هاتفيا؛ فأنتِ طالق، وهو يريد تخويفها، أو قال مثلا: إن لم تبيتي معي على الفراش؛ فأنتِ طالق، وهو يُريد تخويفها، فالفقهاء يُوقِعُونَه إذا حصل الشرط، والشيخ لا يُوقعه يقول: لأنه كاليمين؛ بمعنى أنه كالحلف، ويجعل فيه كَفَّارَةَ يمين.

هذه صور يختار بأنها لا تقع، ولكلٍّ اجتهاده، ولا شك أن الأشياء مثل هذه لَمَّا كان فيها خلاف؛ كان الأحوط أن الزوج يُمضي هذا الطلاق؛ أي لأنّ هناك من يُحَرِّمُها عليه وهُمُ الجمهور، لكن كأنَّ شيخنا ابن باز -رحمه الله- يقول: أريد أن أوسع على الناس، وذلك لأنه يندم ساعةَ ما تقع منه هذه الجملة، ويتأسف أسفا كثيرًا، فيحتاج إلى من يُخَفِّفُ عنه كذلك أيضًا، يرى شيخ الإسلام أن جمع الثلاث لا يقع بها إلا واحدة.

فإذا قال: أنتِ طالق طالق طالق، فقصد بذلك الثلاث حتى لو قال: أنتِ طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو أنتِ طالق بالثلاث، أو أنتِ طالق ثلاثا، فيرى شيخ الإسلام أنه لا يقع إلا واحدة، والشيخ ابن باز يُفَرِّقُ بين ما إذا قال: طالق طالق طالق، وقال: ما أردت إلا التأكيد؛ فهي واحدة، وكذلك إذا قال: طالق بالثلاث، يجعلها واحدة. وأما إذا قال: طالق، ثم طالق، ثم طالق؛ فإنه يجعلها ثلاثا هكذا؛ وذلك لأن "ثُمَّ" تقتضي التعاقب. وعلى كل حال هذا كله في صريح الطلاق.

وأما الكناية؛ فمنها كناية ظاهرة؛ مثل قوله: قد أَبَنْتُكِ، لستِ لي بامرأة، لا أريدكِ كزوجة، خذي متاعكِ ولا ترجعي، هذه كناية ظاهرة، يُوقعون بها طلقةً.

أما الكناية الخفية؛ مثل قوله: اخرجي، اذهبي، ذوقي، تَجَرَّعِي، حبلك على غاربك، هذه كناية خَفِيَّةٌ؛ لأنه يحتمل إرادة الطلاق، ويحتمل إرادة غيره، فلا يقع بها الطلاق، إلا مع النية الخفيَّة، يقع بها الطلاق مع النية؛ اخرجي، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، قوله: لست لي بامرأة، أبنتكِ، لا ترجعي، حبلك على غاربك.

وهناك أيضًا عبارة يستعملها العامة؛ يقول مثلا: إذا جاءكِ رِزْقٌ؛ فاقبليه، فهذا أيضًا يُعتبر خَفِيًّا؛ لأنَّ الرزق يَدخل فيه جميع الأرزاق، فإذا قال: ما أردت إلا متى أتاها رزق يعني كهدية، أو طعمة، أو صدقة، فتقبله؛ فإن هذا لا يقع به طلاق، لكن قد تدلّ العبارة على أنه يُريد الطلاق كما إذا حصل بينهما شقاق؛ فإنه في هذه الحال كلامه يدل على أنه يريد الطلاق؛ إن جاءك رزق بعد هذا الشقاق؛ أي تزوجي إذا شئتِ، فهذا أيضًا مِنَ الكناية، ولكنها في هذه الحال كناية ظاهرة.

ثم يقول: (يملك الحر ثلاث تطليقات، وإن كانت تحته أَمَةٌ، والعبد تطليقتين، وإن كانت تحته حرة)، بمعنى أنه يُطلق ثم يراجع، هذه واحدة، يطلق أخرى ثانية، ثم يراجع، فإذا طَلَّقَ الثالثة؛ لم يَمْلِكِ الرجعةَ إلا بعد زوج، والله -تعالى- ذكر الطلقتين في قوله: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ(6)، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا(7).

ففي هذه الحال طَلَّقَها واحدة يملك الرجعة، هذا معنى "أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ"، ولكن عليه أن يقصد الإصلاح؛ أراجعها رحمة بها، أراجعها لأجلِ وَلَدِها، عندي منها ولد، أخشى أنهم يتضررون بفراقها، أو ترجع حتى تُرَبِّيَهُمْ أو كذلك: نظرت، وإذا أنا بحاجة إليها، ولا أستغني عن زوجة. هكذا هذا معنى كونه يراجع، الحر قد يحتاج إلى أنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مملوكة، ولكن لا بد أن لا يتزوجها إلا بشرطين:

الشرط الأول: قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً(8)، الطول هو الصَّدَاق، فإذا كان يجد طولا يتزوج به حرة أو يجد ثمن أمة يشتريها وتعفه؛ فإنه والحال هذه لا يحل له أن يتزوج الأمة.

الشرط الثاني: أن يخاف على نفسه الوقوع في الزِّنَا، ولذلك قال -تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾، العنت المشقة، بأن لا يتحمل الصبر، فيحتاج إلى زوجة تُعِفُّه، فله أن يَتَزَوَّجَ أمة، وإذا كانت تحته أمة، وطلقها تطليقة؛ فله الرجعة، وطلقها طلقة ثانية؛ فله الرجعة، فإذا طلقها تطليقة ثالثة؛ فلا ترجع إليه حتى تنكح زوجا غيره.

أما العبد المملوك؛ فإنه يملك طلقتين، قد تكون زوجته حرة، قد تطلبه امرأة أن تتزوج به وهي حرة، فإذا كانت تحته حرة طلقها مرة يملك الرجعة، طلقها المرة الثانية لا يملك الرجعة، وكذلك إذا كانت زوجته أمة؛ يصح استثناء أقلَّ من النصف -يعني من نصف الطلاق أو الطلقات أو المطلقات-، فإذا كان له مثلا ثلاث زوجات، فقال: طلقت زوجاتي إلا واحدة؛ صح ذلك؛ لأنه استثنى أقل من النصف، ولا يصح استثناء النصف، لو قال مثلا له أربع زوجات: طلقت زوجاتي إلا اثنتين؛ فلا يصح؛ لأنه استثنى النصف لا بد أن يكون أقل من النصف.

وكذلك الطلقات، إذا قال: أنتِ طالق ثلاثا إلا واحدة؛ صح، وطلقت طلقتين؛ لأنه استثنى أقل من النصف، أما لو قال: أنتِ طالق ثلاثا إلا اثنتين؛ ما صح، فتطلق الثلاثَ وذلك؛ لأنه استثنى أكثر من النصف. لكن لو طلقها طلقات كثيرة، لو قال: أنتِ طالق عشرا إلا أربعا، ومعلومٌ أنه لا يملك إلا ثلاثا؛ ففي هذه الحال يقع بها طلقتان؛ لأنه استثنى أقل من النصف من نصف العشر.

ويقع من بعض العامة مبالغات، سُئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مئة طلقة، فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون وَبَالٌ عليك. أو سبع وتسعون اتخذت آيات الله هزو(9).

تبين أنه إذا أكثر من العدد؛ كفى وقوع ثلاث فعله إذا استثنى أنه لا يقع أنه لا ينفعه الاستثناء؛ لأنه مثلا لو قال: أنت طالق عشرا إلا أربعا؛ فإنه أبقى ستا، نقول: يكفي ثلاث من الست، فيقع بها الطلاق كله.

يقول -رحمه الله: (يصح الطلاق منجزا ومعلقا على شرط يقع عند وجوده)، المنجز هو الذي يقع في الحال، أنتِ طالق الآن، أنتِ طالق وطالق، هذا في الحال، فهذا طلاق منجز، المعلَّق على شرط، يقع عند وجوده.

وذكروا لذلك عدة صور: إذا علقه على الحمل إذا حملتِ؛ فأنت طالق، فمتى تبين حملها؛ طلقت عدد ما أوقع الطلاق بها، إذا قال: إذا ولدت أنثى؛ فأنتِ طالق؛ تطلق متى ولدت أنثى، لو قال: إذا ولدتِ توأمين؛ فأنتِ طالق تطلق ساعة ما تلد توأمين، ولا تطلق إذا ولدت واحدا، إذا قال مثلا: إذا دخل رمضان؛ فأنتِ طالق، هذا معلق بوقتٍ، فتطلق في أول يوم من رمضان، أو قال: إذا رجعنا من الحج؛ فأنتِ طالق، فمتى رجعوا؛ فإنها تطلق هذا معلق بوقت.

وذكرنا أن الشيخ تقي الدين يقول: "إذا كان الشرط يُراد به الحضّ أو المنع؛ فإنها لا تطلق ويُكَفِّر"، إذا كان هذا الشرط لا يَقصِد به إلا المنع والحض، مثال المنع: إذا قال مثلا: إن خرجتِ في هذا اليوم؛ فأنت طالق، إن تكلمتِ في الهاتف؛ فأنتِ طالق، إن كلمتِ فلانا؛ فأنتِ طالق، إن دخلتِ السوق؛ فأنتِ طالق، إن ركبتِ بدون محرم؛ فأنتِ طالق، إن سافرتِ في هذا الشهر إلى كذا؛ فأنتِ طالق، هذا وأمثاله كثير يُسمى منعا؛ يقول: أنا ما أريد الطلاق، أريد منعها، أخشى عليها إذا دخلت الأسواق المختلطة، كذلك أخشى عليها إذا كلمتْ أجنبيا هاتفيا، أخشى عليها إذا سافرت بدون محرم، أو إذا ركبت مع أجنبي، أنا ما أريد إلا تحذيرها حتى لا تقع في هذه الأشياء.

فهذا يجعله الشيخ تقي الدين وابن باز يمينا مكفرا ومثله أيضًا الحض، الحض والتحريض على فعل شيء جاءها عند أهلها وقال: اركبي معي، فتثاقلت، فقال: إن لم تركبي؛ فأنتِ طالق، هذا لا يقصد الطلاق، وإنما يريد حثها على أن تأتي إن لم تأتِه إلى البيت في هذه الليلة؛ فأنتِ طالق، إن لم تبيتي معي على الفراش؛ فأنتِ طالق، إن لم تمكنيني من نفسك في هذا الوقت؛ فأنتِ طالق، إن لم تتجملي بكذا وكذا بهذا اللباس أو بهذا الحلي؛ فأنتِ طالق.

قد يقول: ما أريد الطلاق، ولكن أريد أنها تفعل ذلك إذا خافت من الطلاق، ولكنها قد تُعاند فتمتنع أن تبيت معه أو تركب معه مثلا أو تصلح له ما طلب إذا قال: إن لم تصلحي الغداء أو العشاء إن لم تصلحي هذا الضيف القهوة مثلا أو الشاي؛ فأنتِ طالق، ما يريد الطلاق، يريد تحذيرها تخويفها، لعلها تبادر، وإذا عاندت؛ ففي هذه الحال الفقهاء يقولون: يقع؛ لأنه معلق على شيء، وقد وقع ذلك الشيء، والشيخ تقي الدين وتبعه ابن باز يقولان لا يقع، لأنه ما قصد إلا الحض والمنع.

فعرفنا الشرط، إن كان جازما بالشرط؛ فإنه يقع؛ كأن يقول مثلا: إذا ولدتِ أنثى؛ فأنتِ طالق، إذا ولدتِ توأمين، هي لا تملك شيئًا، والله -تعالى- هو الذي يخلق ما في الأرحام، ففي هذه الحال يقع.

وكذلك إذا قال: مثلا إذا رضي أبوكِ، إذا طلب أخوكِ الطلاق؛ فأنتِ طالق، أو قال مثلا: إذا كرهت البقاء معي؛ فأنتِ طالق، فقالت: قد كرهته يقع بهذا الشرط، بخلاف ما إذا كان الشرط يُقصد به الحض أو المنع يقع عند الجمهور، ويُكَفِّرُ عند شيخ الإسلام.

يقع عند الجمهور، ويُكفِّر عند شيخ الإسلام.

يقول بعد ذلك: ومن الطلاق بائن، وهو الثلاث، والطلاق على عوض والطلاق قبل الدخول، وكذلك الفسخ هذا يسمى طلاقا بائنا.

والبينونة بينونة كبرى، وبينونة صغرى، فإذا طلقها، ثم راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، ثم طلقها الثالثة؛ بانت بينونة كبرى، لا تحل له إلا بعد زوج، إن طَلَّقَها يعني الثالثة؛ فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وكان المشركون في الجاهلية يطلق ثم يراجع، ويطلق ثم يراجع، ولو عشر مرات أو أكثر.

ولَمَّا كان في ذلك إضرارٌ بالمرأة؛ حَدَّدَ الله الطلاق الرجعيَّ بطلقتين، وبعد الثالثة تَحْرُمُ عليه حتى يحجزه ذلك عن أن يطلق الثالثة، هكذا؛ ذلك لأنه قد يرى منها شراسة وغِلَظًا وعصيانا، فيطلقها واحدة لعلها أن تَتَعَثَّرَ وتتوبَ، فله أن يُراجعها ما دامت في العدة بدون عوض ولكن يشهد، ثم يطلقها ثانية إذا رأى منها عِصيانا وتعنتا ثم يُشهد على الرجعة.

فإذا بقي له واحدة؛ عَلِمَ بأنه لا تحل له إلا بعد زوج؛ مَلَكَ نفسه ولم يتسرع، وحاول أنه يُبْقِيَها كزوجة، هذا الطلاق الثلاث.

(الطلاق على عوض): هو الخلع كما تقدم، ولا يملك الرجعة؛ وذلك لأنها اشترت نفسها، ولو كان هناك رجعة؛ لم تنتفع بهذا الخلع، ولكن لو تراضيا فيما بعد؛ فله أن ينكحها برضاها، ومع ذلك فإنه بينونة ولكن بينونة صغرى.

كذلك الطلاق قبل الدخول؛ قال -تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا(10)، وإذا لم يكن لها عدة؛ فإنها تَبِينُ بالطلقة، ولا تحل له إلا بعقد جديد فيُسَمَّى هذا بينونة صغرى.

الطلاق الرجعي: الطلقة الواحدة للمدخول بها، إذا كان ذلك بغير عِوَضٍ، وكذا الطلقتان يَملك رَجْعَتَها ما دامت في العدة، ولو كرهت، ولكن لا بد أن يُشْهِدَ، إذا طلقها واحدة؛ فعدتها ثلاث حِيَضٍ إن كانت تحيض، فلما حاضت حيضتين؛ قال: اشهد يا فلان! ويا فلان! أني راجعتها، يخبر أهلها بأنه قد راجعها، والأصل أيضًا أنها تَبْقَى عنده إذا طلقها واحدة؛ بقيت في بيته، ولا يجوز لها أن تَخْرُجَ إلا إذا عَصَتْ وتَمَرَّدَتْ؛ قال الله -تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ(11).

يعني: اتركوها في بيتها؛ وذلك لأنها بحكم الزوجة، طلقة واحدة تبقى معه كأنها زوجة، ولها أنْ تَتَجَمَّلَ أمامه، وأن تَتَطَيَّبَ، وأن تلبس ثياب جمال؛ لعلها أن تدفعه إلى المراجعة، فإذا رَاجَعَهَا بأن وَطِئَها؛ فالوطءُ يكون رَجْعَةً أو أَشْهَدَ، اشهدْ يا فلان! وفلان! أني قد راجعتها؛ رجعت إليه وبقي له طلقتان، طلقها المرة الثانية في هذه الحال أيضًا تبقى معه في بيته إذا بدا له، ثم راجعها بشهود أو بجماع؛ رجعت إليه، وأصبحت زوجة، لو تركها بعد الأولى طلقها واحدة وتركها حتى انتهت عدتها؛ فهذه بينونة صغرى، ملكت نفسها، إذا حاول أنها ترجع إليه أو طلب تجديد عَقْدٍ وامتنعت؛ فلا إكراه عليها، أما إذا تراضيا؛ فبعقد جديد ترجع له على ما بقي.

فبقي له طلقتان أو طلقة، هذا هو الرجعي الطلقة الواحدة أو الثانية للمدخول بها، إذا كان على غير عوض؛ ملك رجعتها بعدته بدون عقد، ولو كرهت، وحلت له بعد العدة بعقد جديد ومال جديد انتهى ما يتعلق بالطلاق.


(1) البقرة: 231.

(2) الطلاق: 2.

(3) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيميّة الحرّاني، ثم الدمشقي، الحنبلي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. برع في العلوم الإسلامية والآلية، وقمع الله به أهل الضلال، ونصر به أهل السنة. ولد سنة إحدى وستين وست مئة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله من المؤلفات: الواسطية، ومنهاج السنة. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (4/ 491 ترجمة 531)، والوافي بالوفيات (7/ 10 ترجمة 619).

(4) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز، شمس الدين أبو عبد الله، الزرعي، ثم الدمشقي. الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، العارف. ابن قيم الجوزية. تفقه في المذهب الحنبلي، وبرع وأفتى، ولازم شيخ الإسلام ابن تيميَّة. وكان ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة، ولهج بالذكر. له تواليف حسان؛ منها: "زاد المعاد"، و"بدائع الفوائد". ولد سنة إحدى وتسعين وست مئة، وتوفي سنة إحدة وخمسين وسبع مئة. انظر: البداية والنهاية (18/ 523 - دار هجر)، والذيل على طبقات الحنابلة (5/ 170 ترجمة 600).

(5) عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن باز. الشيخ العلامة الداعية الفقيه الزاهد. ولد في الثاني عشر من ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاث مئة وألف بمدينة الرياض، وكان بصيرا ثم أصابه مرض الجدري المنتشر في تلك الفترة، وضعف بصره ثم فقده عام خمسين وثلاث مئة وألف. حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض، ولما برز في العلوم الشرعية واللغة؛ عُين في القضاء. وشغل الإفتاء إلى أن مات -رحمه الله- قبيل فجر الخميس في السابع والعشرين من المحرم سنة عشرين وأربع مئة وألف. من مؤلفاته: "الفوائد الجلية في المباحث الفرضية"، و"التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة"، وغيرها كثير. انظر: علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (1/77)، وله ترجمة موعبة في موقعه على الشبكة العنكبوتية.

(6) البقرة: 229.

(7) البقرة: 228.

(8) النساء: 25.

(9) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (؟؟؟؟)، البيهقي (14722).

(10) الأحزاب: 49.

(11) الطلاق: 1.