موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أخذ الأموال بغير عوض - شرح فروع الفقه
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فروع الفقه لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح فروع الفقه
 المقدمة
 ترجمة المؤلف
 قسم العبادات - كتاب الصلاة
 الشرط الأول الطهارة من الحدث
 الطهارة الصغرى
 المسح على الخفين
 الطهارة الكبرى
 نواقض الطهارة
 الشرط الثاني الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ
 الشرط الثالث الْوَقْتُ
 الشرط الرابع ستر العورة
 الشرط الخامس اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ
 الشرط السادس النية
 أركان الصلاة القيام,تكبيرة الإحرام,قرأة الفاتحة
 تابع أركان الصلاة وَالرُّكُوعُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَالاِعْتِدَالُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ مِنْهُ، وَالطُّمَأْنِينَةُ
 تابع أركان الصلاة وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأُولَى، وَالتَّرْتِيبُ
 واجبات الصلاة
 المستحبات في الصلاة
 المباحات في الصلاة
 المكروهات في الصلاة
 المحرمات في الصلاة
 أقسام الصلاة من حيث التكليف فرض العين وفرض الكفاية
 تابع أقسام الصلاة من حيث التكليف -السنة
 صلاة الضحى
 صلاة الوتر
 صلاة التراويح
 صلاة الكسوف
 صلاة الاستسقاء
 سجود التلاوة
 حكم صلاة الجماعة وأحكام الأمامة
 أعذار ترك الجماعة
 صلاة الجمعة
 كتاب الزكاة
 المُزكي
 المُزَكًّى
 زكاة السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ-الإبل
 زكاة البقر و الغنم
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة و الخارج من الأرض
 الدافع و المدفوع له-مصارف الزكاة
 من لا تحق لهم الزكاة
 كتاب الصيام-على من يجب الصيام
 أقسام الصيام من حيث التكليف
 ما يفسد الصيام
 أعمال الصائم
 الاعتكاف
 كتاب الحج-شروط الحج
 أقسام الحج من حيث التكليف
 مكان الحج
 الإحرام
 المواقيت
 أنواع الإحرام
 التلبية
 محظورات الإحرام
 الفدية
 صفة الحج
 َأَرْكَانُ وواجبات الْحَجِّ والعمرة
 أحكام الأضحية والعقيقة
 كتاب الجهاد-حكم الجهاد والجزية
 على من يجب الجهاد
 آداب الجهاد
 أقسام الكفار
 الجزية-الأمان-العهد
 الغنائم
 المصالحة
 كتاب المعاملات
 شروط البيع
 الشروط في البيع
 الْخِيارُ
 الربا
 بيع السلم
 الإجارة
 القرض
 الرهن
 الضمان والكفالة
 الحوالة
 المتصرف
 الوكالة
 أنواع الشركات
 أخذ الأموال بغير عوض
 تابع أخذ الأموال بغير عوض
 إخراج الأموال بغير عوض
 الوقف
 تابع إخراج الأموال بغير عوض
 الوصية
 العتق
 كتاب النكاح-الزوج و الزوجة
 المحرمات
 الولي
 الصيغة
 الصداق
 كتاب الطلاق -الخلع
 الطلاق
 الظهار
 اللِّعَانُ
 الإيلاء
 كتاب الجنايات و الحدود- الجناية على النفس
 الجناية على الأعضاء
 حد الزنا
 حد القذف و شرب الخمر والسرقة
 حد قطع الطريق و البغي والردة والسحر
 كتاب الأقضية - شروط من يتولى القضاء
 الشروط في الشهود والمشهود عليه
 اليمين والإقرار
 كتاب الأطعمة و الأشرابة
 كتاب المواريث
شرح فروع الفقه - أخذ الأموال بغير عوض

(الحادي عشر: أخذ الأموال بغير عوض).

يقول: (الحادي عشر: أخذ الأموال بغير عوض)، يعني التعدي على الأموال، أخذها بغير عوض، ذكر أنه أربعة أقسام: (الأول العاريّة)، العارية إباحة نفع عين لمن ينتفع بها ويردها، كل عين فيها منفعة وأنت تحتاجها يوما أو نصف يوم، فتقول: أعرني هذا الكتاب أقرأ فيه، أعرني هذا القِدْر أطبخ فيه، أعرني مثلا هذا الصحن آكل فيه، هذا الثوب أتجمّل به، هذا الحذاء ألبسه يوما، مثلا هذا الفأس أحتطب بها، أو المسحاة أحفر بها، أو السكين أقطع بها، أو السلاح أقاتل به، أو نحو ذلك، تسمى عارية؛ كل عين بها منفعة ينتفع بها المستعير ويردها إذا انتهى عمله، إذا انتهت حاجتك من الكتاب، أو من الثوب مثلا، أو القِدر تردها، ولكن إذا تلفت؛ فعليك الضمان إذا ترك الثوب مثلا أو الكتاب أو سرق القدرة أو الصحن مثلا؛ فإنك تضمنه، يضمن عينها ويضمن أيضًا أجزاءها، لو نقص منها أجزاء؛ ضَمِنَها، لو تمزق من الكتاب أوراق؛ ضمن ذلك النقص مثلا، أو تَخَرَّقَ الثوب؛ ضمن نقصه، الذي في هذا التخرق وكذلك بقية أجزائها فيها تفصيل في فروع الفقه.

الثاني من الأموال التي بغير عوض: الوديعة، والوديعةُ المالُ المستودع عند إنسان. إذا كان عندك مال تريد أن تُودِعَه؛ لأنك تخاف عليه، أودعته عند زيد، هذا المال الذي هو ألف مثلا، وديعة عندك في هذه الحقيبة، أو هذا الكيس، لست بحاجته وليس عندنا مكان أجعله وديعة عندك تحفظه، كيس تمر، أو كيس بر، أو أرز، أو نحو ذلك، هذه الأواني وديعة عندك أستودعك هذه الكؤوس مثلا أو هذه الكتب أو هذه القدور أو هذه السكاكين وديعة تحفظها هذه مثلها.

فإذا تلفت؛ فلا ضمان عليك؛ لأنك محسن؛ حيث إنك في هذا حَفِظْتَها متبرعا بحفظها، فلا ضمان عليك، إذا تلفت هذه الوديعة سُرقت أو احترقت وهو لم يفرط؛ فلا ضمان عليه. أما إذا تَعَدَّى أو فَرَّطَ، إذا فتح الأبواب وتركها لمن يختطفها مثلا أو يسرقها، أو تعدى لبس الثوب مثلا، أو ركب السيارة، فسار عليها، وخربت مثلا أو اصطدم بها؛ فإنه متعدٍّ يضمن النقص.

الثالث من الأموال التي بغير عوض: الغصب، وهو الاستيلاء على حق الغير قهرا بغير رضا؛ كما في قوله -تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(1). غَصَبَ المال يعني أَخَذَه بالقوة بغير رضا صاحبه، وجاء في الحديث: «مَنْ غَصَبَ عَصَا أَخِيهِ؛ فَلْيَرُدَّهَا»(2). عصا إذا اغتصب عصا، فكل شيء يأخذه بدون عوض قهرا يُسمى غصبا، ويجب ردّه؛ لأنه يعتبر ظالما، فهذا الغصب كل من غصب مالا محترما. أما إذا كان المال ليس بمحترم، غصب خنزيرا، غصب خمرَ ذميٍّ، لكن إذا تلفت خمر الذمي؛ فلا قيمة لها. أما إذا غصبها وبقيت عنده وجاء الذمي، وقال: أعطني الخمر، عندنا مال، ولها قيمة فتردها، هكذا لا بد أن يكون المال محترما، فغير المحترم لا يلزم ردّه، مثلا غصب طبولا، أو غصب أشرطة غناء، أو غصب أفلاما وصورا خليعة مصورة هذه لا قيمة لها.

إذن: لا بد أن يكون المال محترما ممن حرم عليه قتله، أما إذا أخذها من الحريين؛ فإن الحريين أموالهم حلال، أو كان منتقلا إلى من حَرُمَ عليه قتله. هكذا يعني أن هذا المال وإن كان الآن في يد حربيٍّ لكنه وديعة لذمي أو نحوه، والذمي يحرُم علينا قتله، فإذا كان هذا المال سينتقل إلى ما حَرُمَ عليه قتله؛ وجب عليه رده، إذا تلف يضمنه بمثله إن وُجد له مثل، أو بقيمته؛ وذلك لأن الغاصب متعدٍّ فيُعامل بالشدة، إذا غَصَبَ أرضا؛ وجب عليه ردها، إذا أصاب شاة أو بعيرا أو سيارة أو ملعقة مثلا أو إبرة أو مخيطا أو حذاء أو نحو ذلك؛ اعتبر بذلك متعديا وظالما، ووَجَبَ عليه الرد، وإذا تلف ضمنه.

وكذلك يضمن أجزاءه، إلا إذا كان محرما، فإذا تلف منه شيءٌ بأن تَخَرَّقَ الثوبُ، أو بَلِيَتِ الحذاء، أو تَخَرَّقَ القِدْر من استعماله له، أو فُقِعَتْ عين البعير أو الشاة ونحو ذلك، أو كذلك نقص باستعماله له؛ فإنه يضمنه، إلا إذا كان ذلك محرما، فالمحرم لا قيمة له، إذا كان المغصوب أشرطة غناء، أفلاما خليعة فهذه لا قيمة لها.

الرابع من الأموال المأخوذة بغير عوض: المال الملتقط، واللُّقَطَةُ مال أو مُخْتَصٌّ ضَلَّ عن ربه وتَتْبَعُه هِمَّةُ أوساط الناس. ويدخل في ذلك الطفل الصغير إذا ضَلَّ، إذا وُجد صغير عمره أيام غالبًا أنه ولد غير رُشْد، يعني أن الزانية مثلا إذا ولدت نبذت ولدها في الطريق أو في مسجد أو نحو ذلك؛ حتى يأخذه من يكفله ويُسمى لقيطًا.

فالملتقَط إما آدمي أو مال، الآدمي هو الطفل المنبوذ، نُبِذَ أو ضَلَّ، يُنفق عليه مما وُجد معه، وإذا لم يوجد معه شيء؛ فينفق عليه من بيت المال، حتى يبلغ ويرشد وهو فرد، ما لم يكن في بلد كفار لا مسلمَ فيها، فإنه يصير مملوكا إذا كان ذلك الطفل الذي وُجد كان في بلد كفار، ووجد في هذه الحال يحكم بأنه مملوك، من وجده؛ فإنه عبد له ورقيق. وأما إذا كان في بلاد الإسلام ولو كان فيها ذميون؛ فالأصل أنه يكون حُرًّا.

ذكروا بعد ذلك أن المال الملتقط ثلاثة أقسام، اللقطة هي من المال ثلاثة أقسام:

الأول: ما لا تتبعه ذمة أوساط الناس.

الثاني: ما يمتنع من صغار السباع.

الثالث: المال غيرهما.

وقالوا أيضا: إن الناس ثلاثة أقسام: قسم دَنِيء الهمة، وقسم رفيع الهمة، وقسم متوسط.

فدنيء الهمة: لو سقط منه ريال؛ حرص يطلبه، من وجد لي ريالا؟! يطلبه ويبحث عنه يوما وأياما، إما لأنه محتاج وفقير وإما لأنه دنيء الهمة.

أما رفيع الهمة؛ فقد يسقط منه مئة أو ألف ولا يَهتم لها، لو سقطت أو ذهبت؛ يأنف أن يرجع، ويقول: من وجد لي مئة؟! من وجد لي مئتين سقطت في هذا الطريق؟! لا يرجع، لا، بل يتركها. وهكذا أيضًا قِيَمُها لو سقطت منه مثلا أقمشة هذه الأقمشة قيمتها مثلا مئتان ثلاث مئة سقطت منه من سيارته أو نحو ذلك؛ لا يرجع ويطلبها ولا يهتم منها.

هؤلاء الذين هممهم رفيعة، سائر الناس هم الذين يكونون متوسطين، غالب الناس إذا سقطت منه ريال أو خمسة أو ما قيمته كذلك لا يهتم منها ولا يرجع لطلبها، وأما إذا سقط منه عشرة أو عشرون؛ فإن لها وقفا عنده فيرجع ويطلبها هذا غالب الناس.

فالحاصل أن اللقطة ثلاثة أقسام؛ الأول: ما تتبعه همة أوساط الناس. الثاني: ما يمتنع من صغار السباع. الثالث: بقية الأموال.

فالذي لا تدفعه الهمة إذا سقطت منه مثلا ملعقة، أو سكينُ خُضرةٍ، أو نحوها أو ريال أو نصف ريال، يعني شيء يسير؛ فهذا يملكه من التقطه، لكن لو رجع إليه وقال: من وجد لي ريالا؟ فإنه يدفعه إليه، وإلا؛ فإنه يملكه ملتقطه، وينتفع به إلى أن يوجد ربه ولا يلزمه أن يعرف لا يلزمه أن يقول: من صاحب الريال؟! من فقد ريالا؟! لا يقول ذلك؛ لأنه لا تتبعه همة أوساط الناس.

الثاني: البهائم التي تمتنع من السباع، ومن الذئاب، مثلا الإبل تمتنع من الذئاب، إذا جاءه ذئب؛ فإنه يرفصه أو يعضه، ولذلك لا تفترس عادة الإبل، وكذا البقر، البقر أيضًا تحتمي تنطحه أو تعضه ولا يقدر على أن يقربها.

وكذا الخيل، الخيل لسرعتها تهرب ولا يستطيع أن يدركها، فهذه لو وجدتها بالبراري؛ فلا تلتقطها، النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن ضالة الإبل فغضب، وقال: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»، فلا يجوز التقاطها.وأما الغنم؛ فسئل عنها، فقال: «خُذْهَا؛ فَهِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»(3)؛ لأنها غالبًا تفترس إذا جاءها ذئب؛ افترسها، ولا يستطيع يعني غالبًا الناس لا يكونون معها دائما، فإذا ضلت وجدتها في أيّ شعب أو في برية فخذها وعَرِّفْها، يلتقط ويعرف سنة، وبعد ذلك يكتب صفاته، يكتب: "إني وجدت في اليوم الفلاني مئة أو ألفا، في كيس كذا وكذا، الجرم كذا، والعدد كذا وكذا، ويذكر أيضًا صفاتها أنها من فئة مئة أو من فئة الخمسين والعشرين ونحو ذلك، يملكها بعدما يعرفها سنة، حتى يأتيها ربها.

الآن الأشياء التي تُملك بغير عوض، تقدم أربعة، والخامس: الهبة، والعطية. الهبة جائزة، وقد تكون مستحبة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا»(4)، الهبة والهدية تدفع وحر الصدر عنه، إذا أهديت إليه؛ ذهب ما في صدره من البغضاء والحقد، وما أشبه ذلك، فهكذا الهديّة، وكذلك العطيّة، يملكها إذا قبضها وقبل القبض لا يَملكها، وفيها تفاصيلُ مطولة مذكورة في أماكنها، ولكن لا تملك إلا بالقبض، فلو قال: وهبتك الشاة الفلانية التي مع غنمي أو البعير التي مع إبلي؛ فإنك لا تملكها حتى تقبضه، فلو مثلا مكث قبل القبض خمسة عشر يوما، ثم ولدت الشاة، فالولد ليس لك؛ لأنه ما دخل في ملكك، إنما تدخل في القبض، وإذا قبضها الموهوب؛ حَرُمَ الرجوع فيها، حتى قال -صلى الله عليه وسلم: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»(5)، قال قتادة(6): "ولا أعرف إلا أن القيء حرام"(7)؛ ذلك لأنه مستقذر، الكلب يعود فيه، الكلب أو الذئب مثلا إذا امتلأ بطنه وضايقه ذلك الأكل أخرج هذا القيء من بطنه وتركه على الأرض، فبعد ساعتين أو ثلاث ساعات يأتي ويأكله يأكل قيئه، فلذلك قال: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ»(8).

السادس مما أخذ بغير عوض: المأخوذ من الزكاة، ولا يَحِلُّ له إلا لمن هو أهل أن يأخذ من الزكاة، وإلا؛ فلا يجوز له ذلك.

(السابع: المأخوذ من مال الغنيمة)، إذا غنموا غنيمة من الكفار؛ فإن ذلك المال نأخذه بغير عوض، قاتلوا عليه وأخذوه بالقوة والغلبة فيقسمونه بعد إخراج الخمس.

(الثامن: الرشوة)، تؤخذ بغير عوض، وهي محرمة، خصوصا إذا كان يترتب عليها مَيْلٌ عن الحق، وحكم بالباطل، إذا أخذ الحاكم القاضي؛ فإنها حرام، وجاء في الحديث: «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ»(9)، وفي الحديث: «الرِّشْوَةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحَاكِمِ»(10)؛ يعني أنه إذا أخذ رشوة؛ فإنه يَميل عن الحق ويحكم بالباطل لذلك الذي رشاه.

(التاسع: الهدية)، الهدية غير الهبة والعطية، الهدية مباحة لغير الحاكم إذا لم يكن له من المهدي عادة، فلا يجوز لهذا الحاكم أن يقبل هدية، لماذا؟ مخافة أن يُتهم ويُقال: إنه حكم لفلان الذي أعطاه الذي رشاه بكذا وكذا الذي أهدى إليه، فلأجل ذلك لا يقبل الحاكم هدية، إلا إذا كان ذلك المهدي ليس له قضية وكان يهدي له من قبْل أن يتولى الحكم، وإلا؛ فإنها تكون غلولا «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ».

(العاشر: أرض الموات)، مملوكة لمن أحياها، في الحديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً؛ فَهِيَ لَهُ»(11)؛ وذلك لأن الأرض الموات ليس لها مالك، فإذا سبق إنسان إلى أرض موات وحفر فيها بئرا، ووصل إلى الماء؛ ملكها وملك ما حولها زرع فيها غرس فيها، تَحَجَّرَها بحائط بجدار مدور عليها؛ ملكها.

 فالأرض مملوكة لمن أحياها تصل إليه بغير عوض، ولكن يرى بعض العلماء أنه لا يملكها إلا بإذن من الدولة -أي بإذن من الإمام-، هكذا عند الحنفية، ولعل ذلك مخافة الإضرار أن كل أحد يأتي إلى أرض ويملكها، ويقول: ليست ملكا لأحد ويضر بها جيرانه أو يضر بها أهل البلد أو نحو ذلك، فالأولى أن توقف على إذن الإمام.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقطع بعض الناس أرضا كما أقطع رجلا يقال له: أبيض بن حمال(12)، أقطعه أرضا وشرط عليه أن لا يمنع الدواب أن ترعى فيها ونحو ذلك(13).

(الحادي عشر: الركاز)، وهو دِفْنُ الجاهلية، مملوك لمن وجده بعد الخمس، جاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»(14)؛ وذلك لأنه يعتبر غنيمة. ذكر بعض البوادي أنهم أرادوا أن ينزلوا في أرض ومعهم بيوت الشعر، والعادة أن فيها أوتادا يغرسون تلك الأوتاد في الأرض، ولما أرادوا أن يغرسوا ذلك الوتد؛ راود في حديد، فحفروا ذلك الحديد ووجدوا كنزا، وجدوا قدرا مملوءا من ذهب وفضة هذا يسمى رِكَازًا. فإن كان عليه علامات الكفار؛ فهو لمن وجده، ويخرج منه الخمس؛ لاعتباره غنيمة، وإن كان عليه علامات الكفار؛ فهو لُقَطَةٌ، وعليه أن يُعَرِّفَه، وقد ينقطع أهله. ذكروا أن هناك كنزا في أصل جبل مات أهله وانقرضوا ولم يعرفه أحد جاء رَئِيٌّ من الجن، وأيقظ إنسانا، وقال: اغتنم يا فلان! الكنز الذي في المكان الفلاني، فجاء على جمل وأناخ عنده وحفره ووجد كنزا، قد يساوي خمس مئة ألف أو ألف ألف وليس له أحد وهو عملة قديمة قد يكون له خمس مئة سنة، فإذا لم يكن له أهل فإنه لمن وجده ولكن يُخرج منه الخمس؛ لاعتباره من الغنائم.

(الثاني عشر: المعادن)، مملوكة لمن وجدها، ولكن إذا كانت في أرض إنسان أو في بستانه؛ فليس لأحد أن يأتي ليأخذها هي؛ لأن صاحب البستان وصاحب الأرض التي قد سورها وأحاطها أحقّ بها، مهما كانت تلك المعادن، لكن للدولة أن تتصرف فيها، ذكروا في المنطقة الشرقية عثر على بترول في وسط بستان إنسان وهذا البترول عميق في الأرض. فقالوا لصاحب البستان: نشتري منك بستانك، فقال: لا، فقالوا: إذن دعنا نحفر، نحفر في هذه الأرض حتى نخرج هذا البترول فامتنع إلا أن يكون له نصفه، ولما امتنع اشتروا أرضا بعيدة وحفروا فيها وجعلوا ذلك الحفَّار مائلا إلى أن وصل إلى ذلك البترول الذي في هذه الأرض واستخرجوه، هذا مملوك لمن وجده.

وهكذا سائر المعادن مَنْ وَجَدَها؛ فإنها له لكن إذا كانت فيها نفع أكثر؛ فليس له أن يَتَحَجَّرَها، فعندنا مثلا معدن الملح، إذا كان كذلك الناس لا يُمنعون يأخذ هذا حاجته وهذا حاجته، ولكن إذا عمل إنسان فيه واستخرج منه أكياسا؛ فإنه أحق بها؛ لأنه ملكها.

معدن الجصّ كان في الرياض أماكن يستخرجون منها حجارة يحرقونها، ثم تكون جصّا ويبيعونه، ولكن منعوا بعد ذلك لما جاءت شركة هذه شركة جبس، كذلك لو وَجد معادن ثمينة؛ فإنها له، لو حفر ووجد عين ذهب، أو حديد، أو فضة، أو رصاص؛ فإنه يملكها من وجد هذا المعدن مَلَكَه أيًّا كان ذلك المعدن.

ويوجد معادن في كثير من البلاد يكون هذا معدن حديد، وهذا معدن، نحاس، وهذا معدن، وهذا رصاص، ويأخذون منه ويعملون هذه الأشياء، وهذه السيارات، ووهذا الحديد وما أشبهه. فالحاصل أن المعادن مملوكة لمن وجدها.

الثالثَ عشرَ: هكذا تُقرأ؛ الثالثَ عَشَرَ، الرابعَ عَشَرَ، الخامسَ عَشَرَ، السادسَ عَشَرَ، السابعَ عَشَرَ، الثامنَ عَشَرَ، التاسعَ عَشَرَ، وذلك لأنه من الأعداد الْمُرَكَّبَة، ولا يجوز رفعه إلا قبل العشرة؛ الخامسُ، والسادسُ، والسابعُ، أو ما فوق العشرين، الثالثُ والعشرون، الرابعُ والعشرون، الخامسُ والعشرون، وما أشبه ذلك هذه تكون مرفوعة.

يقول: (الثالث عشر: الكنوز)، مملوكة لمن وجدها إن لم يكن في أرض مملوكة، وقد تدخل فيها الركاز، والركاز ما وُجد من دِفْنِ الجاهلية، كذلك الكنوز، الكنوز هي الأموال التي تكنز في الأرض فمن وجدها، فإنه يملكها إلا أن يَتَوَرَّعَ عنها. ورد في حديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ رَجُلاً بَاعَ بُسْتَانًا، ثُمَّ إِنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَجَدَ فِيهِ كَنْزً،ا فَرَجَعَ إِلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ: خُذِ الْكَنْزَ؛ فَإِنِّي مَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ إِلاَّ الْبُسْتَانَ، فَقَالَ الْبَائِعُ: أَنَا بِعْتُكَ الْبُسْتَانَ وَالَّذِي فِيهِ، وَلاَ أُرِيدُ هَذَا الْكَنْزَ»، هذا تورع وهذا تورع، «فَجَاءَهُمْ رَجُلٌ كَالْحَاكِمِ، وَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَوْلاَدٌ؟، قَالَ: لأَحَدِهِمْ ابْنٌ وَلِلثَّانِي بِنْتٌ، فَقَالَ: زَوِّجُوا الاِبْنَ بِالْبِنْتِ، وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا الْكَنْزِ، فَإِنَّه لاَ يَخْرُجُ عَنْكُمْ»(15).

فالكنوز الأموال المدفونة في الأرض إذا انقطع أهلها ووجدت؛ فإنها لمن وجدها، فإن كانت في أرض مملوكة، فلا يجوز أن يتأنى، لا تأتِ إلى أرض مملوكة مسورة، وتقول: أحفر فيها أطلب كنوزا.

أما إذا وجدت مثلا في كهوف؛ فإنها لمن وجدها، يوجد في بعض الجبال أن بعض الدول كان عندهم أموال من الذهب ونحوه ودفنوها في جبال تحت حجارة وفي غيران من الجبال وانقطعوا وذهبوا ومات الذين يعرفون مكانها، فإذا وجدت؛ فهي لمن وجدها، يقولون وجد هذا الكنز الذي قد يساوي ملايين ذهب، فهو يملكه. لكن ذكروا أن إنسانا وجد هيكلا - يعني شبه صنم، معظم مصور على صورة صنم معظم، فقال: هذا صنم من ذهب، وله قيمة، وهو على هذه الصورة إذا بعته؛ فقد يكون فيه عشرة ملايين، وإذا كسرته وبعته قطعا فقد لا يساوي إلا مليون.

فبعض المشايخ رخصوا في بيعه وهو على هذا، ولكن الآخرون كبار العلماء منعوا ذلك، فقالوا: إن بيعه وهو على هذا الوضع يعتبر إعانة على الشرك؛ لأنهم يُعَظِّمُونه، ولأنهم يَعبدونه ويحترمونه، فلا يجوز إلا بعد تحطيمه وتكسيره يباع قطعا هذا هو الأصل.


(1)  الكهف: 79.

(2) حسن: أخرجه أحمد في المسند (17941- 17943)، أبو داود: كتاب الأدب، باب مَنْ يَأْخُذُ الشيء عَلَى الْمِزَاحِ، (5003)،الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء دماؤكم وأموالكم عليكم حرام، (2160)،بنحوه، قالالترمذي: حسن غريب، من حديث يزيد بن السائب، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن.

(3) متفق عليه: أخرجهالبخاري: كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، كتاب اللقطة، باب ضآلة الإبل، (91، 2372، 2427، 2428، 2429، 2436، 2438، 5292، 6112)،مسلم: كتاب اللقطة، (1722) من حديثزيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه.

(4) حسن: أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (594)، أبو يعلى في مسنده (6148) من حديثأبي هريرة؛ قالالألباني في صحيح الأدب المفرد: حسن.

(5) متفق عليه: أخرجهالبخاري: كتاب الهبة وفضلها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، (2589، 2621، 6975)، مسلم: كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل، (1622) من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما.

(6) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، وقيل:قتادة بن دعامة بن عكابة، حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه، وسدوس: هو ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة من بكر بن وائل. كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. كان يقول: يقول: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا، وعنه قال: ما سمعت شيئا إلا وحفظته. قالابن حجر في التقريب: ثقة ثبت. مات سنة سبع عشرة ومئة. انظر: تهذيب الكمال (23/ 498 ترجمة 4848)، والسير (5/ 269 ترجمة 132).

(7) أخرجهأحمد في المسند (2646) عنقتادة عقب رواية الحديث.

(8) تقدم تخريجه في الحديث قبل الماضي. سبق تخريجه.

(9) صحيح: أخرجهأحمد في المسند (23601)، من حديثأبي حميد الساعدي؛ صححه الألباني في "إرواء الغليل" (8/366).

(10) ذكرهابن القيم في بدائع الفوائد (3/666) عنكعب الأحبار به موقوفا.

(11) حسن: أخرجهأبو داود: كتاب الخراج، باب فِى إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، (3073)، والترمذي كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات (1378) قال الترمذي: حسن غريب، قالالألباني في صحيح أبي داود: حسن. من حديث

بن مرثد المأربي السبائي وجاء أنأبيض بن حمال كان بوجهه حزازة وهي القوباء فالتقمت أنفه فمسح النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه فلم يمس ذلك اليوم؛ قال البخاري وابن السكن: له صحبة وأحاديث. يُعد في أهل اليمن. انظر: الاستيعاب (ص: 73 ترجمة 143)، والإصابة (1/23 ترجمة 19).

(13) حسن لغيره: أخرجه أبو داود: كتاب الخراج، باب مَا جَاءَ فِى حُكْمِ أَرْضِ الْيَمَنِ (3028، 3064)، الترمذي: كتاب الأحكام، باب القطائع (1380)، قالالترمذي: غريب،ابن ماجه: كتاب الرهون، باب إقطاع النهار والعيون (2475) من حديثأبيض بن حمال؛ قالالألباني في صحيحأبي داود: حسن لغيره.

(14) متفق عليه: أخرجهالبخاري: كتاب الزكاة، باب في الركاز الخمس (1499، 2355، 6912، 6913)، ومسلم: كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، (1710) من حديثأبي هريرة.

(15) متفق عليه: أخرجهالبخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، (3472)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين، (1721) من حديثأبي هريرة.