موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الجهاد-حكم الجهاد والجزية - شرح فروع الفقه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فروع الفقه لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح فروع الفقه
 المقدمة
 ترجمة المؤلف
 قسم العبادات - كتاب الصلاة
 الشرط الأول الطهارة من الحدث
 الطهارة الصغرى
 المسح على الخفين
 الطهارة الكبرى
 نواقض الطهارة
 الشرط الثاني الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ
 الشرط الثالث الْوَقْتُ
 الشرط الرابع ستر العورة
 الشرط الخامس اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ
 الشرط السادس النية
 أركان الصلاة القيام,تكبيرة الإحرام,قرأة الفاتحة
 تابع أركان الصلاة وَالرُّكُوعُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَالاِعْتِدَالُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ مِنْهُ، وَالطُّمَأْنِينَةُ
 تابع أركان الصلاة وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأُولَى، وَالتَّرْتِيبُ
 واجبات الصلاة
 المستحبات في الصلاة
 المباحات في الصلاة
 المكروهات في الصلاة
 المحرمات في الصلاة
 أقسام الصلاة من حيث التكليف فرض العين وفرض الكفاية
 تابع أقسام الصلاة من حيث التكليف -السنة
 صلاة الضحى
 صلاة الوتر
 صلاة التراويح
 صلاة الكسوف
 صلاة الاستسقاء
 سجود التلاوة
 حكم صلاة الجماعة وأحكام الأمامة
 أعذار ترك الجماعة
 صلاة الجمعة
 كتاب الزكاة
 المُزكي
 المُزَكًّى
 زكاة السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ-الإبل
 زكاة البقر و الغنم
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة و الخارج من الأرض
 الدافع و المدفوع له-مصارف الزكاة
 من لا تحق لهم الزكاة
 كتاب الصيام-على من يجب الصيام
 أقسام الصيام من حيث التكليف
 ما يفسد الصيام
 أعمال الصائم
 الاعتكاف
 كتاب الحج-شروط الحج
 أقسام الحج من حيث التكليف
 مكان الحج
 الإحرام
 المواقيت
 أنواع الإحرام
 التلبية
 محظورات الإحرام
 الفدية
 صفة الحج
 َأَرْكَانُ وواجبات الْحَجِّ والعمرة
 أحكام الأضحية والعقيقة
 كتاب الجهاد-حكم الجهاد والجزية
 على من يجب الجهاد
 آداب الجهاد
 أقسام الكفار
 الجزية-الأمان-العهد
 الغنائم
 المصالحة
 كتاب المعاملات
 شروط البيع
 الشروط في البيع
 الْخِيارُ
 الربا
 بيع السلم
 الإجارة
 القرض
 الرهن
 الضمان والكفالة
 الحوالة
 المتصرف
 الوكالة
 أنواع الشركات
 أخذ الأموال بغير عوض
 تابع أخذ الأموال بغير عوض
 إخراج الأموال بغير عوض
 الوقف
 تابع إخراج الأموال بغير عوض
 الوصية
 العتق
 كتاب النكاح-الزوج و الزوجة
 المحرمات
 الولي
 الصيغة
 الصداق
 كتاب الطلاق -الخلع
 الطلاق
 الظهار
 اللِّعَانُ
 الإيلاء
 كتاب الجنايات و الحدود- الجناية على النفس
 الجناية على الأعضاء
 حد الزنا
 حد القذف و شرب الخمر والسرقة
 حد قطع الطريق و البغي والردة والسحر
 كتاب الأقضية - شروط من يتولى القضاء
 الشروط في الشهود والمشهود عليه
 اليمين والإقرار
 كتاب الأطعمة و الأشرابة
 كتاب المواريث
شرح فروع الفقه - كتاب الجهاد-حكم الجهاد والجزية

وَالْخَامِسُ: الْجِهَادُ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَاجِبٌ مَعَ مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى: مُقَاتِلٍ، وَمُقَاتَلٍ، وَمَغْنُومٍ، وَمُصَالَحَةٍ.


جعل الجهاد من العبادات؛ لأنه قربة وفيه فضْل، وورد الترغيب فيه في أحاديثَ كثيرةٍ ذَكَرَ العلماء أن أكثر ما وردت في الأحاديث في الصلاة وفي الجهاد، وفي فضله وفي كيفيته وفي حكمه ونحو ذلك، وتُوجد في كتب الفضائل؛ كرياض الصالحين لَمَّا جاء إلى الجهاد؛ تَوَسَّعَ في إيراد الأحاديث التي فيها فضل الجهاد، وكذلك في كتب الأحكام أكثر فقهاء يُؤخرون الجهاد ويجعلونه مع الحدود، بعدما يذكرون المرتد ومن يُقام عليه الحد ونحو ذلك، يذكرون هناك الجهاد، ويذكرون تبعا له أحكام أهل الذمة وأحكام الأمان وأحكام المعاهدة، وما أشبه ذلك، وهكذا كانوا يفعلون.

ثم إن ابن قدامة -رحمه الله-(1) في كتابه المقنع اختار أن الجهاد يكون مع العبادات؛ لأنه عبادة وقربة، وبعض العلماء جعله ركنا من أركان الإسلام، يعني عَدَّ أركان الإسلام ستة؛ الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد؛ لأنه شُرِعَ لإظهار الإسلام ولنصره، والكفار قد لا يرجعون عن كفرهم إلا بالقوة، ولذلك يقول بعض الشعراء في العهد النبوي:

دعا المصطفى دهْرا بمكةَ لم يُجَبْ *** وقد لان مِنه جانبٌ وخِطَابُ

فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفِّه *** له أسلموا واستسلموا وأنابوا

يعني أنهم لَمَّا أظهروا القوّة عند ذلك تَقَبَّلوا وقبلوا، ودخلوا في الإسلام، وأظهر الله -تعالى- الإسلامَ بهذه القوة والجهاد.

فأولا كان المسلمون الذين بمكة مستضعفين لا يستطيعون أن يردوا عن أنفسهم، فآذاهم الكفار وشَدَّدُوا عليهم، واضطروهم إلى الهروب، إلى الهجرتين، ولما كان لهم قوة في المدينة؛ رُخِّصَ لهم بالقتال، نزل أولا مجرد الإذن؛ قال -تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(2)، مجرَّدُ إذْن قد أُذِنَ لكم فقاتلوا، واعلموا أن الله -تعالى- ينصركم، وأن الله على نصركم قادر، فاجتهدوا وقاتلوا، ونزلت آيات مكية أيضا في ذلك؛ قال -تعالى- في سورة غافر مع أنها مكية: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ(3)، وفي سورة محمد وهي مدنية: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(4)، وفي سورة الحج قيل: إنها مكية، وقيل: مدنية، هذه الآيات وبعدها قوله -تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(5)، فهذا فيه الإذن.

ثم قال بعد ذلك لما ذكر حال المستضعفين ونحوهم، أخبر -تعالى- بأنه قادر على نصرهم، وأنه لو سُلط عليهم الكفار لأنهم أفسدوا عليهم؛ ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم ببَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(6)، فلما قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ(7)؛ عرف المسلمون أنهم منصورون إذا جاهدوا؛ حيث وعدهم الله، وعدهم أن ينصرهم إذا نصروه وإذا قاموا بهذا الجهاد.

وقد حقق الله النصر والظهور، فأوَّل الوَقعات المشهورة غزوة بدر، خرج المسلمون ثلاث مئة وبضعة عشر، لم يستعدوا للقتال، خرجوا من أجل مُلاقاة العير، وكان فيها نحو أربعين رجلا، عازمين على أنهم يقاتلونهم ويغنمون هذا العير الذي فيه هذه الأموال وهذه التجارة، فخرج المشركون وقد قربوا من الألف، ولما تقابلوا؛ نَصَرَ الله المؤمنين، والمشركون ثلاثة أضعافهم ومع ذلك حصل النصر، هكذا جاء نصر الله لهم لما أنهم صبروا وصابروا وجدّوا واجتهدوا.

وكذلك سائر الوقعات مع الكفار ينزل الله -تعالى- نصره فيغنمون ويرجعون سالمين، ويظهرون على المشركين إلى أن انتشر الإسلام، نزل أولا الإذن، ثم نزل بعد ذلك قتال من قاتلهم في قوله -تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ(8)؛ أي من قاتلكم؛ فاقتلوه، إلى قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ(9)، ونزل أيضا قوله -تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(10)، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بهِ(11)، ونحو ذلك من الأدلة، فكانوا يُقاتلون مَن قاتلهم.

ولَمَّا انتشر الإسلام وظهر وقوي؛ نزلت آيات السيف، الآيات التي فيها آيات المشركين كلهم؛ مثل قوله -تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ(12)، هكذا أمروا بأن يقاتلوهم؛ لأنَّهم كفار ولا يتركون قِتالهم إلا إذا أنابوا وأسلموا ووَحَّدُوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهكذا.

ثم نزلت الآيات بذلك، فنزل قتال اليهود والنصارى وأهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية؛ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(13)، فشُرِعَ قتال أهل الكتاب إلى أن يُعطوا الجزية.

وذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الجزية لا تُؤخذ إلا من أهل الكتاب ومن تبعهم، وألحقوا بهم المجوس، ثم أُمِروا بعد ذلك بقتال جميع الكفار، ونزل قوله -تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ(14): ابدأوا بالأقرب فالأقرب، فعمل بذلك الصحابة، لما مات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدؤوا بالعرب الذين ارتدوا، فقاتلوهم إلى أن رجعوا إلى الإسلام، ثم قاتلوا الذين صدقوا المتنبئين فنصرهم الله عليهم، وبعدما صَفَتْ هذه الجزيرة، ولم يبق فيها شرك؛ بدؤوا بعد ذلك بالكفار الآخرين، فغزوا بلاد الروم بالشام ونحوها، فغزوا تلك البلاد وقاتلوا إلى أن فتحوا الشام، وفتحوا مصر وكلها كانت للنصارى، وبعد ذلك غَزَوْا بلاد العراق، وفيها مجوس فغزوهم وطاردوهم إلى أن طاردوا المجوس، واستَوْلُوْا على البلاد في سنواتٍ عديدة، هكذا غزوا تلك البلاد، ما قالوا: ننتظر حتى يغزونا ثم نردهم، بل قالوا: نقاتلهم، صدقوا قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا»(15)؛ يعني قالوا: نقتل كل الكفار إلى أن يعطوا الجزية، نقاتلهم إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية.

وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يرسل الغزاة، وفي حديث بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه-(16) أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إذا أَمَّرَ أميرا على سرية أو جيشا؛ أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، وقال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغْلُوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ فَادْعُوهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتَهُنَّ أَجَابُوكَ لَهَا؛ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ؛ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ؛ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُهَاجِرُوا يَكُونُوا كَالأَعْرَابِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ؛ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ» إلى آخر الحديث(17).

يُفهم من هذا الحديث أن الجزية تُطلب من جميع الكفار، وإلى ذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية(18)، فإنه يرى أن طلب الجزية من أي دولة من الأعراب، أو من البربر، أو من المشركين، أو من الجاهليين، أو من الهندوس، أو من أيّ ديانة إذا بذلوا الجزية والتزموا بشعائر الإسلام والتزموا بأحكامه، فإنها تقبل منهم وتُكف عنهم وتحقن دماؤهم، ولا يُقاتلون ويُؤَمَّنُون..

ولكن أكثر الفقهاء لا يجيزون الجزية إلا لأهل الكتاب والمجوس وأتباعهم؛ ذلك لأنهم مذكورون في الآية ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ(19)، وأن أهل الكتاب يَدَّعُون أنهم على دين سماوي، فلذلك يُتركون، ولأنهم إذا أخذت منهم الجزية وعاملهم المسلمون معاملة حسنة؛ دَعَاهُم ذلك إلى الإسلام، فدخلوا فيه، وصاروا مع المسلمين، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

فالحاصل أن الجهاد يجاهد مع كل بر فاجر، جاء ذلك في بعض الأحاديث وفي الآثار ويذكرون ذلك في العقيدة، الجهاد والحج قائمٌ مع كل أمير بَرًّا كان أو فاجرا، إذا كان فاجرا ففجوره على نفسه وَنَفْعُه من المسلمين، إذا حجوا كان معهم أمير، وإن كان هذا الأمير عنده بعض المعاصي، لكنه يَحميهم ويَحفظهم عن أن يعترضهم الأعداء الذين يقاتلونهم، والذين هم قطاع طريق، وكذلك إذا غزا بهم، ولو كان يشرب الخمر، ولو كان يَسمع الغناء، ولو نحو ذلك ولكن نفعهم للمسلمين؛ حيث إنه يجمعهم، ويؤنبهم، ويحثهم على الصبر وعلى مكابدة العدو إلى أن ينتصروا، فيقاتلون معه، يقاتلون حوله وأمامه وعلى جانبيه وخلفه، هذا معنى قولهم مع بر وفاجر، البر الصالح الأمير الصالح الذي يُصلح من معه، والفاجر العاصي الذي عنده عصيان، ولا يكون كافرا؛ فالأصل أن الكفار لا يقاتلون مع المسلمين هذا هو الأصل.

حكم الجهاد أنه فرض على الكفاية؛ أنْ يقوم به جماعة من المسلمين تَحْصُلُ بهم الكفاية وصَدّ الأعداء، هكذا فرض الكفاية، فروض الكفاية إذا قام بها البعض؛ كفى عن الباقين، المطلوب أن يقوم بها من تحصل به الكفاية الأهلية، هذا فرض الكفاية.

ولكن يجب مع مفاجأة العدو، فذكروا أنه يكون فرضَ عينٍ في ثلاثة حالات:

الحالة الأولى: إذا حضر الصدَّ؛ وجب عليه أن يثبت؛ قال الله -تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا(20)، وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ(21)، هذا دليل على أنه إذا غزوناهم وتقابلنا معهم لا يجوز لأحد الفرار والهرب، فليثبتوا ولينصرنَّهم الله كما وعدهم.

الحالة الثانية: إذا استنفرهم الإمام؛ يا فلان! انفر يا فلان! يا فلان! فمن داعهم؛ وجب عليهم وتَعَيَّنَ؛ قال الله -تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ(22)، ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(23)، ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ(24)، ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً(25)، دليل على من عينهم الإمام؛ وجب عليه النفور؛ لأن الإمام ينفر في مصلحة المسلمين.

الحالة الثالثة: فيما إذا فاجأهم العدو، إذا أهلك العدو بالبلد؛ تَعَيَّنَ على كل قادر صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، أن يقوم بصدِّ ذلك العدوّ الذي حصرهم إذا داهم العدو البلدة؛ تَعَيَّنَ على أهلها أن يردوه، إذا لم يفعلوا؛ فإن العدو سيتحكم فيهم، هذه ثلاث حالات؛ إذا حضر الصف، أو استنفره الإمام، أو دهمهم العدو..

 


(1) موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي ثم الحنبلي. الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام. مولده بجماعيل من عمل نابلس في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمس مئة. قدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، قرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقي، وكان شيخ الحنابلة. توفي يوم عيد الفطر سنة عشرين وسبع مئة. صنف التصانيف الحسنة؛ منها: "المغني" في الفقه المقارن، و"الكافي"، و"المقنع". انظر: سير أعلام النبلاء (22/165 ترجمة 112)، والذيل على طبقات الحنابلة (3/ 281 ترجمة 300).

(2) الحج: 39.

(3) غافر: 51.

(4) محمد: 7.

(5) الحج: 39.

(6) الحج: 40، 41.

(7) الحج: 40.

(8) البقرة: 190.

(9) البقرة: 191.

(10) البقرة: 194.

(11) النحل: 126.

(12) التوبة: 5.

(13) التوبة: 29.

(14) التوبة: 123.

(15) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (25)، مسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، (22) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-. وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وأنس وغيرهم.

(16) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أمضي الأسلمي قال ابن السكن: أسلم حين مر به النبي -صلى الله عليه وسلم- مهاجرا بالغميم. مات سنة ثلاث وستين. انظر: الاستيعاب (ص: 94 ترجمة 219)، والإصابة (1/286 ترجمة 632).

(17) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير،باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث(1731).

(18) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيميّة الحرّاني، ثم الدمشقي، الحنبلي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. برع في العلوم الإسلامية والآلية، وقمع الله به أهل الضلال، ونصر به أهل السنة. ولد سنة إحدى وستين وست مئة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله من المؤلفات: الواسطية، ومنهاج السنة. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (4/ 491 ترجمة 531)، والوافي بالوفيات (7/ 10 ترجمة 619).

(19) التوبة: 29.

(20) الأنفال: 45.

(21) الأنفال: 15.

(22) التوبة: 38.

(23) التوبة: 39.

(24) التوبة: 40.

(25) التوبة: 41.