موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تعريف الحديث المدرج - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - تعريف الحديث المدرج

تعريف الحديث المدرج

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-:

المُدرج هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع، إلا أنها من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ الراوي بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا .


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا النوع من الحديث مما يتعلق بالإدراج في المتن، والإدراج في المتن نوع من أنواع العلة في الحديث، لا يكتشف إلا بعد النظر في متونه وجمع طرقه.

وعرَّف المؤلف هذا النوع بتعريف بيَّن فيه أن الإدراج عبارة عن ألفاظ، وهذه الألفاظ هي الأقوال، فدل ذلك على أن الإدراج لا يكون في الأفعال، إنما هو خاص بالأقوال، ثم ذكر أن هذه الألفاظ يضيفها بعض الرواة.

والرواة ها هنا يشمل الصحابي فمن دونه، فإذا أضاف الصحابي قولا له، أو أضيف إلى الحديث شيء من قول الصحابي، أضيف إلى الحديث المرفوع شيء من قول الصحابي فهو مدرج، وإن أضيف إلى الحديث شيء من قول التابعي فهو مُدْرَج، وإن أضيف شيء من قول أتباع التابعين إلى الحديث فهو مُدْرَج، وكذلك لو أضيف شيء من قول التابعي إلى قول الصحابي، أو من قول أتباع التابعين إلى قول التابعي.

فهذا كله يعتبر من الإدراج الذي يضيفه بعض الرواة، والإدراج من بعض الرواة -كما سلف- يشمل الصحابي فمَن دونه فمثلا.

 

والإدراج من بعض الرواة -كما سلف- يشمل الصحابي فمن دونه، فمثلا: حديث أبي هريرة: « من كان مصليا منكم بعد الجمعة فليصل أربعًا، فإن كان له شغل صلى في بيته ركعتين، وفي المسجد ركعتين »(1) .

هذا الحديث إذا نظر إليه الناظر، ظنَّ أنه من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- كله، بينما التابعي أدرج في هذا الحديث، التابعي الذي هو أبو صالح عن أبي هريرة، أدرج في هذا الحديث، أو تبين ليس هو المدرِج، وإنما أدرج بعض الرواة، لكن تبين أن قوله: « فإن كان له شغل صلى »(1) أن هذا من كلام أبي صالح، فهذا من الكلام المدرج من بعض الرواة، الذي هو التابعي، إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

ومثله حديث الزهري عن أنس -رضي الله عنه-: « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دَخَل مكة وعلى رأسه المِغْفَر، وهو غير محرم، فقيل له: إن ابن خطل المتعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه »(2)

فقوله: « وهو غير محرم »(3) هذا إدراج في وسط المتن، وهذه الكلمة إنما هي من كلام الزهري، أو من كلام مالك بن أنس الراوي عن الزهري، فهو إدراج من كلام التابعي، أو من كلام تابع التابعي، وهذا إدراج في وسط المتن، حديث أبي صالح الذي تقدم: إدراج في آخر المتن، ومثله -أيضًا- الصحابي: إذا أدرج من كلامه شيئا في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ستأتي أمثلته -إن شاء الله- في بعض ما يأتي.

فالشاهد أن: بعض رواة هذه الكلمة، تشمل الصحابي فمن دونه، فإذا أُضيف شيء ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المرفوع -فهذا يسمى مدرَجًا، وإذا أُضيف إلى الموقوف ما ليس من كلام الصحابي -فهو يسمى مدرَجًا، وكل من أُضيف على كلامه كلام، ليس من كلامه-فيعتبر إدراجًا في كلامه.

وقوله: "متصلة بالمتن". هذا قوله: "متصلة" سواءً كان هذا الاتصال في أول الحديث، أو في وسطه، أو في آخره. وقوله: "متصلة بالمتن". المتن هذا -أيضًا- يشمل الموقوف والمرفوع، فإذا أُضيف إلى المرفوع شيء سُمِّي المضاف إدراجًا، وإذا أضيف إلى الموقوف شيء سمي المضاف مدرَجًا.

فمثلًا: حديثُ عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت قالت: « يكون علَيَّ أيامٌ من رمضان فلا أقضيها إلا في شعبان؛ للشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم »(4)

هذا كلام عائشة -رضي الله تعالى عنها- موقوف.

فقولها أو ما ورد في هذا الأثر، "للشغل برسول الله -صلى الله عليه وسلم-". هذا ليس من كلام عائشة وإنما هو مدرَج، وإنما هو من كلام يحيي بن سعيد الأنصاري، إن هذا الحديث جاء من رواية -يعني متصلًا بالإدراج من رواية- زهير عن يحيي بن سعيد، عن أبي سلمه عن عائشة -رضي الله عنها-، لكن بينت رواية ابن جريج عن يحيي بن سعيد، أن هذا من كلام يحيي بن سعيد؛ لأنه جاء في الحديث: قال يحيي بن سعيد: "فما ظننت إلا أن ذلك لمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها".

فهذا إدراج على كلام عائشة، وسمَّاه العلماء مدرَجًا، كما سمَّوا ما أُدْرِج على كلام النبي -صلى الله عليه سلم- مدرجًا، وقد يأتي -أيضًا- ذلك حتى في غير الموقوف على الصحابة، بل على مَن دونهم، وهذا كما في كتاب عمر بن عبد العزيز، لما كتب إلى أبي بكر بن حزم: يأمره بأن يكتب حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وقال: "خشيت من دروس العلم وذهاب العلماء". الإمام البخاري - رحمه الله - ذكر هذا الكلام ثم أدرج، أو قال كلامًا من نفسه مدرجا: "ولا تنقل إلا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولتفتشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم مَن لا يعلم".

فقوله: "ولا تنقل إلا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". هذا ليس من كلام عمر بن عبد العزيز، وإنما هو مدرج من كلام البخاري -رحمه الله- على كلام عمر بن عبد العزيز، قد بين هذا الإدراج الإسماعيلي في مستخرجه، والبخاري في...، وابن حجر في "تغليق التعليق".

ذكروا: "أن هذا من كلام البخاري" فهو إدراج على كلام عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه- وليس هو صحابيًّا، فدل ذلك على أن الإدراج يشمل الجميع. وقوله: "لا يبين إلا أنها من صلب الحديث". هذا يدل على شدَّة اتصال اللفظة المدرجة بالحديث، على معنى أن النَّاظر في هذا الحديث، يظن أنه مرفوع، وهذا الظن، أو هذا النظر، أو هذا الحكم إنما هو ابتداءً، إذا نَظَر إلى الحديث ابتداء ظن أنه كله حديث واحد، بينما هو فيه شيء من كلامه -صلى الله عليه وسلم-، أو من كلام الصحابي أو من دونه، وشيء من كلام الراوي.

ثم ذكر المؤلف -رحمه الله - ما يُستدل به على الإدراج، أو ما يعرف به الإدراج، فذكر أمرًا واحدًا: وهو أن الحديث يأتي من طريق آخر، هذه الطريق الأخرى تفصل، أو فيها تفصيل بين المرفوع، أو بين ما هو من صلب المتن وبين ما هو مدرج فيه، وهذه الأكثر عند أهل العلم أنهم يستدلون بهذا: إذا جاء الحديث من طريق بحثوا عن طُرقه الأخرى، فتتبين لهم بعد البحث أن هذه الطريق، أو هذه اللفظة التي بذلك الطريق، إنما هي مدرجة.

هذا هو الأكثر في معرفة النوع المدرج، فمثلًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: « أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار »(5) .

حديث أبي هريرة مرفوع عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: « أسبغوا الوضوء؛ ويل للأعقاب من النار »(5) وهذا الحديث الناظر فيه لأول وهلة، يظن أنه كله من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن بعد تتبع العلماء لهذا الحديث، وجدوا أنه على شقَّين:

الشق الأول: هذا من كلام الصحابي، من كلام أبي هريرة -رضي الله عنه-الذي هو: « أسبغوا الوضوء »(5) وقوله: « وويل للأعقاب من النار »(5) هذا هو المرفوع، هذا هو المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فأبو قَطَن وشَبَابة بن سوَّار، رويا هذا الحديث عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار »(5) فلو لم يرد إلا من هذا الطريق -لكان مرفوعًا بجميعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لما نظر في طرق الحديث تبين أن أصحاب شعبة وعامتهم، يروون هذا الحديث عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، أنه قال -يعني أبا هريرة-: « أسبغوا الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ويل للأعقاب من النار »(6) .

فهذه الرواية فصَلت ما كان مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، عما كان من كلام الصحابي، فدل ذلك على أن قوله: « أسبغوا الوضوء »(6) هذه مدرَجة من بعض الرواة، أضافوها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليست مضافةً إليه من حديث أبي هريرة، ومثل هذا الوهم غالبا ما ينشأ، إذا كان الحديث، أو إذا كان المتن، أو جزء من المتن، هذا إذا كان واردًا في أحاديث أخرى مثل حديثنا هذا، حديث: « أسبغوا الوضوء »(6) .

جاء فيه أو صح من حديث آخر غير حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -، لكن الإدراج إنما جاء في حديث أبي هريرة، فبعض الرواة قد يكن عنده ذلك الحديث، فيتوهم ويدخل عليه حديث في حديث آخر.

وأيضًا الإدراج يُعرف -كما ذكر العلماء- بأمر آخَر وهو: أن يكون هذا الكلام المذكور في متن الحديث من النبي -صلى الله عليه وسلم-، يستحيل أن يقوله النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يمتنع أن يقوله النبي-صلى الله عليه وسلم-، وهذا الامتناع مستفاد من نصوص الشريعة العامة، وأحواله -صلى الله عليه وسلم-، فيمثلون لذلك بحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبرُّ أمي، لوددت أن أموت وأنا مملوك »(7) .

فهذا الحديث ذكر العلماء أنه يمتنع أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قاله، يعني قد قال قوله: "والذي نفسي بيده..." إلى آخره، وهذا الامتناع جاء من جهتين:

الجهة الأولى: أن جهة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُمكن أن يتمنى لنفسه أن يكون مملوكًا، وهو قد أكرمه الله -تعالى- بأعلى المنازل، وهي منزلة النبوة والرسالة.

والثاني: قوله في الحديث، جاء القول الثاني في الحديث: "بر أمي". وأم النبي -صلى الله عليه وسلم- قد توفيت وهو صغير، فصار قطعًا من لفظ الحديث، ليس هذا مسلم، أو ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فصار كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: « للعبد المملوك الصالح أجران »(7) أما قوله: "والذي نفسي بيده..." إلى آخره.

هذا إنما هو من كلام أبي هريرة، أدرجه بعض الرواة في هذا الحديث، على أن الحديث -أصلًا- يتبين من طرقه أن هذا الكلام ذكر...، جاء في بعض طرق الحديث، قال أبو هريرة: "والذي نفسي بيده". ففصل في بعض الطرق ورد هكذا، لكن هذا يعني: كل هذه الأشياء تجعل الإدراج مجزومًا به مقطوعًا به، ولو لم يرد في الطرق الأخرى أن أبا هريرة - رضي الله عنه-، قال هذه المقولة.

ويمثلون لها-أيضًا- بحديث ابن مسعود: « الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل »(8) هذا إدراج في وسط المتن، وهو قوله: "ما منا إلا". يعني: وما منا إلا وله نصيب من الطيرة، أو يعتريه شيء من التطير. فهذه الكلمة قال العلماء: "هذه مدرجة جزمًا؛ لأنه يستحيل أن يضيف النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى نفسه شيئًا من الشرك؛ لأن في أول الحديث: « الطيرة شرك وما منا إلا »(8) .

يعني: له نصيب أو شيء من هذه الطيرة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يستحيل أن يضيف النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى نفسه شيئًا من الشرك. قالوا: "فهذه اللفظة إنما هي من حديث...، من كلام ابن مسعود -رضي الله عنه-" وهذا إدراج في وسط المتن.

وأيضًا هذا الحديث، أصلًا هذه اللفظة جاءت في بعض طرق الحديث، وفي بعضها ليست فيه، وهذا مما يقوي الإدراج، وأيضًا من طرق، أو الطرق التي ذكرها العلماء لمعرفة الإدراج: أن ينص الصحابي على الإدراج.

وهذا مثل حديث ابن مسعود: « من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به شيئًا دخل النار »(9) فهكذا الحديث جاء في بعض رواياته مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأجمعه، لكنَّ الروايات الأخرى بيَّنت أن قوله: « مَن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار »(9) هذا هو كلامُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال ابن مسعود: « وأخرى أقولها ولم أسمعها من النبي -صلى الله عليه وسلم-: مَن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة »(10) .

فاللفظة الثانية والجزء الثاني من الحديث، إنما هو من كلام ابن مسعود، وقد نص ابن مسعود على أنه من كلامه، فتبين بذلك أن رفع الحديث كلِّه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، إنما هو إدراج من بعض الرواة في قوله: « من مات لا يشرك به شيئًا دخل الجنة »(9) .

هذه هي الطرق التي ذكرها أهل العلم لمعرفة الإدراج، هذه هي الطرق التي ذكرها العلماء -رحمهم الله- لمعرفة الإدراج، والمؤلف ذكر واحدًا منها، وينبغي أن يطرح سؤال هنا:

ما الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة؟ وما الفرق بين الشذوذ والنكارة والإدراج؟ وهذه الأمور لا بد من الربط بين موضوعات مصطلح الحديث بعضها مع بعض؛ لأن أحيانا يكون بينها اشتراك في بعض المواضع، وأحيانا يكون بينها اختلاف في بعض المواضع، فزيادة الثقة هي عبارة عن كلمة، أو جملة يضيفها الراوي إلى متن الحديث، وكلامنا الآن متعلق بالمتن، فهذه الزيادة من الراوي الثقة، ما الفرق بينها وبين الإدراج؟

الإدراج هنا في المتن هو إضافة، الفرق بينهما أن: إذا تتبعنا روايات الحديث، فلم نجد فيه ما يفصل كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- عن غيره، لم نجد فيه ما يفصله عن غيره، فهذا يُسمَّى...، تأتي زيادة الثقة، أي ما في طرق الحديث ما يبين أن هذا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم- أو من كلام غيره، وكان كله جزءًا واحدًا، وفي بعض طرقه زيادة في اللفظ، أوردها بعض الرواة، هنا تأتي -وكان هذا الراوي ثقة- هنا تأتي زيادة الثقة، أما إذا تبين أنها من كلام بعض الرواة، فهنا يأتي الإدراج.

إذن إذا صارت الكلمة ليس عليها دليل يبين أنها مدرجة، وكان الراوي ثقة -فهذه زيادة ثقة، وإذا دل الدليل علي أنها متدرجة -انتفت زيادة الثقة، وأما الإدراج مع الشذوذ والنَّكارة فنقول: "إن الحديث إذا كان يرويه جماعة من الحفَّاظ، فجاء أحد الرواة بلفظةٍ -وكان هذا الراوي ضعيفًا- فهذه اللفظة: إما أن تكون مدرجة ونعلم إدراجها بتتبُّع طرق الحديث -كما سبق- يعني: إذا تبين لنا أنها بطرق الحديث: أن هذا كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا الكلام غيره، فهنا يأتي الإدراج من هذا الراوي الضعيف، فإذا لم نقف على دليل يدل على الإدراج -فيكون هذا الراوي بهذه الزيادة، أو تكون رواية، هذا الراوي الضعيف بهذه الزيادة شاذَّة أو منكَرة، كما سبق معنا في الشاذ والمنكر". نعم.


(1) مسلم : الجمعة (881) , والترمذي : الجمعة (523) , والنسائي : الجمعة (1426) , وأبو داود : الصلاة (1131) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1132) , وأحمد (2/442) , والدارمي : الصلاة (1575).
(2) البخاري : المغازي (4286) , ومسلم : الحج (1357) , والترمذي : الجهاد (1693) , والنسائي : مناسك الحج (2867) , وأبو داود : الجهاد (2685) , وابن ماجه : الجهاد (2805) , وأحمد (3/109) , ومالك : الحج (964) , والدارمي : المناسك (1938).
(3) البخاري : الجهاد والسير (2854) , ومسلم : الحج (1196) , والترمذي : الحج (847) , والنسائي : مناسك الحج (2824) , وأبو داود : المناسك (1852) , وابن ماجه : المناسك (3093) , وأحمد (5/301) , ومالك : الحج (786).
(4) البخاري : الصوم (1950) , ومسلم : الصيام (1146) , والترمذي : الصوم (783) , والنسائي : الصيام (2319) , وأبو داود : الصوم (2399) , وابن ماجه : الصيام (1669) , وأحمد (6/124) , ومالك : الصيام (686).
(5) البخاري : الوضوء (165) , ومسلم : الطهارة (242) , والترمذي : الطهارة (41) , والنسائي : الطهارة (110) , وأحمد (2/430) , والدارمي : الطهارة (707).
(6) البخاري : الوضوء (165) , ومسلم : الطهارة (242) , والترمذي : الطهارة (41) , والنسائي : الطهارة (110) , وأحمد (2/430) , والدارمي : الطهارة (707).
(7) البخاري : العتق (2548) , ومسلم : الأيمان (1665) , وأحمد (2/402).
(8) الترمذي : السير (1614) , وأبو داود : الطب (3910) , وابن ماجه : الطب (3538) , وأحمد (1/440).
(9) البخاري : الجنائز (1238) , ومسلم : الإيمان (92) , وأحمد (1/443).
(10)