موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الحديث المطروح - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - الحديث المطروح

الحديث المطروح

تعريف الحديث المطروح وأمثلته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-: الحديث المطروح ما انحط عن رتبة الضعيف، ويروى في بعض المسانيد الطوال وفي الأجزاء، بل وفي سنن ابن ماجه وجامع أبي عيسى مثل: عمرو بن شمر عن جابر الجعفي، عن الحارث عن علي، وكصدقة الدقيق عن فرقد السبقي عن مرة الطيب عن أبي بكر، وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وحفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة، وأشباه ذلك من المتروكين والهلكى وبعضهم أفضل من بعض .


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، هذا شروع في النوع الرابع من أنواع الأحاديث المضافة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بحسب قوتها، فهذه المرتبة الرابعة، فالأول الصحيح ثم الحسن، ثم الضعيف، ثم يأتي بعده المطروح؛ والمراد بالمطروح هو الحديث الضعيف جدا، ويدل على هذا أن المؤلف -رحمه الله- ذكره مرتبة بين الضعيف وبين الموضوع، وهذه صفة الحديث الضعيف جدا، ويعبر عن المطروح بالمطَّرَح والمتروك والهالك، قد يعبر عنه أيضا بالساقط، وقد يعبر عنه أيضا بالباطل في بعض الأحيان، وهذا الحديث المطروح صفته تتعلق بالراوي، ولكن من الجهة الأعم؛ بمعنى الجهة التي تشمل العدالة أو الضبط، فالحديث الضعيف الذي قبل هذا كان متعلقا بضبط الراوي إذا نزل عن مرتبة راوي الحديث الحسن.

وأما ها هنا فالمطروح له تعلق بالعدالة من جهة، وله تعلق بالضبط من جهة أخرى، فإذا اتهم الراوي في عدالته ولم يثبت القدح فيها ثبوتا بينا، فإن كثيرا من أهل العلم لا يحكمون عليه إلا بالضعف الشديد أو بالأوصاف التي تؤدي هذا المعنى، كـأن يقال هذا إسناد واه بمرة أو هذا إسناد واه جدا، أو ساقط أو هالك أو نحو ذلك من العبارات التي تشعر بضعف الحديث جدا.

على أن بعض أهل العلم كما سيأتينا إن شاء الله في الحديث الموضوع قد يطلق الموضوع على ما هو أدنى من هذا، خاصة مع تفرد الراوي بمتن الحديث الأصلي، والمطروح أيضا له تعلق آخر من جهة الضبط، وذلك أن الراوي إذا كثر خطؤه وفحش، وغلب على صوابه حكم على حديثه بأنه متروك، أو بأنه مطروح أو مطرح أو نحو ذلك من العبارات التي تشعر بالضعف الشديد، ومقياس هذا الذي يتبين به أو يحكم به على الحديث بأنه مطروح متعلق بمراتب الجرح، فإذا كان هذا الراوي في المرتبة التي لا يعتبر من أهلها، ولكنها دون الكذب، فهذا حديثه يسمى مطروحا أو يكون ضعيفا جدا، فإذا ورد عليك رجل في إسناد ما، فإن كان في إحدى المراتب التي ينص أهل العلم أنه لا يعتبر بحديث أهلها، فإنه حينئذ يكون حديثه مطروحا، ما لم يكن هذا الرجل موصوفا بالكذب أو وضع الحديث أو اختلاقه وافتعاله، فهذا هو الضابط، أو الحد الذي يمكن معه معرفة الحديث المطروح.

والمؤلف -رحمه الله تعالى- ها هنا ذكر أن هذا النوع قد انحط عن رتبة الضعيف، وهذا الانحطاط لم يبين المؤلف -رحمه الله تعالى- مقداره، وإنما هو مطلق، وإنما قال ذلك؛ لأنه جمع أو جاء بهذا النوع بين حديثين الضعيف الذي انحط قليلا وقصر قليلا عن رتبة الحسن وبين الموضوع، والرواة حتى الضعفاء جدا متفاوتون بينهم في الضعف، فمنهم من يكون قريبا من الضعيف، ومنهم من يكون قريبا من الكذاب، فهم مراتب متفاوتون؛ ولهذا أطلق المؤلف -رحمه الله- انحطاطه عن رتبة الحديث الضعيف.

لكن ينبغي التفريق بينه وبين الذي قبله، أن الذي قبله الحكم فيه عائد إلى ضبط الراوي فقط، وأما هذا فالحكم تارة مقرون أو ناتج عن العدالة، وتارة ناتج عن الضبط، فإذا فحش الخطأ وكثر غلب على الصواب حكم على حديثه بأنه مطروح أو ضعيف جدا، وإذا اتهم في عدالته ولم يقطع بها حكم على حديثه بأنه متهم بأنه ضعيف جدا أو هالك أو غير ذلك من العبارات.

والحد المعتبر الحد الذي يمكن القياس معه أو قياس راوي الحديث المطروح معه هو الرجوع إلى مراتب الجرح، فإذا قيل: كان في المرتبة التي لا يعتبر بأهلها، ولكنه لم يوصف بالكذب فهذا يكون حديثه مطروحا، أما إذا كان من المراتب التي يعتبر بأهلها، فهذا يعتبر حديثه ضعيفا؛ يصلح أن يكون شاهدا، يصلح للشواهد والمتابعات، وأما إذا كان لا يعتبر به فلا يصلح لا في الشواهد ولا في المتابعات.

ثم ذكر المؤلف أن هذا النوع يوجد في المسانيد والأجزاء، المسانيد هي الكتب المصنفة بحسب الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فيجمع فيها كل حديث صحابي على حدة هذا تسمى المسانيد مثل مسند الإمام أحمد، ففيه أحاديث أبي بكر مجموعة، ثم أحاديث عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة، ثم آل البيت وهكذا، ثم بقية الصحابة، كل صحابي تورد أحاديثه بقطع النظر عن موضوعها.

وأما بالنسبة للأجزاء فهي يراد بها الأحاديث التي يذكرها المحدث في كتابه، وهي متعلقة إما برجل أو متعلقة بموضوع، متعلقة برجل مثل جزء نافع بن أبي نعيم، مثل جزء الأشيب، مثل جزء ابن عيينة، مثل جزء ابن جريج، هذه تسمى أجزاء؛ لأنها متعلقة بأشخاص فيجمع ما توافر لديه من حديث هؤلاء الرواة.

وأما الموضوعات فمثل جزء القراءة خلف الإمام، وجزء رفع اليدين للبخاري، هذا جمع فيه أحاديث متعلقة بموضوع واحد، ووقوع هذا النوع في الأجزاء ظاهر، وخاصة في الأجزاء المتأخرة، وأما في المسانيد فأيضا هذا موجود، الأحاديث الواهية موجودة حتى في مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.

ومسند الإمام أحمد قيل: إن فيه أحاديث موضوعة، عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولكنها قليلة والعلماء في هذه المسألة في وجود الأحاديث الموضوعة في مسند الإمام أحمد متخالفون فمنهم من ينفي أن تكون من المسند، وإنما هي زوائد القطيعي على المسند، فهي ليست من صنيع الإمام أحمد -رحمه الله-، وهذا هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة.

وبعض أهل العلم يرى أنها من المسند، ولكنها ليست موضوعة وإنما هي واهية، وهذه طريقة بعض أهل العلم، ولكن الحافظ ابن حجر في كتابه القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد بعد دراسته لهذه الأحاديث تبين له أن فيها ما هو هالك فيها ما هو أرفع من ذلك، حتى بعضها يبلغ رتبة الحسن مما وصف بأنه موضوع، وبخاصة ما وصفه ابن الجوزي -رحمه الله- فإنه أدخل ثمانية وثلاثين حديثا من المسند في كتابه الموضوعات.

فالشاهد أن وجود الأحاديث الواهية في المسانيد موجودة في مسند الإمام أحمد، في مسند البزار، في مسند أبي يعلى، ولكنها قليلة بجانب ضخامة هذه المسانيد، وبخاصة مسند الإمام أحمد؛ ولهذا الحافظ الذهبي -رحمه الله- في السير ذكر أن مسند الإمام أحمد يوجد فيه من الأحاديث ما هو شبيه بالموضوع، قال: ولكنها قطرة من بحر، فهي مغمورة على قلتها بجانب ما حواه المسند مما يزيد على حوالي ثلاثين ألف حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فلو كان فيها عشرة، أو خمسة عشر أو عشرون أو ثلاثون أو خمسون أو مائة أو مائتا حديث أو خمسمائة حديث واهية كانت قليلة بجانب هذا العدد الضخم من روايات الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .

الأولون لا يقدح إيرادهم لهذا الحديث فيهم؛ لأنهم يسندون هذه الأحاديث وهم قد صنفوها لأهل الحديث، فالبصير بالحديث يتبين له من قراءة الإسناد أن هذا صحيح أو غير صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم إن المؤلف -رحمه الله- قد مثل بهذه النسخ من الرجال في هذا النوع من الحديث، وهو الحديث المطروح، وهؤلاء المذكورون في هذه الأسانيد ذكرهم الحافظ أو الحاكم في معرفة علوم الحديث ذكر أن هذه وصف هذه الأسانيد بأنها من أوهى الأسانيد، فأحدها أوهى أسانيد آل البيت حديث علي، والآخر أوهى أسانيد أبي بكر وأوهى أسانيد عمر، وأما جويبر عن الضحاك عن ابن عباس فلم يورده الحاكم.

فهذه أسانيد واهية معروفة عند أهل العلم، وأصحابها قد تكلم في ضبطهم تكلما شديدا، وتكلم في عدالتهم، وليس المراد كل السلسلة، وإنما المراد الراوي الأول المذكور منهم، وأما البقية فمنهم الثقة، ومنهم من هو دون ذلك، وبقطع النظر أيضا عن العلل الأخرى الموجودة في مثل هذه الأسانيد فمرة الطيب روايته عن أبي بكر -رضي الله عنه- مرسلة لكن ليست هي المقصودة، وإنما المقصود بالذات بالراوي الراوي الأعلى أو الراوي الأدنى الذي ذكره المؤلف، وهو الذي افتتح به الإسناد.

فهؤلاء المذكورون كلهم قد تكلم فيهم كلاما شديدا، حتى إن بعضهم قد كذب، لكن بما أنه لم يقطع بالكذب، لذلك كان حديثهم حديثا ضعيفا جدا، ووجود مثل هؤلاء الرواة في الأسانيد يوهيها ويضعفها جدا. والمؤلف -رحمه الله- اقتصر على جزئية متعلقة بضعف الحديث جدا، وهي إذا كان الكلام للراوي، ولكن عمل العلماء من القديم على أن الحديث يكون واهيا بأمور أكثر من هذا.

فمن الأمور التي ذكرها أهل العلم: الأمر الأول: إذا كان في الحديث راو ضعيف جدا، وهو الذي ذكره المؤلف ها هنا.

فمثلا: حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك الموقين على خفيه في غزوة تبوك ثلاثا، هذا حديث يصلح مثالا للمطروح؛ لأن في إسناده جعفر بن الزبير الحنفي، وهو متروك، وهو من رجال ابن ماجه، ورجال ابن ماجه، أو سنن ابن ماجه هي من أضعف الكتب الستة، بل هي أضعف الكتب الستة، وخاصة فيما تفرد به ابن ماجه -رحمه الله-.

فالذهبي -رحمه الله- ذكر أن فيها نحواً من ألف حديث ليست بحجة، والحافظ المزي -رحمه الله- ذكر أن غالب أحاديث ابن ماجه أو التي تفرد بها ابن ماجه غالبها ضعيف، وسنن ابن ماجه فيها الواهيات وفيها بعض الموضوعات ولكنها قليلة كما نص على ذلك أهل العلم.

وأما بالنسبة للترمذي، وهو الذي قرنه المؤلف معه في هذا، فالترمذي جامعه ذكر الذهبي أن فيه الواهيات، وفيه أيضا الموضوع، لكن هذا الكلام من الذهبي -يعني- يرده كلام الحافظ ابن رجب، وهو أدرى بهذا الكتاب؛ لأنه شرحه، وتكلم عليه في أسانيده ومتونه فذكر أن الترمذي -رحمه الله-، لم ينفرد أو لم يخرج لواحد من هؤلاء المتهمين بالكذب باتفاق، لم يخرج له إسنادا مفردا، وإنما خرج حديثه لكونه قد وقع الاختلاف في سند هذا الحديث، وهذا ضمن المختلف، أو مذكور ضمن هؤلاء المختلفين، أو يكون العمدة ليس على هذا الإسناد، وإنما يورد إسناد هذا المتهم، ويورد معه إسنادا آخر، وكلام الحافظ ابن رجب هو الأليق؛ لأن الحافظ ابن رجب أدرى بهذا الكتاب من الإمام الذهبي -رحمه الله-.

وكتاب الترمذي ما حط من قدره عند أهل العلم إلا لأنه صحح لرجال أحاديث، وهم ضعفاء جدا، بل مرميون بالكذب، وصحح حديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، وهذه النسخة وصفها بعض العلماء بأنها نسخة موضوعة كالإمام الشافعي -رحمه الله-. والترمذي لم يكتف بالتخريج، وإنما صحح حديث كثير بن عبد الله « الصلح جائز بين المسلمين »(1) من هنا ذكر الذهبي في الميزان في ترجمة كثير هذا، قال: إنه لما خرج لكثير، وصحح حديثه هذا: "الصلح"... قال: من هنا لم يعتمد أهل العلم على تصحيح الإمام الترمذي.

والشاهد من هذا أن الترمذي في كتابه جملة من المتهمين بالكذب مثل: محمد بن سعيد المصلوب، ومثل كثير بن عبد الله المزني، وجماعة آخرون، فهو لا -يعني- فهو مظنة لوجود الحديث الضعيف جدا، كما أن ابن ماجه أو كتاب ابن ماجه مظنة لوجود الحديث الضعيف جدا.

والمثال الذي سبق، سبق أن ذكرنا لكم أن فيه جعفر بن الزبير الحنفي، وهو ضعيف جدا متروك، بل طعن حتى في، طعن بعضهم حتى في عدالته من جهة الرواية.

وأيضا هناك مثال آخر، وهو حديث ابن عباس « أن عثمان سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال: هي اسم الله الأعظم »(2) وهذا الحديث رواه، تفرد به سلام بن وهب الجندي، وهذا سلام ليس له إلا حديث واحد فقط، ومع ذلك لا يتابع عليه، فمثل هذا الرجل، يكون حديثه مطروحا، وإن لم يكن له إلا حديث واحد؛ لأنه لما اعتبره أهل العلم وجدوا أنه قد تفرد به، وهذه الطريقة طريقة أهل العلم إذا كان الراوي تفرد بحديث ولا يتابع عليه، فيحكمون على هذا الحديث بأنه منكر، بل أعلى من المنكر، بل يحكم كما حكم بعض أهل العلم على هذا الحديث بأنه حديث كذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومثل على ما يأتي -إن شاء الله- عند بعض أهل العلم في تفرد المجهول بما لا يتابع على أصله يعتبر عندهم من الأحاديث الموضوعة، ولا يقبلونه، وإن كانوا لا يصفون الرجل بالكذب، هذا يعني أمر من الأمور التي يحكم على الحديث فيها بأنه مطروح، وإذا كان فيه راو ضعيف جدا، كما نص عليه، أو كما هو الظاهر من صنيع المؤلف ها هنا، ويحكمون على الحديث أيضا بأنه مطروح إذا توالت فيه العلل، إذا رواه تسلسلت فيه رواية مجهولين مثلا، أو تسلسلت فيه رواية الضعفاء، وإن كان كل واحد منهم ليس ضعفه شديدا، أو توالت فيه علل مختلفة يكون فيه انقطاع من جهة، وضعف راو من جهة، وجهالة راو من جهة أخرى، وإرسال من جهة أخرى، فإذا كثرت العلل في الحديث هذا مما يؤدي إلى ضعف الحديث، وإن كانت كل علة منها ليست مضعفة بمفردها للحديث ضعفا شديدا، وهذه المسألة حرية بالاهتمام؛ لأن كثيرا من الناس ما يخطئ في ترقية الأحاديث، فإذا كان الحديث فيه علل كثيرة رقاه، لأنه يرى كل علة بمفردها ولا يرى المجموع، لكن الاعتبار عند أهل العلم بمجموع هذه العلل، فإذا كانت مجتمعة أثرت على الحديث، لكن لو انفردت واحدة منها بنفسها، وكانت في الحديث لا يشركها غيرها، فإن الحديث يترقى معها، أما إذا كثرت وتوالت وتتابعت، وإن كانت كل واحدة منها لا تقدح في الحديث قدحا شديدا إذا انفردت، فإنها إذا اجتمعت تقدح في الحديث قدحا شديدا، ولا يترقى معها الحديث.

وهناك أيضا أمر آخر وهو الإتيان بالحديث على خلاف المحفوظ، فإن غير المحفوظ يوصف بالضعف الشديد والاطراح والسقوط، وهذا شاهده ما صنعه الإمام مسلم -رحمه الله- في كتابه التمييز، فإنه لما جاء إلى حديث رواه ابن إسحاق، عن أبي هند، عن رجل، عن أبيه في أن من أدرك عرفة قبل طلوع الشمس، ليس قبل طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فإنه يكون مدركا لعرفة، هذا الحديث ذكر الإمام مسلم -رحمه الله- أنه ساقط مطرح؛ لأن الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تواطأت على خلافه، حديث عبد الرحمن بن يعمر، بأنه مقيدة للإدراك بأن يدرك الحاج عرفة قبل طلوع الفجر، وليس قبل طلوع الشمس، ثم إن عمل الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- والمأثور عنهم في هذا كما وردت به سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك الفقهاء من بعدهم لم يقل أحد ما دل عليه مضمون حديث محمد بن إسحاق، فهذه إذا جمعت مع جهالة الراوي، ومخالفته للمحفوظ كان حديثه ساقطا مطرحا؛ ولهذا الإمام مسلم -رحمه الله- حكم على هذا الحديث بأنه مطروح أو مطرح ساقط.

والحديث الضعيف جدا، هذا كما سبق لا يترقى ولا يرقي غيره، بمعنى: أنه إذا اجتمع عندنا حديث ضعيف جدا مع حديث ضعيف جدا مثله، فإننا لا نرقي هذا بهذا كما نرقي الضعيف بالضعيف، وإنما إذا كان هذا ضعيفا جدا، والآخر ضعيفا جدا، فالحديث ضعيف يعتبر ضعيفا جدا، وإن كثرت، فلو كان عندنا عشرة طرق أو خمسة عشر طريقا كلها في أسانيدها من هو ضعيف جدا، فإن هذه لا يرقي بعضها بعضا، بل يحكم عليها بأنها أحاديث ضعيفة جدا، أو بأنه حديث ضعيف جدا، وكذلك لو كان الحديث ضعيفا جدا، وجاءه حديث صحيح، فإنه لا يرقيه، ولو جاءه حديث حسن، فإنه لا يرقيه، ولهذا أهل العلم تراهم يقولون: هذا الحديث بهذا الإسناد هالك أو ساقط أو مطرح أو واه، فيقيدونه بهذا الإسناد لوروده بأسانيد أخرى صحيحة، وهذا كما يوجد في علل ابن أبي حاتم وعلل الدارقطني ترى أحاديث متونها صحيحة ثابتة في الصحيحين، ولكن الأسانيد المذكورة في كتب هذه العلل غير الأسانيد الموجودة في الصحيحين، ولهذا يحكمون على الحديث بأنه باطل أو مطروح، ولا يرقونه بالأحاديث الأخرى الموجودة بأسانيد صحيحة، بل قد يكون بعضها، قد بلغ الغاية في الصحة.

فالحديث الضعيف جدا مهما تعددت الطرق، ومهما صحت الطرق، ومهما بلغت ما بلغت، فإنه يبقى على ضعفه جدا ولا يترقى، فإنه يبقى على ضعفه ولا يترقى، وأما بالنسبة لمن هو أرفع منه من الضعيف فما فوقه، فهذا يترقى إذا ورد له، ورد حديث مساو له في القوة أو أقوى منه.

مثلة على ما لا يترقى حديث ابن عمر الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تتكلموا في القدر، فإنه سر الله »(2) هذا الحديث في سنده هيثم بن جماز وهو ضعيف جدا، وورد لهذا الحديث شاهد من حديث عائشة -رضي الله عنها- عند ابن عدي في الكامل، لكن الحديث هذا فيه يحيى بن أبي أنيسة وهو ضعيف، فحديث عائشة لا يرقي حديث ابن عمر، فيبقى حديث ابن عمر ضعيفا جدا، كما أن حديث ابن عمر لو أردناه أن يرقي حديث عائشة -رضي الله عنها-، فإنه لا يرقيه فيبقى حديث عائشة ضعيفا.

فالمقصود من هذا كله أن الحديث الضعيف جدا حديث لا يترقى ولا يرقي غيره، ولا يشهد لغيره، ولا يشهد له غيره، ولا يصلح أن يكون راويه متابِعا ولا متابَعا، بل هو حديث مطرح .

وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مبحث العلة ومبحث الشذوذ ومبحث الموضوع ما يبين أن هذه الأحاديث الشاذة والمنكرة والمعلولة، أنها كلها لا تصلح أن تكون شواهد ولا متابعات؛ لأنها أغلاط مجذوم بغلط أهلها وأصحابها، فالخطأ وجوده، أو الحديث غير الصحيح أو الحديث الثابت أنه شاذ أو معل، هذا لا يترقى ولا يُرقى فهو من الحديث الضعيف جدا، ويصلح أن يقال في الرواية الشاذة أو الراوية المعلولة أو المضطربة: إنها رواية مطرحة أو شاذة أو هذا حديث مطروح، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر أمثلته من كلام أهل العلم، رحمهم الله تعالى.

هذا هو الحديث المطروح أو المطرح، أو المتروك أو الساقط أو الباطل، في اصطلاح في إطلاقات بعض أهل العلم، هذا هو حقيقته، وهذه أمثلته، وهذا هو حكمه، وفي الأنواع الأخر المحكوم عليها بالضعف الشديد فيما يستقبل من المباحث -إن شاء الله- زيادة تمثيل وبيان لهذا النوع، ونظرا لطول الحديث الموضوع وحاجته إلى درس كامل نكتفي بهذا القدر.

س: ما سبب تصحيح رواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين وتضعيفها عن الحجازيين ؟.

ج: هو بعض أهل العلم أو بعض الرواة إذا انتقل من بلد إلى بلد فإنه لا يحمل كتبه معه، ويكون حفظه من كتابه، أو يكون اعتناؤه بحديث أهل بلده أشد، أو يكون قد سمع حديث أهل بلده، وهو في الصغر، وكان حفظه لها أتقن، فهذه وجود الشيوخ في بلده وسماعه الحديث ربما أكثر من مرة، بل بعضهم كما ذكر عن بعض أهل العلم أنه ما من حديث قيده في كتابه إلا وقد سمعه من شيخه أربعمائة مرة، فوجود الشيوخ في البلد، وكون الراوي أول ما يروي في صغره عن أهل بلده وجود الحفظ -يعني- مرحلة الحفظ قوية مع حضور مشائخ بلده هذه كلها تعطي الراوي حفظا أكثر .

لكن إذا خرج عن أهل بلده، إذا خرج قد يصيبه نوع من الخطأ، والعلماء لما سبروا مرويات إسماعيل بن عياش وجدوه يخالف في الروايات التي يرويها عن غير أهل بلده، التي يرويها عن غير أهل بلده مثله مثل بقية -رحمه الله-، إذا خرج عن أهل بلده، فإنه يضعف حديثه، ويخالف غيره من الأئمة الذين يروون هذه الأحاديث عن هؤلاء الشيوخ الذين ليسوا من بلده، ولما سبروا أحاديثه عن أهل بلده وجودها صحيحة يوافق فيها الثقات الأثبات فلهذا مايزوا بين هذه الروايات.

س: والثاني الصحابي الذي مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعمره قرابة عشر سنوات هل حديثه يكون مرفوعا أو مرسلا ؟.

ج: هذا حديثه يكون مرفوعا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومتصلا كما هي حال عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنه- والحسين بن علي كان دون ذلك والحسن بن علي -رضي الله عنه- كان قريبا من هذا، ومع ذلك صحح أهل العلم أحاديثهم، لكن بعضهم قد يجعلها من باب المرسل صورة لا حقيقة، صورة لا حقيقة بمعنى أن الحكم: الصحة يحكم عليها بأنها صحيحة، وإن كانت صورتها صورة المرسل، لعدم الإدراك البين وخاصة -مثلا- لو حدثنا عبد الله بن الزبير عما جرى في غزوة بدر أو في أحد، مما نقطع بأنه لم -يعني- يدركها إدراكا بينا، فإن هذا صورته صورة المرسل، ولكن حكمه حكم المتصل.

وهذا مثل ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- له رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، لكن ذُكر أنه لم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أربعين حديثا ومع ذلك يصحح أهل العلم حديثه، ولم يقدح أحد فيهم في صحة الحديث، ولم يفتشوا عما بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن رواية الصحابي تكون عن صحابي مثله، وبخاصة إذا كان هذا الراوي من كبار الصحابة كابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن عمرو ونحوهم.

س: هذا صحة عبارة: "إذا تفرد ابن ماجه ففتش".

ج: الكاتب ضبط الهاء بالسكون، وهذا هو الصحيح ذكر ابن خلكان أنها تكتب بالهاء وصلا ووقفا، روى ابن ماجه في سننه وصلا، وإذا وقفت كلها بالهاء ليس فيها التاء، هذا هو المعروف عند أهل العلم كما نص عليه ابن ماجه -رحمه الله-، والكاتب وضع عليها سكون بدون نقط وهذا صحيح.

إذا تفرد ابن ماجه ففتش: هذا كما سبق لنا من كلام المزي وكلام الحافظ الذهبي -رحمهما الله- لا بد من التفتيش فيما تفرد به ابن ماجه، وسنن ابن ماجه هذه قد يقول قائل: ما دام إن أكثر ما تفرد به ابن ماجه الغالب عليه الضعف فلماذا أدرجوها ضمن الحديث ضمن الكتب الستة مع أن الموطأ أمثل منها وأكمل، بل بعض أهل العلم يعتبره أصح كتاب بعد كتاب الله وهذا جوابه كما ذكر أهل العلم أن العلماء في السابق كان يدرجون الموطأ ولا يذكرون ابن ماجه حتى جاء ابن طاهر المقدسي، فأدرج في شروط الأئمة وفي الأطراف ومن بعده تتابع العلماء على إدخال ابن ماجه وإخراج الموطأ، وإدخال ابن ماجه في الكتب الستة وإخراج الموطأ نظرا؛ لأن جُل أحاديث الموطأ موجودة في الكتب الخمسة، موجودة في هذه الكتب موجودة في الصحيحين، موجودة في أبي داود، موجودة في النسائي وفي الترمذي، وغالبا ما يدخلون من طريق الإمام مالك -رحمه الله-.

فنظرا لقلة الأحاديث التي تفرد بها مالك عن هذه الكتب، وفي المقابل كثرة الأحاديث التي تفرد بها ابن ماجه عن هذه الكتب وحاجتهم إليه خاصة في أحاديث الأحكام جاءوا بسنن ابن ماجه بدلا عن موطأ الإمام مالك -رحمه الله-.

س: هذا يقول: جمهور العلماء على تضعيف ابن لهيعة والذهبي على تضعيفه، وهناك قول وهو أن ابن لهيعة أحاديثه صحيحة، ولكن بعدما احترقت كتبه أصبحت أحاديثه ضعيفة؛ لأنه كان يحدث الناس بحفظه وهو سيئ الحفظ، وقبل احتراق كتبه أحاديثه صحيحة.

ج: هذا كما قال الإمام أحمد في ابن لهيعة لما سئل عنه قال: ما زال مخلطا قبل الاحتراق وبعد الاحتراق، لكن عبارة أهل العلم أو أكثر أهل العلم الذين تكلموا في ابن لهيعة قالوا: حديثه قبل الاحتراق أصح، وهناك فرق بين صحيح وأصح، يعني: أنه قد يكون ضعيفا قبل الاحتراق وازداد ضعفه لما احترقت كتبه، ولا يلزم من قوله: هذا أصح من هذا أن يكون ما جاء قبل صيغة التفضيل صحيحا. لأ. قد يكون أصح على معنى أعلى، وإن كان الكل يشترك في أنه ضعيف كما يقال: أصح ما في الباب أو حديث فلان أصح من حديث فلان ليس معناه أن الكل صحيح، بل أحيانا يكون أحدهما، وضاعا والآخر ضعيفا جدا، فيقال: حديث فلان الذي هو ضعيف جدا أصح من حديث فلان الذي هو الكذّاب ولا يلزم من صحة الحديث .

وكذلك ابن لهيعة كثير من عبارات أهل العلم يقولون: حديثه قبل الاحتراق أصح، وهذه العبارة لا تقتضي صحة حديثه قبل الاحتراق، وسبق لنا أن الذهبي -رحمه الله- حكى استقرار عمل العلماء على تضعيف حديث ابن لهيعة الأول والآخر، وسبق أن الحافظ البيهقي -رحمه الله- حكى إجماع أهل العلم على ضعف حديث ابن لهيعة، لكن هذا الحديث مدخول كما ذكره ابن الملقن في البدر المنير.

س: عبد الرحمن بن أسلم، وفرج بن فضالة ورشدين بن سعد ماذا قال عنهم الحافظ ابن كثير ؟.

ج: الحافظ ابن كثير ليس له كتاب كالذهبي وابن حجر يرجع إليه، تحتاج للرجوع لكلامه في التفسير والبداية وأنا لا أذكر شيئا من هذا.

س: هذا يقول: لو تعاد الأمور التي يعرف بها الحديث المتروك.

ج: الحافظ المطروح يعرف بأمر واحد وهو: النظر في حال الراوي هذا من جهة الحفظ، يعرف بأمر واحد، وهو من جهة الحفظ والعدالة على ما ذكره المؤلف في المطروح يُنظر إلى جهة درجة الراوي في مراتب الجرح؛ فإن كان من المراتب التي لا يعتبر بأهلها، ولكنه لم يبلغ درجة الكذاب، فهذا يسمى حديثه مطروحا، هذا بالنظر إلى كلام المؤلف، لكن هناك إطلاقات لأهل العلم للمطروح يطلقونه على الحديث الذي تفرد به الضعيف جدا -كما سبق-، ويطلقونه على خلاف المحفوظ كما سيأتي -إن شاء الله- في مبحث الشاذ، ويزداد ضعفا إذا كان هذا المتفرد مجهولا أو ضعيفا وقد خالف، فإنه يزداد ضعفه، ويكون الحديث منكرا مطرحا بهذا، وسيأتي -إن شاء الله- في مبحث المنكر وفي مبحث الشاذ من هذا ما يبين هذا الأمر.

س: إذا اجتمع في الراوي قَدْح في العدالة، مع قدح في الضبط، هل يكون مطروحا؟

ج: أصلا إذا قُدِح في العدالة، وقدح بما يدل على الكذب، فهذا مُطَّرَح أصلا، إن قُدِح في عدالته بما يدل على الاتهام فهذا مطرح.

فالقدح في العدالة إما اتهام في الدين، أو اتهام في الرواية، وكلاهما يكون معه حديث الراوي مطروحا، بقطع النظر عن الضبط، بقطع النظر عن الضبط.

فمثلا: كما سبق لكم أن سليمان بن داود الشاذكوني حافظ، ولكنه متهم بالكذب؛ فلذلك حديثه يسمى حديثا مطروحا، بقطع النظر عن درجة حفظه.

بالمقابل: قد يكون هناك شخص اجتمع فيه هذان الأمران، فيزداد حاله سوءا، إذا اجتمع الكذب مع عدم الحفظ فيزداد حاله سوءا، أو اجتمع له الاتهام في العدالة، والقدح في الضبط.

س: هل يوافق الذهبي -رحمه الله- على قوله: لم يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي؟

ج: هذا الكلام -إن شاء الله- سيُعْرَض لك في أواخر، في تقريبا السدس الخامس من الموقظة سيتعرض إلى تصحيح الترمذي، وكلام المؤلف أن من صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة، فإنه أولا يُحَسَّن حديثهم، أو يكون إسنادهم جيدا. . سيأتي الكلام عليه.

س: ما معنى قولهم: مخرج الحديث؟

ج: مخرج الحديث هذا بعضهم يقولها كناية عن اتصال السند، والأظهر -عند أهل العلم- أن المراد به مدار الحديث الذي يخرج منه الإسناد، فملتقى الطرق، أو ملتقى الرواية هو الرجل الذي تخرج منه الطرق، وتتعدد عنه الرواة، هذا هو الذي يسمى مخرج الحديث؛ لأن الحديث خرج من عنده.

س: يقول هذا: قلت: إن المتابعة هي أن يروي عن الشيخ راويان ضعيفان، فإذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفا، فما الحكم ؟

ج: أولا لا يشترط في المُتابِع والمُتابَع أن يكونا ضعيفين؛ بل قد يكونان ثقتين، فكثيرا ما تجد أهل العلم يقولون في الثقات: فلان تابَع فلانا، وكلاهما ثقة. هذا الأول.

والثاني: أن الضعيف إذا تابعه الثقة ترقَّى حديثه وارتفع عن حيز الضعف، فبعض العلماء يجعل إذا تابعه الثقة يجعله صحيحا، وبعضهم يجعله حسنا.

س: هذا ما الفرق بين الحفظ والضبط ؟

ج: الحفظ يُعَبِّر عنه العلماء بالضبط، ويعبرون عن الضبط بالحفظ، وإنما الفرق بين الحافظ والضابط، الفرق بين الحافظ والضابط، فالضابط لا يشترط أن يكون حافظا، وأما الحافظ فلا بد أن يكون ضابطا.

فالضابط، أحيانا بعض الرواة يكون له عشرة أحاديث، أو يكون له حديثان، يكون ضابطا لهذين الحديثين، فهذا نسميه ضابطا، ونصحح حديثه.

وأما بالنسبة للحافظ فإن هذا وصف على من كثرت روايته، مع ضبطهما وإتقانها، وكونه مشتغلا بعلم الحديث، ومعرفة الصحيح من السقيم.

ولهذا -يعني- كانت هذه العبارة في الأول قليلة، فلما تجوَّز الناس صارت الآن في القرون المتأخرة تطلق كثيرا، أو يُفَتّش في تراجم ذكرها في السير، أو في غيرها من الكتب المتأخرة، يوجد فلان الحافظ الإمام الكذا، وهو يمكن -يعني- ما يبلغ ولا معشار ما ذُكِر عنه.

لكن تجوَّز الناس فيها على اعتبار أن صارت الرواية بالإجازة، وضبط الأمور في الحديث بالإجازة سهل؛ لأنه عبارة عن كتاب مُجَاز.

س: ما هي الطريقة المثلى في دراسة الأسانيد؟ وما هي الكتب القيمة في هذا الباب؟

ج: أولا دراسة الأسانيد مرحلة تأتي بعد مرحلتين: مرحلة دراسة المصطلح، وإتقان اصطلاحات أهل العلم، ثم تأتي مرحلة بعد التخريج، معرفة كيف يُخَرَّج حديث النبي -صلى الله عليه وسلم.

لكن قد الإنسان يدرس بعض الأسانيد، وهو -يعني- ليس لديه قدرة في تخريج الحديث، على سبيل التدرب على كلام أهل العلم، فإذا درس -مثلا- الحديث الصحيح أو الحسن أو غيره، يطبق هذا، يأخذ حديثا من سنن أبي داود، وحديثا من سنن الترمذي، وحديثا من سنن النسائي، ثم ينظر فيها، ويحاول يطبق القواعد المدروسة في مصطلح الحديث على هذه الأشياء، فهذا طيب للتمرن.

لكن للحكم على الأحاديث، ومعرفتها وإتقانها، لا يأتي إلا بعد دراسة المصطلح وكلام الأئمة، ثم معرفة كيف يعثر على الأحاديث من مظانّها، وهو التخريج؛ لأن دراسة الإسناد ودراسة الحديث والحكم عليه لا تكون بالاقتصار على سند واحد، وإنما يبذل الدارس جهده ووسعه في استخراج الحديث، والنظر في أسانيدها وطرقها، وعللها ومتونها، وكلام أهل العلم عليها، حتى يخرج بنتيجة حول هذا الحديث، تكون -يعني- ناشئة عن اجتهاد قد يخطئ صاحبه، فيكون له أجر، وقد يصيب، فيكون له أجران، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


(1) الترمذي : الأحكام (1352) , وابن ماجه : الأحكام (2353).
(2)