موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره

ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره

ولو انفك عن ذلك لصح باتفاق وقول الترمذي هذا حديث حسن صحيح .


إلى ها هنا انتهى المؤلف -رحمه الله- من إيراد كلام العلماء حول حد الحديث الحسن، والذي تلخص من الكلام السابق وكلام الأئمة: أن الحديث الحسن قسمان: حسن لذاته، وهو: ما استوفى شروط الصحة سوى الضبط، فإن راويه أنزل من راوي الحديث الصحيح وأرفع من راوي الحديث الضعيف، وهذا هو الذي قرره الحافظ ابن حجر ومشى عليه المتأخرون بعده.

وكذلك بالنسبة للحديث الحسن لغيره، وهو الضعيف الذي ينجبر بوروده من طرق أخرى، إذا تعددت طرق هذا الحديث، فإنه يكون حسنا لغيره، وكلا النوعين تختلف فيهما أنظار الحفاظ، فالحسن لذاته يختلف النظر من جهة قياس ضبط راوي الحديث الحسن لذاته، فمنهم من يرى أن الضعف مؤثر عليه، فلا يحكم له بالحسن، ومنهم من يرى أن هذا الضعف يحط من مرتبته قليلا فيحسن حديثه.

ومنهم من يرى أن هذا الضعف لا يؤثر على مروياته، فيصحح حديثه، وأما بالنسبة للحسن لغيره، فإن نظر العلماء يختلف في نظرهم للجابر، ما هو؟، وفي نظرهم للمجبور، فبالنظر للمجبور، أو المشهود له أو المعضود أو المتابع، يختلفون في قياس الضعف الذي يتم به الانجبار، فبضع العلماء يقول: إذا لم يكن الراوي متهما، انجبر حديثه بتعدد طرقه، وبعضهم يقول: لا، إن كان كثير الغلط لم ينجبر هذا الحديث بتعدد الطرق، وأما بالنسبة للعاضد أو الشاهد أو المتابع، فهذا يختلف العلماء.

فمنهم أحيانا من يرى أن هذا الحديث يحتاج إلى أو يكفي في ترقيته إلى شاهد أو متابع واحد فقط، ومنهم من يرى أن هذا الشاهد أو المتابع يتقاعد عن أن يجبر هذا المتابع، لحاجة المتابع إلى مزيد مما يجبره ويعضده ليرقيه إلى الحسن لغيره؛ ولهذا يقع الاختلاف بين أهل العلم في هذا القسم، فمنهم من يبقي بعض الأحاديث على أصل ضعفها ولو تعددت طرقها، لاعتقاده وظنه أن هذه الطرق لا تكفي لترقية الحديث.

ومنهم من يرى أن هذه الطرق تقوى هذا الحديث وتجبر الضعف الذي فيه فيحسنها، فتجد أن الحديث الحسن لغيره يتردد كلام العلماء فيه، بين تضعيفه وتحسينه تحسينا لغيره، والذي يعني: ينبغي التنبه له والتنبيه عليه هو مقياس ضبط الراوي بالنسبة للحسن لذاته.

ومعرفة هذا المقياس لا يتم إلا بعد ممارسة طويلة لكلام أئمة الجرح والتعديل في الموثقين وفي المضعفين، وفي المحكوم على حديثهم بأنه حديث حسن؛ لأن الإنسان إذا تمرس في هذه الأشياء الثلاثة، تبين له الوسط منها، والوسط هو الذي يحكم على حديثه بأنه حديث حسن لذاته، وهناك بعض الضوابط، أو بعض الأمور التي قد يستعين بها الإنسان في بادئ الأمر علي تحديد أو معرفة من يحسن حديثه من العلماء، فمن هذه الأشياء، ما نص الحافظ الذهبي أو الحافظ ابن حجر على أن حديثه حسن.

وهذا نص في الباب؛ لأن الإنسان المطالع إلى تراجم هؤلاء الذي ينص على أن حديثهم حسن يجد فيه اختلافا كبيرا بين التوثيق والتضعيف، فإذا لم يكن لديه أهليته للنظر، احتاج إلى غيره من أئمة الفن، لترجيح أحد الجانبين، وهذا الترجيح يقع من الأئمة الحفاظ، وبخاصة الذهبي وابن حجر؛ لأنهما من المحققين المتأخرين في هذا الفن، فأحيانا الحافظ الذهبي وهو كثير، ينص على أن هذا الرجل حديثه حسن، وكذلك الحافظ ابن حجر- رحمه الله-، وإن كان الحافظ الذهبي أكثر تنصيصا من الحافظ ابن حجر.

فإذا جدت رجلا نص الحافظ الذهبي على أن حديثه حسن، وورد عند الإسناد فإنك تحسن حديثه، وكذلك بالنسبة للحافظ ابن حجر- رحمه الله- إذا حكم على رجل بأنه حسن الحديث وكان معك فيه إسناد، فإنك تحسن الإسناد اعتمادا على هذا النص من الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر- رحمهما الله-، فالحافظ الذهبي مثلا، نص على أن محمد بن عجلان حسن الحديث، فإذا ورد عندك بسند محمد بن عجلان تحسن الحديث بناء على اعتمادك على كلام الحافظ الذهبي، لعدم وجود الأهلية في الترجيح بين أقوال الأئمة المجرحين والمعدلين.

وكذلك الحافظ الذهبي مثلا حسن حديث ابن إسحاق، وكذلك الحافظ ابن حجر حسن حديث ابن إسحاق، ونص على أن حديثه حسن، وكذلك حسن الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى- حديث شهر بن حوشب حسن حديث أبي محريز وغيرها، نصوا على أن حديثه حسن فإذا ورد عندك هذا الكلام، ووجدته في كلام الحافظين، وأنت غير مؤهل للنظر بين أقوال المجرحين والمعدلين، فإنك تعتمد هذا القول، وإنما اعتمد قول هذين الحافظين، أو اختير قول هذين الحافظين؛ لأنهما من أئمة التحقيق في هذا الشأن المتأخرين.

ولأن لهما أقوالا كثيرة في الرجال، فغيرهما قد يكون له تحسين، ولكن تجده نادرا ليس لهم كلام طويل وكثير في الرجال، وكذلك اختيار كلام الذهبي والحافظ ابن حجر على اعتبار أن اصطلاح الحديث قد استقر عندهما، فهما قد استقر عندهما تعريف الحسن لذاته، وبناء على ذلك ما حكموا على أو أي رجل حكموا بأن حديثه حسن فينزل على تعريفهما للحسن لذاته، وهو ما خف فيه أو قصر فيه ضبط الراوي عن درجة الحفظ والإتقان المعتمدة في رجال الصحيح.

فصار كلام الحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر في التنصيص على أن هذا الرجل حسن الحديث، يعتمد عند عدم أهليته، وهذا يعني: أحد الأمور التي يعرف بها ضبط الراوي وخفته، فإذا وصفوا رجل بأنه حسن الحديث وصفه الذهبي أو الحافظ ابن حجر، فالمراد أن ضبطه خفيف، أو أن درجته قاصرة عن درجة رجال الصحيح، ومرتفعة عن درجة أو حفظه مرتفع عن حفظ من يضعف حديثه.

والأمر الثاني: ما نص الحافظ ابن حجر على أنه صدوق أو لا بأس به أو ليس به بأس، لأننا نعتمد في هؤلاء المجرحين والمعدلين، يعني: المختلف فيهم على هذه الكتب المختصرة وأقوال العلماء المختصرة، فإذا قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: صدوق أو لا بأس به أو ليس به بأس، فهذا يدل على أن حديثه حسن طيب، هذا الاصطلاح من أين عرفناه، قد يقول قائل: من أين عرف هذا الاصطلاح، وهذا استشكال أورده بعض المعاصرين، ويرى أن هذا الكلام يحتاج إلى دليل اللي هو إذا قال الحافظ ابن حجر: صدوق أو لا بأس به أو ليس بأس أن هذا حسن الحديث هو يقول يحتاج إلى دليل وهذا دليله ظاهر في ثلاثة أمور.

الأمر الأول: أن الحافظ ابن حجر في مراتب الجرح والتعديل التي ذكرها في أول التقريب، ذكر المرتبة الثالثة، وهو من فيه الثقة، أو متقن، أو ثبت أو عدل، وهذه الألفاظ كما تقدم لنا، ألفاظ تدل على ضبط الراوي وأنه من رجال الصحيح، أي الرجال الذين يصحح حديثهم، ثم جاء في المرتبة التي تليها، وذكر أن أصحاب هذه المرتبة من قصر عن درجة المرتبة الثالثة.

وذكروا في هذه المرتبة هذه الأوصاف الثلاثة: الصدوق، وليس به بأس، أو لا بأس به، فهذا يدلنا على القاعدة التي ذكرها الحافظ ابن حجر في الحسن لذاته، وهو أنه الذي خف ضبطه عن درجة رجال الصحيح، والمرتبة الثالثة: هم رجال الصحيح بلا كلام بين أهل العلم، فمن قصر عن هذه المرتبة مباشرة هم أصحاب المرتبة الرابعة، ليس بينهم وبين أصحاب المرتبة الثالثة مرتبة أخرى.

فها هم قد قصروا عن أصحاب المرتبة الثالثة الذين يصحح حديثهم، إذا لم يبق إلا تحسين حديث أصحاب هذه المرتبة، فهذا كأنه تنصيص من الحافظ ابن حجر- رحمه الله- على أن من قال فيه صدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس، أنه يحسن حديثه.

والدليل الثاني: أن الحافظ ابن حجر- في النخبة وشرحها- لما ذكر أن زيادة راوي الصحيح والحسن مقبولة، بين أن هذا القبول ما لم تقع هذه الزيادة منافية، ثم بين أن هذه المنافاة أنها إذا وقعت منافية، فإنها تكون شاذة، والشاذ عرفه بأنه رواية المقبول عمن هو أولى منه، وكلمة المقبول هذه بين في أثناء كلامه، أنها تنطلق على الثقة والصدوق.

فالثقة والصدوق إذا خالفا سميت مخالفتها شاذة؛ لأنه يصدق عليها أنهما مقبول يصدق عليها لفظ المقبول، فإذا ربطته مع أن زيادة راويهما يعني: الحسن والصحيح مقبولة، تبين لك أن كلمة ثقة هذه راجعة إلى راوي الصحيح، وأن كلمة صدوق راجعة إلى راوي الحديث الحسن، فمجموع كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في هذه المسألة في النخبة وشرحها، يبين أن كلمة صدوق عائدة إلى…؛ لأنها هذه كلمة صدوق أن من قيل فيه صدوق فهو يحسن حديثه وهو مقبول.

مة ثقة يصحح حديثه، وهو داخل تحت لفظ المقبول، والدليل الثالث: التطبيق العملي لهذه القاعدة من قبل الحافظ ابن حجر نفسه، فهناك أحاديث كثيرة حسنها الحافظ ابن حجر- رحمه الله-، فإذا فحصت رجالها وجدت أن فيهم من وصفه الحافظ بأحد هذه الأوصاف الثلاثة، فمثلا حديث بريدة وقوله- صلى الله عليه وسلم-: « عليكم هديا قاصدا »(1) .

هذا الحديث حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه حديث حسن، وإذا فتشت عن رجال إسناده وجدت أنهم ثقات، إلا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، فإن هذا إذا راجعت ترجمته عند الحافظ وجدته يصفه بصدوق، فإذا ربطته بين هذه الكلمة أو بين هذا الرجل ووصف حاله بأنه صدوق، مع تحسين الحافظ ابن حجر للحديث وليس فيه راو غير ثقة إلا هذا الراوي.

تبين لك أن كلمة صدوق عند الحافظ أو تدل على أن هذا الرجل حديثه حسن، وكذلك أيضا حديث معاوية -رضي الله عنه- في تفرق هذه الأمة، هذا الحديث رجاله ثقات إلا الأزهر بن عبد الله الهوزني، ومع ذلك حكم الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بأنه حسن، والتحسين جاء؛ لأن هذا الراوي اللي هو عبد الله بن أزهر؛ لأن الحافظ ابن حجر وصفه بأنه صدوق، فإذا ربطت صدوق مع تحسين الحديث، ظهر لك أن كلمة صدوق عند الحافظ ابن حجر -رحمه الله- تدل على تحسين حديث هذا الراوي.

وكلمة لا بأس به، أو ليس به بأس، الحافظ ابن حجر جمعها مع كلمة صدوق في هذه المرتبة، فهي والصدوق فكلمة صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، هذه درجة واحدة، فإذا كان يحسن للصدوق فهو أيضا يحسن لمن قيل فيه لا بأس به، أو ليس به بأس، وقد وقع التطبيق العملي لهذا من الحافظ ابن حجر- رحمه الله- في حديث « لعلكم تقرءون والإمام يقرأ »(2)

هذا الحديث رجال إسناده ثقات إلا محمد بن أبي عائشة، فإن الحافظ ابن حجر قال فيه: ليس به بأس، فهذا تطبيق عملي من الحافظ ابن حجر أيضا هذه المرتبة، أو لهذه اللفظة هي أن لفظة ليس به بأس تعطي تحسين حديث الراوي، وهذه النتيجة أشار إليها باقتضاب ولم يذكر أمثلة عليها الشيخ أحمد شاكر في الباعث الحديث، مال إلى هذا، وإن كان أهل هذه المرتبة وهي الصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس أصحابها ممن يعني: يحسن حديثهم، والانتقاد الذي وجه إلى الشيخ أحمد شاكر في استظهاره لهذا الأمر في غير محله، كما تقدم لكم من بيان الأمثلة والتطبيقات العملية للحافظ ابن حجر في هذا الباب كثيرة القيد.

والأمر الثالث: مما يستعان به على معرفة من يحسن حديثه الراوي الذي يصفه الحافظ الذهبي بأنه صدوق أو صالح الحديث، فهاتان المرتبتان عند الحافظ الذهبي يحسن حديثهما، لكن ينبغي أن ينتبه في الحافظ ابن حجر والحافظ الذهبي -رحمهما الله- أنا نشترط أن تكون هذه العبارات عبارة الحافظ نفسه، لا منقولة عن غيره، فلو نقل لنا الذهبي عن ابن معين أنه قال: ليس به بأس، أو نقل لنا عن ابن أبي حاتم أنه قال: صدوق أو غيرهما من الأئمة.

فهذه الأحكام المذكورة لا تأتي هنا، وكذلك الحافظ ابن حجر، وإنما يعني: به من تلخص من حاله للحافظ ابن حجر بأنه صدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس، أو تلخص من حال الرجل للحافظ الذهبي بأنه صدوق، أو صالح الحديث وليس منقولا عن غيرهما من الأئمة الحفاظ والمرتبة أو هذا الكلام اللي هو إن من وصفه الحافظ الذهبي بأنه صدوق أو صالح الحديث هذا التطبيق العملي في كتب الذهبي ظاهر جدا.

فمثلا: يونس بن بكير حكم عليه في موضع أنه صدوق، ثم جاء في الكتاب الآخر وقال: حسن الحديث، فإذا ربطت بين هذه وهذه، تبين لك صدوق هي معنى حسن الحديث، وإذا قال الذهبي حسن الحديث، فإننا نصرفه على ما قرره من خفة ضبط راوي الحسن وتقاعده عن رتبة راوي الصحيح، مع ارتفاعه عن رتبه راوي الحديث الضعيف.

وكذلك في ترجمة الهوزني المتقدمة، ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله- أنه صدوق، ثم جاء في كتاب آخر وقال: إنه حسن الحديث، وفي ترجمة يحيى بن يمان العجلي ذكر في موضع: إنه صالح الحديث، ثم قال في موضع آخر: وحديثه من قبيل الحسن، فهذه التطبيقات العملية وهي كثيرة جدا من الحافظ الذهبي- رحمه الله-، تعطي أن هاتين اللفظين من وصف، أي رجل يصفه الحافظ الذهبي بأحدهم، أو بهما فإن حديثه يكون حسنا، وهذه كما تقدم يستعان بها عند عدم القدرة على الترجيح بين كلام الأئمة.

والأمر الرابع: وهو قاعدة ذكرها التهانوي في "علوم الحديث" وعليها تطبيقات لأهل العلم، وهي أن الرجل المختلف فيه، أو الراوي المختلف فيه بين التوثق والتضعيف يحسن حديثه، إذا اختلف في الراوي بين التضعيف والتوثيق، فإنه يحسن حديثه، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، لكن ينبغي تقييده بشرطين.

الشرط الأول: أن يكون كل من الجارح والمعدل ممن له اعتبار في هذا الشأن، فإذا قابل قول أبي زرعة يضعف رجلا، وأحمد يوثق رجلا، مثل هذا يحسن حديثه، لكن إذا كان المجرح أو الموثق ليس له اعتبار عند الشأن وخالف الأئمة، فإن قوله يعتبر شاذا، ولا التفات إليه، كما لو وثق الأزدي رجلا قد ضعفه الأئمة، فلا التفات إلى توثيقه، أو ضعف رجلا وثقه الأئمة، كذلك فلا التفات إلى تضعيفه.

لو ثنا يوسف بن عبد الرحمن بن خراش، فإنه لا يلتفت إليه، وكذلك ما يصنعه ابن حزم أحيانا، من أنه يخالف الأئمة فيضعف رجلا اتفقوا على توثيقه، أو العكس فها هنا لا التفات؛ لأنه لا اعتبار لهذه الأقوال أو لأقوال هؤلاء، أو من كان مثلهم مع كلام الأئمة، وإنما المعتبر في هذا الباب كلام الأئمة، فهذا الشرط الأول: أن يكون الجارح والمعدل ممن لهم اعتبار في هذا الباب، ومن أئمة الشأن.

والأمر الثاني: ألا يكون هناك مرجح ظاهر قوي لأحد الجانبين، إما جانب التضعيف أو جانب التوثيق، بل يكون الأمر مترددا ولا مرجح.

أما إذا وجد مرجح لأحد الجانبين، فإنه يحكم للجانب المرجح، أو الجانب الذي جاء له ما يرجحه مجيئا ظاهرا، فمثلا أحمد بن صالح هذا وثقه جمهور العلماء وضعفه النسائي- رحمه الله-، وإذا اطلعت على كلام أهل العلم، وجدت أن كلام الحافظ النسائي فيه تحامل وتعنت على أحمد بن صالح؛ لكونه أبعده من مجلسة، فهنا المرجح الظاهر لكلام الجمهور.

أولـا: لأن هذا الرجل واسع الرواية جدا، وبعد سبر مروياته من قبل الأئمة، تبين أن ليس له مناكير تذكر، مع سعة روايته.
والثانية: أن الإمام البخاري اعتمده في الصحيح وخرج عنه كثيرا في الاحتجاج.
والثالث: أن كلام الحافظ أو كلام النسائي في هذا الرجل من باب التعنت والتحامل، ولا وجه له، وحينئذ في مثل هذه الحالة ها هنا يرد كلام أهل العلم بمطالبتهم بتفسير الجرح، والحافظ النسائي ليس عنده جرح مفسر ظاهر، ينزل به هذه الرجل عن هذه المرتبة، بل إن العلماء وصفوا هذا الرجل بأنه ثقة حافظ، وهذه من أعلى مراتب التوثيق.

وكذلك مثلا الوليد بن شجاع اختلف الأئمة فيه، ولكن هناك مرجح ظاهر لتوثيقه، وهو أن الحافظ أو الإمام ابن معين- رحمه الله- ذكر: أنه يروي عن شيوخ ثقات مائة ألف حديث، فإذا قرنت هذا، مع قول الذهبي، وقل أن يوجد له حديث منكر مع سعة روايته، دل كذلك على أن كلام من تكلم فيه، فيه تشدد وغلظة، لا يصلح مع هذا الكلام، وهو كلام الحافظ الذهبي، وتقريره بأنه قل أن يوجد له حديث منكر.

وقد تقدم لنا في الكلام على الثقة أنه، ليس من شرط الثقة ألا يخطئ، بل الثقة يقع منه الخطأ، لكن يكون هذا الخطأ على وجه القلة والندرة، في المقابل إذا وجدنا في الرجل ما يرجح أنه ضعيف، وكان هذا الترجيح ظاهرا، حكمنا عليه بأنه ضعيف، مثل المؤمل بن إسماعيل هذا اختلف أهل العلم منهم من يوثقه، ومنهم من يضعفه.

لكن إذا نظرنا إلى المرجح الظاهر في تضعيفه لوجدنا أنه مرجح قوي، هذا المرجح ما هو؟ المرجح هو: أن سليمان بن حرب، وهو مشارك له في الطبقة وفي الأخذ عن الشيوخ، ذكر: إن مؤمل بن إسماعيل يروي عن شيوخهم الثقات المناكير، وهذا يدل على أن الكلام، أو أن ضبط المؤمل بن إسماعيل هو الذي حصل فيه أن هذا الخطأ.

وهذه المناكير إنما هي من قبل ضبط المؤمل بن إسماعيل، فكان هذا قولا فصلا في حال المؤمل بن إسماعيل ممن عرفه وعرف شيوخه؛ لأن سليمان بن حرب وهو ثقة حافظ يعرف ما يرويه شيوخه، وهؤلاء الشيوخ شيوخ المؤمل بن إسماعيل، فكون المؤمل بن إسماعيل يروي أحاديث مناكير عن هؤلاء الشيوخ لا يرويها إلا هو، يدل على أن ضبطه فيه أو حفظه فيه شيء، وأن رواية هذه المناكير جاءت من قبل سوء حفظه، فترجح فيه جانب الضعف، فهذا لا يحكم لحديثه بأنه حسن.

وإنما يحكم له بأنه ضعيف، بخلاف المثالين السابقين، يحكم لحديثهما بأنه صحيح، ولا يقال بأنه حديث حسن، وهذا طبعا الكلام كله باعتبار الناظر في أحوال الرجلين، وليس على سبيل العموم؛ لأنه قد يظهر لأحد الأشخاص أن- مثلا- حديث المؤمل حسن، أو أن حديث الوليد بن شجاع حسن أو غير ذلك، فالشاهد أن هذا الكلام إنما هو باعتبار الناظر في أقوال المجرحين والمعدلين.

فهذه بعض الضوابط التي قد يستعان بها على فهم أو معرفة من خف ضبطه، وهذه القاعدة الرابعة بالذات لها تطبيق عملي كثير عند الذهبي وعند الحافظ ابن حجر، وعند ابن القطان الفاسي وعند الحافظ المنذري وعند البوصيري في" مصباح الزجاجة" وقد أكثر من ذلك وعلل كثيرا بالاختلاف، علل تحسين الراوي بكونه مختلفا فيه، ومن أراد أن يطالع" مصباح الزجاجة" يجد ذلك ظاهرا جليا، والله تعالى أعلم.

س: هذا السؤال عن المعنعن، وسيأتي- إن شاء الله- في مبحثه، هذا السؤال عن الفرق بين الحسن لذاته وبين الصحيح لغيره.

ج: الصحيح لغيره، كما مر معنا التمثيل أنه في أصله حسن لذاته؛ لأن راويه خف ضبطه، فإذا جاء حديث آخر في منزلته يعني: حسن لذاته أو أعلى منه صحيح، فإننا نرقيه إلى الصحيح لغيره، فهذا هو الفرق بينهما.

س: هذا السؤال عن أنه مبتدئ في طلب العلم، أو في طلب علم مصطلح الحديث، فبأي المتون يبدأ ؟

ج: هو جرت العادة أن أهل العلم يبدءون بالبيقونية، ثم بالنخبة مع شرحها النزهة.

س: هذا السؤال يقول: هل هناك حديث حسن فقط، أم إن الحديث لا بد أن يكون حسنا لذاته، أو حسنا لغيره ؟

ج: سبق أن الحسن، هذا لفظ عام يشمل الحسن لذاته، ويشمل الحسن لغيره، وإذا أطلقوا حسن، تارة تنصرف إلى الحسن لذاته إذا ما قيدوها، وتارة تنصرف إلى الحسن لغيره، وهذا يظهر بقرائن الأحوال إذا عددوا الطرق وكان فيها ضعف، ثم حكموا عليه بأنه حسن، فهذا يكون حسنا لغيره، وأما إذا أوردوه من طريق أحد وقالوا بأنه حسن انصرف إلى الحسن لذاته.

س: يقول هذا هل يؤخذ جرح البخاري في الإمام أبي حنيفة؟

ج: أولا: الإمام أبو حنيفة- رحمه الله- هو من الفقهاء، وليس من المحدثين، والأئمة أحمد والشافعي ومالك، هؤلاء من فقهاء المحدثين، وإن كان الإمام أحمد والإمام مالك أقرب من الإمام الشافعي، وكلهم محدث وفقيه، وأما الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-فهو فقيه وليس بمحدث والأئمة- رحمهم الله-،أو كثير من أئمة الحديث إن لم يكن جملتهم ولم يوثقه إلا ابن معين- رحمه الله- فهو في الحديث ضعيف، في الحديث لا يقبل حديثه إذا تفرد به.

وقد ثبت بالسند الصحيح عنه- رضي الله عنه- عن أبي حنيفة أنه ذكر عن نفسه: أنه لا يضبط الأحاديث ولا يحفظها، والحافظ بن عدي- رحمه الله- ذكر أن الإمام أبا حنيفة يروي ثلاث مائة حديث لم يسلم له منها إلا ثلاثة عشر حديثا هي الصحيحة، ومن كان هذا حاله، فلا شك أن حديثه ضعيف، ولكن هذا لا يقدح في الإمام أبي حنيفة في فقه أبي حنيفة، ومعرفته بالدين والشريعة؛ لأن أهل العلم يرون أن الإمام وإن كان مجتهدا، فيجوز له تقليد غيره في تصحيح الأحاديث وتضعيفها.

والأئمة من السابق كانوا يسألون عن صحة الحديث وضعفه، ويسألون عن الرجال ولو نظرتم إلى السؤالات الموجودة، سؤالات أبي داود للإمام أحمد، سؤالات الحاكم للدار قطني، وسؤالات البرقاني للدار قطني وغيرها من السؤالات، كلها سؤالات من أئمة وحفاظ يسألونها، أو يسألون عنها أئمة أيضا حفاظا، ولم يقدح ذلك في مراتبهم، والعلماء جرت طريقتهم على الاتباع في هذا الشأن اتباع الأئمة الحفاظ.

فعلى بن المديني كثيرا ما يتبع شيخه يحيي بن سعيد القطان، وكذلك الإمام البخاري يتبع أحيانا شيخة علي بن المديني، وكذلك أبو داود يتبع شيخه الإمام أحمد وكذلك الترمذي يتبع شيخه الإمام البخاري، يسألونهم عن الأحاديث والرجال، ويأخذون بأحكامهم والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


(1) أحمد (4/422).
(2) أحمد (4/236).