موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تعريف الحديث الصحيح لغيره - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - تعريف الحديث الصحيح لغيره

الموقظة

الحديث الصحيح

تعريف الحديث الصحيح لذاته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

الشيخ الإمام -العالم العلامة، الرحلة المحقق، بحر الفوائد، ومعدن الفرائض، وعمدة الحفاظ والمحدثين، وعدة الأئمة المحققين، وآخر المجتهدين- شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي -رحمه الله-، ونفعنا بعلومه وجميع المسلمين-:

الحديث الصحيح: هو ما دار على عدل متقن، واتصل سنده، فإن كان مرسلا ففي الاحتجاج به اختلاف، وزاد أهل الحديث سلامته من الشذوذ والعلة، وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء؛ فإن كثيرا من العلل يأبونها، فالمجمع على صحته إذن: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس.


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا الكتاب: " كتاب الموقظة " للإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى سنة سبعمائة وثمانية وأربعين، من هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا الكتاب: متعلق بعلوم الحديث وفي بيان اصطلاح أهل هذا الفن، وهذا الاصطلاح -اصطلاح أهل الفن-: ينبغي لكل طالب علم أن يعرفه؛ لأنه ينبني عليه معرفة ما صح من الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما لم يصح.

وهذا الكتاب: " كتاب الموقظة " للإمام الذهبي -رحمه الله- كتاب مختصر نافع مفيد، وتظهر أهميته في أن الإمام الذهبي -رحمه الله- له تعقبات وتعليقات على من سبقه، وهذه التعقبات والتعليقات صادرة عن إمام له نفس حديثي، ليس كغيره ممن سلف.

فبعض من تقدم تكلم في هذا الاصطلاح، إلا أنه غلب عليه الجانب الفقهي، وأما الإمام الذهبي -رحمه الله- وإن كان قد اختصر هذا الكتاب من كتاب " الافتراق " لشيخه ابن دقيق العيد الذي اختصره من " علوم الحديث " للحافظ ابن الصلاح؛ إلا أن نفس الإمام الذهبي الحديثي ظهر في هذا الكتاب في تعقباته وتعليقاته.

وكذلك تظهر أهمية هذا الكتاب في بعض المباحث التي أوردها المؤلف -رحمه الله- ولم يسبق إليها، وبخاصة ما كان منها متعلقا في علم الرجال، فله مباحث في علم الرجال وفي طبقات الحفاظ لا تجدها في كتاب من كتب مصطلح الحديث إلا في هذا الكتاب، ووجودها في هذا الكتاب يزداد أهمية لكونها صادرة عن إمام له عناية بعلم الرجال، وله عناية تامة في هذا؛ حتى شهد له الأئمة الحفاظ بذلك.

وهذا الكتاب: " كتاب الموقظة " للإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله- لا بد أن نعرف هذه اللفظة أو هذه التسمية؛ لأن معرفة هذه التسمية فيها شحن للهمم في دراسة هذا الفن والاعتناء بهذا الكتاب.

: فـ " الموقظة " الهاء فيها للتأنيث، وموقظ: اسم فاعل من الإيقاظ وهو الانتباه، فالاستيقاظ والإيقاظ معناه الانتباه، فكأن المؤلف -رحمه الله تعالى- يلفت الانتباه -انتباه طالب العلم- إلى الاعتناء بهذا الفن، أو يلفت الانتباه إلى دراسة هذا الكتاب بخصوصه.

فهو إما لفت الانتباه لدراسة هذا الفن على وجه العموم، أو لفت الانتباه لدراسة هذا الكتاب على وجه الخصوص؛ لما حواه من المباحث المهمة التي قل -أو بعضها قل- أن يوجد إلا عند الإمام الذهبي، ولا شك أن هذه التسمية مطابقة للمسمى الذي اشتمل عليه هذا الكتاب.

وهذا الكتاب على اختصاره -كما تقدم- إلا أن فيه فوائد جليلة ينبغي للمسلم أن يعتني بها وأن يدرسها.

ثم بعد ذلك شرع المؤلف -رحمه الله تعالى- في بيان حد الحديث الصحيح، والمراد بالحديث الصحيح هنا - المعرف في هذا الحديث الصحيح لذاته -: لأنه عند الإطلاق -إذا أطلق الحديث- فإنه ينصرف إلى الحديث الصحيح، وهذا هو المعروف عند أهل العلم.

فيكون قوله: "الحديث الصحيح " أي: الحديث الصحيح لذاته؛ لأن العرف جار عند الإطلاق على صرف لفظ كلمة الصحيح إلى الصحيح لذاته، وكلمة الحديث هذه مبتدأ، والصحيح صفتها، والخبر هو الذي يأتي -إن شاء الله- وهو قوله: " ما دار على عدل".

ثم ذكر المؤلف في هذا التعريف خمسة شروط عند أهل الحديث، وهي ثلاثة شروط عند الفقهاء، والذي يعنينا في هذا الباب هو اصطلاح أهل الحديث؛ لأن القاعدة المتقررة: أن كل فن يرجع فيه إلى أهله.

ففي التفسير يرجع إلى أهل التفسير، وفي أصول الفقه يرجع إلى أهل الأصول، وفي الفقه يرجع إلى الفقهاء، وفي اصطلاح أهل الحديث يرجع إلى أهل الحديث، وهكذا غيرها من الفنون.

شروط الحديث الصحيح

وهذه الشروط الخمسة التي اشترطها أهل الحديث، منها ثلاثة إيجابية أو ثبوتية، يعني: يجب وجودها أو توافرها في الحديث؛ ليحكم له بالصحة، وشرطان منها سلبية أو منفية، يعني: لا بد من انتفاءها من الحديث؛ حتى يحكم له بالصحة.

فالشروط الإيجابية الثلاثة الأول:

الشرط الأول: عدالة الراوي، يعني: لا بد أن يكون كل راوٍ من رواة هذا الإسناد عدلا، وهو معنى قوله: " هو ما دار على عدله" لكن ما هو العدل ولماذا اشترطت العدالة؟

والعدل لو أخذنا بتعريفات بعض الفقهاء الذين كتبوا في علم الاصطلاح لأشكل علينا كثير من الرواة، ولكن المعتمد -إن شاء الله- في هذا هو ما ذكره ابن حبان في" صحيحه " في بيان حال العدل.

فذكر: " أن العدل هو من كان أكثر أحواله طاعة الله -عز وجل- " فمن كان أكثر أحواله هي طاعة الله -عز وجل- فهو العدل، وهو الذي يقبل حديثه.

لأننا لو اشترطنا أن يكون كل إنسان يروي لنا الحديث سالما من المعصية، سالما من صغائر الذنوب وكبائرها؛ لأدى ذلك إلى أنه لا يكون هناك راو عدل، أو يقل أو يندر وجود الراوي العدل.

لأن الشيطان له مداخل على بني آدم، وقل من يسلم، ولا معصوم من هذه إلا الأنبياء والمرسلون -صلى الله عليهم-.

إذن فصار العدل هو من كان أكثر أحوالهم طاعة الله -عز وجل-؛ لأننا نجد بعض الرواة وصفوا ببعض المعصية، ومع ذلك قبل حديثهم، ولم يطعن في عدالتهم.

فـ شريك " وصف بالتيه والكبر؛ ومع ذلك قبل جماعة أو كثيرون من العلماء حديثه، والذين لم يقبلوا حديثه لم يقبلوه من جهة العدالة وإنما من امتنعوا من قبوله من جهة الحفظ؛ لأنه كان قد تغير حفظه لما ولي القضاء.

فصار هناك علماء أخذت عليهم بعض المآخذ من جهة قيام المعصية بأحدهم؛ ومع ذلك لم يمنع ذلك من قبول رواياتهم، وهذا أيضا مثل: " عكرمة مولى ابن عباس " ومثل: " شهر بن حوشب " وغيرهم.

هؤلاء تكلم فيهم بعض العلماء، وذكرت عليهم بعض المعاصي التي تظن أنها معاص، أو يزعم أنها معاص، أو قد تكون معاصي حقيقة؛ ومع ذلك لم يطعن أحد في عدالتهم.

لأنه لو طعن في العدالة؛ لسقطت الرواية مطلقا، ولم يقبل حديثه أبدا لا في الاعتبار ولا في الشواهد ومتابعاتها.

فصارت العدالة على الحد الذي ذكره ابن حبان، أو العدل على الذي ذكره ابن حبان -رحمه الله- هو الموافق لصنيع علماء الحديث، ويزيل كثيرا من الإشكالات.

ولهذا؛ الإمام الذهبي في كتابه: " الميزان " في ترجمة: " علي بن المديني -رحمه الله- " ذكر أنه ليس من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطأ ولا الخطايا، يعني: من الخطأ في الرواية، ولا الخطايا من جهة الدين.

فصار المعتبر في العدل أن يكون أكثر أحواله طاعة الله -عز وجل-، إذا كان الغالب عليه الطاعة لله -عز وجل- قبل حديثه؛ وبهذا يسلم لنا كثير من الرواة، بل من المخرج لهم في الصحيحين، وهم ممن وصفوا بنوع من أنواع التلبس بالمعصية.

وهذه العدالة اشترطها العلماء من أجل أن يؤمن معها الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن المقصود من رواية الحديث وصوله إلينا كما قاله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا تحققنا من عدالة الشخص، وتحققنا من عدالته إذا كان أكثر أحواله طاعة الله -عز وجل-.

الشرط أو بهذا القيد -قيد العدالة- يخرج صنفان من الرواة: صنف تحقق عدم عدالته، تحققنا أنه ليس بعدل، وهؤلاء هم: الكذاب والمتهم بالكذب، وهو الذي يكذب في حديث الناس، لكن لم يثبت عليه أنه كذب في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو تقع له روايات كثيرة يغلب فيها المخالفة ويظن أنه افتعلها، لكن لا يجزم بذلك؛ فهذا متهم بالكذب، وقادح ذلك في العدالة.

وكذلك الذي يسرق الحديث؛ هذا أيضا خارج من حد العدالة، وكذلك المتهم في دينه بالفسق وغيره؛ فهذا خارج من العدالة.

فصار الخارج من الصنف الأول -الخارج من العدالة-: من تحققنا عدم عدالته، ثبت عندنا أنه ليس بعدل؛ فهذا يطرح حديثه، ولا يقبل لا في المتابعات ولا في الشواهد، ووجود حديثه كعدمه، لا أثر له في تقوية الأحاديث، كما أنه ليس صالحا في نفسه.

وأما المبتدع - وهو الذي يحتاج إلى عناية-: فروايته مختلف فيها، سواء قلنا: إنه عدل، أو قلنا: إنه غير عدل، وسيأتي بحث المؤلف -رحمه الله تعالى- في رواية المبتدع، ويكون هناك التفصيل في هذه المسألة لبيان عمل أئمة الحديث -رحمهم الله-، والتفريق بين الرواية عن الراوي وبين قبول روايته.

والصنف الثاني الذي يخرج بهذا القيد: هو من لم تتحقق عدالته، القسم الأول: تحققنا عدم عدالته، والقسم هذا: لم نتحقق العدالة، ولكن ما تحققنا عدم عدالته.

فهناك تحقق العدالة: هذا هو الذي يدخل في حد الحديث الصحيح، وتحقق عدم العدالة: يخرج به المرء عن أن يكون من رواة الحديث الصحيح.

وأما من لم تتحقق عدالته: لا ندري هل هو عدل أو غير عدل؟ فهو أيضا يخرج بهذا القيد، يخرج بقيد العدالة من لم نتحقق عدالته.

وهذا يشمل المبهم مثل: إذا قال عن رجل أو عن بعض الناس أو عن بعض أصحابنا أو نحو ذلك؛ هذا يسمى مبهما، أو كان مجهول العين: وهو -كما ذكره الخطيب- من روى عنه واحد، ولو يوثق هذا يسمى " مجهول العين ".

وكذلك يخرج به مجهول الحال: وهو من روى عنه اثنان فأكثر، ولكنه لم يذكر بجرح ولا تعديل، ويسمى " المستور ".

فهؤلاء الثلاثة يخرجون بقيد العدالة، لا لطعن في العدالة، ولكن لعدم تحقق العدالة، وسبق لنا أن ذكرنا أن شروط الصحيح، أو أن وجود العدالة شرط ثبوتي، يعني: لا بد من وجوده في الراوي؛ حتى يحكم لحديثه بالصحة.

فـ " قيد العدالة " أخرج صنفين: من تحققنا عدم عدالته، ومن لم نتحقق عدالته أو لم نتحقق أهليته للرواية أو لرواية الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فإذا جاءنا مجهول أو مبهم: فإننا لا نحكم لحديثه بالصحة؛ لفقده شرطا من شروط الصحة وهي العدالة، ولكن المبهم والمستور ومجهول العين: هؤلاء حالهم أخف بكثير من الأولين أو من الصنف الأول؛ لأن الصنف الأول: وهو الكذاب والسارق والمتروك أو المتهم في دينه أو في حديثه، هذا لا يقبل حديثه مطلقا لا في الاعتبار ولا في الاحتجاج.

وأما بالنسبة لهذا الصنف الثاني للمجهول والمبهم: فهذا يقبل كثير من أهل العلم، أو بعض العلماء يقبلون حديثه في المتابعات، فإذا جاءه راو يتابعه على حديثه قبلوا حديثه، وإلا لم يقبلوا حديثه.

فكان الفرق بين من قدح في عدالته ومن لم نتحقق عدالته: أن الأول متروك أو ساقط الرواية مطلقا، وأما الثاني فيقبل إذا وجد له متابع عند طائفة من أهل العلم.

وهذه العدالة إذا قلنا: إنه لا بد من وجود العدل؛ لا بد لنا أن نعرف عبارات أهل العلم في تثبيت العدالة، كيف نعرف من كلام أهل العلم أن فلانا عدل ؟

وهذه من يعني من المسائل المهمة؛ لأن كونك تعرف أن العدل من كان أكثر أحواله طاعة الله، هذا أمر ميسور، لكن تطبيقه على كلام الأئمة المتكلمين في الرجال هو المهم.

فأحيانا يصف العلماء الراوي بأنه عدل، وهذا لا إشكال فيه لظهوره، هذا لا إشكال فيه؛ لأن كلامهم ظاهر وموافق للفظ المذكور في تعريف الحديث الصحيح، إذا قالوا: " فلان عدل " يعني: أنه ليس فيه ما يخل بدينه.

وتارة يعبرون عن العدالة بقولهم: " صدوق " إذا قالوا: " صدوق أو صالح " يعبر بها عن العدالة، فمن قيل فيه ذلك فقد ثبتت عدالته، والأول من كلمة " عدل " هذه ليست بكثيرة، والثانية هي التي " صدوق وصالح " هذه أكثر، هذه أكثر من الأولى.

وأحيانا يصفون حال الراوي وعبادته بما يتبين للمطلع على حاله بأنه عدل في دينه؛ فتجد في بعض التراجم يقول: فلان كان يصوم النهار ويقوم الليل، أو كان فلان يصنع كذا وكذا من أنواع الطاعات والعبادات.

فهذه مثبتة لعدالته ما لم يرد ما يناقضها؛ لأن بعض الناس قد يكون زاهدا ورعا صالحا في نفسه، ولكن يقع منه كذب يرد به حديثه، وهذا الكذب إنما فعله لمعنى من المعاني - كما يأتي إن شاء الله -.

فالشاهد: أنه إذا وصف الراوي بالطاعة، وعرف من حاله قيامه بالواجبات وتركه المحرمات؛ فهو عدل في دينه، ولو لم ينص العلماء على أنه عدل أو صدوق أو صالح.

وأحيانا -وهو الكثير- تكون هذه الكلمة -أو كلمة العدالة-مجموعة مع كلمة الضبط في كلمة واحدة وهي كلمة: " ثقة " فإذا قالوا في راو: " ثقة " فمعناه: أنهم ضمنوا لك حفظه وعدالته، ضمنوا حفظه وعدالته، فإذا وجدت في الترجمة " فلان ثقة "؛ فاعلم أنه عدل وأنه ضابط .

فهذه الأشياء الأربعة تدلك -أو مما يدلك- على عدالة الراوي، فهذا هو الشرط الأول من شروط صحة الحديث، وهو عدالة الراوي.

والشرط الثاني وهو الذي أشار إليه بقوله: " متقن وهو ما دار على عدل " متقن: هذه اسم فاعل من الإتقان، والإتقان: معناه معرفة الشيء على وجهه كما قال الله -تعالى-: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(1) يعرف على وجهه ويقام على وجهه الصحيح، إذا أتقن الشيء معناه: أنه أقامه على وجهه الصحيح، أو فعله على وجهه الأمثل.

وهنا المتقن: المراد به هنا الضابط؛ لأن الذي يروي الحديث يأتي به على وجهه الصحيح أو وجهه الأمثل، يأتي به على وجهه الصحيح أو على وجهه الأمثل.

فإذا قيل: " متقن " فمعناه هو الضابط، وهو الذي يعبر عنه عند بعض أهل العلم بـ " تام الضبط " فمن هو الضابط؟ ومن هو المتقن؟ قلنا: هما بمعنى واحد، طيب ما حد الضابط؟ كيف نعرف أن فلانا ضابط للحديث ؟

ضابط الحديث، أو متقن الحديث: ذكر العلماء -رحمهم الله- هو الراوي الذي تكون السلامة أو تكون أحاديثه أو غالب أحاديثه سالمة صحيحة، ليس فيها مخالفة لغيره ممن هو أوثق منه.

لكن قد يقع الخطأ والوهم والغلط في روايته، لكن على وجه القلة والندرة، ليس على وجه الكثرة.

فمن كان الغالب على حديثه الصحة والسلامة فهو الضابط والمتقن؛ وإن وقع في روايته بعض الغلط وبعض السهو، لكن يكون ذلك قليلا ونادرا؛ لأنه إذا كثر ضعف به الراوي.

ولهذا؛ الإمام مسلم -رحمه الله- ذكر في كتابه: " التمييز" أنه ليس من شرط ناقل الخبر أن يكون سالما من الخطأ والسهو، وكأن الإمام مسلم -رحمه الله- أشار في العبارة إلى أنه: لم يسلم أحد من الخطأ لا من الماضين -أو السلف الماضين- إلى زمانه.

بل مع تحريهم وشدة توقيهم وإتقانهم وحفظهم لما يروون؛ إلا أن السهو والغلط ممكن عليهم، وهم أئمة حفاظ.

هذا هو الذي ذكره أيضا الإمام الترمذي: بأنه لم يسلم من الخطأ كبير أحد من أئمة الحيث مع حفظهم.

والتطبيق العملي لأئمة الحديث من القديم يشهد بأنه لم يسلم أحد من الأئمة الحفاظ من الغلط، فكل الحفاظ أو أكثرهم قد أخطأ ولو في حديث واحد.

الشاهد أنه لم يسلم أحد من الخطأ، وهذا الخطأ القليل أو النادر لا يعني تضعيف حديثه وروايته؛ ما دام أن الغالب على حديثه هو السلامة.

وقد وقع الوهم والخطأ حتى لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعائشة -رضي الله عنها- استدركت على الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، أو على بعض الصحابة ما وهموا وأخطأوا فيه، وفيه صنف الزركشي كتابه: " الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة " .

وسعيد بن المسيب -رحمه الله- وهَّم ابن عباس -رضي الله عنهما- في حديثه في قصة تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهو محرم، وابن عباس معروف مكانه من الحفظ والإتقان والجلالة؛ ومع ذلك وهَّمه سعيد بن المسيب في هذا الحديث.

لأن- كما سبق- العصمة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنبياء الله ورسله، لأنهم هم الذين يسددهم الوحي، وأما غيرهم فقد يقع منه الخطأ وينبه على ذلك الخطأ وليس منقصة في حقه.

والإمام البخاري وأبو حاتم خطأا معمرا في: "حديث الفأرة " وخطأ الإمام مسلم الإمام الزهري -رحمه الله تعالى- وهو من أوسع حفاظ الإسلام وأكثرهم رواية، خطأه في حديث: " ذي اليدين ".

وخطأ الإمام مسلم شعبة -وهو أمير المؤمنين في الحديث- خطأه -رضي الله تعالى عنه- في حديث، وخطأ الدارقطني والإمام مسلم خطأا الإمام مالكا -رحمه الله- وهو من أحفظ حفاظ الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك خطئوه في بعض الأحاديث.

ومن أراد ذلك فليراجع كتاب: " ما خولف فيه الإمام مالك -رحمه الله- " ففيه بعض الأخطاء التي وهم أو خطأ فيها الإمام الدارقطني الإمام مالكا -رحمه الله-، وهو قد بلغ في الحفظ والجلالة والإتقان ما جعل كثيرا من العلماء يتهيبون من تخطئته، أو من توهيمه في بعض الأحاديث.

والشاهد من هذا كله: أن الضبط أو تمام الضبط لا يعني عدم الخطأ: وإنما يعني أن يكون الغالب على حديث الراوي السلامة والصحة، وإذا وقع خطأ منه فإنه يقع خطأ قليل نادر ليس بكثير؛ لأنه إذا كثر من الراوي ضعف حديثه به.

والضبط له أقسام، أو له قسمان، كل قسم تحته قسمان:القسم الأول باعتبار حال الراوي، والقسم الثاني باعتبار الإطلاق والتقييد.

أما القسم الأول: فهو باعتبار حال رواية الراوي فهو قسمان أيضا، وهو ضبط حفظ أو ضبط صدر، وضبط كتاب .

وهذه العبارة ليست بحادثة، وإنما ذكرها ابن معين -رحمه الله تعالى- فلما جاء وذكر" عبد الله بن صالح كاتب الليث " قال ابن معين: والثبت ثبتان ثبت حفظ وثبت كتاب، و " عبد الله بن صالح " ثبت كتاب.

ومعنى ثبت الحفظ أو حفظ الصدر: هو أن يحفظ الراوي الأحاديث عن ظهر قلب؛ بحيث يستطيع أن يستحضرها متى شاء، وهذا كان في الأولين، كثير من الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ لأن الأسانيد كانت قصيرة، والروايات لم تتشعب ولم تتعدد.

لكن لما طالت الأسانيد وكثرت الروايات؛ صار الأكثرون أو كثير ممن جاء بعدهم يعتمد على الكتاب، وإن كان يحفظ هذه الأحاديث في صدره إلا أن العمدة هو كتابه؛ فإذا وهم في حديث أو أخطأ في حديث راجع كتابه.

فالأولون كان الغالب عليهم الحفظ، ومن جاء من بعد أتباع التابعين الغالب عليهم أنهم يكتبون هذه الأحاديث، وإن كانوا يحفظونها في صدورهم.

وأما بالنسبة لـ " ضبط الكتاب " فمعناه: أن يحفظ المحدث كتابه الذي سمع فيه من شيخه، يحفظه من التبديل والتغيير حتى يؤدي منه؛ فمن كان كذلك فإنه يسمى " ضابط كتاب ".

وقد اشتهر بهذا الأمر حتى بلغ غاية فيه " إبراهيم بن حسين بن جيزين " اشتهر بضبط كتابه؛ فكان بعض أهل العلم يقول: لو روى حديثا فيه لا يؤكل الخبز؛ لوجد ألا يؤكل؛ لصحة إسناده.

وهو إنما يعتمد على كتابه فقط، ولا يعتمد على حفظه، يعتمد على كتابه؛ فهذا يدلك على أن ضبط الكتاب معتبر عند أهل العلم، ولو لم يكن الراوي حافظا لما يرويه في صدره.

وأما إذا دخل الكتاب الرواة الذين ذكر أنهم غيروا في كتبهم أو بدلوا؛ فهؤلاء يضعف حديثهم ويحكم عليهم بالضعف، لا لضعف في أنفسهم وإنما لضعف في كتبهم؛ فهم لم يعتنوا بكتبهم، ولم يحفظوها من التغيير والتبديل.

فلما وقع فيها التغيير والتبديل؛ صار كل حديث منها يظن أنه حديث مغير مبدل، وهذا كما حصل لـ " سفيان بن وكيع بن الجراح " كان عدلا في نفسه، لكن كان كتابه عند وراقه، وكان وراق سوء، كان يدخل عليه بعض الأحاديث.

فترك العلماء حديث سفيان لا طعنا في سفيان؛ ولكن طعنا في ضبطه لكتابه من جراء وراقه الذي أدخل عليه ما ليس من حديثه، وهو لم يكن حافظا لحديثه بحيث يميز ما كان من حديثه أو لم يكن، وإنما كان يعتمد على كتابه.

وأما " أبو زرعة الرازي " فإنه لما كان حافظا لحديثه في صدره وفي كتابه، لما حاول بعض الناس أن يدخل عليه أحاديث في كتبه؛ تنبه لذلك وأبطلها -رضي الله تعالى عنه-.

والقسم الثاني من أقسام الضبط: هذا باعتبار الإطلاق والتقييد، فهناك ضابط بإطلاق، ليس مقيدا ضبطه لا بمكان ولا بزمان ولا بحالة ولا بشيخ ولا بعلم ولا بأهل بلد، وإنما هو ضابط مطلقا، فكل حديث يرويه يحكم له بالصحة إلا ما ثبت أنه أخطأ فيه، وهذا كثير في أئمة الحديث -لا حصر لهم-.

وقسم آخر وهو المهم: هو" الضابط بقيد " يعني: يكون ضبطه محصورا في شيء معين؛ فهذا القسم يحكم لحديثه بالصحة فيما ضبط فيه، وما عداه فلا يحكم له بالصحة.

فتارة قيد العلماء الضبط بحالة الراوي يقولون: " إذا حدث من حفظه فهو ضعيف، وإذا حدث من كتابه فحديثه صحيح " وهذا مثل ما قيل في " الداروردي " ذكر هذا فيه -الداروردي- ذكر أنه: " إذا حدث من حفظه فيحكم لحديثه بالضعف، ولكن إذا حدث من كتابه حكمنا لحديثه بالصحة ".

فإذا أردنا تطبيقه على كلمة " المتقن " في هذا الحديث نقول: هو متقن فيما حدث فيه من كتابه؛ فإذا حدث من كتابه دخل في حد الحديث الصحيح أو دخلت روايته في حد الحديث الصحيح، وإذا حدث من غير كتابه -يعني: من حفظه- فحديثه ليس داخلا في حد الصحيح.

لأنه والحالة هذه- ليس بضابط ولا متقن، ومن شرط الحديث الصحيح أن يكون راويه متقنا؛ لأننا الآن نذكر حد الحديث الصحيح لا نذكر صفة الرجل، وهذا الرجل إذا روى من كتابه انطبق عليه أنه متقن وأنه ضابط فدخل في حد الحديث الصحيح، وإذا حدث من حفظه خرج من هذا أو خرج من حد الحديث الصحيح؛ لأنه عندئذ لا يكون متقنا ولا ضابطا، فلا يشمله حد الحديث الصحيح.

وتارة يكون الراوي متقنا في زمان معين، وهذا في الرواة المختلطين: يذكر أهل العلم أنه إذا حدث قبل اختلاطه فيحكم لحديثه بالصحة، بل بعضهم حديثه في أعلى مراتب الصحة، ومخرج له في الصحيحين إذا كان قبل الاختلاط، وأما بعد الاختلاط فحديثه ضعيف.

وهذا كثير أو في جملة كبيرة من العلماء مثل: " الجريري سعيد بن أبي عروبة " وجماعة هؤلاء: إذا حدثوا قبل الاختلاط فحديثهم صحيح؛ فينطبق عليهم أنهم متقنون، ويشملهم حد الحديث الصحيح؛ ولهذا خرج حديثهم الذي قبل الاختلاط في الصحيحين.

وأما إذا كان حديثهم بعد الاختلاط فهؤلاء يكون حديثهم ضعيفا؛ لأنهم عندئذ لا يكونون متقنين، فليسوا بداخلين في حد الحديث الصحيح.

وتارة يقيد العلماء الضبط والإتقان بمكان، تارة يقيد بمكان كما إذا قالوا: إذا روى فلان أو حدث فلان في البلد الفلاني فحديثه صحيح، وإذا حدث في غيره فحديثه ليس بصحيح.

وهذا كما قيل في " معمر ": " معمر حجة بلا نزاع " كما قال العراقي، ولكن إذا حدث في " اليمن " فحديثه صحيح، وإذا حدث في" البصرة " فحديثه ضعيف.

وكذلك " المسعودي " إذا حدث في" الكوفة " فحديثه صحيح، وإذا حدث في " بغداد " فحديثه ضعيف.

فإذا طبقنا تعريف الحديث الصحيح، واشترطنا أن يكون راويه متقنا ضابطا؛ وجدنا أن " المسعودي " متقن في روايته بـ " الكوفة " غير متقن في روايته بـ " بغداد " أو غير حافظ في روايته بـ " بغداد "؛ فنحكم على حديثه في هذا المكان في " الكوفة " بأنه صحيح، وأن الراوي ضابط ونحكم على حديثه بـ " بغداد " بأنه ضعيف؛ لأنه عند تحديثه في " بغداد " قد فقد شرطا من شروط الصحة وهو: " الإتقان والضبط".

وتارة يقيد العلماء الضبط بأهل بلد يقولون: إذا روى فلان عن أهل هذا البلد فهو ثقة، وإذا روى عن غيرهم فهو ضعيف.

وهذا كما قيل في " إسماعيل بن عياش " إذا روى عن الشاميين: إذا كان شيخه شاميا فحديثه صحيح، وينطبق عليه حد الحديث الصحيح؛ لأنه حينئذ يكون متقنا، وشرط الحديث الصحيح أن يكون راويه متقنا؛ فانطبق عليه هذا الشرط فيما حدث به عن الشاميين.

وأما إذا حدث عن غير أهل الشام من الحجازيين والعراقيين وغيرهم؛ فهذا نحكم لحديثه بالضعف، لأن حديثه أو لأنه في حديثه عن غير الشاميين لا يضبطه ولا يحفظه؛ فكان حديثه ضعيفا، فلا ينطبق عليه شرط الحديث الصحيح وهو: " وجود الإتقان ".

وكذلك أحيانا يقيدون الضبط بشيخ معين يقولون: فلان إذا حدث عن فلان فهو ثقة، وإذا حدث عن غيره فهو ضعيف.

هذا كما في " عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روان " هذا قال العلماء: إذا حدث عن ابن جريج فهو ثقة وحديثه صحيح، وإذا حدث عن غير ابن جريج فحديثه ضعيف.

فإذا وجدنا حديثا حدث به " عبد المجيد بن أبي روان " فننظر: هل شيخه ابن جريج أو غير ابن جريج؟ إذا كان ابن جريج حكمنا لحديثة بالصحة؛ لأنه ينطبق عليه شرط الصحيح وهو الإتقان.

وأما إذا كان شيخه غير ابن جريج فنحكم على حديثه بالضعف؛ لأنه لا يكون حافظا عندئذ للحديث، ومن شرط صحة الحديث أن يكون راويه حافظا أو ضابطا أو متقنا له.

وأحيانا يقيدون الضبط بفن أو بعلم من العلوم: كما ذكر عن ابن إسحاق -صاحب السيرة- فبعض أهل العلم يقول: إذا حدث، إذا كان حديثه في السير والمغازي فهو ثقة حجة، وأما في غيرها فهو ضعيف.

فيميزون بحسب العلم؛ لأن بعض المحدثين أو بعض الرواة يكون له مزيد عناية أو عناية تامة بعلم من العلوم، يصرف وقته وهمته ونشاطه وحفظه فيه، كما كان يصنع ابن إسحاق في تتبعه للمغازي والسير، وأما غيرها فيضعف جانبه فيه.

فمثل هذا إذا جاءنا بحديث بالأحكام قلنا: ضعيف؛ لأنه ليس بضابط لأحاديث الأحكام، ومن شرط صحة الحديث أن يكون راويه ضابطا، وهذا غير ضابط في هذا الفن.

وأما إذا روى في السيرة والمغازي فنقول: حديثه صحيح؛ لانطباق شرط الصحيح عليه وهو الإتقان.

فصار عندنا الضبط لاعتبار الإطلاق والتقييد هو من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها دارس هذا الفن؛ لأننا أحيانا نجد مثل: أن بعض الرواة يذكر-في كتب المختصرات كـ " التقريب " وغيره -أن فلانا ثقة أو ثبت أو حافظ أوغير ذلك من الألفاظ .

فإذا قرأنا في الكتب المطولة وجدنا أن هذا الحكم على سبيل العموم، لكن في بعض الأحوال يكون حديثه ضعيفا.

نقول أو نجد العكس، نجد أن الراوي -مثلا- يكون ضعيفا: مثل ما يوصف به -مثلا- " زياد بن عبد الله البكاي " يوصف بأنه ضعيف في الكتب المختصرة.

لكن إذا رأيت ترجمته في الكتب المطولة وجدت أن العلماء يثبتون روايته ويجعلونها من أحسن الروايات وأكملها وأثبتها، بل بعضهم يجعلها أثبتها في روايته للمغازي والسيرة عن " ابن إسحاق ".

فالشاهد من ذلك: أنه ينبغي الاعتناء بالضبط -الضبط المطلق والضبط المقيد- فليس كل ضابط، يعني: فليس كل ضعيف لا يصح حديثه مطلقا إلا إذا كان ضعيفا مطلقا، وليس كل ثقة يصح حديثه مطلقا إلا إذا كان حافظا مطلقا لم يقيد بشيء أو براو من الرواة.

وهذا الضبط أو تمام الضبط: يعني كيف نعرفه من كلام أهل العلم؟ عرفنا أن الضابط -كما تقدم- هو الذي تكون السلامة على حديثه أكثر، وأن الخطأ إذا وقع منه فلا يقع إلا نادرا أو قليلا .

فكيف نطبق ذلك على الرجال الذين تكلم فيهم أئمة الجرح والتعديل؟ لأن العلماء لا تجدهم يفصلون لك في الراوي بحسب الاصطلاح المعهود عندنا؛ لأن هذا الاصطلاح ما هو إلا قواعد كلية تندرج تحتها الأمثلة التي ذكرها الأئمة.

فالضابط أو راوي الحديث الصحيح يعبر عنه بـ " ضابط " وهذا ليس بكثير، قليلا ما تجد أن العلماء يقولون في فلان بأنه " ضابط " الكثير تجد " حافظا " وتجد أيضا " متقنا " لكن كلمة " ضابط " فيها نوع قلة بالنسبة لهذين الأمرين.

لكن يستفاد هذا الحكم -أو على الرجل- بتمام الضبط من عبارات أئمة الجرح والتعديل في مراتب التحذير والتوثيق، وهذه لا تكون إلا بعد -يعني- دراسة.

فهناك مراتب -ذكرها أهل العلم- راويها يكون حديثه صحيحا، فأحيانا يقال: فلان ثقة حجة متقن، وأحيانا يقول: إليه المنتهى، وأحيانا يقول: فلان لا يسأل عنه، وأحيانا: فلان ثبت، وغيرها من الأمثلة الكثير.

كلها تدل على ضبط الراوي وتمام ضبطه، والرواة -حتى الموصوفون بالضبط هؤلاء- يتفاوتون في الضبط، لكن يجمعهم قاسم مشترك وهو: أن الغالب على حديثهم السلامة والصحة.

وأحيانا يستفاد تمام الضبط من العبارة المركِبة للعدالة وتمام الضبط وهي كلمة " الثقة "؛ فإذا قالوا في راو بأنه ثقة فمعناه أنه يجمع بين العدالة وتمام الضبط .

فهذه ثلاثة أشياء قد يستعان بها على فهم مراد العلماء من الحديث، أو من إطلاق العلماء، أو من معرفة تام الضبط عند علماء هذا الفن، وهي لا تظهر جليا وواضحا إلا بعد التقصي والدراسة التامة لمراتب الجرح والتعديل والمفاضلة بين الأئمة الحفاظ.

وهذا الضبط الذي ذكره العلماء لا يلزم منه -أن يكون أو- وصف الراوي بأنه ضابط أو تام الضبط، لا يلزم منه أن يكون عدلا، كما لا يلزم من وصف الراوي بأنه عدل أن يكون ضابطا.

فالقاعدة: أنه لا تلازم بين العدالة والضبط، فقد يوصف الراوي بأنه حافظ وثقة ومتقن، ولكنه ليس بعدل، وقد يوصف الراوي بأنه عدل في دينه، ولكنه ليس بحافظ.

ويدلنا على هذا: أن ابن أبي حاتم -رحمه الله- سأل أبا زرعة عن رجل؟ فقال أبو زرعة: حافظ، فقال ابن أبي حاتم: أصدوق هو؟ يعني: أهو عدل في دينه؟ فلم يكتف ابن أبي حاتم بقوله: ضابط؛ لأنها لا تدل على التوثيق، ولا تدل على العدالة، وإنما تدل على الحفظ.

ولهذا؛ لما سئل وكيع بن الجراح عن رجل قال: " رجل صالح -يعني في دينه- وللحديث أهل " يعني: ليس من أهل الحديث، بمعنى: أنه لا يضبط الحديث ولا يحفظه، وإن كان صالحا في دينه.

ولهذا؛ يحيى بن سعيد القطان يقول: " لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث " والمراد هنا: ليس تعمد الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما المراد: الخطأ والخطأ، أو كثرة الخطأ في الحديث، يطلق عليها في لغة العرب " كذبا " كما هي لغة أهل الحجاز.

فقوله: " لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث " يعني: أنه يجري الحديث على ألسنتهم -من غير- أو يجري الكذب على ألسنتهم من غير تعمد له.

كما نص على ذلك الإمام مسلم -رحمه الله- في شرحه لعبارة يحيى بن سعيد القطان هذا، وإلا لا يظن بالصالحين أنهم يكذبون، وبخاصة في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.

غير أن بعض من ثبت عليه كذب من الصالحين، أو قصد الكذب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا له -يعني- محمل، أو له وجهة عندهم خطأهم فيها العلماء، وأنهم يكذبون للنبي -صلى الله عليه وسلم- في زعمهم لا عليه؛ جلبا للقلوب وترغيبا لها في الخير.

وهذا غلط؛ لأن فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- غنية عما لم يصح عنه -صلى الله عليه وسلم-.

ولهذا؛ الحافظ أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني كان من أحفظ الحفاظ، بل فضله بعض العلماء على الإمام أحمد، وعلى ابن المديني، وعلى ابن معين في حفظه .

ولكنه كان يكذب فطرح العلماء حديثه كله؛ حتى قال فيه الإمام البخاري -رحمه الله-: هو أضعف عندي من كل ضعيف لأنه كان يكذب، فهو حافظ ضابط، ولكنه ساقط العدالة لكذبه على النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقد تقدم لنا في العدالة: أن من تحققنا عدم عدالته -وبخاصة في كذبه على النبي صلى الله عليه وسلم- فإنه يطرح حديثه، ولا يحل إيراده ولا الاستشهاد به ولا الاعتبار به.

وهناك كثير من العلماء أو الرواة ممن وصفوا بالصلاح والزهد والعبادة، ولكنهم كانوا في حفظهم غير مقبولين عند أئمة الحديث مثل: موسى بن عبيدة الربدي، ومثل: أبان بن أبي عياش، ومثل: يزيد الرقاشي، ومثل: الرشتين بن سعد، وجماعة.

هؤلاء صالحون في أنفسهم، ولكن غلبت عليهم غفلة الصالحين؛ فصاروا يخطئون في أحاديثهم؛ فلهذا رد العلماء حديثهم لا طعنا في عدالتهم وإنما طعنا في حفظهم.

وهذا كله يبين لك أن العدالة والضبط غير متلازمين، فليس كل عدل حافظا كما أنه ليس كل حافظ عدلا، وبهذا يتم الشرط الثاني من شروط صحة -أو الحكم على- الحديث بأنه صحيح، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد له رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في الدرس السابق كان الكلام عن الحديث الصحيح، قد ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن أهل الحديث يشترطون لصحة الحديث خمسة شروط: ثلاثة لا بد من توفرها في الحديث، واثنان لا بد أن ينتفيا عن الحديث.

وهذه الشروط الخمسة متعلقة بالحديث في متنه وإسناده، وتقدم الكلام على شرطين منها:

وهو شرط عدالة الراوي، وأن الأظهر فيه وفي حد العدالة، أو في صفة الرجل العدل في رواية حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن يكون في أكثر أحواله مطيعا لله -تعالى-.

والشرط الثاني ، وهو شرط الإتقان أو الضبط: فرجل الحديث الصحيح لا بد أن يكون متقنا ضابطا لما يروي، وضبط الحديث سبق أن معناه عند أهل الاصطلاح: أن يكون الغالب على حديث الرجل الصحة والسلامة.

وأن الوهم والخطأ والسهو الذي يقع في الرواية لا يؤثر على ضبط الراوي، ولا يمنع من إجراء أحاديثه عن الصحة، إلا ما ثبت أنه أخطأ فيها، وسبق التمثيل على ذلك.

وبقي في هذا الشرط، أو في هذين الشرطين أن يقال: إن العدالة والضبط الغالب في التعبير عنهما أن يعبر بكلمة ثقة، وهذا هو المشهور أو الغالب في كلام الأئمة.

وقد يعبر عن العدالة والضبط بصحة الرجل أو بصحة الرجال، وهذه وردت في كلام ابن المبارك -رحمه الله- فإنه قد قال: " ليس جودة الحديث قرب الإسناد، ولكن جودة الحديث صحة الرجال ".

يعني: في العدالة والضبط، فإذا قيل: " رجل صحيح " فمعناه أنه قد استوفى شرطين، وهما: العدالة والضبط؛ لأن الحكم ها هنا منصب على الرجال أنفسهم لا على الإسناد بأجمعه.

وبقي أمر آخر في الضبط والعدالة: وهو أن الضبط والعدالة أحيانا يخرج الوصف بهما من إمام واحد، كأن يصف الإمام أحمد راويا بأنه ثقة، أو يصفه على بن المديني أو يصفه يحيى بن سعيد أو يصفه ابن مهدي أو غيره من الأئمة يقول: فلان ثقة، أو فلان عدل ضابط.

فأحيانا عبارة التوثيق تصدر من إمام واحد فحسب، وأحيانا لا بد للإنسان أن يركب من كلام الأئمة ما يستخرج به هذا الوصف .

فأحيانا يوجد من العلماء من يصف بعض الرواة بما يثبت به العدالة، أو تثبت به العدالة دون الضبط، ونجد في كلام الإمام الآخر ما يعطينا الضبط أو الحكم على هذا الراوي من ناحية ضبطه؛ فنركب من هذين الكلامين حكما وهو: " إثبات ثقة الراوي ".

لكن لا ينسب التوثيق إلى من قال، أو إلى من وصفه بالعدالة، كما أنه لا ينسب التوثيق إلى من وصفه بالحفظ والضبط، وإنما يكون الحكم مستخلصا من كلام الأئمة بشقيه، ولا ينسب القول لأحدهما، وإنما ينسب لكل إمام ما قاله في مثل هذه الحالة.

وبهذا ينتهي الشرط الثاني من شروط صحة الحديث وهو: " إتقان الراوي أو ضبطه ".

بقي ها هنا سؤال أورده أحد الإخوة -يوم أمس- وهو: الفرق بين الضابط والحافظ؟

العلماء يعبرون بهما عن الرجل الذي يمثل حديثه الحديث الصحيح، ولكن كلمة الحافظ أشمل من كلمة الضابط؛ لأن كلمة الضابط معناها ضبط ما يرويه فقط.

بعض الرواة ليس له إلا خمسة أحاديث أو عشرة أحاديث، وبعضهم له مائة حديث، وبعضهم له عشرة آلاف، وبعضهم له خمسون ألف حديث؛ فإذا كان ضابطا لهذه الأحاديث التي يرويها فإنه يسمى ضابطا.

وأما الحافظ: فوصف زائد، أو وصف الراوي بالحفظ فهو زيادة على الضبط، فالحافظ -على ما يأتي إن شاء الله- عند أهل العلم يكون مشتهرا بطلب الحديث معروفا به، ويكون ما يعرفه من الأحاديث أكثر مما يجهله، ويكون له عناية بالحديث من معرفة صحيحه وسقيمه، و غير ذلك.

فكل حافظ ضابط ولا عكس، فالضابط لا يطلق عليه حافظ؛ لأنه إذا كان ضابطا لما يرويه -قد يكون ضابطا لما يروي- ولكنه غير مشتهر بطلب الحديث، غير معتنِ به من ناحية معرفة صحيحه وضعيفه ورجاله.

فالشاهد: أن كل حافظ ضابط ولا عكس، فلا يطلق على الضابط حافظا؛ إلا إذا اجتمعت فيه شروط الحافظ، ولكن إذا قيل: " حافظ " أو قيل: " ضابط "؛ صار صاحبه من مرتبة أهل الحديث الصحيح الذين يصحح حديثهم.

ثم -بعد ذلك- ننتقل إلى الشرط الثالث الذي قال المؤلف: " واتصل سنده " اتصال السند معناه: أن يكون كل راو من رواة الحديث قد أخذ الحديث عمن فوقه بإحدى طرق التحمل الصحيحة.

والفوقية تكون من جهة الصحابي؛ فأعلى الإسناد: الصحابي، ثم دونه: التابعي، ثم دونه: تابع التابعي، وهكذا حتى يوصل إلى المصنف.

فكل راو يأخذ ممن فوقه بإحدى طرق التحمل الصحيحة؛ لأن طرق التحمل التي ذكرها أهل العلم ثمانية:

منها ما هو صحيح مثل السماع والقراءة، ومنها ما هو فيه خلاف بين أهل العلم مثل الإجازة والمناولة، ومنها ما هو ضعيف عند أئمة الحديث كالوجادة.

فالشاهد: إذا كانت هذه الطريقة التي تحمل بها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- صحيحة حكمنا على إسناده بأنه متصل.

فإذا روى عن شيخه بالسماع، سمع من شيخه لفظ الحديث؛ فهذا يكون إسناده متصلا بشيخه.

وإذا روى عن شيخه عن طريق القراءة؛ فكذلك يكون إسناده متصلا، وهكذا بقية طرق التحمل التي صححها أهل العلم.

وأما إذا كانت هذه الطريقة غير صحيحة، أو طريقة التحمل غير صحيحة؛ فإنه يحكم للإسناد بالانقطاع، أو يحكم على الإسناد بأنه إسناد منقطع.

وبهذا القيد: وهو" اتصال السند " يخرج عندنا المنقطع بأنواعه: سواء المرسل أو المدلس أو المعضل أو المنقطع بمعناه الخاص.

فهذه كلها إذا وجدت في الحديث؛ حصل في السند انقطاع، فإن الحديث الصحيح يفقد حينئذ شرطا من شروط الصحة؛ فلا يحكم له بالصحة.

وكذلك يخرج بهذا القيد إذا تحمل الحديث بإحدى طرق التحمل غير الصحيحة مثل: الوصية والوجادة وغيرها.

فهذه مضعفة عند أهل العلم؛ فلو تحمل بها يعني: وجد كتابا لشيخه فرواه عنه دون أن يسمعه منه؛ فإنه حينئذ -تكون هذه الطريقة، أو هذا التحمل- يكون تحملا ضعيفا لا يحكم معه باتصال الإسناد؛ وبهذا يكون الشرط الثالث من شروط صحة الحديث قد تم.

وننتقل إلى الشرط الرابع، قلنا: الشرطان الرابع والخامس شرطان يجب انتفاؤهما عن الحديث حتى يحكم له بالصحة.

والشروط الأول الثلاثة هذه متعلقة بالإسناد: فعدالة الراوي وضبطه واتصال الإسناد لا علاقة لها بالمتن، وإنما الأمر فيها مختص بالإسناد.

والمراد من أنه لا علاقة لها بالمتن يعني: أنها ليست من خصائص المتن، وإلا من ناحية التأثير لها تأثير على المتن.

فالإسناد الذي يكون فيه راو ضعيف، أو يكون فيه راو غير عدل، أو يكون منقطع الإسناد؛ هذا له أثره في الحكم على الحديث.

لأننا نحكم على الحديث حينئذ بأنه حديث ضعيف لا يصح؛ لفقده شرطا من شروط الصحة، وإنما المراد: أنه لا علاقة لهذه الأشياء بالمتن، يعني: أنها ليست من خصائص المتن، وإنما هي من خصائص الإسناد.

وكذلك الشروط الأول: بعضها إذا فقد من الإسناد؛ فإنه يطرح الحديث كلية، ولا يحتج به، ولا يستشهد به.

وبعضها إذا فقد من الإسناد؛ فإن الإسناد يعتبر به، ولو مع فقدها، على معنى: أنه لا يحتج به استقلالا، وإنما يصلح في الشواهد والمتابعات.

فالعدالة -كما تقدم- إذا فقد شرط العدالة -شرط العدالة إذا فقد- طرح الحديث بالكلية وكان وجوده كعدمه، وضبط الراوي إذا لم يفحش فإنه يستشهد به ويكون عاضدا لغيره، ويعضده أيضا غيره.

واتصال الإسناد إذا فقد كان الحديث ضعيفا، لكن إذا جاء له طريق آخر من مخرج آخر؛ فإنه يرقي هذا الحديث -مع انقطاعه- إلى الدرجة التي هي أعلى منه.

وأما بالنسبة بالنسبة للشرطين الآتيين وهما: " الشذوذ والعلة " فهذان الشرطان إذا وجدا في حديث فإنه لا يصلح للاعتبار ولا للاستشهاد.

لأنا إذا حكمنا على حديث بأنه شاذ أو بأنه معل؛ فإنه حينئذ نحكم بأن هذه الرواية خطأ.

وإذا كانت الرواية خطأ، ثبت عندنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقلها ثبوتا جازما لحصول الخطأ المتيقن؛ فلا يصلح حينئذ أن نعضدها.

وأما ما يعضد من الأحاديث فإنه إنما يعضد لأنه متردد الاحتمال، فيحتمل أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، ويحتمل أن يكون -صلى الله عليه وسلم- لم يقله.

ونظرا لهذا؛ إذا جاءنا عن طريق آخر عرضه ورجح لنا أحد الاحتمالين، وأما إذا جزمنا بأن هذه الرواية خطأ قطعا فلم يقعد هناك إلا احتمال واحد فقط.

وأما الرواية المغلوطة أو الشاذة أو المنكرة: فإن هذه يكون عندئذ وجودها كعدمها، ولا تصلح للاستشهاد ولا الاعتبار؛ للاعتقاد الجازم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقلها.

فلم يعد هناك احتمالان يحتاج أحدهما إلى الترجيح، أو ترجيح أحد الوجهين على الآخر.

فالشاهد من هذا كله: أن الشروط الثلاثة الأول متعلقة بالإسناد، والشرطان الآتيان يتعلقان بالإسناد والمتن، يتعلقان بالإسناد والمتن.

والشرطان الآخران أو الآتيان: هذان الشرطان إذا وجدا في الحديث؛ ضعف جدا، ولا يقبل أن يكون شاهدا ولا مشهودا له.

وأما الثلاثة الشروط الأول: ففيها ما يصلح أن يكون شاهدا ومشهودا له وفيها ما لا يصلح.

وإذا أردنا أن نفسر كلام المؤلف في معرفة الشاذ؛ فإن خير ما يفسر به كلامه أن نفسره بكلامه نفسه؛ لأنه لما عرف الشاذ ذكر أن الشاذ هو الذي يخالف راويه الثقات، أو يكون راويه ممن لا يحتمل تفرده.

والذي لا يحتمل تفرده هو الذي فيه ضعف من جهة حفظه، هذا لا يحتمل تفرده بالحديث، يعني: إذا تفرد بالحديث بمفرده؛ فإنه لا يقبل، هذا هو الذي يكون في حفظه ضعف.

وهذا الشطر الثاني غير مراد عندنا في الشذوذ المنفي في الحديث الصحيح؛ لأن الحديث الصحيح يشترط أن يكون راويه ثقة.

وإذا خف ضبط الراوي وهو: الذي لا يحتمل تفرده بالحديث؛ إذا خف ضبطه، أو ضعف ضبطه؛ خرج من حد الحديث الصحيح؛ لأن الراوي أصلا ليس بثقة.

فالجزء الثاني من الشاذ أو من تعريف المؤلف للشاذ: غير مراد عندنا فيما يجب نفيه عن الحديث الصحيح من الشذوذ.

فلم يبق إلا الشطر الأول: وهو الحديث الذي يخالف راويه الثقة، فكلمة: " راويه " هنا تشمل الثقة وتشمل الضعيف، فالضعيف إذا خالف الثقات صدق عليه هذا التعريف، والثقة إذا خالف الثقات صدق عليه هذا التعريف، لكن المراد ها هنا: أن يخالف الثقة من هو أوثق منه.

أما إذا خالف الضعيف من هو أوثق منه فلا يرد عندنا ها هنا؛ لأن من شروط صحة الحديث أن يكون راويه ثقة، فلا مجال لدخول الرجل الضعيف في الحديث الصحيح أصلا؛ فلا يرد على الحديث الصحيح.

فبقي عندنا مخالفة الثقة لمن أوثق منه؛ فيكون مراد المؤلف بالشاذ هنا: أن يخالف الثقة من هو أوثق منه، سواء كان في المتن أو في الإسناد، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في " مبحث الشاذ " ما يبين هذا.

ولكن الذي ينبغي أن يعلم: ألا يكون الحديث شاذا لا في إسناده ولا في متنه، يعني: لا يأتي الراوي في متن الحديث بما يخالف رواة الحديث الذين هم أوثق منه، الذين هم أوثق منه.

ولا يخالف في الإسناد بمعنى: أنه إذا روى غيره الحديث مرسلا من الأئمة الثقات، رواه الرواة مرسلا، أو رووه موقوفا؛ فرواه مرفوعا.

فإنه حينئذ لو جاءتنا روايته موصولة أو مرفوعة وهو ثقة، لكن غيره من الثقات يروي الحديث موقوفا أو مرسل؛ فإننا نقول: إن حديث هذا الثقة -الذي روى الحديث موصولا أو موقوفا- حديث لم يستكمل شروط الصحة؛ لوجود الشذوذ فيه وهو: " مخالفته للثقات ".

وكذلك لو جاء بلفظة للحديث لم يأت بها إلا هو من بين الأئمة الحفاظ الذين يشاركونه في رواية الحديث؛ فإنه حينئذ تعل، أو يحكم على هذه اللفظة بأنها لفظة شاذة، بأنها لفظة شاذة؛ لأنه لم يأت بها إلا هو من بين الأئمة الثقات.

وهذا المبحث سيأتي تفصيله -إن شاء الله تعالى- في " مبحث الشاذ " حين يورده المؤلف.

فالشذوذ يجب أن يكون منتفيا عن الحديث الصحيح، فالإسناد إذا كان شاذا؛ فإن الوصف الأول من أوصافه يعني: " الشاذ المنفي عن الحديث الصحيح " الشرط الأول: أنه يكون مستوفيا للشروط الثلاثة الأولى.

الإسناد إذا كان شاذا أن يكون مستوفيا للشروط الثلاثة الأولى: يكون رجاله عدولا وضابطين وإسناده متصلا.

فإذا كان الأمر كذلك؛ فإن ظاهر الإسناد فيمن يطلع عليه لأول وهلة يظن أنه صحيح لعدالة رواته وضبطهم واتصال سنده.

ولكن بعد البحث والتدقيق يتبين أن هذا الراوي خالف في سند الحديث، خالف في إسناد الحديث؛ فنحكم على هذا الإسناد الذي يغاير الصحة بأنه " حديث شاذ ".

وكذلك النسبة للمتن: بالنسبة للمتن لا يكون شاذا إلا بعد استيفائه الشروط الثلاثة الأول، وأيضا الشرط الثاني وهو شذوذ المتن: أن يكون سليم الإسناد، غير شاذ الإسناد، أن يكون غير شاذ في الإسناد.

فأحيانا يتبادر إلى الإنسان حديث، أو يأتي الإنسان حديث قد استوفى هذه الشروط: رجاله عدول وضابطون وسنده متصل، والسند سالم من الشذوذ، لكن يكون الشذوذ في متنه؛ لأنه أتى بلفظة لم يأت بها غيره من الحفاظ الذين يشاركونه في رواية الحديث.

والحكم على الشذوذ -الحكم على الإسناد أو المتن بالشذوذ-: لا بد أن يكون فيه الراوي المخالَف، لا بد أن يكون أقل في الثقة من المخالِف.

فتارة يأتي عندنا راويان: أحدهما أضبط من الآخر، كلاهما ثقة ولكن أحدهما أضبط من الآخر؛ فإنه حينئذ يرجح رواية الأضبط، وإن كانا متساويين في العدل.

وأحيانا يكون عندنا راو ثقة، وعندنا راويان أو أكثر ثقتان؛ فإنه حينئذ يرجح رواية الأكثر إذا لم يكن للأقل، يعني: مزيد فضل من بعض النواحي، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.

وبعد ذلك نأتي إلى الشرط الخامس من شروط صحة الحديث وهو: " السلامة من العلة " هذان الشرطان أشار إليهما المؤلف في قوله:" وزاد أهل الحديث سلامته من الشذوذ والعلة "

فالشرط الخامس: سلامة الحديث من العلة، والعلة أيضا: تقع في الإسناد، وتقع في المتن.

وأيضا إذا أردنا أن نفسر كلام المؤلف في هذه النقطة؛ لا بد أن نرجع إلى تعريفه للحديث المعل.

فالمؤلف -رحمه الله- لما جاء في الحديث المعل جعله هو والمضطرب بمعنى واحد؛ فذكرهما سويا، وعرفهما بتعريف واحد.

فلما جاء قال: المعلل والمضطرب -قال-: هو ما روي على أوجه مختلفة وبكلام المؤلف في ثنايا هذا المبحث؛ يظهر -والله أعلم- أن قوله: روي على أوجه مختلفة يعني: ولم يكن هناك ثمة مرجح؛ فيكون على هذا " المعلل أو المعل " في الحديث: المراد نفي الاضطراب عن الحديث.

والاضطراب في الحديث معناه: هو رواية الحديث عن شيخ على أوجه مختلفة، وكل وجه من هذه الوجوه يرويه جماعة؛ يتعذر معه تخطئة أحد الأوجه وتصحيح أحدها.

والاضطراب في الحديث معناه: هو رواية الحديث عن شيخ على أوجه مختلفة، وكل وجه من هذه الوجوه يرويه جماعة، يتعذر معه تخطئة أحد الأوجه وتصحيح أحدها، فإذا كان عندنا راوٍ، أو عندنا ثقتان -مثلا- يرويان الحديث عن شيخ لهما، على وجه الرفع، وكان هناك ثقتان بمنزلتهما، يرويان هذا الحديث موقوفا وشيخهما ثقة -فهذا الحديث يروى على وجهين: مرفوع وموقوف، وترجيح إحدى الروايتين على الأخرى متعذر، فيحكم على هذا الحديث بالاضطراب، وفي الاضطراب بالذات، الغالب أنه لا ينسب الاضطراب إلى شخص بعينه، وإنما يحكم على الحديث بأنه مضطرب؛ لأن تحميل الثقات بعض الأخطاء، أو أخطاء الحديث، هذا يحتاج إلى دليل وبرهان، لكن في مثل هذا يقال: "هذا حديث مضطرب".

ويقال: "لعل الاضطراب مثلا..." لكن لا يجزم ممن الاضطراب، فإذا كان الشيخ -راوي الحديث الأصلي- إذا كان مضطربا في هذا الحديث -ثبت أنه مضطرب، ما ثبت على وجه واحد، هذا يضعف الحديث؛ لأن الراوي حينئذ يكون غير تام الضبط وسبق لنا في تصحيح الحديث وفي بيان شروط صحة الحديث: أن يكون تام الضبط، سواء كان بإطلاق أو بتقييد، فهذا الراوي قد يكون تام الضبط، لكن في هذه الحالة ضبطه كان غير تام، فنحكم على الحديث بأنه ضعيف؛ لأن هذا الشيخ الذي اضطرب في الحديث، لم يضبط هذا الحديث، ومن شروط صحة الحديث: أن يكون راويه تام الضبط عند روايته للحديث.

وإذا قلنا: "إن الخطأ أو الاضطراب ليس ناشئا عنه، وإنما ناشئ عن الرواة عنه" -فإنه حينئذ لا يحكم للحديث بالصحة؛ لأنه لم يتبين لنا أحد الوجهين الصحيحين، والصحة هي حكم على الحديث، لكن هنا محتمل، محتمل أن يكون صحيحا، ومحتمل أن يكون غلطا، فلا يحكم له بأحد الوجهين إلا بمرجح، لكن يكون الظاهر من حال الإسناد أنه مضطرب، وهذا بالنسبة للإسناد، وكذلك بالنسبة للمتن، أحيانا يروى المتن على أوجه مختلفة، يرويه الأئمة الثقات الحفاظ، فلا يدرى أي هذه الأوجه أرجح؟ فيحكم على الحديث بالاضطراب.

والمقصود ها هنا: أن الحديث إذا ورد فيه مثل هذا الاضطراب، أو هذه العلة -فإنه لا يحكم له بالصحة؛ لوجود العلة فيه، وهذا التفسير للعلة بالاضطراب، إنما هو تفسير المؤلف -رحمه الله تعالى- ولكن العلة -كما يأتي في موضعها- هي أعم وأشمل مما ذكره المؤلف.

بقي ها هنا أمر، وهو ما الفرق بين الشذوذ والعلة؟ فعلى ظاهر كلام المؤلف: "والأخذ بتفسيره في المعل" الفرق بينهما ظاهر بالتعريف الذي سبق بيانه، لكن إذا أخذنا بأن العلة أعم وأشمل من الشذوذ -فإنه يكون هناك فرق أو فروق بينهما، ستأتي -إن شاء الله- في مظنتها، والشذوذ وإن كان نوعا من أنواع العلة مندرجا في العلة، لكن العلماء -رحمهم الله- يخصونه بالذكر لدقته وعسر أو صعوبة الوصول إليه.

ولو قيل: إن الحديث الصحيح افترض فيه السلامة من العلة فقط" وسكت عن الشذوذ -لكان الأمر يسيرا، وكان الشذوذ مندرجا تحت العلة، لكن يخصون الشذوذ لأنه -في العادة أو في أغلب الأحيان الشذوذ- لا يكون إلا من ثقة، لكن العلة في الحديث -أحيانا- قد تكون من غير الثقة، وأحيانا تكون مع عدم المخالفة، وأحيانا تكون بالمخالفة، وأما الشذوذ فلا يكون إلا بالمخالفة، والشذوذ -غالبا- لا يكون إلا في سند واحد أو متن واحد، وأما العلة فتستفاد، أو تستفاد العلة إما من كتاب الله، أو من النصوص الأخرى لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو من إجماع أهل العلم، أو إجماع أهل السير، أو غيره كما يأتي -إن شاء الله- في بيان المسالك، ومسالك العلة التي يعلل بها الحديث، فنخلص من هذا كله إلى أن الحديث الصحيح -والمراد به الحديث الصحيح لذاته؛ لأنه هو الذي يتوجه لفظه لفظ الصحيح عند الإطلاق- الحديث الصحيح: لا بد أن يكون مستوفيا لهذه الشروط الخمسة.

تعريف الحديث الصحيح لغيره

بقي الحديث الصحيح لغيره، بما أنا تكلمنا عن الحديث الصحيح لذاته، فبقي الصحيح لغيره، وهذا لم يذكره المؤلف -رحمه الله تعالى-، لم يذكره المؤلف في هذا الكتاب، الصحيح لغيره هذا درجة متوسطة بين الحسن والصحيح لذاته، هو درجة متوسطة بين الصحيح لذاته والحسن لذاته، فالصحيح لذاته يعني: إنه يصح دون أن يحتاج إلى غيره من الشواهد والمتابعات.

وأما الصحيح لغيره فمعناه: إنه لا يصح بنفسه وإنما يصح بغيره، لكن الصحيح لغيره في أصله، هو حسن لذاته، في الأصل حسن لذاته، فإذا جاءه طريق أخرى في مرتبته، أو أقوى منه -صار صحيحا لغيره، فهو صحيح لغيره لوروده من طريق أخرى، وأما لو بقي بنفسه لكان حسنا لذاته، لكن لما جاءه طريق أخرى في مثل قوته، أو أقوى منه -رفعته عن هذه المنزلة إلى درجة الصحيح لغيره، وهذا التعريف، أو تعريف الصحيح لغيره، أو التعريف بعمومه ومنه الصحيح لغيره.

ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كتابه "النكت في مبحث الحديث الحسن" فإنه ذكر أن الحديث الصحيح لعمومه، يعني: بشموله للقسمين: الصحيح لذاته والصحيح لغيره بأنه: "هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل تام الضبط، أو القاصر عنه إذا اعتذر، عن مثله إلى منتهاه، لا يكون شاذا ولا معلا".

فقوله: "أو القاصر عنه إذا اعترض" هذا هو المتعلق بالصحيح لغيره؛ لأن الصحيح لذاته راويه تام الضبط، أما الصحيح لغيره فإن راويه -في الأصل- لا يكون تام الضبط، وإنما هو خفيف الضبط، وهو صاحب الحديث الحسن لذاته، فإذا اعترض، يعني: جاء من طريق أخرى في مثل قوته أو أقوى منه -ارتقى إلى الصحيح لغيره، وأما بقية الشروط المتعلقة بالصحيح لذاته، فلا بد أن تتوفر في الصحيح لغيره.

فعدالة الرواة لا بد أن تكون في الصحيح لغيره بجميع طرقه، واتصال السند لا بد أن يكون صحيحا لغيره من جميع طرقه، وسلامته من الشذوذ والعلة لا بد أن تكون في الصحيح لغيره بطرقه كلها.

بقي الضبط: فراوي الصحيح لغيره في الأصل قد خف ضبطه؛ ولهذا قال ابن حجر، لما ذكر تعريف الحديث الصحيح الذي تقدم لكم، ذكر أن: "راوي الحديث الصحيح لغيره قاصر" يعني: في الحفظ عن راوي الحديث لذاته، الذي هو تام الضبط، فصار عندنا الحديث الصحيح قسمين:

القسم الأول: الصحيح لذاته.

والقسم الثاني: الصحيح لغيره.

ويشتركان في أربعة شروط إلا في الضبط؛ لأن الصحيح لذاته يكون راويه تام الضبط، وأما الصحيح لغيره -ففي الأصل- يكون راويه خفيف الضبط، لكن هذه الخفة تنجبر بورود الحديث من طريق أخرى، وهذان القسمان موجودان بكثرة في الصحيحين؛ ولهذا تجدون بعض الرواة المخرج لهم في الصحيحين، قد تكلم فيهم من جهة الحفظ، لكن الشيخين في الغالب لا يخرجان لهما إلا في المتابعات، ولا يخرجان لهم على سبيل الاحتجاج، وإنما يذكرون هؤلاء الرواة، الذي قد خف ضبطهم في المتابعات.

فإذا اعترض متابع مع متابع مع متابع -ترقى الحديث الصحيح لغيره، صار حديثا صحيحا لغيره.

فالصحيحان مشتملان على هذين القسمين، وإن كان ما في صحيح مسلم من الصحيح لغيره، أكثر مما في صحيح البخاري، فالشيخان يخرجان لمن خف ضبطه، إذا كان عندهم أصل لهذا الحديث، أو كان الحديث، أو ورد الحديث الذي خف ضبط رواته من طرق متعددة، كل هذه الطرق ترفع من مقام الحفظ للراوي الذي خف ضبطه، ترفع من مقامه في هذا الحديث بخصوصه؛ لأننا نشترط تمام الضبط في راوي الصحيح، ليصل إلينا صحيحا سالما.

فإذا تتابع الرواة، ولو مع خفة الضبط على رواية حديث ما -فإنه حينئذ كل واحد منهما يجبر حفظه ما خف من ضبط الآخر في هذا الحديث بخصوصه؛ ولهذا خرج الشيخان الحديث الصحيح لغيره، مع خفة ضبط الرواة، وإنما صنعا ذلك؛ لأن هذه الخفة جاءت بتعدد طرق الحديث.

بقي في هذا أن نذكر التمثيل للحديث الصحيح؛ حتى يتضح تعريفه. فالحديث الصحيح مثاله: ما رواه النسائي في سننه، عن شيخه يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن عمار بن ياسر، في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: « اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي »(2) فهذا الحديث إذا نظرنا في سنده -وجدنا أولا: أن رجاله ثقات وكلهم ثقات، ولا تكلم في أحد منهم، هذا الشرط الأول.

الشرط الثاني: كل راو من هؤلاء الرواة، قد تحمل عن شيخه وثبت سماعه منه. وثالث الشروط هو العدالة: هؤلاء الرواة عدول لا شك فيهم؛ لأنهم داخلون في حد الثقات، والثقة لفظ يطلق على الضابط والعدل.

بقي السلامة من الشذوذ والعلة، وهذه لضعفنا القاصر عن إدراك مثل هذه الأشياء ومعرفتها؛ لأنها لا يتأهل لها إلا الأئمة الحفاظ -فإنه من الصعوبة بمكان الجزم بسلامة الحديث من الشذوذ والعلة، لكن انتفاء الشذوذ والعلة قد يدرك من جانب آخر، جانب قد نجزم معه بصحة الحديث وسلامته من الشذوذ والعلة، في جانب آخر قد يكون الأظهر والأرجح السلامة من الشذوذ والعلة، فإذا وجدنا إسنادا ووجدنا من صححه من أئمة الحديث -فإنه حينئذ يكون عندنا نوع من الجزم، يكون عندنا جزم إلى حد ما، بأن هذا الحديث صحيح.

والتصحيح هذا، أو السلامة من الشذوذ والعلة، ليس من قبل أنفسنا، وإنما هذا مستفاد من الأئمة، إذا جاء حديث وصحَّحه الإمام أحمد، أو صححه البخاري قال: "في الصحيح" أو الدارقطني أو غيرهم، وكشفنا عن السند -وجدنا الإسناد فيما يظهر لنا سالما من هذه الأشياء، فإننا حينئذ يكون عندنا جزم، أو شبه جزم بأن هذا الحديث صحيح، لا اعتمادا على فحصنا وبحثنا، وإنما اعتمادا على كلام الأئمة.

والقسم الثاني الذي هو يكون الأرجح والأظهر: السلامة من الشذوذ، وهذا يكون بعد البحث عن كلام العلماء، فإذا لم نجد فإننا حينئذ نستقصي طرق الحديث وجمعها، وجمع ألفاظها، ومعارضة بعضها على بعض؛ حتى نصل إلى الغاية في جهدنا، وعندئذ يكون الأرجح والأظهر أنه يكون سالما من الشذوذ والعلة، وهذا كما يصنع المجتهد في الترجيح بين مسائل الأحكام، يجتهد في جمع أدلة الأئمة في اختلافهم، ثم يرجح بما ظهر له وإن لم يكن جازما بذلك.

وكذلك بالنسبة لهذه الحالة، يستقصي الإنسان ما أمكن، ثم يحكم بعد ذلك بناء على ما ظهر له، ولا يكون فيه جزم، وإنما يكون على سبيل الأرجح والأظهر، لكن إذا كان الأئمة قد حكموا عليه، فإنه حينئذ إن حكموا عليه بالشذوذ أو أعلوه -فإنه لا يتجاسر العبد على مخالفتهم إذا كانوا من أئمة الحديث، وأما إذا كانوا قد حكموا عليه بالصحة -فإن ذلك يتضمن سلامته من الشذوذ والعلة، فحينئذ يكون هذا الحكم مستفادا، أو سلامة الحديث من الشذوذ والعلة مستفادة من كلام الأئمة، وهذا الحديث قد صححه غير واحد من الأئمة، وأورده الإمام النسائي في سننه ولم يعله، والأئمة استشهدوا أو الأئمة احتجوا به وأثبتوا به أحكاما، فالذي يظهر أنهم لم يطلعوا فيه على شذوذ ولا علة؛ فلهذا يحكم عليه بأنه حديث صحيح.

بقي نقطة في هذا الحديث: كما تقدم لنا أن الراوي قد يكون ضابطا ضبطا خاصا، أو ضبطا مقيدا بزمان، وأن هذا يأتي في رواية المختلطين، وهذا ينطبق معنا في هذا الحديث؛ لأن عطاء بن السائب مختلط، وهو ثقة لكنه اختلط، لكن رواية حماد بن زيد عنه قبل الاختلاط؛ فصار عطاء بن السائب في هذا الحديث ضابطا، لكن لو ورد من رواياته بعد الاختلاط لحكمنا عليه بالضعف، لكن ها هنا حكمنا عليه بالصحة لأنه ثقة، وفي هذه الحالة كان ضابطا؛ لأنه قد روى هذا الحديث قبل اختلاطه، وعرفنا ذلك برواية حماد بن زيد عنه،فهذا مثال للحديث الصحيح لذاته.

ومثال آخر -أيضا- له: مثاله ما رواه الإمام أحمد عن وكيع، عن الأعمش عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسج، عن البراء بن عازب، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: « زينوا القرآن بأصواتكم »(3) هذا الحديث جميع رجاله ثقات، وكل واحد منهم سمع من الآخر، والأعمش وإن كان مدلسا، لكن تدليسه ممن يحتمله الأئمة ويمشونه وإن عنعن، وإن عنعن في مثل هذا الحديث، فالأصل ولو عنعن -كما يأتي -إن شاء الله- في مثل هؤلاء الأئمة- ولو عنعن في الحديث -فحديثه مقبول، إلا لوجود المعارض.

هنا لا وجود لمعارض، بل روايات كثيرة جدا تثبت أن هذا الحديث صحيح، فهذا الحديث يعني ثبتت صحته؛ أولا لأن إسناده -فيما يظهر- مستوف لهذه الشروط، كما أن متنه لم يعله أحد من العلماء، بل احتجوا به حتى في مسائل الاعتقاد، وهذا يدل على ثبوته عند الأئمة -رحمهم الله- كالبخاري وغيره؛ لأنه احتج به بكتابه "خلق أفعال العباد" فهذا الحديث -فيما يظهر- إنه حديث صحيح لذاته.

بقي التمثيل للصحيح لغيره، مثاله:

ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله- عن محمد بن بشر، عن محمد بن علقمة، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث لو نظرنا فيه لوجدنا أن رجاله كلهم ثقات، إلا محمد بن عمرو بن علقمة، هذا عدل في دينه، ولكن في حفظه شيء: فهو خفيف الضبط، وهو ممن يمثل بحديثه بأنه حديث حسن، فهذا الحديث إذا حكمنا عليه بهذا الإسناد -حكمنا عليه بأنه حديث حسن لذاته، لماذا؟

لأن راويه محمد بن عمرو بن علقمة خفيف الضبط، لكن لما تتبعنا طرق الحديث -وجدنا أنه تابعوا عليه أبا حازم وهو ثقة، فأبو حازم أرفع منزلة من محمد بن عمرو بن علقمة، فمحمد بن عمرو بن علقمة فيه خفة ضبط، لكنه لم يتفرد بهذا الحديث، فجاء أبو حازم فتابعه على هذا الحديث، ورواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- فتبينا بذلك أن هذا الحديث قد ضبطه محمد بن عمرو بن علقمة، فجبرنا خفة ضبطه برواية أبي حازم، وأبو حازم أمثل منه في رواية الحديث، وشرط الترقية عند أهل العلم:

أن يكون الشاهد في منزلة المشهود له، أو أعلى منه منزلة، وها هنا الشاهد أعلى أو المتابع، وهو أبو حازم أعلى منزلة من المتابع، وبهذا ينتهي الكلام عن الحديث الصحيح في إسناده ومتنه، وتبين لكم أن الحديث الصحيح، إذا أطلق يشمل الإسناد والمتن، وإذا حكم على حديث بأنه صحيح -فإن ذلك عائد إلى الإسناد والمتن. إذا قالوا: "هذا حديث صحيح" يعني: حديث صحيح في إسناده صحيح في متنه، وأما إذا قالوا: "صحيح الإسناد" فقد تكفلوا لك بصحة الإسناد، لكن قد يكون المتن معلا، إذا قالوا: "صحيح الإسناد" لا يلزم من الصحة المتن، وأما إذا قالوا: "رجاله ثقات" فمعناه: إن رجاله عدول ضابطون، لكن قد يكون منقطعا، قد يكون الإسناد شاذا، قد يكون الإسناد معلا، قد يكون المتن شاذا، قد يكون المتن معلا، فإذا قالوا: "رجاله ثقات" معناه: تكفلوا لك بأمرين:

أحدهما: ضبط الرواة وعدالة الرواة، ومن هنا يخطئ بعض الناس إذا ظن أن قوله: "رجاله ثقات" يعني: تصحيحا للحديث، وهذا غلط، وكذلك إذا قالوا: "رجاله رجال الصحيح" يعني: رجاله مخرج لهم في الصحيح، لكن لا يلزم منه صحة الحديث؛ لكونه يحتمل أن يكون منقطعا، يحتمل أن يكون معلا في سنده أو متنه، أو شاذا في سنده أو متنه، ويحتمل أن يكون رجاله مخرج لهم في الصحيح، لا على سبيل الاحتجاج، وإنما على سبيل في باب المتابعات، ومن رجال الصحيح من هو ممن خرج له الصحيح، وهو مخرج له في المتابعات، قد يكون في حفظه شيء، ويضعف له خارج الصحيح، فهذه الكلمة لا تقتضي تصحيح الحديث، لا في إسناده ولا في متنه، وإنما الذي يقتضي تصحيح الحديث في إسناده ومتنه إذا قالوا: "هذا حديث صحيح". أما صحيح الإسناد فلا تشمل إلا ثلاثة:

لا تشمل إلا عدالة الرواة وضبطهم، واتصال السند، وسلامة السند من الشذوذ والعلة، فلا تعلق له بالمتن، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

س: كيف يتم معرفة الرواية عن الراوي المختلط من جهة القبول والرد؟

ج: هذا طبعا -إن شاء الله- يأتي في مبحث المختلط، في مبحث المختلط وبيانه على وجه الاختصار، تارة يعرف بتنصيص الأئمة، يقولون: فلان وفلان وفلان رووا عنه قبل الاختلاط، ما جاءنا عن فلان قبل الاختلاط سمع منه، ونعدد هذه الأشخاص ونقول: "هؤلاء سمعوا منه قبل الاختلاط" وهذا ينصص عليه، وأحيانا يقولون: "سمع منه فلان وفلان وفلان بعد الاختلاط" فيستفاد هذا بالنص، وأحيانا يقول بحسب التاريخ.

يقال: "من سمع منه قبل سنة كذا فهو صحيح السماع، ومن سمع منه بعد سنة كذا فهو ضعيف السماع". أو يقولون: "اختلط فلان سنة كذا". فأنت بحاجة إلى تتبع رحلات الشيوخ والعلماء والتواريخ، بالنظر متى التقى بهذا العالم، هل التقى به قبل هذا التاريخ؟ أو بعد هذا التاريخ؟ وأحيانا يحددونه بالأمكنة: فلان إذا سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه في خرسان ففي سماعه شيء، فهذا ربما أنه، اختلط دخل الكوفة بعد اختلاطه، أو دخل البصرة بعد اختلاطه، هذه الأشياء كلها تحدد الرواية قبل الاختلاط وبعد الاختلاط.

أما السؤال الثاني، مثال الشذوذ في الإسناد: إذا جاءنا معمر، فروى حديثا عن الزهري موصولا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث رواه معمر، هكذا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث قصة غيلان، هذا الإسناد إذا نظرنا إليه -بادئ ذي بدء- هذا إسناد في ظاهره الصحة للرجال الثقات، لكن لما بحثنا عن الحديث وجدنا أن الأئمة يخالفون معمرا، وعلى رأسهم الإمام مالك -رحمه الله- فالإمام مالك يجعله عن الزهري، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرواية الزهري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلة؛ لأنه لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما لو أخذنا بسند معمر لكان متصلا، سالم عن ابن عمر هذا سند متصل، لكن ها هنا نحكم على رواية معمر بأنها شاذة؛ لأن معمرا خالف الأئمة الثقات، وعلى رأسهم مالك الذين رووه مرسلا، فيكون الصحيح فيها عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الأمثلة -إن شاء الله- تأتي -إن شاء الله- في محلاتها، مثال الصحيح لغيره حديث: « ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قومي قد منعوني »(4) هذا مثال للصحيح لغيره، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


(1) النمل: 88
(2) النسائي : السهو (1305).
(3) النسائي : الافتتاح (1015) , وأبو داود : الصلاة (1468) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1342) , وأحمد (4/285) , والدارمي : فضائل القرآن (3500).
(4) الترمذي : فضائل القرآن (2925) , وأبو داود : السنة (4734) , وابن ماجه : المقدمة (201) , وأحمد (3/390) , والدارمي : فضائل القرآن (3354).