موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح فروع الفقه

  

صفة الحج

(وَيُسَنُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاَهَا وَيَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَيَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ.

وَيَبْدَأُ بِالْبَيْتِ، فَيَطُوفُ بِهِ سَبْعًا، ثُمَّ يَسْعَى سَبْعًا، ثُمَّ يَحْلِقُ وَيُقَصِّرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؛ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ صَعَدَ إِلَى عَرَفَةَ فَوَقَفَ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَأْتَي الْمُزْدَلِفَةَ، وَيَأْخُذُ حَصَا الْجِمَارِ مِنْهَا، ثُمَّ يُصْبِحُ بِمَشْعَرٍ وَيَرْمِي الْجِمَارَ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَيَرْمِي بَقِيَّة الأَيَّامِ، ثُمَّ يَرْجِعُ بَعْدَهَا إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ لِلْوَدَاعِ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيَزُورُ بَعْدَهُ قَبْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَصَاحِبَيْهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا).


يقول: (يسن أن يدخل مكة من أعلاها)، وأعلاها هو ذو الحجون الذي دخل منه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(1)- ويخرج من أسفلها، أسفلها الغربي الذي هي الريح، يدخل الكعبة من باب بني شيبة على المسجد الحرام، الصحيح أنه يدخل من أية جهة، الذين يأتون من المدينة أو من تلك القرى، الأنسب لهم أن يدخلوا من هذا الباب مع هذا الطريق الذي هو الحجون هو أعلى مكة، الذين يأتون من جُدَّة ومن تلك القرى يدخلون مع الريح الذي هو أقرب إليهم إذا كان هناك زحام حتى يصلوا إلى الحجون، الذين يأتون من نجد لهم طريق، هذا الطريق الذي يأتون منه كلهم يتوجهون وربما يشق عليهم غير من الطرق، فيدخلون من هذا الطريق الذي يأتي من شرق مكة، الذين يأتون من الطائف، لهم طريق يناسبهم، والذين يدخلون من اليمن هم طريق يناسبهم ولو كلفوا أن يدخلوا كلهم من أعلى مكة؛ لَشَقَّ عليهم.

باب بني شيبة كان محازيا لبئر زمزم، ولكن أُزيل مكانه لَمَّا تَوَسَّعَ الناس وكَثُرَ وجُعل مكانه وصار الناس يطوفون فوقه إذا كان موجودا؛ دخلوا من باب بني شيبة الذي من الشرق أي الشرق من الشمال، يبدأون أول ما يدخلون، يبدأون بالبيت لأنه النُسك، يبدأون به ويطوفون إذا كانوا محرمين أو متمتعين أو قارنين، القارن والمحرم يطوفون بالقدوم والمتمتع يطوف بالعمرة سبعة أشواط، ثم بعده السعي، يسعون بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم إذا كانوا متمتعين يحلق ويقصر ويتحلل؛ لأنه قد كملت عمرته، أما إذا كانوا مفردين فيبقون على إحرامهم وكذا القارن، وإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن؛ أحرموا بالحج إذا كانوا قد تحللوا كالمتمتع، جددوا الإحرام فأحرموا بالحج، والذين هم باقون على إحرامهم يذهبون إلى منى، ففي هذه الأزمنة لا توجد منازل ينزلونها إلا بأجرة فلذلك ينزلون أول ما يأتون في منى حتى ولو جاؤوا في اليوم الأول من الشهر يتوجهون إلى منى ويُقيموا سبعة أيام أو ثمانية إلى يوم التروية، لم يذكر المبيت بمنى ليلة عرفة.

يقول: (إذا كان يوم التروية؛ أحرم بالحج، ثم صعد إلى عرفة)، إذا كانوا في منى أمسوا تلك الليلة في منى، ليلة عرفة إذا كانوا في مكة جاؤوا إلى منى وصلوا فيها خمسة صلوات، فإذا طلعت الشمس يوم عرفة؛ توجهوا إلى عرفة، وتوقفوا بها، عرفة هي أهم المناسك ولهذا جاء في الحديث: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»(2)، يقفون بها إذا أتى غروب الشمس، وعليهم في هذا الموقف أن يُظهروا التذلل، التذلل هو الاستضعاف بين يدي الله ويكثرون من التلبية، ويُكثرون من الدعاء ومن الذكر، ويصلون الصلوات جميعا، الظهر والعصر تقديما، ويؤخرون المغرب إلى أن يصلوا إلى مزدلفة، إذا تيسر لهم أن يَصِلُوها قبل نصف الليل، فإن لم يتيسر من شدة الزحام؛ فإنهم يصلونها في الطريق، ثم يبيتون بمزدلفة.

يقول: إذا باتوا في مزدلفة ليلة العيد صلوا فيها المغرب والعشاء جمع تأخير أو متى وصلوا، إلا إذا تأخروا في الطريق صلوها في الطريق؛ فإن بعضهم لا يأتي إلا بعد الفجر، فنقول -والحال هذه: عليهم أن يحتاطوا للصلاة.

أخْذ الحصى ليس شرطا، اشترط عند الفقهاء أنه يأخذ الحصى كله سبعين حصاة، ولكن الصحيح أنها تؤخذ بمعية مكة، أنها تؤخذ ولو من داخل منى إلا أنه لا يرمي بحصى قد رُمي.

إذا اصبح وطلع الفجر؛ صلى الفجر مبكرا بمزدلفة، دفع إلى منى قبل أن تطلع الشمس، توجه إلى جمرة العقبة، رماها، الرمي هو تحية منى، يبدأ به قبل كل شيء، وبعد الرمي يحلق أو يقصر حتى يكون قد تحلل، إذا ما رمى وحلق، فأتى اثنين من ثلاثة؛ تَحَلّلَ التحلل الأول حلَّ له اللباس وتغطية الرأس ولم يبق عليه إلا الطواف، يفيض إلى مكة، الإفاضة بمعنى التوجه ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا(3)، فإذا جاؤوا إلى مكة؛ طافوا وسعوا، وهذا الطواف هو أهمّ الأطوفة، ويُسمى طواف الحجّ، وطواف الزيارة، وطواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج التي ذُكرت ولا يَتم الحج إلا به، وإذا عجز؛ طاف محمولا، أو على عربة، يُلف به أو نحو ذلك إذا لم يتيسر فيطوف به يوم العيد أَخَّرَه إلى الحادي عشر أو الثاني عشر، ولو أخره إلى الرابع عشر أو الخامس عشر، لكن لا تحل له زوجته حتى يطوف هذا الطواف؛ لأنه يبقى عليه محظورتحريم النكاح، أما إذا رمى وحلق؛ فعل اثنين؛ فإنه يتحلل، ويحل له كل شيء، يحل له الطيب، وتغطية الرأس، وقص الشعر، وقصر الأظفار وما أشبهها، ويبقى عليه شيء واحدا وهو النساء، فلا يقرب النساء لا بجماع ولا بتقبيل ولا حتى بشهوة لا يقربهم.

ويقول: يفيض إلى مكة ويطوف ويسعى ثم يرجع إلى منى، يستقر في منى يرمي بقية الأيام، يرمي يوم الحادي عشر والثاني عشر والثامن عشر، إذا رمى بقية الأيام الثلاثة؛ رجع إلى مكة إن تيسر، ويبقى عليه طواف واحد يسمى طواف الوداع، فإذا طاف طواف الوداع؛ فإنه يخرج إذا كان له مثلا أقارب يزورهم بمكة أو كذلك بالطريق.

إذا كان له أقارب يزورهم بمكة أو كذلك بالطريق، أو نحو ذلك.

ذكروا أنه يُستحب زيارة قبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصاحبيه، والصحيح أنه ليس بمشروعٍ، ولكن إذا أراد أن يُسافر للمدينة فيكون قصده المسجد؛ أسافر إلى المدينة لكي أصلي في مسجد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فإن مسجده تُضاعف فيه الصلاة بألفٍ مما سواه إلا المسجد الحرام، هكذا ثم إذا وصل إلى المدينة؛ بدأ بالصلاة بالمسجد قبل الزيارة، بعد ذلك يقف عند القبر ويسلم على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلى أبي بكر وعمر، هذه صفة الحج.


(1) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر (1545، 1635، 1731)، واللفظ له، مسلم: كتاب الحج، باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (1243) من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما.

(2) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (18773، 18774، 18775)، أبو داود: كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة (1949)، والترمذي: كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، (889)، والنسائي: كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة (3016، 3044)، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (3015)، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح. من حديث عبد الرحمن بن يعمر.

(3) البقرة: 199.

 


 مواد ذات صلة: