موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح فروع الفقه

  

كتاب الزكاة

الثَّانِي: الزَّكَاةُ


الزكاة ركْن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله غالبًا، كلما ذكرت الصلاة تبعتها الزكاة بعدها في نفس الآية كقوله -تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ(1)، وتركها جحدًا وإنكارًا يعتبر كفرًا، ومانعها بخلاً يُقاتل عليها، وقد ثبت أن الصحابة -رضي الله عنهم- قاتلوا مانعي الزكاة، وذلك لما توفي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ارتد كثير من الأعراب، وعادوا إلى عبادة الأصنام، وآخرون لم يعودوا للأصنام ولكن صدقوا المتنبئين، وآخرون لم يصدقوهم ولكن منعوا الزكاة، فقاتلهم الصحابة كلهم، ولما أنكر بعض الصحابة على أبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»؟! فقال -رضي الله عنه: «لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ»، فإن الزكاة حق المال، يعني أن في المال حق فلا بد عن أداء ذلك الحق وأنها من حق لا إله إلا الله، ففي الحديث قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا»، والزكاة من حق لا إله إلا الله، فقاتلهم وقال لهم: «لَوْ مَنَعُونِي عَقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ». قال عمر -رضي الله عنه: «فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ؛ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَتَوَافَقْتُ مَعَهُ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ»(2).

وقد استُدل على كفرهم وقتالهم بالآية في سورة التوبة وهي قوله -تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ(3)، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ(4)، فاشترط في ترك القتال أداء الزكاة، وذلك لأنها شعار من شعائر الإسلام، ثم إن فيها مصلحة عظيمة وذلك لأن في الخلق، في جنس البشر فقراء لا يقدرون على الاكتساب ولا يملكون ما ينفقون به على أنفسهم وفيهم أغنياء أثرياء، قد وسع الله عليهم، وأعطاهم من المال، فجعل في مال الأغنياء حقًّا للفقراء.

ولذلك قال في حديث معاذ(5): «فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»(6) بمعنى أنها حق للفقراء الذين ابتلوا بالفقر والجوع والجهد والعري ونحو ذلك، فهي حقٌ لهم.

قال الله -تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(7)، "في أموالهم"؛ أي جميع الأموال التي يتملكونها فيها حق لهؤلاء. "حق معلوم" مقدر للسائل والمحروم، السائل الذي يسأل الناس، المحروم المتعفف الذي لا يسأل، وفيه الحديث أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «صَدَقَتُكَ عَلَى الْفَقِيرِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ»(8)، وقال: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ»؛ يعني الذي يتكفف الناس، «إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيْسَأَلُ النَّاسَ»(9) يعني الْمُتعفف، لما كان كذلك كان في هذه الأموال زكاة، الله -تعالى- هو الذي يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، فبعض الناس وسع الله عليهم وأعطاهم المال، وأنعم عليهم وأثروا، ما بين مستكثر ومقل، لكنهم أغنياء عندهم أموال زائدة عن قدر حاجاتهم، ففرض عليهم الزكاة، وآخرون فقراء لا يقدرون على التكسب وليس عندهم ما يغنيهم ولا ما يسد حاجتهم، فلذلك كانوا فقراء، فلهم حق في أموال الأغنياء، هذا هو السبب.

والزكاة في اللغة النماء والزيادة، زَكَى المال: نمى وكثر، وهكذا سُميت زكاة لأنها تنمي المال؛ أي يطرح الله فيها البركة إذا تُصدق منه، يكون له البركة والخير في ذلك المال، الذي يتصدق منه، قال الله -تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(10).

وجاء في حديث أنه: «مَا مِنْ يَوْمٍ إِلاَّ وَمَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»(11)، ودعوة الملائكة مستجابة إذا شاء الله، فهكذا هذه الصدقة وسمُيت أيضًا زكاة لأنها تطهر المال، قد يكون فيه غش أو شبهة أو محرم، أو مشتبه، فهذه الزكاة تطهره وتنقيه مما قد يكون فيه من هذه الشبهات المشتبهات، وما أكثر ذلك.


(1) البينة: 5.

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة وقول الله -تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (1399، 1400، 1456،1457، 6924،7285)، مسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (20)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(3) التوبة: 5.

(4) التوبة: 11.

(5) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي. أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود. توفي في طاعون عَمَوَاس سنة ثماني عشرة. انظر: الاستيعاب (ص: 650 ترجمة 2270)، وأسد الغابة (5/ 187 ترجمة 4960).

(6) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة (1395،1458، 1496)، مسلم كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (19).

(7) المعارج: 24، 25.

(8) صحيح: أخرجه أحمد في لمسند(16226،16233،16234،16235،17871-17873،17883، 17884)، الترمذي كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة (658) وقال : حديث حسن، النسائي كتاب الزكاة، باب الصدقة على الأقارب (2582)، ابن ماجه كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة (1844)، من حديث سلمان بن عامر الضبي، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه : صحيح.

(9) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الزكاة، باب قول الله -تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ (1479،4539)، مسلم كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق (1039) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(10) سبأ: 39.

 (11) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الزكاة، باب قول الله -تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق...﴾ (1442)، مسلم كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك (1010) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.


 مواد ذات صلة: