موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح بلوغ المرام (الجزء السابع)

  

إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر

 

 

إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر

 

وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي، قال علي: فما زلت قاضيا بعد »1 رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان، وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس.


 

حديث علي هذا لا بأس به، وله طرق عن علي - رضي الله عنه - من رواية حنش عن علي، ورواية أبي البختري عن علي - رضي الله عنه - وينظر في الشاهد عند الحاكم ما أدري عنه، ينظر في الحاكم وطريقه، فهو شاهد في الباب، وحديث علي بالجملة جيد، دلالة على أن لا يجوز للقاضي أن يقضي على أحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: « ثم تدري كيف تقضي »2 قال: فما زلت قاضيا بعد ببركة امتثالي لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، قد يبين أنه إذا كان حاضرا لا يجوز أن يحكم للمدعي قبل أن يسمع كلام المدعى عليه، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم .

 

اختلف العلماء فيما إذا كان المدعى عليه غائبا، هل يجوز الحكم عليه؟ هذا فيه نظر: إن كان المدعى عليه الغائب لا يحضر متعجلا ممتنعا من الحضور، وامتنع من الحضور؛ فإنه يحكم للمدعي بينته إذا امتنع من الحضور، أو كان مستترا بالبلد، لا بأس أن يحكم؛ لأن هذا فيه حفظ الحقوق، والظالم هو الذي لم يحضر، إذا لم يكن له عذر ولم يحضر؛ فيحكم للمدعي بما أثبت، وبما يحضر من بينات، لكن اختلف العلماء، هل تسلم له العين، إذا ادعى إنسان على إنسان أنه باعه أرضا أو باعه سيارة، ثم أتى بالشهود، ورفض المدعى عليه الحضور، أو كان مستترا رفض الحضور، هل تسلم له العين أو لا تسلم ؟

قال بعض العلماء: تسلم العين للمدعي، والمدعى عليه على دعواه، فإذا جاء بما يبطل دعوى المدعي نظر في القضية مرة أخرى، وقيل: إنها تسلم له بكفيل، وهذا قول جيد، والأظهر - والله أعلم - أنه ينظر إن ظهر من قرائن القضية أن المدعى عليه مبطل، وتبين مثلا بطلب حضوره ولم يحضر، وظهر بالقرائن أنه مبطل، وأنه لا دعوى له، وأنه في الحقيقة يريد إتعاب خصمه في إحضاره للمحكمة أو عند القاضي، وما أشبه ذلك، وظهر بطلان دعواه، وأنه لا شيء له بالقرائن، فالأظهر أنه يحكم للمدعي، وإن لم يظهر شيء من ذلك، ولم يمكن حضوره؛ فلا بأس أن يحكم له، وإذا سلمت العين لا بد أن يحضر كفيلا يضمن حضور العين، لو جاء المدعى عليه وطلب إعادة القضية، وأثبت شيئا يبطل دعوى، أو عنده شيء يتبين به أن الحكم خلاف ما مضى، نعم.

1 : الترمذي : الأحكام (1331) , وأبو داود : الأقضية (3582).
2 : الترمذي : الأحكام (1331) , وأبو داود : الأقضية (3582).