موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح بلوغ المرام (الجزء السابع)

  

القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم

 

 

القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم

 

وعن صخر بن العيلة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم »1 أخرجه أبو داود ورجاله موثقون.


 

نعم. والحديث هذا أخرجه أبو داود من طريق أبان بن عبد الله بن أبي حازم عن عثمان بن أبي حازم عن أبيه، وهذا السند مسلسل بالضعفاء والمجهولين؛ أبان فيه لين وأبوه مجهول عثمان بن أبي حازم، أبان بن عبد الله، أبان وأبوه وكذلك جده مجهول، والسند ضعيف.

 

لكن ما دل عليه من المعنى من قوله عليه الصلاة والسلام: « إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم »1 ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن غيره في الأحاديث الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بذلك، وجاء هذا المعنى أيضا من حديث ابن عمر: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوا ذلك -وفي لفظ: إذا فعلوا ذلك- فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقه »2 وفي لفظ "إلا بحق الإسلام" وفي لفظ "وحسابهم على الله". هذا واضح.

لكن كأن المصنف -رحمه الله- ما قصد هذا المعنى وإلا فالأحاديث هذه أصح وأثبت، لكن كأنه أراد- لأن هذا الخبر مطول عند أبي داود وفيه ذكر افتكاك الأسير فهو في معنى الأحاديث التي قبله؛ لأن فيه أن صخر بن العيلة قد أسر قوما من ثقيف من أهل الطائف، وقد أسر منهم عمه المغيرة بن شعبة فجاء المغيرة بن شعبة يخبر النبي عليه الصلاة والسلام وأن صخر بن العيلة قد أسرها وقد جاءت مسلمة فجاء وسأله عليه الصلاة والسلام أن يفتكها، وأن يمن عليها، ففعل صخر.

دل على جواز المن على الأسير وخاصة إذا كان قد أسلم، ويدل عليه أنه إذا كان أسلم قبل الأسر فلا يجوز أسره، وإن كان أسلم بعد الأسر فالإمام مخير فيه بين استرقاقه وبين المن عليه، وبين أن يفدي نفسه إذا أراد الوالي أن يفديه. أما القتل فيسقط عنه لأنه مسلم باتفاق أهل العلم.

فكأنه أراد هذا المعنى، وهذا المعنى ثابت في الأخبار، وربما مُنّ على الأسير بلا شيء، وربما أن هذا أوفق لكلام المصنف رحمه الله؛ ولهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة: « أنه لما أسر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ثمامة بن أثال في قبل نجد جاءوا به إلى النبي عليه الصلاة والسلام فربط بسارية من سواري المسجد وكان قبل إسلامه، كان عليه الصلاة والسلام يمر عليه بعد صلاة الفجر، ويقول: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تسأل من المال تعطه، ثم جاء من الغد قال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تسأل من المال تعطه، ثم جاء الغد قال: ما عندك يا ثمامة -في اليوم الثالث- قال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تسأل من المال تعطه »3 .

"تقتل ذا دم" إنسان دمه يشفي ويشتفي من قتله؛ لأنه سيد؛ ولهذا كان العرب يختارون السادة، فيقول: إن قاتله يشتفي ويشفي نفسه لأنه قتل سيدا مطاعا ذا دم كبير وذا دم عظيم لسيادته ورئاسته في قومه.

"وإن تنعم تنعم على شاكر" أنا شاكر لك صنيعك "وإن تسأل من المال تعطه" لأنه ذو مال فقال عليه الصلاة والسلام: « أطلقوا ثمامة فانطلق واغتسل في الصعيد »4 وفي لفظ عند أحمد: أنه أمره أن يغتسل عليه الصلاة والسلام.

فالمقصود أنه أطلقه قبل أن يسلم مع أنه يظهر والله أعلم أن الإسلام قد دخل قلبه، ويمكن أنه أسلم قبل ذلك وهو في الأسر، ولكن لم يرد أن يظهر إسلامه وهو في الأسر، لكي يسلم وقد أخذ حريته فانطلق باختياره، وهذا من أعظم ما جرى له رحمه الله ورضي عنه حينما رأى الصحابة ورأى أحوالهم في الصلاة، فكان من أعظم الدواعي له إلى الإسلام، فأسلم واغتسل وأسلم، ثم قصته معروفة حينما جاء قريشا وقال: لا تصل إليكم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام. المقصود أنه من عليه بلا شيء عليه الصلاة والسلام وهذا معنى كما ما تقدم في أخبار كثيرة. نعم.

1 : أبو داود : الخراج والإمارة والفيء (3067) , والدارمي : الزكاة (1673).
2 : البخاري : الإيمان (25) , ومسلم : الإيمان (22).
3 : البخاري : المغازي (4372) , ومسلم : الجهاد والسير (1764) , والنسائي : الطهارة (189) , وأبو داود : الجهاد (2679) , وأحمد (2/452).
4 : البخاري : الصلاة (462) , ومسلم : الجهاد والسير (1764) , والنسائي : الطهارة (189) , وأبو داود : الجهاد (2679) , وأحمد (2/452).