موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح بلوغ المرام (الجزء السابع)

  

كتاب الجهاد

شرح كتاب بلوغ المرام

 

 

كتاب الجهاد

 

 

أحاديث في الجهاد

 

 

نصب المنجنيق على أهل الطائف

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، اللهم صلِّ وسلم، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

 

قال المؤلف رحمه الله: وعن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم: « نصب المنجنيق على أهل الطائف »1 أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات، ووصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه.

 


 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

هذا الخبر في كتاب الجهاد عن مكحول الدمشقي الشامي رحمه الله، وهو إمام جليل من فقهاء التابعين، حوى علما كثيرا وروى أخبارا كثيرة رحمه الله، ومن أخباره بعض المراسيل من هذا: هذا المرسل. والمرسل معناه: هو قول التابعي سواء كان صغيرا أم كبيرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بمعنى أسقط واسطة بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه الواسطة لا نعلم من هو، هل هو صحابي أو تابعي؟ لو كان صحابيا علمنا أن الساقط صحابي لكان صحيحا، لكن نجهل واليقين عدم ذلك.

فإن كان تابعيا فلا نعلم هل هو ثقة أم ضعيف؟ وإذا كان ثقة فلا ندري هل أخذه عن تابعي آخر أو عن صحابي؟ وهكذا يتسلسل؛ فلهذا ذهب جمهور المحدثين إلى أن المراسيل ليست بحجة حتى يشهد لها ما يقويها من مرسل آخر يعلم أن مرسله أو أن يغلب على الظن أنه لم يأخذ حيث أخذ المرسل الأول، أو أن يشهد له خبر آخر، أو أن يكون عليه قول أهل العلم، أو أن يكون عليه قول صحابي دل على هذا المعنى.

فقول مكحول: « نصب المنجنيق على أهل الطائف »1 المصنف رحمه الله قال: "رجاله ثقات" لأن إسناده إلى مكحول صحيح، لكنه كما تقدم ضعيف بعد مكحول من جهة إرساله؛ ولهذا قلنا كما تقدم: أن المرسل ما سقط منه رجل؛ ولهذا قول البيقوني رحمه الله:

مرسـل مـنه الصحابي سـقط

 

كلام مستدرك عندهم، لأنه لو علم سقوط الصحابي لكان صحيحا، لكن المرسل هو قول التابعي: قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وقد رواه متصلا العقيلي كما قال المصنف، لكنه بإسناد ضعيف من طريق عبد الله بن خراش، والخبر في صحته نظر؛ ولهذا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو -حصل شك فيه بين الحفاظ هل هو عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو- أن النبي صلى الله عليه وسلم « حاصر أهل الطائف فقال: إنا قافلون غدا »2 لأنه لم يفتح له عليه الصلاة والسلام فحاصرهم مرة أخرى فأصابهم من سهام ثقيف فقال: « إنا قافلون غدا إن شاء الله، فأعجبهم ذلك -الصحابة رضي الله عنهم- فتبسم عليه الصلاة والسلام ثم رجع »3 ولم يذكر في هذا الخبر أنه نصب عليهم المنجنيق.

ويدل عليه أن يحيى بن أبي كثير رحمه الله روى مرسلا آخر أنه "أنكر رميهم بالمنجنيق" وبالجملة هذا المعنى قال به الجمهور وأنه لا بأس بنصب المنجنيق، والمنجنيق كلمة فارسية وهي تشير إلى نوع من السلاح يرمى به مثل المدفع يدك ويضرب الحصون وفيه قوة، وليس كلمة عربية؛ لأن كل كلمة وجدت فيها الجيم والقاف فليست عربية، بل هي هذه معربة.

وهذا المعنى كما تقدم قاله الجمهور، وأنه لا بأس من الإثخان في الأعداء وضربهم بالسلاح وبالمدافع، وجاء ما يدل عليه في السهام، هو نوع من السهام لكن فيها نفوذ وفيها قوة، فيها قوة وفيها نفوذ؛ ولهذا هذا المعنى يدل عليه عموم الأدلة من جهة جواز قتلهم بأي شيء ولو كان يعم إتلافه ما داموا حربيين. نعم.

 

1 :
2 : البخاري : الأدب (6086) , وأحمد (2/11).
3 : البخاري : المغازي (4325) , ومسلم : الجهاد والسير (1778).