موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - دعاء السفر - شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث) لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)
 انتقاء الأصحاب
 نباهة المؤمن
 خصال الخير
 النهي عن الغضب
 النهي عن الكبر
 فلاح المؤمن
 وصية موجزة
 احترام الضعفاء
 قاتل ومقتول في الجنة
 النهي عن تمني الموت
 فتنة الدنيا والنساء
 شعب الإيمان
 طرق اتقاء النار
 النهي عن الاختلاف
 الرحمة بالخلق
 صلة الرحم
 الحث على حب الرسل والصالحين
 دعاء السفر
 الاتباع في المناسك
 ثواب سورة الإخلاص
 حسن التصرف في المال والعلم
 جامع الدعاء
 طريق البعد عن النار
 ما يحبه الله لنا ويكرهه
 نفقة الأولاد على الأب
 القضاء وقت الغضب
 النهي عن الإسراف والكبر
 بشرى المؤمن
 الحث على رضا الوالدين
 سبل تنقية القلب
 قلة الكمال في البشر
 فضل المؤمن آخر الزمان
شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث) - دعاء السفر

 

دعاء السفر

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما « أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: »1 ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾2 ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾3 « اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون »1 رواه مسلم.


 

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، هذا الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قد تضمن أدبا من آداب السفر، ونوعا من الذكر والدعاء، وقد اشتمل على معان عظيمة وكثيرة، اشتمل على مسائل، يمكن شرح هذا الحديث، يعني مؤلف كبير، يقول رضي الله عنه: « كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استوى على راحلته »1 يعني إذا ركب راحلته واستقلت به، يعني قائم واستوى عليها يعني استقر، استقر عليها « خارجا إلى سفر - صلى الله عليه وسلم - كبر ثلاثا »1 الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

 

هذه الجملة هي إحدى أنواع الذكر الذي شرعه الله في مناسبات كثيرة "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" تجد لكل جملة مواضع، مواضع من العبادات، وأنواع من الأذكار، (الله أكبر) هذه الجملة تدل على أن الله أكبر من كل شيء، تدل على الكبرياء لله والعظمة، فهو الكبير المتعال، العظيم العلي، والتكلم بهذه الجملة يقال له التكبير، كبر الله أكبر، وأكثر ما يشرع التكبير، أكثر نقول أكثر، يشرع التكبير في حالات الارتفاع، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم وكان الرسول « إذا علا شرفا كبروا وإذا هبطوا سبحوا »4 الله أكبر.

ونلاحظ هذا هنا لما إذا استوت به راحلته (يكبر إذا علا على راحلته وقامت به واستقر عليها كبر ثلاثا) الله أكبر فيفتتح هذا الدعاء وهذا الذكر بالتكبير، ومن مواضع التكبير؛ الأذان، والإقامة، والصلاة تحريمها التكبير، إذا قمت إلى الصلاة فكبر، وفي التنقلات تكبيرات الانتقال الله أكبر، الله أكبر، وفي أيام معينة كالعشر، كعشر ذي الحجة، وأيام التشريق وليلة العيدين ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾5 .

كبر ثلاثا ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾2 ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾3 هذا اللفظ جاء في القرآن ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴾6 ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾2 لتستووا على ظهوره يعني تعلوا على ظهوره وتستقروا على ظهوره ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾2 .

 

يعني وما كنا له بمطيقين، فالله هو الذي أوجد هذه المراكب، ما كنا له بمطيقين لولا أن الله خلق وسخر ويسر، سخر لنا هذا سخر المراكب من بهيمة الأنعام من الإبل، وسخر البحر وسخر الفلك، والفلك تجري، تجري بأمره سبحانه وتعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾7 .

يعني من أجل أن تستووا على ظهوره لتنتقلوا من مكان إلى مكان، والآيات المذكرة بهذه النعمة كثيرة، والتسبيح معناه التنزيه، الكلمات الأربع "سبحان الله والحمد لله" سبحان تتضمن تنزيهه تعالى عن كل نقص وعيب، والحمد لله تتضمن وصفه بكل كمال، و"لا إله إلا الله" تتضمن توحيده في إلهيته سبحانه، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة إلا هو، و"الله أكبر" فتضمنت التسبيح والتوحيد والتحميد والتمجيد والتكبير.

(وإنا إلى ربنا لمنقلبون) في تذكر فيه تذكر المعاد والعودة فالله تعالى خلق العباد وخلق لهم ما يحتاجون إليه من المراكب والمطاعم والمشارب والمساكن كما في سورة النعم، سورة النعم تعرفون سورة النعم؟ نعم هي سورة النحل، تعرف بسورة النعم؛ لأن الله ذكر عباده بالنعم في أولها وفي وسطها وفي آخرها حتى قال في آخرها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾8 ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾9 فيه التذكر للآخرة وأن ما يتمتع به الإنسان في هذه الحياة ما هو إلا يعني مؤقت مرحلة.

(وإنا إلى ربنا لمنقلبون) وتذكر المعاد وتذكر القيامة مما يوجب الاستعداد، يوجب للعاقل والحازم والفطن الاستعداد لذلك اللقاء، (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) تضمن الإيمان بالمعاد، الإيمان بالرجوع إلى الله، وهذا الإيمان يثمر العمل لذلك اليوم لذلك اللقاء والمرجع والمآب، إليه المآب سبحانه وتعالى، (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) قول ابن عمر: (إذا خرج إلى سفر) وقوله: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) يدل على أن هذا الذكر إنما يشرع عند الشروع في السفر، عندما يركب الإنسان راحلته مسافرا، لا كلما ركب؛ لأن الحديث هكذا جاء، الحديث جاء بهذا الدعاء المناسب للسفر، جاء مناسبا للسفر، (إذا خرج إلى سفر.. اللهم إنا نسألك في سفرنا ... إلى آخره) كله فيما يتعلق بالسفر، فهل يقال من السنة أنك كلما ركبت سيارتك أو دابتك تدعو هذا الدعاء؟

نقول: لا، لكن لا مانع، لكن نستفيد من الأدلة العامة أن الإنسان أن عليه أن يتذكر نعم الله دائما، إذا أكلت إذا شربت إذا لبست فاذكر الله، الحمد لله، تذكر، لكن يعني سنة لأن هذا الذكر جاء متصلا، متصلا بهذه الدعوات المناسبة للسفر، أما ذكر يعني... لا هو في كل وقت ذكر يعني ذكر الذي يمكن نسميه مطلق ذكر مطلق، الإنسان إذا لبس ثوبه إذا أكل طعامه يذكر ربه يتذكر فضل الله عليه، الحمد لله، الحمد لله، إذا الإنسان ركب سيارته يذكر فضل الله أنه سخر له، لكن لا نقول إنه يعني سنة كلما ركبت راحلتك يسن لك أن تأتي بهذا الدعاء؛ لأنه جاء مقيدا، فهو ذكر مقيد، والذكر تعلمون أنه نوعان؛ ذكر مقيد، وذكر مطلق.

(اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) تحديدا في سفرنا هذا يعني هو الآن موضع الهم والاهتمام، والإنسان إنما أكثر ما يعنى بالشيء الحاضر ساعته الحاضرة (في سفرنا هذا البر والتقوى) البر والتقوى يأتيان في النصوص تارة يعني مقترنين وتارة منفردين، فإذا اجتمعا فإنه يفسر البر بالعمل الصالح، والتقوى بترك المخالفات والمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾10 أما إذا أفرد البر فإنه يشمل هذا وذاك، وإذا أفردت التقوى فإنها تشمل هذا وذاك، فيفسر، ولهذا تفسر التقوى بأنها فعل المأمورات وترك المحذورات، لكن إذا اجتمعا فإنهما يفترقان في المدلول يصبح كل منهما يعني البر أخص بالأعمال الصالحة والتقوى أخص بترك السيئات، بالتقوى.

(نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى) استفادنا من هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى كل هذا من عطف يعني من الإجمال بعد التفصيل أو أنه تخصيص من وجه، يعني ما هو أرضى لك سقنا لما هو أرضى؛ لأن الأعمال فيها فاضل وأفضل (ومن العمل ما ترضى) أو يكون من نوع التنويع؛ لأن العمل الصالح مرضي لله، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾11 ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ﴾12 (ومن العمل ما ترضى) وفيه إثبات صفة الرضا لله، والقول فيه كالقول في الرحمة، أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الرضا لله ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾13 ويؤمنون بأن الله يسخط ويرضى، يغضب ويرضى، وأكثر ما يأتي الرضا مقابلا بالسخط ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ﴾12 ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾14 وأما الأشاعرة فإنهم يؤولون الرضا بالإرادة كما قلنا بالأمس، يؤولون الرضا بالإرادة؛ لأنهم ما يثبتون إلا الصفات السبع على ما في إثباتهم إرادة.

(ومن العمل ما ترضى، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) هذا فيه استشعار المعية معية الله، فالله مع عباده مع المقيم والمسافر ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾15 (أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) وفي استحضار هذه المعية، يعني معنى التوكل عليه في حصول يعني ما يطلبه العبد من الحاجات والمنافع، وفي السلامة مما يكره، (أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الأهل) فهو مع عباده أينما كانوا مع المقيم ومع المسافر ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾15 .

وهناك المعية الخاصة: وهي معيته وتعالى لأوليائه وعباده المؤمنين وعباده المتقين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾16 ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾17 فهما معيتان؛ المعية العامة هذه مع كل أحد، لكن العبد إذا قال في النهاية فأنه يقول ذلك يعني متذكرا معيته تعالى التي توجب التوكل عليه والاعتماد عليه سبحانه وتعالى، (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) خليفة في الأهل الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول في حديث الدجال لما ذكر لهم صفته فقال: « إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن خرج ولست فيكم - أو كما قال عليه الصلاة والسلام- أو وإن خرج بعدي فالله خليفتي على كل مسلم »18 .

فالله هو الذي يخلف المسافر في أهله، ويخلف الميت في أهله، ويقول -عليه الصلاة والسلام- لما دعا لأبي سلمة « اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه »19 بهذا يعلم أن الله هو الذي يخلف، بأن يخلف يعني يخلف غيره؛ لأنه الحي الذي لا يموت، وأما العبد فإنه يغيب ويسافر ويموت، ولا يقال: إن أحدا هو خليفة الله، وهذا موضع نبه عليه شيخ الإسلام وابن القيم ما يقال إن أحدا يخلف الله، وإذا قيل فلان يعني إذا قدر لو قيل، قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، قال: بل أنا خليفة رسول الله، خليفة لأنه خلف الرسول بعد موته صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾20 بعض الناس يقول: خليفة عن لله، لا، خليفة يخلف جنس البشر يخلف بعضهم بعضا، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ﴾21 ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ﴾21 « وإن الله مستخلفكم فيها »22 مستخلفكم يعني جاعلكم خلفا لمن قبلكم، لا أنه مستخلفكم عنه، يعني الله يجعلكم خلفاء عنه كما يغلط بعض الكتاب ويقول الإنسان خليفة الله في الأرض، خليفة الله الذي يحتاج إلى من يخلفه هو الذي يموت ويغيب والله الحي الذي لا يموت، (أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) هذا معناه أني أتوكل عليك في حفظ أهلي، معناه سافرت وغبت ولكنك لا تغيب، أنت مع المقيم والمسافر (أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) سبحان الله.

فيه (اللهم إن أعوذ بك من وعثاء السفر) يعني من مشاق السفر، السفر جاء في الحديث الصحيح أنه « قطعة من العذاب »23 عذاب فيه مشاق فيه يترك الإنسان يعني طعامه وشرابه هذا في الجملة، وفي الغالب أنه فيه مشاق، ولهذا جاءت الشريعة بالتيسير والترخيص بقصر الصلاة وإباحة الفطر وترخيص في حكم المسح على الخفين، وترخيص، رخص السفر يعني هناك شيء، يعني أحكام اسمها رخص السفر.

« اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر »1 الكآبة ضد النضارة والبهاء والحسن، يعني كآبة يعني تغير الإنسان، تغير الملامح كآبة المنظر، (اللهم إن أعوذ بك من وعثاء السفر) ولا يلزم من ذلك طلب نفي كل المشاق، لكن طلب تخفيفها طلب دفع المشاق الشاقة الشديدة (أعوذ بك) لجأ إلى الله، ألجأ إليك بأن تقيني وعثاء السفر وتعافيني وتعيذني من كآبة المنظر، والكآبة كأنها تشعر بالتغير الذي يكون أثر الغم والحزن، وهذا يتضمن أيضا العياذ من الأسباب المفضية إلى ذلك، الأسباب التي تفضي إلى المشاق إلى الوعثاء إلى الكآبة.

(وسوء المنقلب في المال والأهل) سوء المنقلب: المنقلب يعني الرجوع، سوء الرجوع، سوء المنقلب بأن يرجع إلى أهله في حال سيئة، أو يجد أهله بحال سيئة، يعني (سوء المنقلب) إما في نفسه أو في أهله، فاستعاذ بالله من ثلاثة؛ وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، والمنقلب تارة يكون منقلبا حسنا ومرجعا حسنا في رجوع سعادة، يعني المسافر إذا رجع وهو سليم والله قد حفظه ورجع يعني يمكن بمكاسب وبمنافع، رجع بها إلى أهله، ووجد أهله بخير حال في أمر دينهم ودنياهم، فهذا المنقلب الحسن، إذا رجع وهو مبتلى وهو بمصائب وقد تسلط عليه شرور أو أشرار، ورجع ووجد أهله قد يعني ابتلوا أيضا بمصائب، صار المنقلب يعني يكون الإنسان في هذه الحالة أيش في حال تعيسة في أسى وحزن وألم وقلق، المسافر يهمه شوف يعني ما يتعلق به وما يتعلق بأهله، لأنه خلف أهله « اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب »1 أيش (في الأهل والمال والولد)؟

يمكن يرجع فيجد أهله قد يعني حدث لهم أمر، يجد ماله قد حدث له أمر يمكن أنه أتلف سرق احترق فيسقط في يده (في المال وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد) فهذا دعاء عظيم اشتمل على يعني خير الدنيا والآخرة وطلب منافع الدنيا والآخرة، صدره بعد التكبير والتسبيح والتحميد (أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى) أهم ما على الإنسان أمر دينه، (أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى) هذا هو المطلب الأسمى، هذا المطلب الأول، يجب أن يكون اهتمام الإنسان بسلامة دينه وبصلاح دينه قبل صلاح دنياه، وهكذا جاء الدعاء « اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي »24 فهذا الدعاء تضمن طلب صلاح الدنيا والآخرة، (أسألك في سفرنا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى) ثم بعد ذلك يعني ما يوجب التوكل (الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) يعني الاستعاذة بالله من الشرور وأسبابها في السفر يعني في حق المسافر وفي من خلفه من أهل ومال وولد، هذا الدعاء من الأدعية الجامعة المشتملة على خير كثير في الدين وفي الدنيا جميعا فيدعو الإنسان لنفسه ولأهله، يدعو الإنسان لنفسه ولأهله، إيه نعم.

ويقول إذا رجع (إذا رجع قالهن) متى إذا رجع؟ إذا ابتدأ الرجوع يعني أنت سافرت لمكة وقلته عند ابتداء السفر فلما يعني أنشأت الرجوع أنشأت تقول ذلك، يعني ما هو إذا رجعت إذا وصلت، لا، إذا قفلت، قفل (وإذا قفل أو إذا رجع قالهن) قال هذا إذا رجع يقول هذا الذكر وهذا التمجيد وهذا الحمد وهذا الدعاء.

(وزاد آيبون) آب يئوب أوبا يعني رجع، آيبون يعني آيبون إلى الله وراجعون إلى الله، فيه استشعار الرجوع إلى الله -عند مناسبة- بمناسبة الرجوع من السفر، آيبون راجعون إلى الله، تائبون إلى الله، يعني الإياب فيه يظهر أنه أخص في فعل الطاعات، وتائبون بالرجوع عن الذنوب.

(آيبون تائبون) أو تكون واحدة تؤكد الثانية، (عابدون) لله سبحانه وتعالى، والتوبة عبادة وسائر الطاعات عبادة، (عابدون لربنا حامدون) حامدون مثنون عليه بآلائه ونعمه (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) تقديم الجار والمجرور فيه فائدتان؛ الحصر (لربنا حامدون) يعني حامدون لله وحده، وفيه تناسب الكلمات، يعني لو قال: (آيبون تائبون عابدون حامدون لربنا) لم تتناسب الجمل لكن (لربنا حامدون) فتناسبت حامدون تناسب مع الجمل آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون والمعنى الكل آيبون إلى ربنا تائبون إلى ربنا عابدون لربنا، لربنا حامدون، أو تكون لربنا آيبون لربنا يعني المعنى هكذا (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) يعني يحتمل أن يكون الجر والمجرور متعلقا بـ (حامدون) وكأن هذا هو المتبادر، ويحتمل أن يكون متعلقا بما قبله كله راجح كله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾25 فصل لربك وانحر لربك، (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) أي لربنا أيضا والله أعلم، نعم.

أحسن الله إليك، بقي جملتان يا شيخ.

نعم ما هما؟ (اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده).

(اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده) لا إله إلا الله، هذا مما يهم المسافر يعني تهوين المشاق، المشاق من طبيعة السفر، فهون علينا سفرنا هذا يعني بتخفيف يعني متاعبه ومشاقه.... تسهيل الأمور وتهوينها على النفس، بعض الناس إذا حدث له بعض المشاق يصير يكون عنده تضايق وتبرم وشكوى، يعني افرض أنك سافرت وحصل عطل بالسيارة، بعض الناس يضيق صدره، لا، هون، وبعض الناس الله يعطيه السعة في صدره ولذلك الأمر يسهل السيارة إن شاء الله تتصلح وبدل اليوم باكر إن شاء الله، والحمد لله.

فتهوين أمر السفر إما بصرف يعني العوارض، بصرف العوارض أو بتخفيف ما يقع على النفس، تخفيفها على النفس (هون علينا سفرنا هذا) يعني اجعله هينا واجعله سهلا (واطو عنا بعده) يعني الإنسان يعني أحيانا يعني يعان في سيره حتى يقطع المسافات بدون كرب، ما شاء الله يقول يعني قطعنا هذه المسافة بهذه السرعة؟ وليس بلازم أن تطوى له الأرض بمعنى تزوى له، ولكن تطوى له بحيث يقطع المسافات بدون أي ضيق ولا حرج يجد، يستشعر أنه قد تيسر له الأمر وقطع هذا السفر بسرعة ما يظن، يظن أنه ما يقطعها في هذه المدة (واطو عنا بعده) وهذا لا بد له أسباب الله سبحانه وتعالى يهيئها للعبد بفعله وبغير فعله "اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده" فهذا طلب دعاء بصرف المشاق وتيسير الأمور، ثم جاء بعد ذلك الدعاء من الضد يعني طلب يعني تضمن طلب المحبوب ودفع المكروه، كما تقول: "اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار"، "اللهم اهد قلبي واعصمني من الضلال" تجد أنه تضمن الدعاء الجمع بين سؤال المحبوب المطلوب وطلب السلامة والاستعاذة بالله من المكروه، والله أعلم. نعم

 

1 : مسلم : الحج (1342) , والترمذي : الدعوات (3447) , وأبو داود : الجهاد (2599) , وأحمد (2/150) , والدارمي : الاستئذان (2673).
2 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:13
3 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:14
4 : أبو داود : الجهاد (2599).
5 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:185
6 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:12
7 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:12 - 13
8 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:120
9 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:121
10 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:2
11 : سورة الزمر (سورة رقم: 39)؛ آية رقم:7
12 : سورة محمد (سورة رقم: 47)؛ آية رقم:28
13 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:119
14 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:162
15 : سورة الحديد (سورة رقم: 57)؛ آية رقم:4
16 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:128
17 : سورة طه (سورة رقم: 20)؛ آية رقم:46
18 : مسلم : الفتن وأشراط الساعة (2937) , والترمذي : الفتن (2240) , وأبو داود : الملاحم (4321) , وابن ماجه : الفتن (4075) , وأحمد (4/181).
19 : مسلم : الجنائز (920) , وأحمد (6/297).
20 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:30
21 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:165
22 : مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2742) , والترمذي : الفتن (2191) , وابن ماجه : الفتن (4000) , وأحمد (3/61).
23 : البخاري : الحج (1804) , ومسلم : الإمارة (1927) , وابن ماجه : المناسك (2882) , وأحمد (2/496) , ومالك : الجامع (1835) , والدارمي : الاستئذان (2670).
24 : مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2720).
25 : سورة الكوثر (سورة رقم: 108)؛ آية رقم:2