موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - صلة الرحم - شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث) لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)
 انتقاء الأصحاب
 نباهة المؤمن
 خصال الخير
 النهي عن الغضب
 النهي عن الكبر
 فلاح المؤمن
 وصية موجزة
 احترام الضعفاء
 قاتل ومقتول في الجنة
 النهي عن تمني الموت
 فتنة الدنيا والنساء
 شعب الإيمان
 طرق اتقاء النار
 النهي عن الاختلاف
 الرحمة بالخلق
 صلة الرحم
 الحث على حب الرسل والصالحين
 دعاء السفر
 الاتباع في المناسك
 ثواب سورة الإخلاص
 حسن التصرف في المال والعلم
 جامع الدعاء
 طريق البعد عن النار
 ما يحبه الله لنا ويكرهه
 نفقة الأولاد على الأب
 القضاء وقت الغضب
 النهي عن الإسراف والكبر
 بشرى المؤمن
 الحث على رضا الوالدين
 سبل تنقية القلب
 قلة الكمال في البشر
 فضل المؤمن آخر الزمان
شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث) - صلة الرحم

 

صلة الرحم

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله تعالى عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ »1 مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.


 

الله، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ »1 ومن لا يحب ذلك ؟ من الذي لا يحب أن يبسط له في رزقه ويوسع عليه رزقه وينسأ له في أثره - يعني - في أن يمد في عمره من الذي لا يحب هذا ؟ كل واحد يحب ذلك كل واحد، إذن من كان يحب أن يتحقق له ما يحب فليفعل - هذا سببه - فليصل رحمه، في هذا الحديث ترغيب عظيم في صلة الرحم صلة الرحم الرحم هي القرابة من الجهتين جهة الأبوين، وأول الرحم الأبوان الوالدان والأولاد والإخوان والأخوات والأعمام والعمات وأولادهم كل هؤلاء رحم وقرابة كلهم قرابة.

 

وصلة الرحم تكون بأنواع تختلف باختلاف أحوال الواصل والموصول وتختلف باختلاف درجة القرابة درجة القرابة، حق الوالدين أعظم الحقوق حق الأولاد الإخوة والأخوات كل - يعني - هؤلاء ليسوا على مرتبة واحدة كلهم رحم كلهم قرابة ، ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ ﴾2 - يعني - القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾2 ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾3 الرحم وصلة بين الإنسان وأقاربه كالناس يتساءلون يقولون أسألك بالله والرحم التي بيني وبينك، يسأله بالرحم لأنها تقتضي صلة، وصلة الرحم مشروعة حتى للكافر كما إن بر الوالدين والإحسان إلى الوالدين مشروع وإن كانا كافرين ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾4 ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾5 .

والرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أنذر قريشا وقال : « أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا »6 قال : « إلا أن لكم رحما عندي سأبلها ببلالها »7 رحم ، « فليصل رحمه »8 بدأ بالوالدين ببر الوالدين بالإحسان إلى الأولاد هذه الصلة منها الواجب ومنها المستحب والصلة تكون بالمال تكون - يعني - بما تجري به العادات من - يعني يعني - الحفاوة والإكرام والبشر والزيارة بحسب الظروف بحسب الأحوال، الفقير له حال والغني له حال، الفقير إما أن تكون نفقته واجبة فتنفق عليه وإما أن تكون نفقته - يعني - ليست واجبة فتحسن إليه وتتصدق عليه، والغني تهدي إليه وتسلم عليه وتزوره وتسأل عن حاله وتدعو له، صلة الرحم أيضا تكون بالدعاء صلة صلة الرحم معنى واسع وتفصيله يعلم بالأدلة، تفصيل ما يجب وما يستحب وأنواع الصلة هذا يعرف بالأدلة وكذلك كما قلنا إنه يختلف باختلاف درجات القرابة ويختلف باختلاف الأحوال والزمان والمكان.

« فليصل رحمه »8 حتى ولو قطعته الرحم كما في قصة ذاك « الرجل الذي قال: يا رسول الله إن لي رحما أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال - عليه الصلاة والسلام - لئن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم »9 أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - صلة الرحم ما هي مسألة مكافأة، ما هي مسألة مكافأة - يعني - أعطني وأعطيك هذه ما فيه هذا « ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها »10 الله أكبر، هكذا تكون الأخلاق العظيمة العالية، أما إذا صارت المسألة تبادل منافع - يعني - كل واحد ما له فضل على الثاني ولا سوى شيء - يعني - المكافأة خلاص واحد أهدى عليك ثم أهديت عليه انتهى كل واحد على حاله، الله سبحان الله.

ومن صور الصلة في عادات الناس الزيارة، عمك تسلم عليه، أخوك تزوره وتسلم عليه، قريبك تزوره وتسلم عليه، زيارة ؛ لكن هذه يلاحظ فيها مشاعر الطرف الثاني إذا كان يسره ذلك ويشرح عليك إذا كنت ما جئت تكون زيارتك له صلة، إذا كان هو ما يبالي ولا يجد في نفسه شيء إذا لم تزره يكون الأمر فيه سعة، وإذا كان إنه ما يحبك من الناس ما يحب زيارات الناس هذا جاي هذا رايح هذا فيه يتصل بالنساء والرجال بعض الناس يجتهد يروح باسم الزيارة والطرف الآخر ما هو بحريص ما هناك - يعني - صلة أو علاقة شخصية تجعله - يعني - يرغب وينبسط لك لا، يمكن بعض الناس بعض القرابة يمكن إذا زرته تلاحظ عليه عدم الارتياح خلاص هذا صله بأن لا تزوره صله بأن لا تزوره ادع له اسأل عن حاله أرسل له السلام خلاص خفف عنه لا تضايقه بزيارتك وتكون ثقيلا عليه، هذا - يعني - أنا أقول هذا لما أعلمه من واقع بعض الناس ولا سيما النساء يقع منهن شيء من ذلك باسم الاجتهاد في الزيارة وصلة الرحم صلة رحمهم هي ما نزوره عندك هدية أو صلة مالية أرسل بها إليه ينتفع بها ولا تكلفه شيئا « فليصل رحمه »8 ما شاء الله، كلمة موجزة صلة الرحم.

قطيعة الرحم التي ورد فيها الوعيد « لا يدخل الجنة قاطع رحم »11 أو ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾12 ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾13 هذه تتضح، القطيعة أنواع تكون بفعل حرام أو بترك واجب، القطيعة - يعني - التي يتوعد عليها إما بترك واجب أو بفعل محرم قطيعة قطيعة رحم أرأيت من يقتل قريبه يقتل أباه أمه ابنه أخاه عمه قريبه ابن عم يقتله يؤذيه هذه قطيعة رحم، وهي أنواع على مراتب يكيد له يلحق به الضرر قطيعة منع واجب لا ينفق إنسان - والعياذ بالله - عنده قدرة وعنده ووالداه يتكففان الناس أي قطيعة عنده أموال وأولاده فقراء يعطيهم الناس من الزكاة أليست هذه قطيعة قطيعة هذه القطيعة قطيعة الرحم ؛ لكن مثل ترك زيارة ترك زيارة هذه أمور - يعني - غاية الأمر أن تكون مستحبة يمكن ما تستوجب هذا الوعيد الشديد والتهديد - يعني - كما قلنا - يعني - قلت صلة الرحم من الواجب ومن المستحب، ترك المستحب لا يترتب عليه وعيد كما لا يخفى، والواجب يختلف، درجات الوجوب تختلف، ثم القطيعة بفعل المحرم تختلف - يعني - ضربت لهذا مثالا من أحب أن يبسط له يبسط له في رزقه، الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: أي يضيق الله، يبسط الرزق لمن يشاء هذه أحوال الخلق من الخلق من يبسط له رزقه ويوسع عليه كثيرا كثيرا ومنهم من دون ذلك ومنهم من يضيق عليه رزقه ويبتلى وهكذا، وكل من البسط والتقدير كل منهما ابتلاء كل ابتلاء للخلق.

« وينسأ له في أجله »14 النسأ التأخير، ينسأ له « ينسأ له في أثره »15 يعني: يؤخر ويمد له في الأثر إذا أخر الأثر معناه أنه يطول عمره ففي هذا الحديث دلالة على أن صلة الرحم سبب لبسط الرزق لبسط الرزق وطول العمر، وكل من الرزق والعمر كلاهما مقدر فلا يفهم من هذا إن الله قدر شيئا - يعني - قدر رزق هذا وعمره في القدر السابق ثم وصل رحمه ثم يأتي تعديل، لا، الله رتب المسببات على الأسباب شرعية وكونية وقد قدر في القدر السابق - يعني - الله قدر من الذي يصل رحمه، الله قد علم وكتب من الذي يصل رحمه ومن الذي يقطع رحمه قدر وعلم بذلك وعلم وقدر من الذي يصل رحمه فيطول عمره فيكون هذا الذي بسط له في رزقه وطال عمره بسبب صلة الرحم، يجب أن يعلم أن كلا من السبب والمسبب قد سبق به قدر الله.

فلبسط الرزق أسباب شرعية مثل صلة الرحم وأسباب كونية مثل السعي في الأرض وطلب الرزق طلب الرزق سبب كوني سبب كوني شرعي أيضا ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾16 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، أسباب كونية وشرعية ولكن هناك أسباب شرعية مع بعض كصلة الرحم من جهة إنها ما لا تعل - يعني - مع أمر معنوي فكما تطلب - يعني - السعادة بأسبابها وتحذر أسباب الشقوة وتطلب الرزق بأسباب كونية معروفة كذلك طلب سعة الرزق بصلة الرحم ؛ ولكن ينبغي أن من وصل رحمه أن يطلب ثواب الله أن يريد بصلته للرحم أن يريد به وجه الله وأن يرجو ثواب الله عاجلا وآجلا فلا يكون همه فقط الدنيا فلا يريد ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾17 ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾18 .

بعض أهل العلم يقول: إن العمر لا يطول حقيقة، يعني: بدل إنه يكون عمره سبعين سنة يطول عمره فيصل تسعين بسبب صلة الرحم بل المراد أن يبارك له في عمره وهذا ليس بلازم حتى البركة البركة في العمر من بارك الله له في عمره بالتوفيق للأعمال الصالحة أيضا هذا قد سبق به القدر القدر، القدر سابق ماضي في كل شيء ما فيه شيء يحدث أنف أنف شيء مستجد - يعني - الله ما علم هذا وبعد ذلك بدا لله أن يزيد في عمره بدا لله هذا لا لا يجوز على الله البدا أن يبدو له ما لم يكن علم به قبل فعلم بذلك ألا حاجة إلى هذا التأويل المخالف لظاهر الحديث لا أبدا ؛ بل الحديث يدل على أن صلة الرحم سبب لبسط الرزق وطول العمر ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾19 فهو مكتوب من يعمر ومن لا يعمر، وقد جعل الله للتعمير أو طول العمر أسبابا كونية وشرعية.

والشيخ عبد الرحمن السعدي عندكم في بهجة قلوب الأبرار شرح هذا شرحا حسنا وجميلا وبين أن هذا على حقيقته أن الحديث على ظاهره وعلى حقيقته فللصحة أسباب وللمرض أسباب ولطول العمر أسباب ؛ ولكن الدعا بطول العمر ماذا لا داعي إليه ولعل الدعاء لا دخل له في هذا في طول العمر يقول: طال عمرك، طول الله عمرك ؛ لكن إذا دعا الإنسان فليقل فليقيده بالطاعة: أطال الله عمرك على طاعته - يعني - بهذا القيد أما طول العمر بإطلاق ما هو بإطلاق قد يكون طول العمر مضرة على بعض الناس الذين لا يزدادون إحسانا بل يزدادون سوءا وإساءة، طول عمر الكافر ضرر عليه ؛ ولكن فالمقصود إن الحديث - يعني - فيه الترغيب العظيم في صلة الرحم وذلك بذكر شيء من ثوابه وهو الثواب المعجل ثواب معجل، فإن الحسنات لها آثار ولها توابع، آجل وعاجل، لها ثواب آجل وعاجل ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾20 وفي دعاء أهل العلم والإيمان ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾18 نعم الحديث .

1 : البخاري : الأدب (5986) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2557) , وأبو داود : الزكاة (1693) , وأحمد (3/247).
2 : سورة الأنفال (سورة رقم: 8)؛ آية رقم:75
3 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:1
4 : سورة لقمان (سورة رقم: 31)؛ آية رقم:14
5 : سورة لقمان (سورة رقم: 31)؛ آية رقم:15
6 : البخاري : الوصايا (2753) , ومسلم : الإيمان (204) , والترمذي : تفسير القرآن (3185) , والنسائي : الوصايا (3644) , وأحمد (2/360) , والدارمي : الرقاق (2732).
7 : مسلم : الإيمان (204) , والترمذي : تفسير القرآن (3185) , والنسائي : الوصايا (3644) , وأحمد (2/360).
8 : البخاري : الأدب (6138).
9 : مسلم : البر والصلة والآداب (2558) , وأحمد (2/412).
10 : البخاري : الأدب (5991) , والترمذي : البر والصلة (1908) , وأبو داود : الزكاة (1697) , وأحمد (2/193).
11 : البخاري : الأدب (5984) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2556) , والترمذي : البر والصلة (1909) , وأبو داود : الزكاة (1696) , وأحمد (4/83).
12 : سورة محمد (سورة رقم: 47)؛ آية رقم:22
13 : سورة محمد (سورة رقم: 47)؛ آية رقم:23
14 :
15 : البخاري : البيوع (2067) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2557) , وأبو داود : الزكاة (1693) , وأحمد (3/247).
16 : سورة الملك (سورة رقم: 67)؛ آية رقم:15
17 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:200
18 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:201
19 : سورة فاطر (سورة رقم: 35)؛ آية رقم:1
20 : سورة العنكبوت (سورة رقم: 29)؛ آية رقم:27