موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الأطعمة - شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس) لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس) - كتاب الأطعمة

كتاب الأطعمة

ما يحل وما يحرم من الأطعمة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين أما بعد:

قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى: كتاب الأطعمة:

"هي كل طاهر غير مضر ولا مسكر، وكل حيوان سوى حشرات وضفدع وتمساح وما يعدو بناب أو مخلب وبغل وحمار، وما يأكل جيفًا ما نص على تحريمه أو تولد من مباح وغيره، فمن اضطر سد رمقه كشرب خمر لدفع غصة لا عطشٍ وتداوٍ، ويقدم المختلف فيه على غيره، ويأكل من ثمر بلا حائط وناظر، وللمضطر أخذ طعام غيره ولو بقتال إن لم يكن به مثل ضرره.

باب الصيد والذبائح:

يصح من عاقل مسلم أو كتابي، ويشترط في المقدور عليه لا جرادٍ وبحري، قطع كل الحلقوم والمريء بجارح غير سنٍ وظُفر، بشرط حياة مستقرة وتسمية الله للذاكر، والأخرس يشير إلى السماء، وفي غير المقدور عليه كصيد وبعير ند أو تردى بهوة، جرح بآلة ذكاة أين أمكن، وبإرسال جارحة معلمة قصدًا، سمى به عند إرسالها، لا ضار أسود أو شريك من لا يباح صيده، والمعلم سبعٌ مسترسل منزجر لا يأكل، أو ذو مخلب مسترسل يجيب إذا دعي، فيحل إن أدركه ميتًا أو بحركة مذبوحٍ وإلا كالمقدور، ويسن الاستقبال وقطع الودجين ونحر البعير في اللبة قائمًا معقولة يمناه. باب الهدي والأضاحي".


هكذا ذكروا بعد الحدود الأطعمة، وكأن المناسبة أن من الأطعمة ما يحتاج إلى مطاردة، ويحتاج إلى رمي، ويحتاج إلى اصطياد وهو الصيد، فلذلك ذكروا الأطعمة، ولو كان مناسبتها بعد المبايعات، وبعد المعاملات، الأطعمة هي المأكولات، وقد تقدمت في المشروبات الأشربة المباحة في حد المسكر، وهاهنا ذكر المطعومات. الله تعالى خلق الإنسان وجعله محتاجًا إلى طعام يتغذى به، إذا فقد هذا الطعام فإنه لا يعيش، لا بد له من قوتٍ يتقوت به، وهو هذا الأكل الذي هو غذاءٌ وسببٌ لبقاء هذه الحياة المشاهدة هكذا.

ثم إنه تعالى أباح ما على الأرض وحصر المحرم بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾(1) أي خلقه لأجلكم وخلقه لنفعكم، كل ما في الأرض فإنه خلق لكم، منه ما تأكلون ومنه ما تنتفعون به، إلا ما فيه ضرر. ثم حصر المحرمات، وكأن الحصر للممتلكات بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾(2) أي هذا هو المحرم من البهيمة، كذلك قال تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾(3) فجعل هذه هي المحرمات، وهذه كلها من بهيمة الأنعام.

الميتة: البهيمة التي لا تذبح، بل تموت بدون ذبح، الدم: هو الذي يخرج من الذبيحة عندما تذبح، أطلق في هذه الآية وقيد في سورة الأنعام في قوله: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾(4) يعني سائلًا، الخنزير: من بهيمة الأنعام التي سخرت والتي تملك وتتوالد إلا أنه يأكل النجاسة يأكل رجيع الآدمي، إذا رأى آدمي يتخلى انتظر حتى إذا قام ابتدره فأكل الرجيع، هذا من علة تحريمه لأنه يتغذى بالنجاسة، كذلك ما أهل به لغير الله أي المذبوح لغير الله كالمذبوح لصنم، أو لبقعة أو نحو ذلك، أو المذبوح على اسم غير الله كالذي يذبح باسم المسيح أو باسم العيدروس، ونحو ذلك أهل به لغير الله.

المنخنقة: التي يخنقونها حتى تموت لأجل أن يتحجر الدم فيها ويزيد وزنها سواء كانت من بهيمة الأنعام، أو من الطيور كالدجاج والحمام ونحوه، الموقوذة: هي التي تضرب بالحجارة أو بالعصي حتى تموت مع القدرة على ذبحها، المتردية: التي تتدهده من الجبل وتموت ولا تذكى، النطيحة: التي تنطحها أخرى وتموت بسبب النطح، هذه من المحرمات من بهيمة الأنعام، أكيلة السبع: عادة أن السباع كالذئاب تعدو على الأغنام وتفترس، فإذا وجدت هذه الفريسة قد ماتت بسبب افتراس السبع حرم أكلها، وإن أدركت حية فذبحت ذكيت حل أكلها.

ثم ذكروا أن المحرمات من الدواب محصورة، حصرها بعضهم في عشرة أنواع:

النوع الأول: الحمر الأهلية، مع أنها تركب وتملك وتباع وتشترى ويحمل عليها، جاءت الشريعة والسنة بتحريمها ذهب الجمهور إلى أنها محرمة، الحمير التي تركب. وعند بعض العلماء كالشافعية أنها حلال، وأن النهي عنها إنما كان لأنها جلالة يعني أحيانًا تأكل الرجيع، فحرمت لأجل ذلك، وقالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن أكل الجلالة، الجلالة عامة، بعض الإبل تتبع أماكن التخلي، أماكن الغائط، وتأكل الرجيع فتكون محرمة، وكذا من البقر تأتي إلى الأماكن التي فيها القذر وفيها الغائط تأكل وتسمى الجلالة، وكذلك الغنم أي بعضها، وكذا الدجاج فإذا كانت كذلك سميت جلالة، ولم يجز أكلها؛ لأنها تغذت بهذا النجس.

ذكروا أن الجلالة تحبس وتطعم طاهرًا حتى يطيب لحمها، فمن الإبل ذكروا أنها تحبس أربعين يومًا ولا تطعم إلا طاهرًا ليطيب لحمها، وقالوا في البقر أنها تحبس عشرين يومًا، وفي الغنم أنها تحبس عشرة أو سبعة، وفي الدجاج أنها تحبس خمسة أو ثلاثة، والصحيح أن الحمر حرمت لطبعها لا لأجل أنها جلالة، نهى عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة خيبر وقال: « إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس »(5) والرجس هو النجس كما سمى الله تعالى الخمر رجس ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ ﴾(6) وقال تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾(7) ولما جاء النهي عنها والتعليل بأنها رجس صارت محرمة.

الأمر الثاني أو الشيء الثاني المحرم: كل ذي ناب من السباع، الأصل أن السباع هي التي تعدو على الناس، فالذي له ناب محرم، كالذئب والأسد والفهد والنمر وما أشبه ذلك، هذا قول الجمهور، واستثنى بعض العلماء كالإمام أحمد الضبع، وقالوا إن الضبع جاء النص بإباحتها، ولكن القول الثاني أنها من ذوات الأنياب، وإن كانت لا تعدو ولا تفترس، وكراهتها وتركها أولى.

النوع الثالث: كل ذي مخلب من الطير، الذي يحمل طعامه بمخالبه كالصقر، والغراب والبازي والباشق، والشاهين، الذي له مخلب يصيد به أو له مخلب يحمل به طعامه لفراخه، جاء الأمر بأنه محرم.

الرابع من المحرمات: ما يأكل الجيف، الذي يتغذى بالجيف، يدخل في ذلك النسر والرخم، والكثير من هذه الطيور، ويدخل في ذلك أيضًا الكثير من السباع مثل القط، الثعلب، هذه كلها تأكل الجيف، فتكون محرمة.

الخامس من المحرمات: ما أمر بقتله، ما أمرنا بقتله إلا لأجل أنه حرام مثل الخمس الفواسق: الغراب والحدية والفأرة والعقرب والكلب العقور، هذه كلها محرمة.

السادس: ما نهي عن قتله. ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل أربع، عن الصرد والهدهد والنملة والنحل، نهى عن قتله، الصرد طائر أكبر من الحمّر نوع من العصافير إلا أنه كبير، لونه أغبر، نهي عن قتله ولو كان حلالًا لأبيح قتله، والهدهد طائر تعلوه غبرة عنقه طويل ورجلاه، وهو المذكور في القرآن. هذه محرمات.

السابع: الحشرات، الحشرات كثيرة وكلها محرمة، يدخل في ذلك الورل، والوزغ، وسام أبرص، والخنافس، الخنفس والجعل، والنمل، والذباب والذر، ونحو ذلك، فإنه ينهى عنه لأنها حشرات ولأنها مستقذرة.

الثامن: الخبائث التي تستخبث طبعًا، فيدخل في ذلك كل ما تستخبثه العرب، فإن العرب ذوي اليسار يستخبثون كثيرًا من الطيور ونحوها، ويستخبثون أيضًا بعض الدواب، وأما فقراء العرب فإنهم قد لا يستخبثون الخبيث. ذكروا أن أعرابيًّا قيل له: ماذا تحرمون من الدواب؟ فقال: نأكل كل ما دب ودرج إلا أم حبين، كل ما دب ودرج يعني كل ما يمشي على الأرض ويدرج عليها، استثنى أم حبين وهي دابة أكبر من الخنفساء لونها أغبر، هكذا، أما أشراف العرب وأهل اليسار منهم فإنهم يحرمون الكثير منها، من هذه الأشياء المستقذرة.

هناك خلاف في بعضها، فمثلًا ما يسمى بالدلدل أو النيص الذي له شوك كطول الشبر، إذا جاءه وقرب منه أحد انتفض وطارت منه تلك قصبات الشوك المحدد، وتوجهت إلى ذلك الإنسان كأنها سهام وكأنها رصاص، فهذا الدلدل فيه خلاف هل هو حلال أم لا. الذين حرموه قالوا إن العرب تستخبثه، وذلك لفعله هذا، وآخرون قالوا إنه حلال وذلك لأنه لا يتغذى إلا بالنبات يحفر العروق، عروق الشجر ويتغذى بها، ولا يتغذى بنجاسات.

وأما القنفذ، ويسمى الدعلج، فهذا مستخبث أيضًا، وذلك لأنه يأكل الحيات له شوك، شوكه صغير، ولكنه لا يرمي به، يأتي إلى الحية ثم يعض ذنبها ثم يلتف بشوكه، الحية تضطرب عليه فيطعنها بشوكه إلى أن تموت، يأكلها، دل ذلك على أنه يأكل النجاسات؛ لأن الحية نجسة أو من ذوات السموم.

هكذا هناك دواب أخرى توجد في بعض البلاد، كابن آوى وابن عرس أقرب شبهًا بالهر، وتفترس أيضًا أكثر ما تفترس الدجاج، فمثل هذه أيضًا تكون من المحرمات.

والحاصل أن الدواب التي تمشي على الأرض الأصل فيها الإباحة إلا ما جاء الدليل بأنه محرم لسبب من الأسباب، ذكرنا أن منها الحشرات، استثنوا من الحشرات الضب، لأنه على هيئة وخلقة الورل وعلى خلقة السحلبة وعلى خلقة الوزغ، الذي يكون في السقوف، والذي جاء الأمر بقتله أن من قتله بالضربة الأولى فله ثلاثون حسنة، وفي الثانية عشرون، وفي الثالثة عشر حسنات، ولأنه مما ينفث سمه في الأشربة، فلذلك كان محرمًا. الضب على شكله إلا أنه كبير والصحيح أنه حلال، أكل على مائدة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقر أكله، قال: « إنه ليس بحرام ولكنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه »(8) وأما البقية فإنها مباحة على الأصل.

وأما دواب البحر فإنها مباحة واستثنوا منها، وهو النوع التاسع الضفادع، ولو كانت بحرية ولكنها تعيش في البر، فلأجل ذلك تكون محرمة، ولأنها مستخبثة. واستثنوا النوع العاشر التمساح من دواب البحر، وقالوا إنه ضار وأنه قد يكون فيه سمٌّ أو نحو ذلك.

ثم الأطعمة كل طاهر غير مضر ولا مسكر فهو حلال، أي أنه مباح أكله والتغذي به، إلا إذا كان مضرًّا، السموم محرمٌ أكلها لأنها ضارة، كذلك الحيات وما أشبهها؛ لأنها من ذوات السموم فهي ضارة، الذي يأكلها يؤدي به إلى الموت. ذكر بعض المشائخ أن أحد المبتدئين في طلب العلم، وجد حديثًا لفظه: « الحبة السوداء شفاء من كل داء »(9) ولكن كأنه رأى الباء مضاعفة نقطها فقرأها الحية السوداء، الحية السوداء شفاء من كل داء، عمد إلى حية وأكلها فمات، هكذا كل شيء ضار كالسموم ونحوها، فإنها محرمة، كذلك المسكر تقدم أنه محرم سواء مأكولًا أو مشروبًا، وهو الذي يغير العقل ويغيبه لأن العقل هو ميزة الإنسان.

ثم ذكر أن الحيوانات كلها حلال، كل الحيوانات إلا ما استثني، ذكر الحشرات وهي دواب الأرض الصغيرة هذه تسمى حشرات، وذلك لقذارتها فيدخل في ذلك الذباب والبعوض، الناموس والنمل، والذر بأنواعه، والنحل، والزنابير، وما أشبهها، هذه كلها من الحشرات، الضفادع تعيش في البر والبحر، مذكورة في القرآن عقوبة آل فرعون هذه أيضًا محرمة، التمساح من دواب البحر، أكله ضارٌّ ولو كان من دواب البحر.

أما دواب البحر فإن الله تعالى أباحها، قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾(10) أي المسافرين، أحله الله، فجميع دواب البحر التي لا تعيش إلا في الماء حلال إلا الضفادع والتمساح، وزاد بعضهم كلب الماء، يعني على هيئة الكلب المعروف، أي أنه أن هذا الكلب شبيه بالكلب فيكون محرمًا، كلب الماء، وكذلك أيضًا ما فيه ضرر، فإن في البحر دوابٌّ ضارة، يعني لحمها يضر، قد يقتل ويكون فيه سموم سم قاتل، فيحرم كل شيء فيه ضررٌ على الإنسان يحرم تعاطيه ويحرم أكله.

كذلك يقول: ما يعدو بناب، ذكروا أن السباع منها ما يعدو ومنها ما لا يعدو، فالذي يعدو هو الذئب والأسد والنمر والفهد، وما أشبهها هذه تعدو ولها أنياب، وألحق بها كثير منهم الضبع، وذهب الإمام أحمد إلى أن الضبع حلال، واستدل بحديث عن جابر حديث ثابت « أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، ويفديه المحرم؟ قال: نعم »(11) مع أنها لها ناب ولكنها لا تعدو، لا تعدو على الناس ولا تعدو على الزرائب ولا على الأغنام، فلا تكون مما يعدو، كأنها ليست من السباع الضارية ولكن لها ناب، ثم هي أيضًا تأكل الجيف تفترس وتأكل.

كذلك ما له مخلب، يعني رءوس أصابعه محددة، كالصقر والشاهين والغراب والحدية، هذه مخالبها محددة، ولذلك تصيد بها، الصقر ينزل على الحبارى، ثم يضربها بمخالبه حتى يمزق ريشها، له مخالب محددة كأنها الإبر، فكل ذي مخلب فإنه يعتبر محرمًا زيادة على أنه يأكل الميتة، الصقر والبازي والباشق والشاهين ونحوها، تأكل الميتة، إذا وجد ميتة فإنه يأكل، دل ذلك على أنه محرم من جهتين: من كونه ذي مخلب، ومن كونه يأكل الجيف.

البغل محرم مع أنه يركب ويحمل عليه وينتفع به، ولكن لأنه متولد من حلال وغيره، أحد أبويه حمار والثاني فرس، إذا نزى الحصان على الأتان ولدها يسمى بغلًا، إذا نزى الحمار على الفرس ولدها يكون بغلًا، أكبر من الحمار وأصغر من الحصان، فهذا حرام، هذا حرام أكله؛ لأن أحد أبويه محرم، كذلك ما يأكل الجيف، الجيف هي الميتات، فكل شيء يأكل من الجيف فإنه محرم لأنه يتغذى بما هو حرام؛ لأن الجيفة والميتة محرمة، فالذي يتغذى بها يكون مثلها إلا في هذا الحكم.

يدخل في ذلك الرخم تأكل الجيف، نوع من الطيور معروف، والنسور تأكل الجيف، وكذلك الثعالب، كذلك السنانير، السنور: الذي هو القط يأكل الجيف، ومثله ابن آوى، وابن عرس الذي يفترس الدجاج والحمام وما أشبهه، يعتبر أيضًا يأكل الجيف فيكون حرامًا، وذلك لأن الذي يتغذى بالحرام يغلب عليه التحريم، يكون غذاؤه حراما، ولحمه نبت من هذا الحرام، فلا يكون مباحًا، وما نص على تحريمه أي ما جاء نص ودليل على تحريمه في الأحاديث أو في الآيات، أو تولد من مباح وغيره، إذا تولد هذا الحيوان من مباح وغيره، ذكروا في الذي يتولد الحمار والفرس يتولد بينهما البغل، الذي يتولد بينهما أيضًا الذئب والضبع أو الكلب والضبع، الضبع يتولد من الذئب ومن الكلب، أو يتولد من الضبع والذئب ولدٌ يسمى السمع، إذا نزى ذئب على ضبع وحملت فولدها يسمى السمع يحرم؛ لأن أحد أبويه حرام. ذكروا أن الولد يتبع أباه بالتحريم، أو يتبع أخبث أبويه في الحكم، هذا الذي تولد من مباح وغيره.

ذكروا بعد ذلك حكم المضطر، الله تعالى أباح للمضطر أباح له أن يأكل من هذا المحرم، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾(4) وفي آية أخرى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾(12) وفي آية أخرى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾(3) أي في جوع شديد، ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾(13) .

فالمضطر يأكل ولو كان من الحرام، إذا وجد ميتة أكل منها، واختلف بمقدار الأكل، ذهب بعضهم إلى أنه يقتصر على ما يسد رمقه، على قدر ما يدفع عنه الجوع، ولعل هذا فيما إذا علم بأنه يصل إلى البلد بعد نصف يوم أو بعد يوم، وأن هذه الأكلة إذا أكل مثلًا لقيمات كعشر لقم أو عشرين، علم بأن ذلك سيكفيه إلى أن يصل إلى البلد فلا يشبع، ولكن أكثر العلماء على أنه مباح له أن يأكل حتى يشبع، وذلك لأنه مضطر وجائع، والجوع شر داء.

ثم اختلفوا أيضًا هل يتزود من هذه الميتة يأخذ منه معه لحمًا، ويقول أخشى أنني أجوع بعد يوم، وإذا جعت قد أسقط ولا أستطيع أنني أسير ولا على أنني أمشي، ففي هذه الحال يقولون إذا كان الطريق الباقي طويلًا ويجزم بأنه لا يجد أحدًا عنده طعام ينقذه جاز له أن يحمل معه من هذه الميتة ما يحتاج إليه، وأما إذا كان الطريق قريبًا، البلد أو البلاد قريبة فإنه والحال هذه لا يجوز له أن يحمل معه شيئًا، بل يقتصر على أكل ما يسد رمقه، هذا هو المضطر، ومع ذلك لا يأكل إلا ما جنسه مباح، وقال بعضهم له أن يأكل ولو ما جنسه غير مباح، فإذا اضطر مثلًا ومعه كلب وخاف من الجوع والموت جاز أن يقتل الكلب ويأكل من لحمه، ما يسد حاجته، أو كذلك وجد جيفة وجد ذئبًا فقتله، وهكذا، يعني احتاج إلى أن يأكل ولم يجد إلا شيئًا محرمًا، من هذه المحرمات يسد رمقه.

إذا كان أيضًا جائعًا شديد الجوع واضطر أكل من ما يجده ولو من مال غيره، فإذا وجد إنسانًا معه تمر زائد فله أن يغصبه ويأخذ منه، يقول أنا أريد أن أنقذ حياتي، فإني مضطر ضرورة شديدة، فله أن يغتصب منه ما يسد حاجته إذا ظمئ وخاف من الموت، ولم يجد إلا خمرًا فله أن يشرب منها ما ينقذ به حياته؛ لأن الموت شديد، فلا يفعل ما يكون سببًا للموت وهو يجد ما هو سببٌ للحياة.

ذكروا أيضًا أنه إذا غص بلقمة من لحمٍ أو نحوه، ولم يجد ما يدفع به هذه الغصة إلا كأس خمر، فإنه يشرب حتى يدفع الغصة، ينقذ بذلك حياته ولو كانت هذه الشربة من الخمر، مع أن هذا إحضار الخمر عند الطعام حرام، والأصل أنهم يحضرون عند الطعام شيئًا حلالًا، فيحضرون الماء إذا غص أحدٌ وإذا الماء موجود، ويحضرون أيضًا اللبن ونحوه لأجل أن يدفع به الغصة، ولكن قالوا لو لم يجد إلا خمرا دفع الغصة به، وأما العطش فبعضهم قال إذا عطش فإنه يشرب الخمر، وكأن المؤلف يخالف في ذلك، ويقول لا يشرب الخمر لدفع العطش فإنها لا تزيده ريًّا.

وكذلك أيضًا التداوي، ورد « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأله رجل إني أصنع الخمر للدواء، فقال: " إنها داء وليست بدواء " »(14) فإذا ذكر الطبيب علاجًا فيه خمر فلا سمع ولا طاعة، ولا يجوز استعمال الخمر في العلاجات « إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها »(15) إذا وجد شيئًا مختلفًا فيه، بعضهم يرى أنه حلال، وبعضهم يرى أنه حرام، ووجد شيئًا محرمًا بلا خلاف فإنه يأخذ المختلف فيه، ذكرنا أن الحمار الأهلي مختلف فيه، الشافعية يأكلونه، فهكذا، فإذا وجد مثلًا قطًّا أو وجد ثعلبًا ووجد حمارًا وهو جائع، فضل الحمار وأكله، ذبحه وأكل منه، ولا يأكل من الثعلب أو الذئب أو الكلب لأن هذا ما أبيح أصلًا، هكذا، هذا من المختلف فيه.

وكذلك أيضًا ذكرنا أن الدلدل مختلفٌ فيه، فإذا وجد دلدلًا ووجد ورلا فإنه يأكل من الدلدل دون الورل؛ لأن الدلدل مختلف فيه، هناك من أباحه، وأما الورل فإنه من الحشرات، ما أباحه أحدٌ فيما يظهر، كذلك يقول: يأكل من ثمر بلا حائط وناظر، وأطلقوا ذلك ولم يقيدوه بالجوع بل أطلقوا ذلك كله، فقالوا يجوز له أن يأكل من الثمر الذي ليس عليه حائط.

وصورة ذلك إذا كان هناك نخل أو تين أو أترج، أو طماطم، ومررت عليه في طريق ولم يكن هناك من يحرسه، ولم يكن هناك أيضًا من يحميه، ولم يكن عليه حائط ولا حاجز ولو شباك يحفظه فلك أن تأكل منه، كأن أهله لم يهتموا به أيًّا كان حتى ولو كان ثمره أو زهره أو نحو ذلك رفيع القيمة كالعنب فإن ثمنه رفيع، مررت بعنب يتدلى، تتدلى عناقيده، وليس عنده من ينظر إليه ويحرسه، ولم يكن عليه حائط، ولم يجعلوا عليه أيضًا شباك، يجوز لمن مر أن يقتطف منه عنقودًا أو عناقيد يأكل فقط، ولا يأخذ منه شيئًا لأهله، هكذا روي في حديث « أنه رخص لمن مر بثمر أن يأكل منه غير متخذٍ خبنة »(16) يعني غير آخذٍ شيئًا يخبؤه في كيسٍ أو في طرف ثوبه أو نحو ذلك.

ويدخل في ذلك أيضًا الفواكه، إذا لم يكن عليها حائط ولا ناظر، فإذا مررت على مزرعة وفيها بطيخ، أي من أي البطيخ كالجح والهنادوه والخربز، ونحو ذلك ولم يكن عندها من يحفظها جاز لك أن تأكل في بطنك ولا تحمل شيئًا، والعادة أن أهله إذا كانوا مهتمين وكلوا من يحميه، عاملًا يحميه، فإذا لم يوكلوا دل على أنهم لا يمانعون من أن يأكل المار، وقد يريدون الأجر.

ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل: هل لنا أجر في هذه الدواب؟ قال: « في كل كبد رطبة أجر »(17) يعني كل ذي كبد، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « من زرع زرعًا أو غرس غرسًا، فأكل منه طير أو سبعٌ فله أجر »(18) لصاحبه أجر على قدر ما ذهب منه، تأكل الطيور كالعصافير، له أجر، تأكل من حمل العنب، وتأكل من حمل التمر، تنقر بمناقيرها وتأكل، له أجر لأنه غرس وتعب ومع ذلك قد تذهب هذه الطيور ببعض الثمرة، قد تأكل نصفها أو ربعها أو نحو ذلك فلا يضيع أجره، فإذا كان ذلك في الطيور ألحق بها أيضًا غيرها، ألحق بها الآدميون.

وأما إذا كانت محوطة، ولو بشبك قد أحاط بها فإن الذي يقفز مع الحائط ويأكل منها يعتبر منتهبًا، ويعتبر خائنًا؛ لأن أهلها قد حرسوها عن مثل هؤلاء، فلذلك نقول لا يقطع ولكن يغرم إذا عثر عليه، يغرم ما أكله؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه »(19) وهذا لم تطب نفسه به حيث إنه أحاطه بجدار أو أحاطه بهذا الشباك الذي يحرسه، ولأن صاحبه قد تعب في غرسه وفي حرثه وفي سقيه، وفي تنميته، فهو يريد بذلك أن ينضج حتى يشتري منه المشتري، وحتى يتصدق منه، وحتى يدخر لأولاده، هذا هو السبب في أنه لا بد أن يحترمه، يحترم أموال الناس التي حفظوها.

وقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا قطع في ثمر ولا كَثَر »(20) أي لا يقطع السارق في الثمر ولا في الكَثَر، لا يقطع في ثمر يعني ثمر شجر، وذلك إذا كان في الطريق فأكل منه فلا يقطع هكذا، وأما الكَثَر فإنهم فسروه بأنه جمار النخل، إذا كانت النخلة على الطريق نخلة صغيرة كالفراخ، وجاء إنسان وقطع رأسها، وأزال ما عليها من الجريد خرج من أعلاها شحمة بيضاء تؤكل تسمى الكَثَر، هذه أيضًا لا قطع فيها إذا كانت على الطريق.

ألحق أيضًا بعضهم بذلك شرب لبن الماشية التي في البراري، إذا مررت بإبل في البرية وليس عندها راعي، لك أن تنادي، فإذا لم تجد عندها أحدًا فلك أن تحلب منها وتشرب بقدر ريك فقط؛ لعموم هذه الأدلة التي فيها أنه رخص أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل شيئًا غير متخذٍ خبنة.

ثم يقول: "وللمضطر أخذ طعام غيره، ولو بقتال إن لم يكن به مثل ضرره" المضطر هو الجائع الذي جوعه شديد، ضرره شديد، فإذا مثلًا جاء إنسان وخاف على نفسه الموت وجد مع آخر طعامًا زائدًا فإنه يطلبه ويقول: أنا مضطر أخشى من الموت وأنت عندك طعام زائد، يوصلك إلى بيتك وزيادة، فأعطني من هذا الطعام من هذا التمر، أو من هذا الدبس، أو من هذا الخبز، أو نحو ذلك لأنقذ نفسي، فإني أخشى من الموت، يلزم صاحبه أن يعطيه ليحيي نفسًا.

يقولون يجوز ولو بقتال، إذا امتنع صاحب الطعام وأنت مضطر تخشى على نفسك فلك أن تأخذه قهرًا، ولك أن تقاتله عليه، ولكن تعوضه عنه، بمعنى أنك أخذته كأنه ماله فتعوضه إذا أتيت إلى أهلك تعطيه قيمته، أو معك دراهم، فتقول: عندك هذا التمر الزائد، وأنا جائع شديد الجوع، والدراهم التي معي لا تؤكل، فأريد أن تبيعني ما أنقذ به حياتي، فإذا لم يوافق جاز قتاله إلى أن يبذل ما يحصل به سد الرمق، لكن إذا كان صاحب الطعام مضطرًّا كما أنك مضطر فإنه يقول: أقدم حاجة نفسي، أقدم إنقاذ نفسي لأن هذا الطعام لي، وأنت الذي فرطت حيث لم تأخذ ما يكفيك، فأنا طعامي أحق به، أخشى مثل ما تخشى، إذا كنت أنت تخشى الموت فأنا أخشاه، فلا أعطيك حتى أنقذ نفسي، لو كان زائدًا عن حاجتي لبذلته لك بثمن أو بغير ثمن كصدقة.

يدخل في ذلك أيضًا الآلات التي قد يحتاج إليها لوقاية من برد أو وقاية من حر، إذا كنت مثلًا في غاية برد، بردٍ شديد في برية أو نحوها ليس معك تدفئة، وليس معك أكسية تستدفئ بها من هذا البرد الشديد القارص، فوجدت إنسانًا معه ثيابٌ زائدة، أو معه عباءات أو أردية أو لحف زائدة عن حاجته، تطلب منه وتقول: أنقذني، أنقذني فإني مضطر أخشى من الموت لشدة هذا البرد، أعطنيه بقيمته، أعطني هذا الرداء أو هذه العباءة لألتف بها وأنقذ نفسي من هذا البرد، يلزمه ذلك، إلا إذا كان محتاجًا إلى ذلك الرداء كحاجتك فصاحب المال أحق به.

وبكل حال هذا دليل على أن الشريعة جاءت بإنقاذ النفوس من الهلاك، وكذلك بما هو الحق فيما أحله الله تعالى، وما حرمه ونقف عند هذا.

سماحة الشيخ، رجل شرب الخمر في الدنيا ثم تاب توبة نصوحا، فهل يصدق عليه الوعيد الذي ورد في الحديث النبوي؟

الحديث الذي جاء « من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة »(21) محمول على من لم يتب، إذا مات وهو يشربها، وجاء في الحديث: « أنه إذا مات وهو يشربها سقاه الله من طينة الخبال »(22) عصارة أهل النار، أما إذا تاب، فإن التوبة تمحو الذنب، التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

سماحة الشيخ، هل يقال إن كل ما استثني من الحيوانات أو الزواحف إنما هو لما يأكله من النجاسة؟

لا يقال ذلك، بل هناك محرمات وإن لم تأكل النجاسة، ومباحات وإن كانت تأكل النجاسة إذا طهرت، فمثلًا الحمير الأهلية حرمت ولو كانت لا تأكل النجاسة، ولو كانت تأكل الحشيش، وتشرب الماء، جاء التحريم له أن هذه رجس، لا شك أن أكثر ما حرم كالكلاب والسباع والقطط والثعالب والأسود والذئاب وما أشبهها، وكذلك الطيور، أنها تأكل الجيف، وأنها تتغذى بالنجاسة، فلذلك صارت مستخبثة.

أحسن الله إليكم، في بلادنا يأكلون الحية للدواء، فهل هذا يجوز أم لا؟

نرى أنه لا يجوز، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها »(15) ولما كانت الحية محرمة كانت لا دواء فيها، ولما جاءه رجل وقال: إني أصنع الخمر للدواء، قال: « إنها داء وليست بدواء »(23) .

أحسن الله إليكم، كيف نستطيع أن نصنف السلحفاة والثعبان البحري؟

ينظر إلى ما فيه، فإن لم يكن فيه ضرر فإنه مباح، التمساح، قالوا إن فيه ضررا فيلحق بالمحرمات، وكذلك كثيرٌ من دواب البحر فيه ضرر، وقد يبطن وقد يقتل، فيلحق بما هو محرم.

أحسن الله إليكم، ما حكم من أكل من زرع أصله كان داخلا حائطًا ولكن فروعه خرجت من الحائط أو السور؟

نرى أنه لا يجوز، لو تدلت الثمار من وراء جدار، فليس لك أن تتناول منها، ولا تقل إنها خارجة لأن أصلها محاط، أحاطوا ذلك لأجل حفظها، أما لو لم يكن عليها حائط فيجوز، وكذلك أيضًا النخل هذا الذي بالطرق، نخل البلديات، يجوز الأكل منه.

أحسن الله إليكم، من أخذ من حائطٍ ثمرًا مقدار نصاب - نصاب سرقة يقصد - هل يحد حد السرقة أم ماذا؟

نعم، إذا دخل من وراء الحائط أو قفز الجدار ثم اقتطف من التمر أو من العنب أو من التين أو من الزيتون، أو من البطيخ، وخرج به وكانت قيمته كنصاب، قطع.

أحسن الله إليكم، يقول فضيلة الشيخ: في بلادنا يقوم الناس بزراعة البطيخ، إذا سقطت الأمطار على مساحات كبيرة شاسعة، ولا تحاط هذه المزارع بشبك وحائط، وهذا شيء متعارف عليه جدًّا عند الأغلبية، وهو عدم وضع حارس أو شبك، فهل يجوز الأخذ منها بمقدار الأكل أم ماذا؟

هكذا يجوز، إذا لم تكن محاطة وليس عليها وكيل ينظر ويحرسها، ومر بها إنسان أكل في بطنه فلا إثم عليه، وأما أنه يحمل معه شيئا فلا.

فضيلة الشيخ، رجل مسافر أراد أن يصلي العشاء قصرًا فوجد جماعة تصلي المغرب ففاته منها ركعة، فصلى معهم الثانية والثالثة، فهل يسلم بعدها وتجزئ صلاته أم ماذا؟

يقول في الحديث: « وما فاتكم فاقضوا »(24) نرى والحال هذه أنه يصليها أربعا؛ لأنه يلزمه أن يقضي الركعة التي فاتت عليه ثم يتمها أربعًا، من صلى مع المتمين لزمه الإتمام.

كنا كثيرًا في الماضي درجنا وبشكل مستمر على الأخذ من مزرعة شخص وهي مسورة بسور من الحديد، والعامل الذي في المزرعة كان يعطينا الإذن بالأكل منها كما نشاء، فماذا علينا؟

الإثم على هذا العامل، يمكن أن صاحب المزرعة أباح له ذلك على وجه الصدقة، قال: إن هذه المزرعة فيها فضل، وفيها ثمر كثير، وأنا لست بحاجة إلى ثمنها ولا إلى أكلها، فإذا مر بك أحدٌ فلا بأس أنك + وتعطيهم أو ترخص لهم، أما إذا كان يعطي بغير إذنه فإن الإثم على العامل، أنتم ظننتم أنه قد أبيح له وهو لم يبح، فالمطالبة تكون على ذلك العامل الذي رخص.

أحسن الله إليكم، قوله: "وللمضطر الأخذ من مال غيره للضرورة" فهل يدخل في ذلك ما كان يفعله الأعراب في هذه البلاد وغيرها من السطو على البعض وأخذ ما في أيديهم جوعا؟

يمكن إذا كانوا جياعًا، إذا كانوا جائعين جوعًا شديدًا أشرفوا منه على الموت، ولكن الغالب أن هؤلاء الأعراب لم يصلوا إلى حد الجوع، وقد يكون عندهم في منازلهم ما يقوتهم أيامًا وأشهرًا، ولكن يأخذون ذلك على وجه المغالبة أو المكاثرة، فلا يحل ذلك لهم.

أحسن الله إليكم، سماحة الشيخ هل صحيح أن الضفدع منهيٌّ عن قتله؟

الضفادع التي في ساحل البحر لا حاجة إلى قتلها، قالوا إن نقيقها تسبيح، لذلك ورد النهي عنها.

أحسن الله إليكم، بعض الإبل درجت وبشكل مستمر أيضا على أن تأكل من دمنها لأن فيه آثار الشعير؟

يرون أنه مباح لأن بعرها طاهر، إذا أكلته وفيه أثر الشعير فلا يكون ذلك سببًا للتحريم.

أحسن الله إليكم، هناك حيوان صغير اسمه الوَبَر أو الوَبْر وهو من الدواب، فكيف يكون تصنيفه؟

حلال، وقد ذكره العلماء في كتاب الحج في فدية جزاء الصيد، وجعلوا في الوبر جفرة دل على أنه حلال، ولأنه يأكل من الشجر ومن النباتات.

أحسن الله إليكم، يقول: ورد في الحديث الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر فكيف يكون ذلك ورب العزة يقول: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾(25) ؟

كتب الله في الأزل أن فلانا يعق والديه فيقصر من عمره، وفلانًا يصل رحمه ويبر والديه، فيكون ذلك مكتوبًا في الأزل أنه يطول عمره، فلأجل ذلك لا نقول إن هذا شيء جديد بل مكتوبٌ عليه قديمًا.

أحسن الله إليكم، هل يشترط لمن يأكل من ثمر بلا حائط وناظر أن يكون مضطرًّا؟

لا يشترط؛ لأن الإذن مطلق يأكل مثلًا + تمرات أو نحو ذلك.

أحسن الله إليكم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.

ابتدأنا في كتاب الأطعمة وذكرنا أن الأصل الإباحة في المطعومات، ولهذا لم يفصلوا في الخارج من الأرض، وإنما أجمل أن كل طاهر غير مضر ولا مسكر فإنه مباحٌ وحلالٌ، ولم يفصلوا في الخارج من الأرض، فإن الأصل فيه الإباحة، البرُّ والشعير، والدخن والذرة، والسلق والفول والأرز، وكذلك أيضًا الخضار الأصل فيه الإباحة، الدباء والباذنجان والقثاء والخيار، وكذا البصل وإن كان قد كرهوه إلا إذا أميت طبخًا، والثوم كره لمن يدخل المسجد لأن له رائحة، وهكذا الفواكه، الجح والعنب، والفواكه المعروفة كالبرتقال والتفاح والموز والخيار وجميع الفواكه، الأصل فيها أنها مباحة، ولم يفصلوا فيها إذا كان منها شيءٌ مضر أو شيءٌ مكروه لشدة رائحته، فإنه محرم أو مكروه.

توسعوا في ذكر الحيوانات التي تباح والتي لا تباح، فذكروا أيضًا أن كل الحيوانات مباحة إلا الحشرات والضفادع والتماسيح، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، الحمار الأهلي والبغل منه، والذي يأكل الجيف، وما جاء النص على تحريمه، وما تولد من مباح وغيره، هكذا، وتكلموا أيضًا على تحريم الخمر، وقد تقدم ذكر ذلك في حد المسكر، وأباحوا لمن مر بثمر ليس عليه ناظر أن يأخذ من غير أن يتخذ خبنة، وأباحوا للمضطر أخذ طعام غيره إذا كان مضطرًّا شديد الضرورة، والآن نقرأ ما بعده.

(1) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:29
(2) سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:115
(3) سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:3
(4) سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:145
(5) البخاري : الذبائح والصيد (5528) , وأحمد (3/115).
(6) سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:90
(7) سورة الحج (سورة رقم: 22)؛ آية رقم:30
(8) البخاري : الأطعمة (5400) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1946) , والنسائي : الصيد والذبائح (4317) , وأبو داود : الأطعمة (3794) , وابن ماجه : الصيد (3241) , وأحمد (4/89) , ومالك : الجامع (1805) , والدارمي : الصيد (2017).
(9) البخاري : الطب (5688) , ومسلم : السلام (2215) , والترمذي : الطب (2041) , وابن ماجه : الطب (3447) , وأحمد (2/429).
(10) سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:96
(11) الترمذي : الحج (851) , والنسائي : الصيد والذبائح (4323) , وأبو داود : الأطعمة (3801) , وابن ماجه : الصيد (3236) , وأحمد (3/322) , والدارمي : المناسك (1942).
(12) سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:119
(13) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:173
(14) مسلم : الأشربة (1984) , والترمذي : الطب (2046) , وأبو داود : الطب (3873) , وأحمد (4/317) , والدارمي : الأشربة (2095).
(15)
(16) الترمذي : البيوع (1289) , والنسائي : قطع السارق (4958) , وأبو داود : اللقطة (1710) , وابن ماجه : الحدود (2596) , وأحمد (2/224).
(17) البخاري : المساقاة (2363) , ومسلم : السلام (2244) , وأبو داود : الجهاد (2550) , وأحمد (2/375) , ومالك : الجامع (1729).
(18) البخاري : المزارعة (2320) , ومسلم : المساقاة (1553) , والترمذي : الأحكام (1382) , وأحمد (3/192).
(19) أحمد (5/72).
(20) الترمذي : الحدود (1449) , والنسائي : قطع السارق (4967) , وأبو داود : الحدود (4388) , وابن ماجه : الحدود (2593) , وأحمد (3/463) , ومالك : الحدود (1583) , والدارمي : الحدود (2308).
(21) البخاري : الأشربة (5575) , ومسلم : الأشربة (2003) , والترمذي : الأشربة (1861) , والنسائي : الأشربة (5673) , وابن ماجه : الأشربة (3373) , وأحمد (2/98) , ومالك : الأشربة (1597) , والدارمي : الأشربة (2090).
(22) أحمد (6/460).
(23) مسلم : الأشربة (1984) , والترمذي : الطب (2046) , وأبو داود : الطب (3873) , وأحمد (4/317) , والدارمي : الأشربة (2095).
(24) النسائي : الإمامة (861) , وأحمد (2/532).
(25) سورة الأعراف (سورة رقم: 7)؛ آية رقم:34