موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الحدود - شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس) لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس) - كتاب الحدود

شرح التسهيل في الفقه (الجزء الخامس)

كتاب الحدود

من يقام عليه الحد ومن يقوم به وحد الرقيق

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

قال الإمام البعلي -رحمه الله تعالى-: كتاب الحدود:

إنما يجب على مكلف عالم بالتحريم، ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه، أو سيد بالجلد خاصة، ويتنصف بالرق ويحتسب ببعضه، ومن رجع بعد إقراره به خلي، ولا تتداخل حقوق آدمي، بل يبدأ بغير القتل وتقدم على غيرها، وأما حدود الله فتتداخل إن كانت من جنس واحد، أو فيها قتل دخلت فيه وإلا فلا، لكن يُبدأ بالأخف وبعد برء ما قبله، ولا يقام في مسجد ولا حرم إن لم يفعله فيه، بل يضيق عليه بترك البيع والشراء، حتى يخرج إلى الحل فيقام حينئذٍ.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، في هذا كتاب الحدود، الحد في اللغة هو: الحاجز الحائل بين شيئين، يقال: هذا حد بين ملكي وملكك، هذا حد بين هذه الدولة والأخرى، يعني: فاصل بين الملكين ونحوهما.

ويطلق أيضا على المنع، يعني حد كذا يعني ما يكون مانعا له.

الحدود في اصطلاح الفقهاء: هي جمع حد، يعرفونه بأنه عقوبة مقدرة شرعا على ذنب لتمنع من الوقوع في مثله هكذا، عقوبة: أي نوع من أنواع العقوبات، عقوبة بجلد، عقوبة بحبس، عقوبة برجم عقوبة بقطع يدٍ أو قطع رجلٍ، كما في قطاع الطريق، أو ما أشبه ذلك عقوبة مقدرة شرعا على ذنب لتمنع من الوقوع في مثله يعني: أن هذه العقوبة شرعت حتى لا يعود إلى الذنب مرة أخرى وحتى ينزجر أمثاله الذين تسول لهم نفوسهم أن يقعوا في هذه الذنوب، فإذا تذكروا أن هناك عقوبة، فإنهم ينزجرون ويبتعدون عن هذه الذنوب.

وهذه العقوبات شرعت لأجل مصالح، مصالح عظيمة، فإن من العقوبات:

ما هو حماية للدماء للأنفس كعقوبة القصاص في القتل حماية الأنفس حتى لا يتجرأ أحد على قتلٍ بغير حق، إذا تذكر بأنه سوف يقتل فإنه ينزجر فيكون في ذلك إحياءٌ للنفوس.

ثانيا: حماية الأديان وهي عقوبة الكافر وعقوبة المرتد؛ لأنه إذا علم بأنه إذا كفر بعد إسلامه وترك الدين وارتد على عقبه أنه سوف يقتل فإنه ينزجر ويبقى متمسكا بدينه.

ثالثا: حماية للأنساب, وهي عقوبة الزنا، فإن الزنا تختلط فيه الأنساب، فتدخل المرأة على زوجها أولادا ليسوا منه؛ فشرعت هذه العقوبة على الزنا حتى يتوقف الزاني والزانية فلا يقدم على أن يزني فيدخل على قوم من ليس منهم.

رابعا: حماية الأموال، وهي عقوبة السارق، فإنه إذا سرق قطعت يده، إذا علم بأن يده التي قيمتها خمسمائة دينار أو خمسون ألفا توقف عن السرقة، فيكون في ذلك حماية للأموال.

خامسا: حماية الأعراض، فإنه إذا علم بأنه إذا طعن في نسب هذا رماه أو رمى أباه بالزنا، فإن ذلك قدح في الأعراض، فلأجل ذلك جاءت العقوبة عليه، عقوبة حد القذف.

هكذا حماية الأنفس، حماية الأديان، حماية الأموال، حماية الأنساب، حماية الأعراض، هكذا شرعت العقوبات لأجل ذلك.

قد تأتي الحدود بمعنى الحواجز والموانع التي تمنع من الشيء أو التي منعها الله ورتب عليها عقوبة، فقد ذكر الله لفظة الحدود بعد آيات الصيام لما ذكر آيات الصيام ومنها تحريم الوطء في نهار رمضان وإباحته في الليل، وتحريم الوطء في الاعتكاف قال تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾(1) أي: هذه حدود الله التي هي محارمه، والتي أكد عليكم البعد عنها فلا تقربوها، فسمى هذا حدود الله؛ لأنه ذكر الصيام واحترام الصيام، واحترامنا هذا الصيام، وذكر الاعتكاف واحترام الاعتكاف، وجعل ذلك كله من حدود الله.

كذلك لما ذكر الله آيات الطلاق وصفة الطلاق، الذي يشرع والذي يجوز، وكذلك أيضا ذكر عدد الطلاق، وذكر الرجعة، وذكر الخلع بقوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾(2) .

فقوله: " خفتم ألا يقيما حدود الله " حدودُ الله يعني شرائعه، يعني إذا خافت المرأة أنها لا تقوم بحق الزوج فلها أن تفتدي، ولزوجها أن يقبل الفدية، وهو الخلع، إذا خافت أن لا تقيم حدود الله، ولما ذكر ذلك كله قال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾(2) أي: لا تتجاوزوها وتعملوا بالبدع.

ثم ذكر الوعيد، ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾(2) دل على أن هذه حدود، كذلك ذكرها أيضا بعد كفارة الظهار أو بعد الظهار في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾(3) إلى قوله: ﴿ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾(4) وتلك حدود الله يبينها، فأخبر بأن هذه أيضا من حدود الله، يعني: الظهار وكفارة الظهار هذه من حدود الله.

وهكذا أيضا في سورة الطلاق لما ذكر الطلاق السني وحكمه قال بعد ذلك: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾(5) يعني: إذا أفحشت قلت لها حينئذ أن تخرج إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، ثم قال: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾(5) فجعل هذه كلها من حدود الله، يعني: أنه إذا تعدى ذلك فإنه قد ظلم نفسه، من يتعد حدود الله.

ولكن اصطلح الفقهاء على أن الحدود هي العقوبات على الذنوب، فقالوا: باب حد الزنا، باب حد القذف، باب حد السرقة، باب حد الشرب، وهكذا فجعلوا لها حدودا، وهذه الحدود مأخوذة من أدلتها الشرعية التي قدرت في الشرع، هذه هي حدود الله لا شك أن هذه الحدود أن الله تعالى شرعها لحِكَم، هذه الحكم هي الزجر عن أمثالها في شرع العقوبة على الزنا؛ لأجل أن لا يتساهل الزاني أو الزانية في هذا الأمر المجرم المحرم الذي سماه الله فاحشة وساء سبيلا في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾(6) .

كذلك في حد القذف، الذي هو رمي محصنٍ بغير حق، كذلك في حد السرقة، كذلك في حد شرب الخمر، كذلك في حد البغاة ونحوهم، كذلك في حد المحاربين وقطاع الطريق، هذه كلها تسمى حدودا، العقوبات التي عليها مقدرة شرعا، جعلها الله زواجر عن الوقوع في هذه الذنوب.

ثم ذكر العلماء من يقام عليه الحد:

أولا: أن يكون ذلك المحدود بالغا، فإذا كان صغيرا فلا يقام عليه، وإنما فقط يزجر ويعزر ولا يقام عليه الحد؛ لأنه لم يؤمر بالأوامر الشرعية، فلا عقوبة عليه حتى يبلغ.

ثانيا: أن يكون عاقلا، فإذا كان مجنونا أو مخبلا فلا حد عليه، ذكر أن عمر -رضي الله عنه- رفعت إليه امرأة مخبلة -شبه مجنونة- وقد زنت واعترفت، فأمر برجمها؛ فجاء علي -رضي الله عنه- فقال: يا عمر أما تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق »(7) وهذه مجنونة رفع القلم عنها؛ فعند ذلك ترك إقامة الحد عليها لهذا الحديث. هذا أن يكون بالغا وأن يكون عاقلا.

كذلك أن يكون عالما بالتحريم في حديث أو أثر: « لا حد إلا على من علمه »(8) وذلك لأن هناك من لا يعلم بالتحريم، الذين في أطراف البلاد ما جاءتهم الأدلة، قد يقعون في هذا الزنا ونحوه ولا يعلمون بأنه محرم، وبأن في فعله عقوبة شرعية؛ فيتساهلون به.

ذكر أيضا أن امرأة -أمة من الإماء- زنت وجيء بها إلى عمر سألها فقالت: نعم، وسمت الزاني، وقالت: بدرهمين وأخذته، كأنها تستحل بذلك، فسأل فتبين أنها جاهلة؛ لأنها أمة مسبية لم تعلم بأن هذا محرم، تظن أنه من المباحات، أو أنه لا إثم فيه.

فإذا كان أحد الزانيين أو مثلا القاذف أو الشارب ونحو ذلك جاهلا بالحكم فلا حد عليه، وذلك لأنه لا يدري أن هذا من المحرمات يظن أنه كغيره، أو أنه مباح هنا كما أبيح في كثير من الدول أو كثير من الأماكن، جاء في حديث أو أثر: « لا حد إلا على من علمه »(8) .

هذه شروطه: البلوغ والعقل والعلم، ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه يعني: الحد والعقوبة من حيث الأصل تتعلق بالإمام، الإمام قد يراد به الإمام العام الذي هو الملك الحاكم، فإنه هو المسئول عن رعيته، فهو الذي عليه أن ينفذ الحدود.

وحيث إنه قد لا يتفرغ لتنفيذ ذلك كله لسعة البلاد فله أن يوكل، يوكل القضاة أو يوكل الأمراء أو يوكل السادة أو يوكل المسئولين، فوكيله ونائبه يقوم مقامه في كل بلدة نائب، يعتبر نائبا عن الخليفة، ينوب عنه في تنفيذ الحدود كما ينوب عنه في تنفيذ القضايا.

وظيفة القاضي الحكم يقول: أنا أحكم بكذا، وظيفة الأمير التنفيذ، أنه ينفذ فيقطع يد السارق، ويجلد الزاني أو الشارب، وينفذ القضايا فيكون بذلك منفذا لما يحكم به القاضي.

فنائب الخليفة يقوم مقامه في إقامة الحدود، يستثنى من ذلك سيد العبد، العبد إذا جنى، العبد إذا سرق، إذا زنى، إذا قذف، إذا سكر، فعليه عقوبة، ولكن لا تصل عقوبته إلى الرجم، إلا إذا قتل، أما إذا زنى وهو محصن فإنه لا يرجم وإنما يجلد، وذلك لأن قتله ورجمه يفوت على سيده ملكيته؛ لأنه ملكه الذي تحت تصرفه، فإذا كان ملكه فلا ذنب للسيد في إتلاف ملكه، فيقتصر على أن يجلد نصف الجلد، ففي الزنا يجلد خمسين جلدة، سواء ذكرا أم أنثى، وسواء محصنا أو غير محصن؛ لأن الله تعالى ذكر التنصيف، قال تعالى في سورة النساء: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾(9) والعذاب الذي في القرآن هو الجلد: ﴿ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾(10) ونصف المائة خمسون.

فالسيد يقيم الحد على عبده، يقيم عليه الحد، ولكن لا يحده إلا بالجلد، فلا يحده بالقطع، ولا يحده مثلا بالتغريب وما أشبه ذلك.

بهذا يختص السيد أنه يقيم الحد على عبده ذكرا أم أنثى، ثبت في الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب، فإن زنت -عادت- فليجلدها الحد ولا يثرب، فإن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بحبل من شعر »(11) لأنه يعرف بذلك أن هذا ديدنا لها وعادة لا تتركها ولا تنفطم عنها.

هكذا وجعل جلدها على سيدها لا يرفع بأمرها، لا يرفع به إلى القاضي ونحوه، وإن رفعت فإنه هو الذي ينفذه، إذا حكم القاضي بأن عليها كذا وكذا من العقوبات فإن السيد هو الذي ينفذ ذلك، هو الذي يعاقبها بالجلد على ذلك الذنب، هذا معنى قوله: "أو سيد بالجلد خاصة".

ثم قال: "ويتنصف بالرق الذي يتنصف هو الجلد، أما الرجم فإنه لا يتنصف" فإذا زنت وهي رقيقة جلدت خمسين جلدة، هذا هو الذي يمكن أن يتنصف، وكذلك جلد الخمر يجلدها سيدها نصف جلد الحرة أربعين.

وهكذا العقوبات التي تتنصف يقول: "ويحتسب ببعضه" قد يكون الرقيق مبعضا، يعني نصفه حر ونصفه عبد، فإذا زنى فإن عليه خمسين بسبب كونه رقيقا، النصف الذي هو حر يكون عليه نصف الخمسين الأخرى، فيجلد الذي نصفه حر خمسا وسبعين جلدة.

كذلك إذا كان رقيقا وشرب الخمر أربعون جلدة بسبب كونه مملوكا، وعشرون جلدة بسبب النصف الذي قد تحرر هكذا يحتسب ببعضه.

يقول: "من رجع بعد إقراره به خُلِّيَ" هذا قول، ويستدلون بما ذكر في قصة ذلك الأسلمي ماعز بن مالك الذي اعترف بالزنا وكرر ذلك أربع مرات، وشهد على إقراره، وتأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، ثم قال: « اذهبوا به فارجموه فلما أذلقته الحجارة هرب، فلما هرب سعوا في أثره حتى أدركوه بالحرة فرجموه، قيل: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: هلا تركتموه لعله أن يتوب »(12) يعني لما هرب، ولكن الصحيح أن هروبه لا يسقط عنه الحد.

وكذلك أيضا إنكاره بعدما ثبت عليه بعدما ثبتت هذه الحدود، إذا ثبتت وأقر بذلك غير مكره فإنها تنفذ، ولو قال بعد ذلك: إنني أنكرت، إني ما زنيت، إني ما سرقت، نقول: لا عذر لمن أقر، قد شهد على إقرارك جماعة، فأنت الآن إنما تريد الترك وتريد الإفاءة ولا نعفيك بعدما أقررت، فلا يخلى سبيله على الصحيح، إذا عرف بأنه صادق في إقراره.

فإذا رجع عن إقراره، فإن كانت هناك قرائن تدل على أنه ما فعل خُلِّيَ سبيله، وإن قامت القرائن على أنه صادق في إقراره وأنه زانٍ مثلا أو قاذف فلا يقبل نفيه، ولا يقبل إنكاره.

ثم يقول: "ولا تتداخل حقوق آدمي، بل يبدأ بغير القتل وتقدم على غيرها" إذا كان عليه حقوق لآدميين فلا تتداخل، وإذا كان فيها قتل بدئ بغير القتل، فإذا ثبت أنه قذف هذا الإنسان ثم قذف هذه المرأة، ثم قذف هذا الرجل فجاء واحد منهم وقال: هذا قذفني أريد أن تجلدوه، فجلدوه، ثم جاء الثاني وقال: إنه قذفني في يوم كذا فيجلد، ثم جاء الثالث وقال: إنه قذفني فيجلد؛ وذلك لأن كل واحد من الثلاثة له حق، وهو يطالب بهذا الحق؛ لأن القذف يعتبر عيبا، يقول: عابني وشانني فإذا تركته لحقني الشين ولحقني الوضيعة، فلا بد أنكم تأخذون حقي منه، فهذا معنى كونها لا تتداخل، لكونها حقوق آدميين.

ولكن إذا كانت سرقات فالصحيح أنه يكتفى بقطع يده مرة إذا سرق في يوم السبت من بيت ثم سرق في يوم الأحد، ثم سرق في يوم الاثنين ثم في يوم الثلاثاء، وجاء الأربعة وكل منهم أثبت أنه سرق مني ويطالب بحقه.

فأولا: يدفع الأموال، هذا سرق منه قِدرا، وهذا سرق منه كيسا، وهذا سرق منه ثيابا، وهذا سرق منه خنجرا يدفع إلى كل واحد المالَ الذي أخذه منه.

أما القطع فيكتفى بقطع يد واحدة هاهنا تتداخل، ولا يقول كل واحد منهم: اقطعوا منه عضوا إذا قطعنا يده لحق الأول فلا يقول الثاني: اقطعوا يده الأخرى، ولا يقول الثالث: اقطعوا رجله، ولا يقول الرابع: اقطعوا رجله، بل تتداخل، ويكتفى بقطع يد واحدة حتى ولو سرق عشرين مرة، إذا اجتمعت تداخلت.

وأما إذا لم تجتمع بأن تجدد منه بعد الحد ذنب، فقيل: إنه يقطع، قد روي في حديث مذكور في بلوغ المرام أن رجلا سرق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « اقتلوه، فقالوا إنما سرق، فقال: اقطعوه، فقطع. ثم جيء به مرة ثانية وقد سرق فقال: "اقتلوه. قالوا: إنما سرق. فقال: اقطعوه. فقطعت رجله اليسرى -يعني نصف القدم- ثم جيء به مرة ثالثة فقال: اقتلوه. فقالوا: إنما سرق. فقال: اقطعوه. فقطعت يده الثانية، ثم جيء به مرة رابعة فقال: اقتلوه، فذهبوا به وقتلوه »(13) .

هكذا ذكر هذا الحديث ولكن يظهر أنه ليس بصحيح؛ لأن العادة أنه إذا قطع مرة تجنب السرقة؛ خوفا أن تقطع يده الأخرى أو رجله ونحو ذلك.

وقد ذكر أن عليا -رضي الله عنه- رفع إليه سارق فقطع يده، ثم بعد ذلك جيء به مرة ثانية، فقالوا: اقطع يده الثانية، فقال: إذا قطعنا يده بأي شيء يأكل؟ وبأي شيء يتطهر؟ وبأي شيء يقبض؟ وبأي شيء يتكسب؟ ولكن قطعوا رجله " أي: نصف القدم، فدل على أن يده الأخيرة لا تقطع.

وما ذاك إلا أنه يبقى متحسرا ولو سرق عشر مرات لا يقطع منه إلا يد ورجل؛ لأن الله تعالى قد أمر بقطع اليد والرجل في حد القُطَّاع، وهم المحارِبون قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾(14) يعني: يقطع يد من جانب ورجل من جانب هذا معنى من خلاف.

إذن هذا دليل على أن حقوق الآدميين لا تتداخل، بل كل يطالب بماله، ويطالب أيضا بحقه، إذا قذف ثلاثة جُلد لكل واحد ثمانين جلدة إذا اشتكى كل واحد؛ لأن القذف من حقوق الآدميين، وكذا السرقة، وكذا قطع الطريق هذه من حقوق الآدميين.

كذلك أيضا إذا كان عليه حقوق فإنه يبدأ بغير القتل إذا جيء وقال: هذا قتل ابني، الثاني قال: هذا سرق مالي، الثالث: قال هذا قذفني، اجتمعت عليه ثلاثة حقوق فيبدأ بالجلد ثم يبدأ بالقطع، ثم بعد ذلك يبدأ بالقتل الذي هو قصاص. هذا معنى قوله: "يبدأ بغير القتل".

وتقدم حقوقُ الآدميين على غيرها على حقوق الله؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة يعني: كل واحد من الآدميين شحيح يريد حقه كاملا كالحقوق المالية، حقوق الآدميين عرفنا أن منها القصاص في النفس، وكذلك القصاص بقطع الطرَف، وكذلك القصاص في الحواس في السمع والبصر ونحوها.

من حقوق الآدميين أيضا حد القذف؛ وذلك لأنه حدٌّ شرعي ولكن مع ذلك فيه حق لآدمي، الله تعالى هو الذي حدد القذف، + بثمانين جلدة، ولكن إذا لم يطالب صاحبها فإنها تسقط إذا قذف زيدا قال: يا زان أو يا ابن الزنا، وسكت زيد ولم يطالب فلا عقوبة على ذلك القاذف؛ لأن من مطالبة صاحب الحق، لأن القذف حقٌ لآدمي.

أما حقوق الله فإنها تتداخل إذا كانت من جنس واحد، أو كان فيها قتل فإنها تدخل فيه وإلا فلا، حقوق الله مثل الزنا حقٌّ لله؛ لأن الزانية قد تكون راضية فلا تطالِب.

كذلك حد الشرب حقٌّ لله؛ لأنه عقوبة شرعها الله على هذا المسكر لأجل أن ينزجر الناس، ولا يعودون فيه.

كذلك أيضا حد القطع بالسرقة، الآدمي يملك المطالبة بماله الذي أخذ منه، وأما العقوبة التي هي القطع فإنها حق لله تعالى، فلا يسقط بإسقاط صاحب المال.

كذلك أيضا بالنسبة إلى حد القُطَّاع، حد قُطَّاع الطريق مشترك بعضه لله وبعضه للآدمي، فقطاع الطريق الذين يجلسون على الطرق فمن مر بهم فإنهم يعتدون عليه، إما أن يعتدوا على امرأته بالزنا، إما أن يعتدوا عليه بأخذ ما معه من المال، إما أن يعتدوا عليه بقتله، أو على ولده مثلا أو نحو ذلك.

فمثل هذه حقٌّ لله وحقٌّ لآدمي فحق الله تحتم القتل، ومن حق الله الصلب، أن يصلبوا، ومن حق الله أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ومن حق الله النفي ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾(14) وأما حق الآدمي فالقتل إذا قتلوا، يقول: قتلوا والدي، قتلوا أخي، قتلوا ابني أطالب بحقي، أو يقول: أخذوا مالي انتهبوا مالي، أطالب بحقي فهذا حق الآدمي.

فإذا تابوا قبل أن يقدر عليهم سقط حق الله وبقوا مطالبين بحقوق الآدميين، فإذا جاء آدمي وقال: إنهم قتلوا ابني، وجاء آخر وقال: إنهم أخذوا مالي، وجاء آخر وقال: إنهم قطعوا إصبعي. فهذه حقوق آدميين فلا تسقط بالتوبة، بل تؤخذ منهم هذه الحقوق؛ لأنها عقوبات شرعية فتؤخذ منهم حقوق الآدميين؛ لأن الآدميين يطالبون بحقوقهم.

وأما حقوق الله فإنها تسقط بالتوبة، فإذا قتلوا فلا يصلبون، إذا قال الآدمي: إن هذا قتل ابني، نقول: هذا الذي قتل ابنك لك الحق أن تقتله، فقال: اقتلوه واصلبوه؛ لأن الله يقول: ﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾(14) فنقول: بل نقتله لحقك ولا نصلبه؛ لأن الصلب سقط بتوبته وتسليمه نفسه فلا يصلب هكذا.

هذا معنى قوله في حقوق الله تعالى وحدوده أنها تتداخل إن كانت من جنس واحد، إذا كانت من جنس واحد، كأن قذف زيدا وقذف سعدا وقذف بشرا، فجاءوا جملة واحدة وكلهم يطالب. نقول: يجلد ثمانين تتداخل هذه الحدود؛ لأنها حقوق لله.

أو كذلك مثلا زنى بفلانة وزنى بفلانة وزنى بفلانة فإنها تتداخل ويكتفى بجلده مائة وبنفيه سنة؛ لأنها من جنس واحد.

أو مثلا سرق من سعد وسرق من زيدٍ وسرق من بكر وجاءوا كلهم فإننا نعطيهم أموالهم، وأما العقوبة فلا يقطع إلا مرة واحدة، تتداخل هذه الحدود إذا كانت من جنس واحد، وإذا كان فيها قتل فإنها تدخل فيه.

حد الزنا مع الإحصان رجم قتل، وحد الردة قتل، وحد الحِرَابة إذا قتلوا القتل، فإذا قالوا: إن عليه حدودا عليه عقوبة قصاص وعقوبة رجم، وعقوبة قتل، وعقوبة ردة، وكذلك أيضا عليه حد شرب وعليه حد قطع يد ونحو ذلك.

نقول: يكفي القتل فهو أكبر فلا حاجة إلى أن نقطع يده ثم نقتله، ولا حاجة إلى أن نجلده مائة جلدة ثم نقتله، يكفينا أننا نقتله، قتله يدخل فيه جميع العقوبات، يدخل فيه عقوبة كونه قاتلا، وعقوبة كونه مرتدا، وعقوبة كونه زانيا، ولا حاجة بعد ذلك إلى تغريبه إذا كان بِكْرا إذا حكمنا بأنه يقتل؛ لأنه قتل إنسانا مثلا، أو لأنه ارتد وأتى بكلمة الكفر، فهذا معنى كونها تتداخل إن كانت من جنس واحد.

وإن كان فيها قتل دخلت فيه، وإلا فلا إذا كان في حدود الله وحقوق الله قتل دخلت الباقي فيه، إذا كان محكوما عليه بالرجم فكفى بالرجم عقوبة، فلا نقطع يده قبل أن نرجمه، ولا نقطع رجله أو يده ورجله قبل أن نرجمه.

كذلك أيضا لا نجلده حد القذف القتل أكبرها، فتدخل في القتل يكتفى بالقتل، أما إذا لم يكن فيها قتل فإنه يعاقب بها إذا لم تتداخل.

ويبدأ بالأخف وبعد البرء ما قبله هكذا، يبدأ مثلا بجلد الخمر؛ لأنه أخف الحدود ثم بعد ذلك بجلد القذف، ثم بعد ذلك بجلد الزنا. هذا معنى كونها يبدأ بالأخف يقول: "يبدأ بالأخف" أي أخفها.

ثم بعده إذا برئ أوتي بما بعده نقول: نجلده للزنا، ثم بعد ذا ما يسلم ويبرأ نجلده للقذف، ثم بعدما يبرأ نجلده أيضا للشرب؛ لأن هذه كلها ثبتت عليه، فيجلد لهذا ويجلد لهذا.

قد ذكر أنه إذا كان فيها قتل دخلت فيه وإلا فلا، ولا يقام الحد في المسجد؛ وذلك لأن المساجد أماكن العبادة، ولأن الحدود والعقوبات مأمور بإعلانها؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾(10) .

فيؤمر بإعلان هذه الحدود حتى يشتهر أمرها، وحتى إذا أقيمت ينزجر من يفعلها مرة أن يفعلها مرة أخرى، وينزجر كذلك الناس فلا يجوز أن تكون في المساجد.

فالمساجد محل العبادات، وفيها أيضا الاحترام أنها لا ترفع فيها الأصوات، يمنع فيها من رفع الأصوات، ويمنع فيها من الهيشات هيشات الأسواق فلذلك لا تقام في المساجد، لا عقوبة قتل ولا رجم، ولا قطع، ولا جلد لكن عليه أن يعلن عنها يجوز الإعلان عنها بالمسجد حتى يعرف ذلك، أو في الخطب، وإن كان ذلك أيضا مكروها؛ لأن المساجد محدودة الأعمال فيها.

ولا تقام أيضا في الحرم إن لم يفعلوا فيه، الحرم حرم مكة، وكذلك أيضا حرم المدينة، ولكن الأشرف والأشهر حرم مكة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾(15) هكذا أمن مَنْ دخله، وقال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﴾(16) وقال: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾(17) وقال: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ﴾(18) وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ﴾(19) .

فهذا الحرم لا يجوز فيه هذه العقوبات لا تقام الحدود في الحرم، إلا إذا انتهك ذلك الإنسان حرمة الحرم إذا زنى في الحرم رُجِمَ أو جُلِدَ؛ لأنه لم يحترم هذا البلد، وإذا قتل في الحرم قُتِلَ فيه؛ لأنه لم يحترمه ولم يقدره قدره فحينئذ يقتل فيه، وهكذا إذا سكر فيه، يعني عمل الجريمة في داخل الحرم فإنه يعاقب في نفس الحرم ولو لم يعاقب لتعطلت الحدود في داخل الحرمين، فما أكثر الزنا، وما أكثر السرقة، وما أكثر السكر، وما أكثر القتل.

وإذا عطلت ازداد الأمر وتهاونوا فيوجد في الحرمين عتاة وعصاة وبغاة، ويوجد فيها أهل فحش وأهل جرائم فلو لم يؤخذ منهم الحق لازدادوا جرأة؛ فعلى هذا من زنى في الحرم رجم إن كان محصنا، أو جلد إن كان غير محصن وكذا يقطع فيه من سرق، وهكذا بقية الحدود.

أما إذا لم يكن من أهل الحرم، بأن كان مثلا من أهل جدة أو من أهل الطائف ونحوها وبعدما زنى دخل في الحرم كالمستجير، أو قتل ثم لجأ إلى الحرم، كأنه يستجير به ويلوذ به، فمثل هذا معظم للحرم، ولكن لا يجوز لأحد أن يؤويه ولا أن يجيره، في الحديث: « لعن الله من آوى محدثا »(20) فلا يجوز لأحد ولو كان من أقاربه أو من إخوانه أن يجيره، بل يترك لا أحد يؤويه، ولا أحد يطعمه، ولا أحد يسقيه، ولا أحد يؤويه إليه، ولا أحد يكسيه يضيق عليه وتقطع المعاملة معه حتى يخرج باختياره، فإذا خرج أقيم عليه الحد أيا كان ذلك الحد.

أحسن الله إليكم سماحة الشيخ. يقول: رجل قتل وتاب هل يقتص منه، وما رأي سماحتكم في قصة قاتل المائة في ذلك؟

نعم؛ لأن القصاص حق آدمي وحقوق الآدميين لا تسقط إلا بالإسقاط، لا تسقطها التوبة، فإذا طالبوا بالقصاص فلهم حق في أن يقتص لهم، القصاص شرع لأجل التشفي، لأجل أن الذين قتل منهم إذا رأوا هذا القاتل حيا وقد مات وليهم أبوهم أو أخوهم، فإنهم يغضبون ويشتد ذلك عليهم أن يروا قاتل أبيهم حيا وأبوهم ميت، فلا تقر أعينهم إلا إذا قتل.

فلو قال: أنا قد تبت وندمت وأصلحت العمل، وقمت بما أوجب الله علي من الأعمال الصالحة، وحفظت القرآن وحفظت السنة، وحافظت على الصلوات، فنقول: حق الآدمي لا يسقط.

أما إذا كان تاب من الردة، فإنه يسقط القتل، في حديث: « من بدل دينه فاقتلوه »(21) إذا رجع إلى الدين وتاب وأصلح وندم حينئذ يسقط عنه القتل؛ لأن قتل الردة حق لله تعالى.

يبقى يسأل عن قصة صاحب المائة الذي قتل مائة ثم تاب يظهر أن هؤلاء الذين قتلهم أنهم ليس لهم من يطالب، أو يمكن أنه أعطاهم دية، طلبوا الدية، أو أنهم أخطئوا عليه أو نحو ذلك.

أحسن الله إليكم. رجل سرق بضاعة من رجل ثم تاب ولا يعلم أين صاحب البضاعة فماذا يفعل؟

عليه أن يبحث يبحث ويسأل عنه فإذا أيس من أن يجده، تصدق بها عنه على أنها مضمونة.

أحسن الله إليكم. سائق فعل حادثا في الشارع وقتل عددا كبيرا من الناس، ودفعت له شركته دية الجميع، فهل يصوم بعد ذلك لكل واحد شهرين، أو ماذا يفعل؟

نعم هذه حقوق آدميين فلا تتداخل عليه أن يصوم كفارة إن وجد رقابا يعتقهم أعتق عن كل فرد رقبة، فإذا لم يجد فعليه أن يصوم عن كل واحد شهرين متتابعين، فيصوم عن الأول مثلا شهر محرم وصفر، وله أن يستريح شهر ربيع، ثم يصوم عن الثاني ربيع الثاني وجمادى الأولى، ثم يستريح جمادى الثانية، ثم يصوم عن الثالث شهر رجب وشعبان ثم يستريح، ثم يصوم عن الرابع شهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة، وإذا أفطر عيد ذي الحجة قضاه عن الشهر الثالث نعم.

أحسن الله إليكم. إذا اشترك جمع في حد كقطع إصبع هل يقام عليهم الحد كلهم أم ماذا؟

نعم، إذا اشتركوا وكان فعل كل واحد منهم صالحا لأنه يكون قد جنى فإنه يقام عليهم الحد.

ثبت أن سبعة من أهل صنعاء اجتمعوا على قتل صبي وثبت ذلك عنهم، فأمر عمر بن الخطاب أن يقتل السبعة، فقال له بعضهم: المقتول واحد فكيف يقتل سبعة؟ فقال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم.

فكذلك إذا قبضوا إنسانا هذا قبض يديه، هذا قبض رجليه هذا قبض رأسه، هذا قبض ظهره، ثم فقئوا عينه فله أن يطالب وتفقأ أعينهم، هؤلاء الأربعة الذي قبض يديه، والذي قبض رجليه والذي قبض رأسه، والذي قبض ظهره يقول: إنهم اجتمعوا على أن فقئوا عيني.

أحسن الله إليكم. يقول: إذا قتل الإنسان وسامحه أهل المقتول هل يصوم الشهرين أم ماذا؟

إذا كان ذلك عمدا فالعمد لا تكفره هذه الكفارات لعظمه وأمره إلى الله، وأما إذا كان القتل خطأ دون عمد فإنه تسقط الدية إذا أسقطوها وليس فيه قصاص ولا تسقط الكفارة.

أحسن الله إليكم سماحة الشيخ. يقول: ما رأي سماحتكم في حد الساحر، وهل إذا كان رأيكم هو القتل أنه إذا تاب يقام عليه وإلا فلا؟

في الحديث: « حد الساحر ضربه بالسيف »(22) فإذا ثبت أنه سحر، وقامت على ذلك البينة فإنه يقتل ولا تقبل توبته؛ لأنه قد يظهر التوبة وهو على ما هو عليه، يظهر أنه تائب ولكن يصر على عمله؛ لأن عمله سر وخفية.

أحسن الله إليكم. يقول سماحة الشيخ: حقوق الله مبنية على العفو فكيف يسقط حد الردة حين التوبة ولا يسقط حد الزنا حين التوبة؟

نقول: إن حد الردة عمل أو قول يختص به فإذا تاب ورجع وتراجع عن كونه قد ارتد وكفر قبلت توبته، وأما حد الزنا فإنه متعدٍ؛ لأنه أفسد المرأة ولأنه أدخل عليها وأضر بزوجها ففيه شيء من حق الآدميين ولو كانت راضية.

أحسن الله إليكم. ما ذكرتم سماحة الشيخ من الناس الذين في أطراف البلاد كالذين لا يعلمون حكم الزنا هل إذا ماتوا على ذلك يعتبرون من أهل الفترة أم ماذا؟

نعم يعتبرون من أهل الفترة، ولكن يجب على من حولهم أن يعلموهم الذين حولهم من الذين عندهم علم يصيرون مكلفين، يقول في الحديث: « ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه »(8) فيجب على من عنده علم أن يذهب إلى أولئك وأن يبين لهم.

أحسن الله إليكم. يقول: رجل كان مسرفا على نفسه بالذنوب والمعاصي، حتى إنه لم يدع كبيرة ولا صغيرة إلا عملها ولكنه لا يترك الصلاة وقد فات عليه رمضانات كثيرة وتاب إلى الله عز وجل، فماذا يفعل في هذه الرمضانات التي فاتته؟

لا يكلف أيضا بقضائها ولا بقضاء الصلوات ولكن يؤمر بأن يكثر من النوافل، نقول له: أكثر من الصيام، بعض العلماء يقول: عليه أن يقضي هذه الرمضانات كلها، ولكن قد يكون فيها مشقة، قد تكون منفرة إذا قلنا له: لا تقبل توبتك إلا بقضائها، فنقول: عليك أن تكثر من الصيام، فتصوم كل اثنين وخميس، أو تصوم يوما بعد يوم أو ما أشبه ذلك ليكفر ذلك عنك ما تركته.

أحسن الله إليكم سماحة الشيخ. سائل يقول: ما رأي سماحتكم في الحكم على من أسلموا ثم ارتدوا عن الدين بسبب جهلهم أو عدم قناعتهم من البداية أو بسبب ضغط الأهل فهل تقام عليهم حد الردة أو لا، وهل يخشى على الراغبين في الدخول في الإسلام أن ينفروا إن أعرضوا بإقامة حد الردة أم ماذا؟

لا شك أنه إذا دخل في الإسلام دخل مقتنعا، وعلم الإسلام علما يقينيا وشرحت له تعاليمه ودخل واقتنع به، ثم بعد ذلك ارتد، ثم دعي إلى أن يرجع ويتراجع ويتوب، ولكنه لم يتقبل في هذه الحال يقام عليه الحد، حد الردة « من بدل دينه فاقتلوه »(21) ولو كان ذلك يعتبرونه أيضا منفرا؛ لأنه إذا دخل عن قناعة فإنه يكون مقتنعا ولا ينخدع بقول أهله.

أحسن الله إليكم. يقول: هل المصاب بمرض نفسي يسقط عنه حد القتل إذا قتل أم ماذا؟

ينظر في هذا المرض إذا كان فيه سلب للعقل وعدم معرفةٍ وعدم تمييز فإنه يعتبر كالمجانين، وأما إذا كان معه إدراكه ومعرفته فلا بد أن يؤخذ الحق منه.

أحسن الله إليكم. السؤال يقول: سماحة الشيخ صليت مع الجماعة فتذكرت بعد الصلاة أنني على غير وضوء هل أعيدها أم ماذا؟

نعم، فعل ذلك عمر -رضي الله عنه- لما تبين له أنه عليه حدث أعاد الصلاة، ولكنه ما أمر الجماعة أن يعيدوا.

أحسن الله إليكم. ما الفرق بين الحد والقصاص؟

القصاص: أن يقتل القاتل، ويقطع القاطع الذي قطع مثلا يدا أو إصبعا، ويكون هذا عادة حق لآدمي.

وأما الحد: فهو العقوبات التي قدرها الله على الذنوب، حد الزنا وحد الشرب وحد قطع الطريق ونحو ذلك.

أحسن الله إليكم ونفع بكم الجميع.

(1) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:187
(2) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:229
(3) سورة المجادلة (سورة رقم: 58)؛ آية رقم:3
(4) سورة المجادلة (سورة رقم: 58)؛ آية رقم:4
(5) سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:1
(6) سورة الإسراء (سورة رقم: 17)؛ آية رقم:32
(7) الترمذي : الحدود (1423) , وابن ماجه : الطلاق (2042) , وأحمد (1/140).
(8)
(9) سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:25
(10) سورة النور (سورة رقم: 24)؛ آية رقم:2
(11) البخاري : البيوع (2234) , ومسلم : الحدود (1703) , والترمذي : الحدود (1440) , وأبو داود : الحدود (4470) , وابن ماجه : الحدود (2565) , وأحمد (2/376) , ومالك : الحدود (1564) , والدارمي : الحدود (2326).
(12) البخاري : الحدود (6824) , ومسلم : الحدود (1693) , والترمذي : الحدود (1427) , وأبو داود : الحدود (4426) , وأحمد (1/270).
(13) النسائي : قطع السارق (4978) , وأبو داود : الحدود (4410).
(14) سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:33
(15) سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:97
(16) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:126
(17) سورة إبراهيم (سورة رقم: 14)؛ آية رقم:37
(18) سورة النمل (سورة رقم: 27)؛ آية رقم:91
(19) سورة العنكبوت (سورة رقم: 29)؛ آية رقم:67
(20) البخاري : الحج (1870) , ومسلم : الحج (1370) , والترمذي : الولاء والهبة (2127) , والنسائي : القسامة (4734) , وأبو داود : المناسك (2034) , وأحمد (1/119).
(21) البخاري : الجهاد والسير (3017) , والترمذي : الحدود (1458) , والنسائي : تحريم الدم (4060) , وأبو داود : الحدود (4351) , وابن ماجه : الحدود (2535) , وأحمد (1/282).
(22) الترمذي : الحدود (1460).