موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الشفاعة - شرح الاعتقاد
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
  
 
 شرح الاعتقاد
 مقدمة الشارح
 سند الرسالة
 ذكر ما افترض الله تعالى على عباده
 حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة
 القرآن كلام الله منزل غير مخلوق
 القرآن وصفة الكلام
 الإيمان بوحدانية الله
 إثبات صفة النزول لله عز وجل
 إثبات صفة الضحك لله
 إثبات النفس لله عز وجل
 إثبات صفة الاستواء على العرش
 الإقرار بأن الرحمن خلق آدم على صورته
 إثبات صفة الأصابع لله عز وجل
 إثبات صفة الساق لله عز وجل
 فرح الرب بتوبة العبد
 ذكر حديث الدجال
 وجوب الإيمان بصفات الله عز وجل
 تأويل الصفات وفق مقتضى اللغة
 مذهب أهل السنة في الصفات
 بحث في الإيمان بالقدر
 الإيمان بعذاب القبر وبمنكر ونكير
 الإيمان بالبعث والصراط
 الإيمان بالموازين
 الإيمان بالحوض والشفاعة
 الإيمان بالمساءلة
 الإيمان بالجنة والنار
 الشفاعة
 نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
 خصائص القرآن
 بيان معجزات النبي صلى الله عليه وسلم
 المعجزة العظمى للرسول
 الإسراء والمعراج
 الرد على من أنكر الإسراء والمعراج
 لقاء النبي بالأنبياء
 رؤية النبي للجنة والنار
 فرض الصلوات الخمس
 رؤية النبي لربه
 دنو النبي من ربه
 سعة علم النبي صلى الله عليه وسلم
 حقيقة رؤية النبي لربه
 معراج النبي صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه
 فضل النبي في الآخرة
 معنى المقام المحمود
 المقام المحمود
 حكم أحاديث المقام المحمود
 جلوس النبي على العرش
 الإنكار على من رد حديث قعود النبي على العرش
 ذكر من روى أحاديث القعود
 حديث جلوس النبي على السرير
 دليل قعود النبي على العرش
 تفسير آخر للمقام المحمود
 الحوض المورود
 حرمة رفع الصوت على النبي
 وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره
 ذكر تعظيم الله لنبيه
 وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم
 رأفة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته
 عظم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم
 من شرف النبي صلى الله عليه وسلم
 من فضائل النبي: انشراح صدره
 من فضائل النبي: غفران ذنبه مع ستره
 مناقب الصحابة
 هجران أهل البدع
شرح الاعتقاد - الشفاعة
الشفاعة

الشفاعة

فأما المسيئون الموحدون فإنهم يخرجون منها بالشفاعة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي »1 وأطفال المشركين في النار.


نعم. بحث الشفاعة، الشفاعة: الوساطة في اللغة، وشرعا: طلب الخير إلى الغير أو مساعدته بالحاجة صاحب الحاجة عند من يملك الحاجة، والشفاعة في الدنيا أن تتوسط لشخص في أن تقضي حاجته، تتوسط لشخص عند أبيك، أو عند جارك، أو عند صديقك، أو تتوسط له عند أمير من الأمراء أو عند غني من الأغنياء، تتوسط له في أن تقضى حاجته، وأما في الشفاعة في الآخرة فهي نوعان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. الشفاعة عند الله الشفاعة نوعان:

شفاعة منفية، هي التي تكون للمشركين هذه باطلة هذه منفية، ولو كانت تحصل قال تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾2 ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾3 للكافرين ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾4 وفي آية أخرى قال: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾5 فالشفاعة المنفية هي التي تكون لأهل الشرك هذه المنفية، والنوع الثاني: شفاعة مثبتة، وهي التي تكون لأهل التوحيد، فأهل التوحيد لهم شفاعة، إذا من مات على التوحيد فله شفاعة، إذا كان من العصاة مات على الشرك يشفع فيه، له شفاعة تنفعه الشفاعة، والشفاعة في الآخرة أنواع: منها ما هو خاص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره، فالخاص بنبينا صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات:

الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى لأهل الموقف في موقف القيامة، وهي التي يتأخر عنها أولو العزم الخمسة حينما يبعث الله الناس ويخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلا، يقفون بين يدي الله للحساب وتدنوا الشمس من رءوسهم ويزاد في حرارتها ويشتد الكرب بالناس فيطلبون فيفزعون إلى الأنبياء يسألونهم أن يشفعوا لهم لأنهم ...، فالشفاعة وطلب الشفاعة من الحي القادر لا بأس بها، لكن طلب الشفاعة من الميت في الدنيا شرك؛ ليقول للميت اشفع لي، أو يا رسول الله اشفع لي، يا بدوي، أو يا حسين، أو يا ابن علوان، أو يا عبد القادر الجيلاني اشفع لي، أو يا عيداروس هذا شرك في الدنيا، من طلب الشفاعة من ميت أو غائب أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك، أما الحي الحاضر تقول له: يا فلان اشفع لي عند الأمير، اشفع لي عند المحسن الفلاني، حتى يقضي حاجته لا بأس، الحي الحاضر قادر أما الشفاعة يوم القيامة في الآخرة نوعان: شفاعة منفية هذه لأهل الشرك، وشفاعة مثبتة لأهل التوحيد.

والشفاعات أنواع: أعظمها الشفاعة العظمى التي تكون لنبينا صلى الله عليه وسلم في موقف القيامة حينما يشتد الكرب بالناس، يفزعون إلى الأنبياء ويأتون إلى آدم يقولون: يا آدم اشفع لنا إلى ربك، حتى يحاسبنا ويقضي بيننا نستريح من الموقف الطويل، ومن الشمس، حر الشمس، والشمس تدنو من الرءوس ويزاد في حرارتها ويحصل للناس من الكرب والشدة ما الله به عليم: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾6 ﴿ الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ ﴾7 يوم القيامة , سميت القارعة لأنها تقرع القلوب، ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴾8 تصخ الأسماع، ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴾9 ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾10 يقف الناس بعد البعث هذا الموقف الطويل فيفزع الناس إلى الأنبياء، ويأتون إلى آدم ويقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربك حتى يحاسبنا، نسترح من هذا الموقف، وهذا جاء في حديث الشفاعة الطويل المعروف في الصحيحين وفي غيرهما فيعتذر آدم، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني أكلت من الشجرة التي نهيت عنها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فإنه أول رسول بعثه الله إلى الأرض، اعتذر آدم، فيأتون إلى نوح ويقولون: يا نوح أنت أول رسول بعثك الله إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر نوح ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني دعوت على أهل الأرض دعوة أغرقتهم، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الله، ويذهبون إلى إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت خليل الله اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيعتذر إبراهيم عليه السلام ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، ثلاث كذبات يعتذر بها، وهذه الكذبات تورية يجادل بهن عن دين الله، لما كسر الأصنام التي يعبدونها وضع الفأس على الكبير، وقالوا من كسر؟ قال: هذا، يعني يريهم يوهمهم أنها ما تنفع ولا تضر، اسأل فاسألوههم إن كانوا ينطقون. والثاني: نظر في النجوم وقال إني سقيم، يريهم بهذا أن الأصنام لا تنفع، والثالث: قال عن زوجته سارة: إنها أختي لما مر بالملك الظالم ملك مصر في ذلك الزمان، حتى لا يكون عنده غيرة، لو قال له: زوجتي لأخذها، وقال لها: أنت أختي في الإسلام وليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك، ما في مسلمون، وسأقول أنك أختي فلا تكذبيني فأنت أختي في الإسلام، قالوا: من هذه؟ قال: أختي، وتعود أنها أخته في الإسلام، هذه اعتبرها كذبة فهذه الكذبات يعتذر يوم القيامة، يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى ويقولون: يا موسى أنت كليم الله اشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من هذا الموقف ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيعتذر موسى ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، حينما قتل القبطي قبل النبوة هذا، وتاب، تاب الله عليه: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ﴾11 وهذا قبل النبوة لكني أعتذر، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فإنه روح الله وكلمته فيذهبون إلى الله فيقولون: يا عيسى أنت روح الله وكلمته اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيعتذر عيسى ويقول: إني ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولكنه لم يذكر ذنبا، قال: إن الناس اتخذوني أنا وأمي إلهين من دون الله، وهذا وإن لم يرض بذلك كما قال الله: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾12 يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد فإنه خاتم النبيين، فيأتون إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويقولون: يا محمد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول نبينا عليه الصلاة والسلام: أنا لها أنا لها عليه الصلاة والسلام، فيذهب فيسجد تحت العرش فيفتح الله عليه من المحامد لا يحسنها وهو في دار الدنيا تفتح عليه ذلك الموقف، فلا يزال يحمد ربه ويمجد ربه وهو ساجد، ولا يشفع لا يستطيع الشفاعة حتى يأتيه الإذن حتى نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم الناس منزلة ووجاهة عند الله لا يستطيع أن يشفع إلا بعد الإذن، ولذا قال الله عن موسى: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾13 فنبينا أعظم وجاهة من موسى ومع ذلك ولكن لا يستطيع لا يزال ساجدا، يسأل الله ويناجي ربه ويحمده فيأتي الإذن من ربنا عز وجل سبحانه وتعالى، ويقول: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع. جاء الإذن من الذي يشفع عنده إلا بإذنه الشفاعة كاملة بهذا الشرط، شرطها: ادع الله للشافع أن يشفع وادع الله للمشفوع له، لكن هذه الشفاعة للمؤمن والكافر، فيقول: يا ربي أسألك أن تقضي بين عبادك فيشفعه الله فيقضي الله تعالى بين الخلائق، فيشفعه الله فيقضي الله بين الخلائق ويحاسبهم حتى ينصرف الناس من الموقف، يصدر الناس أشتاتا قوم إلى الجنة وقوم إلى النار ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾14 هذه تسمى الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون ويغبطه فيه الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾15 هذا هو المقام المحمود، هذه هي الشفاعة خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم.

الشفاعة الثانية: الشفاعة لأهل الجنة في الإذن لهم بدخولها أهل الجنة يقفون عند بابها، ما، لا أحد يدخل إلا بشفاعة يشفع له نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أول من يفتح باب الجنة ويدخلها وهو أول من يدخلها عليه الصلاة والسلام، ثم الأنبياء ثم من الأمم أمة نبينا لكن بعد الإذن بعد الشفاعة، هذه خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم.

الشفاعة الثالثة: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب، ليس في الإخراج من النار بل في تخفيف العذاب، ثبت في صحيح مسلم بل في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: « يا رسول الله إن أبا طالب يحميك ويحوطك ويذود عنك فهل نفعته؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح يغلي منها دماغه »16 أخرج من الغمرات إلى الضحضاح، وفي لفظ: « إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وإنه في ضحضاح يغلي منها دماغه »17 وفي لفظ: « إن أهون أهل النار عذابا لمن في أخمصيه - يعني في بطن القدمين - جمرتان يغلي منهما دماغه »18 وفي لفظ: « إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه »19 هذا أخف أهل النار عذابا، أبو طالب أخف أهل النار عذابا يغلي دماغه ويظن من شدة ما يجد أنه أشد أهل النار وهو أخفهم، هذه شفاعة تخفيف هذه الثلاث خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم.

وهناك شفاعات أخرى مشتركة بين الأنبياء والصالحين والأفراد، هذه الشفاعات المشتركة منها: الشفاعة لمن استحق النار ... ألا يدخلها، في جماعة من الموحدين عصاة يستحقون دخول النار فيشفع فيهم فلا يدخلونها يشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم ويشفع الأنبياء ويشفع الملائكة ويشفع المؤمنون ويشفع الشهداء ويشفع الأفراد، هذه واحدة.

الثانية: الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وقد ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع أربع شفاعات في كل مرة يحد الله له حدا يخرجهم بالعلامة، المرة الأولى يشفع فيمن في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، وفي بعضها مثقال دينار وفي بعضها نصف مثقال، وفي بعضها مثقال حبة من خردل من الإيمان، وفي المرة الثانية: يشفع في من في قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان، وفي المرة الثانية: أخذ من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة حبة من الإيمان، وفي بعضها يشفع فيمن قال لا إله إلا الله، وكذلك الأنبياء يشفعون والشهداء والأفراد والصالحون وتبقى بقية ليس لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته يقول: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع الصالحون ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوما من النار لم يعملوا الخير قط يعني زيادة على التوحيد والإيمان فإذا تكامل فوج العصاة من الموحدين ولم يبق فيها أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم، فلا يأخذونها أبد الآباد: النصارى واليهود والوثنيون والشيوعيون والملاحدة والمجوس، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، تغلق فلا يخرجون منها أبد الآباد كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾20 يعني مطبقة مغلقة ﴿ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾21 قال سبحانه: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾22 وقال سبحانه: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾23 وأما العصاة الموحدون إذا أخرجوا يلقون في نهر الحياة قد امتحشوا وصاروا فحما، يصب عليهم من الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، هذه شفاعة فيمن استحق دخول النار ألا يدخلها، وشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها هذه الشفاعة أنكرها الخوارج والمعتزلة؛ لأن الخوارج والمعتزلة يرون أن العصاة يخلدون في النار مثل الكفرة، الخوارج والمعتزلة يقولون: إن الزاني كافر يخلد في النار وشارب الخمر يخلد في النار والعاق لوالديه يخلد في النار، والمرتد يخلد في النار، جميع العصاة مخلدون في النار مثل الكفرة، هذا عند من؟ الخوارج والمعتزلة، فأنكر عليهم أهل السنة والجماعة وبدعوهم وضللوهم وصاحوا بهم وقالوا: أنكرتم النصوص التي فيها الشفاعة تبلغ حد التواتر، متواترة، ومع ذلك كان الخوارج والمعتزلة بجهلهم وضلالهم، فالخوارج يكفرون العصاة ويخلدونهم في النار، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر في الدنيا، في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر يسمى فاسق، لكن في الآخرة يخلدون في النار مثل الخوارج، وهذا جهل وضلال، النصوص في هذا متواترة.

في شفاعة ثالثة أيضا: الشفاعة في رفع درجات قوم من أهل الجنة، خاصة بالمؤمنين يرفع من الدرجة مثلا الأولى إلى الدرجة الثالثة والرابعة لزيادة النعيم، وفيه شفاعة ذكرها بعضهم في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم هذه الشفاعات في موقف القيامة.

قال المؤلف رحمه الله: " فأما - الشفاعة - فأما المسيئون الموحدون فإنهم يخرجون منها بالشفاعة " عرفنا من هم المسيئون الموحدون العصاة، اللي ماتوا على الكبائر يخلون من الشفاعة، وهناك شفاعة في قوم استحقوا دخول النار فلا يدخلونها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي »1 يعني أهل الكبائر، يعني الموحدين العصاة، الكبائر الذين ماتوا على الكبائر وهم موحدون قال المؤلف: وأطفال المشركين في النار، أطفال المشركين في النار، هذا قول بعضهم: أطفال المشركين في النار، وفيهم أقوال كثيرة، أطفال المشركين.

أما أطفال المؤمنين فهم في الجنة، أطفال المؤمنين في الجنة تبعا لآبائهم، وأما أطفال الكفار فلهم أحكام في الدنيا ولهم أحكام في الآخرة، أحكام في الدنيا تبعا لآبائهم تبعا لأهليهم، إذا قاتل المسلمون الكفار ولم يستطيعوا لا يتعمدوا قتل الأطفال، لكن إذا اختلطوا بهم جاز قتلهم معهم، وكذا وإذا سبوا وإذا أخذهم المسلمون يسبون ذراريهم ونسائهم، أما في الجنة أين يكونون - أطفال المشركين - فيهم خلاف، المؤلف يقول: أطفال المشركين في النار. هذا قول لبعض العلماء، لكنه قول ضعيف.

وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه " طريق الهجرتين " ثمانية أقوال، قيل: إنهم في النار، وقيل: يكون خدما لأهل الجنة، وقيل: غير ذلك. وقيل: يمتحنون يوم القيامة، وقيل: إنهم في الجنة. لكن هذه الأقوال ثمانية أقوال: أرجحها قولان: القول الأول: أنهم يمتحنون يوم القيامة، ويخرج لهم عنق من النار، وكذلك من مات ولم تبلغه الدعوة من لم تبلغه الدعوة، مات ما بلغته في الدعوة، وكذلك الشيخ الهرم الفاني ما بلغته الدعوة، والأصم الذي ما سمع بالإسلام، وأطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة ويخرج لهم عنق يوم القيامة ويقال: ردوها، فمن وردها صارت عليه بردا وسلاما، ومن لم يجب صار من أهل النار، والقول الثاني: أنه في الجنة وهذا هو الصحيح، الصواب أنهم في الجنة إذا ماتوا دون البلوغ والدليل على هذا ما ثبت في صحيح البخاري في حديث الرؤيا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى إبراهيم، قالوا: وحوله ولدان الناس، ولدان الناس جميعا، المسلمون والمؤمنون، دل على أنهم في الجنة على هذا أطفال المسلمين، الصواب: أنهم في الجنة. وقيل: يمتحنون. ذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين ثمانية أقوال، لكن أرجحها قولان، أرجحها: أنهم في الجنة، ثم يليه قول بأنهم يمتحنون وقيل: يكون خدم أهل الجنة - يكونون - وقيل: في النار، المصنف اختار أنهم في النار، قال: وأطفال المشركين في النار والله تعالى يقول: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾24 ذكر المحقق قال: قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾24 قال: فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم، بعض العلماء يقولون نتوقف فيهم هذا قولهم، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة والشيخ هو إبراهيم وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، « قالوا يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ قال: نعم وأولاد المشركين »25 ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله عليه الصلاة والسلام: « هم مع آبائهم »26 ومنهم من ذهب أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف أمر الله فيه بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرا يعني ذليلا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.

قال ابن كثير: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة والمتعاضدة، فعلى هذا تكون الأقوال فيه: قيل في النار، وقيل في الجنة، وقيل يمتحنون، وقيل: يكونون خدما لأهل الجنة، وقيل: يتوقف فيهم. والصواب أنهم في الجنة، ثم يليه القول بالامتحان، أما القول بأنهم في النار هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾24 ما بلغوا سن التكليف حتى يكونوا في النار، وهذا قول مرجوح اختاره المصنف، قول مرجوح، والصواب أنهم في الجنة في حديث سمرة هذا أصوبها ويليه في القوة القول بأنهم يمتحنون، نعم.

1 : الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2435) , وأحمد (3/213).
2 : سورة المدثر (سورة رقم: 74)؛ آية رقم:48
3 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:254
4 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:123
5 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:48
6 : سورة المدثر (سورة رقم: 74)؛ آية رقم:8 - 10
7 : سورة القارعة (سورة رقم: 101)؛ آية رقم:1 - 2
8 : سورة عبس (سورة رقم: 80)؛ آية رقم:33
9 : سورة النازعات (سورة رقم: 79)؛ آية رقم:34
10 : سورة الحاقة (سورة رقم: 69)؛ آية رقم:13
11 : سورة القصص (سورة رقم: 28)؛ آية رقم:16
12 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:116 - 118
13 : سورة الأحزاب (سورة رقم: 33)؛ آية رقم:69
14 : سورة الشورى (سورة رقم: 42)؛ آية رقم:7
15 : سورة الإسراء (سورة رقم: 17)؛ آية رقم:79
16 : البخاري : المناقب (3883) , ومسلم : الإيمان (209) , وأحمد (1/210).
17 : مسلم : الإيمان (212) , وأحمد (1/290).
18 : البخاري : الرقاق (6562) , والترمذي : صفة جهنم (2604).
19 : مسلم : الإيمان (213) , وأحمد (4/271).
20 : سورة الهمزة (سورة رقم: 104)؛ آية رقم:8
21 : سورة الهمزة (سورة رقم: 104)؛ آية رقم:9
22 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:37
23 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:167
24 : سورة الإسراء (سورة رقم: 17)؛ آية رقم:15
25 : البخاري : التعبير (7047) , وأحمد (5/8).
26 : أحمد (6/84).