موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أنزلوا الناس منازلهم - شرح جوامع الأخبار (الجزء الأول)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح جوامع الأخبار (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح جوامع الأخبار (الجزء الأول)
 مقدمة الشارح
 ميزان الأعمال الظاهرة والباطنة
 رد ما ليس في الكتاب والسنة
 الدين النصيحة
 العمل الذي يدخل الجنة
 القول الفصل
 تعريف المسلم والمؤمن والمهاجر
 رد كيد الشيطان وتجديد الإيمان
 الإيمان بالقدر خيره وشره
 ثواب الداعي إلى الهدى
 التفقه في الدين دليل السعادة
 محبة الله للمؤمن القوي
 البناء الإسلامي
 السعي في الخير
 أنزلوا الناس منازلهم
 الجزاء من جنس العمل
 خصال الخير الجامعة
 عاقبة الظلم
 طريق الشكر
 لا صلاة بغير وضوء
 خصال الفطرة
 طهارة الماء
 طهارة الحيوانات الطوافة
 العبادات المكفرة للذنوب
 الصلاة والأذان والإقامة
 من خصوصيات نبينا عليه الصلاة والسلام
 وصية نبوية
 الرفق والتيسير
 حق المسلم على المسلم
 استمرار ثواب العمل الصالح
 التعجيل بالجنازة
 نصاب الزكاة
 عزيمة وجزاء
 أثر الصدقة والعفو والتواضع
 ثواب الصيام
 صفة الأولياء
شرح جوامع الأخبار (الجزء الأول) - أنزلوا الناس منازلهم
أنزلوا الناس منازلهم

أنزلوا الناس منازلهم

وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أنزلوا الناس منازلهم »1 رواه أبو داود. .


الله أكبر, هذا حديث عظيم الشأن من بليغ الكلام ومن جوامع الكلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنزلوا الناس منازلهم »1 هذا التوجيه النبوي يرجع إلى أمرين: إلى الحكمة وإلى العدل؛ وهما أصلان من أصول الشرع والعقل.

الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها، وفي العدل كذلك إعطاء كل ذي حق حقه, فقوله صلى الله عليه وسلم: « أنزلوا الناس منازلهم »1 هذا موجب الحكمة وموجب العدل، وهذا يشمل إنزال الناس منازلهم في الحكم عليهم ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ﴾2 في الحكم عليهم.

فلا يسوى الفاجر بالتقي الصالح، لا يسوى الجاهل بالعالم؛ ولهذا اعتمد أهل الحديث في الحكم على الرواة على معنى هذا الحديث، فحكموا على الرواة رجال الحديث حكموا عليهم على هذا الأصل، فميزوا الضعيف عن الثقة ميزوا الحافظ من غير الحافظ, العالم من غير العالم ميزوهم وجعلوهم مراتب.

وفي هذا إنزال لكل من الرواة منزلته، جعلوهم مراتب ودرجات فحققوا في ذلك في حكمهم على الرواة, حققوا بذلك إنزال كل في منزلته التي ينزلها، وهذا واجب في كل الأمور، فالذين فضل الله بعضهم على بعض، يجب الإيمان بتفاضلهم، اعتقاد أن هذا أفضل من هذا، الصحابة لهم فضل مشترك ولكنهم متفاضلون فيجب في الحكم عليهم إنزال كل منزلته، ولهذا قال أهل السنة: أفضل الصحابة كذا أبو بكر ثم عمر ثم .. هذا كله من معنى هذا الحديث إنزال كل منزلته التي أنزله الله بها شرعا وقدرا.

وهكذا العلماء على منازلهم في العلم والفضل، المسلمون على منازلهم في العلم والتقوى، فيجب إنزال كل منزلته: « أنزلوا الناس منازلهم »1 واجب إنزال كل في منزلته؛ فإن خلاف ذلك خلاف العدل وخلاف الحكمة كما قلنا في البداية.

كذلك في الولايات يجب أن ينزل كل منزلته , فيُختار لكل عمل ما يناسبه , لكل ولاية ما يناسبها , ومن يناسبها ويصلح لها , ولايات كبيرة وولايات صغيرة , كل يُختار لتلك الولايات ما يصلح ومن يصلح لها , هذا يعني ... أن يتعين ويعين في كذا بالولايات الكبيرة، سواء الأعمال العلمية أو الأعمال الإدارية , وإذا كانت الولاية يعني تقوم على أساسين: القوة , على الأمر المعين وعلى الأمانة ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾3 فيختار للأعمال من تتوفر فيه هاتان الصفتان بحسب الإمكان , وهذا المعنى هو حكم الله في عباده , فالله تعالى لا يسوي بين المختلفات. الشرع والعقل كلاهما يقتضي عدم التسوية , ألا يسوى بين المختلفات , وألا يفرق بين المتماثلات , اعتمد هذا في مثل قوله عليه الصلاة والسلام في الأئمة: « يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله , فإن كانوا في القراءة سواء , فأعلمهم بالسنة , فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة »4 الحديث , فهذا من إنزال الناس منازلهم , فلا يقدم غير الأقرأ على الأقرأ , وإذا حصل التساوي من جميع الوجوه قال العلماء: ما الحكم؟ القرعة؛ لأنه حينئذ تعذرت المفاضلة فيصار إلى الوسيلة التي ليس فيها تقديم اختياري , إنما هو تقديم بسبب راجع إلى القضاء فقط إلى القدر وهي القرعة. نعم.

1 : أبو داود : الأدب (4842).
2 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:152
3 : سورة القصص (سورة رقم: 28)؛ آية رقم:26
4 : مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (673) , والترمذي : الصلاة (235) , والنسائي : الإمامة (780) , وأبو داود : الصلاة (582) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (980) , وأحمد (4/121).