موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أحكام العدة - شرح التسهيل في الفقه (الجزء الرابع)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح التسهيل في الفقه (الجزء الرابع) لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
شرح التسهيل في الفقه (الجزء الرابع) - أحكام العدة

كتاب العدد

 

 

أحكام العدة

 

كتاب العِدَد.

 

لَا عِدَّةَ بِفُرْقَةِ اَلْحَيَاةِ قَبْلَ مَسِيسٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَالْمُعْتَدَّاتُ سِتَّةٌ؛ أُولَاتُ اَلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ مَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنْ كَانَا تَوْأَمَيْنِ فَبِالْآخِرِ.

اَلثَّانِي: اَلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ.

اَلثَّالِثُ: اَلْمُطَلَّقَاتُ فِي اَلْحَيَاةِ مِنْ ذَوَاتِ اَلْقُرُوءِ يَتَرَبَّصْنَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالْأَمَةُ حَيْضَتَانِ.

واَلرَّابِعُ: الَلَّائِي يَئِسْنَ، وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَالْأَمَةُ شَهْرَانِ.

وَالْخَامِسُ: مَنْ اِرْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي سَبَبَهُ، تَعْتَدُّ سَنَةًً، وَإِنْ عَلِمَتْ فَحَتَّى يَعُودَ.

اَلسَّادِسُ: امْرَأَةُ اَلْمَفْقُودِ بِمُهْلِكَةٍ أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ فَلَمْ يُعْلَمُ خَبَرُهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ. ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وَالْغَيْبَةُ اَلَّتِي ظَاهِرُهَا اَلسَّلَامَةُ فَتَبْقَى أَبَدًا، وَعَنْهُ تِسْعِينَ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ، وَلَوْ خَرَجَتْ لِسَفَرٍ أَوْ حَجٍّ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا رَجَعَتْ لِقَضَاءِ اَلْعِدَّةِ بِمَنْزِلِهِ إِنْ قَرُبَتْ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ اَلْكَافِرِ أَوْ اِرْتَدَّ زَوْجُ اَلْمُسْلِمَةِ بَعْدَ اَلدُّخُولِ فَلَهَا نَفَقَةُ اَلْعِدَّةِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ.

 


 

الباب الذي بعده (كتاب العدد)

 

العدد جمع عدة، العدة: مدة انتظار المرأة بعد الطلاق أو بعد الفراق أو بعد الوفاة، ذكرها الله بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾1 أي طلقها في زمن تستقبل فيه العدة تبدأ العدة، قرأ بعضهم قراءة تفسير:" فطلقوهن في قُبُل عدتهن" أي في استقبال العدة.

وذلك بأن يطلقها بعدما تطهر وقبل أن يمسها، فإن قيل: إن الأقراء هي الأطهار، فإنها تبدأ ذلك الطهر وتعده قرءا، وإلا تعد الحيضة التي بعده، تكون الحيضة التي بعده هي أول القروء الثلاثة هذا معنى ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾1 .

وتسمى العدة تربصا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾2 التربص المكث والانتظار، أي: لا يتزوجن حتى يمكثن ثلاثة قروء.

وكذلك أيضا ذكر الله تعالى في القرآن المطلقة عدتها ثلاثة قروء، والحامل عدتها وضع الحمل، والآيسة عدتها ثلاثة أشهر، والصغيرة عدتها ثلاثة أشهر، وكذا المتوفى عنها عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، هذه العدد التي ذكرها الله.

وذكر أيضا أن التي طلقت قبل الدخول لا عدة لها، فيقول المؤلف:( لا عدة بفرقة الحياة قبل مسيس أو خلوة ) دليله قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾3 فإذا طلقها قبل الدخول جاز لها أن تتزوج في ذلك اليوم؛ لأن ليس لها عدة.

( المعتدات ست: الحامل والمتوفى عنها والتي تحيض والآيسة والصغيرة، هؤلاء ذكرن في القرآن، والسادسة ما ارتفع حيضها ولا تعلم سببه، والسابعة امرأة المفقود ).

الأولى: الحامل، قال تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾4 ودليل ذلك أيضا من السنة: قصة السبايا، لما أنهم سبَوا في غزوة أوطاس وملكوا ذلك السبي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة »5 .

فالحامل لا يجوز أن تتزوج؛ وذلك لأن هذا الحمل للزوج الذي طلق، فلا بد أن تبقى حتى تضع حملها، ولا يحل وطؤها وهي حامل، حتى ولو كان الحمل من الزنا، أو كان الحمل من وطأ شبهة، لا يجوز أن تتزوج، ولو زنت أو وطئت في شبهة وهي مزوجة وحملت من ذلك الوطء يتجنبها زوجها إلى أن تضع ذلك الحمل؛ لأنه ليس ولدا له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره »6 " ماءه " المني؛ أي لا يسقيه ذلك الحمل الذي في هذا الرحم؛ وذلك لأن الوطء يزيد في عقب ذلك الحمل، أو يزيد في حواسه؛ فلذلك لا يطأ الحامل التي حملها من غيره، ولا يحل لها أن تتزوج حتى تضع حملها، وسواء طالت مدة الحمل أو قصرت، فإذا وضعت انتهت عدتها.

لو طلقها مثلا أو مات عنها وهي في الشهر الأول قد عرقت قبل يومين أو خمسة أيام تبقى في العدة تسعة أشهر إلى أن تلد.

وكذا المتوفى عنها تبقى في الإحداد إلى أن تلد، لو طلقها وهي حامل متم، ووضعت بعد طلاقه بيوم أو بنصف يوم أو مات عنها وهي حامل متم، ووضعت بعد موته بيوم أو بنصف يوم انتهت عدتها وحلت في الأزواج؛ وذلك لظاهر الآية: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾4 .

قد وقع خلاف بين الصحابة هل المتوفى عنها تعتد بالأشهر أو تعتد بوضع الحمل أو تمكث أبعد الأجلين؟

رأى بعضهم أنها تعتد أبعد الأجلين، إن كان الأبعد هو الحمل لم تنكح حتى تضع، وإن كان الأبعد هو الأشهر لم تنكح حتى تتم الأشهر.

لكن وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قصة امرأة، وهي سبيعة الأسلمية، امرأة سعد بن خَوْلة؛ مات زوجها وهي حامل متم، فولدت بعد بضعة أيام، ولما طهرت تجملت للخطاب، فدخل عليها رجل يقال له: أبو السنابل بن بَعْكَك، قالوا: إنه يريد خطبتها، ولكنها نفرت منه، فقال لها: رأيتك متجملة تريدين الزواج ما أنت بناكحة حتى تأتي عليك أربعة أشهر وعشرة أيام؛ يعني أخذَ بظاهر الآية ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾7 فشكَّت في ذلك وهي تقرأ الآية: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾4 فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: قد انتهت عدتك ولك أن تتزوجي .

هؤلاء الذين يقولون: أبعد الأجلين؟ يقولون: إذا ولدت في الشهر الأول بعد موته، فلا بد أن تكمل أربعة أشهر وعشرة أيام، وكذا لو ولدت بعد أربعة أشهر فلا بد أنها تمكث عشرة أيام، وأما إذا ولدت بعد خمسة أشهر فإنها تنتهي عدتها، إذا كان الأكثر مدة الحمل مكثت ولو تسعة أشهر، وإذا كان الأكثر الأشهر مكثت بنهاية أربعة أشهر وعشرة، هذا قول لبعض السلف أنها تمكث أبعد الأجلين.

ولكن الصحيح والذي دلت عليه قصة سبيعة أنها تعتد بوضع الحمل، وضع الحمل ما تصير به أم ولد وهو ما تبين فيها خلق الإنسان، إذا أسقطت بعد موته أو بعد طلاقه أسقطت سِقْطا قد تبين فيه خلق الإنسان؛ قد تبين تخطيط الوجه أو تخطيط العينين وانفصال الرأس واليدين والرجلين، ولو أن الرجلين متلاصقتان، ولو أن الأصابع متلاصقة ولو أن اليدين ملتصقتان بالبدن، ولو أن الوجه ما تبينت فيه مفاصله؛ يعني ما انشق الفم ولا العين ونحو ذلك، لكن تبين فيه خلق الإنسان انتهت عدتها سواء عدة وفاة أو عدة الطلاق.

ولكن يحرم عليها الإسقاط؛ كثير من النساء إذا طلقها زوجها وهي حامل وهي لا تريد الزوج ولا تريد أنه يراجعها، ولا تريد أن يكون لها منه ولد عمدت إلى الإجهاض، ذهبت إلى المستشفيات وقالت: أريد إسقاط هذا الحمل، حرام هذا؛ لأنه تعمد إسقاط بغير حق، الولد للأبوين حتى ولو رضي الأب، لو رضي الأبوان وقالا: نريد إسقاط هذا الحمل، لا حاجة لنا لهذا الولد أسقطيه، وإذا أسقطتيه فإنك تبينين تنتهي عدتك بالإسقاط، حرام عليهم.

فإن كانا توءمين فمتى تنقضي عدتها وإحدادها؟ بوضع الثاني؛ لو كان بينهما عشرة أيام فلا تنقضي عدتها وإحدادها إلا بوضع الأخير.

الثانية: المتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشر وتتنصف بالرق، الرقيقة الأمة عدتها شهران وخمسة أيام المتوفى عنها، المتوفى عنها إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل طالت المدة أو قصرت، فإن لم تكن حاملا فإن عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، الأربعة لأجل التأكد من براءة الرحم ولو أنها تعلم براءة الرحم لأول حيضة، ولكن من باب التأكد ومن باب الانتظار؛ ولأنها في هذه المدة أيضا تحد عليه وتتجنب الزينة، وليس ذلك لأجل الرجعة؛ لأنه قد مات والميت لا يملك الرجعة، بخلاف المطلقة.

الثالثة: المطلقة في الحياة من ذوات القروء يتربصن بثلاث حيض والأمة حيضتان؛ ثلاث حيض، هذا هو قول الجمهور؛ أنها تتربص ثلاث حيض.

وهناك قول: أنها تتربص ثلاثة أطهار؛ وذلك لأن كلمة القرء ﴿ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾2 يصدق على الحيض ويصدق على الطهر.

فالذين قالوا: إنه الحيض؛ استدلوا بالحديث حديث المستحاضة، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: « دعي الصلاة أيام أقرائك »8 أي أيام الحيض، أيام حيضك.

فاختار الإمام أحمد أن الأقراء هي الحيض "يتربصن ثلاثة قروء" أي: ثلاث حيضات، ولا تعد الحيضة التي طلقها فيها لأنه طلاق بدعة.

كذلك أيضا القول الثاني: أن القرء هو الطهر؛ بعض العرب يسمون الأطهار أقراء وقروء، واستدلوا بشعر للأعشى، أنه كان يمدح أحد الأمراء الذي يكثر الغزوات والإغارات حتى ضاعت أطهار نسائه، فهو يقول:

 

وفـي كـل عـام أنـت جاشم غزوة

 

تشــد لأقصاهـا عـزيم عزائكـا

مورثـة عـزا وفـي الحـي رفعـة

 

لما ضـاع فيها من قـروء نسائكا

 

قروءهن يعني الأطهار؛ أي مضت الأطهار وأنت غائب، لم تتمكن من الاستمتاع بزوجاتك،

 

..................................

 

لما ضـاع فيها من قـروء نسائكا

 

فقالوا: هذا دليل على أن القرء هو الطهر، وإذا رجعوا إلى اللغة وجدوا العرب يسمون الحيض قرءا والطهر قرءا.

ولكن رجح الإمام أحمد أنه الحيض؛ لأنه لغة الشارع لغة النبي صلى الله عليه وسلم.

الأمة حيضتان؛ لأنها على النصف من الحرة فيكون عدتها حيضتين بعدهما تحل للأزواج.

الرابعة: الآيسة والصغيرة: ذكر الله أن عدتها ثلاثة أشهر، قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾4 يعني الصغيرة التي لم تحض إذا طلقت فإن عدتها ثلاثة أشهر، والآيسة الكبيرة التي قد انقطع حيضها، إذا طلقت فإن عدتها ثلاثة أشهر.

والأمة شهران صغيرة أو آيسة: وإذا قيل ما الحكمة في حبسها ثلاثة أشهر، لماذا لم يرخص لها؛ لأنا نتحقق أنها لا تحبل، الآيسة التي عمرها فوق الخمسين لا يقال: أنها حاملة من الآن ولا تتهم بحمل، فلماذا لا يرخص لها بعد شهر أو بعد نصف شهر؟

الجواب: الحكمة تمكين الزوج من المراجعة، جعل له هذه المدة ثلاثة أشهر أو ثلاث حيض رجاء أن يتأسف فيراجع؛ ولأجل ذلك في هذه المدة في مدة ثلاث حيض وفي مدة ثلاثة أشهر تبقى في بيته، إذا كان الطلاق واحدة أو اثنتين حتى تنتهي عدتها بالأشهر أو بالحيض، ولعله أن يتأسف فيراجع، هذا هو الحكمة أنه شرعت العدة ثلاثة أشهر وثلاث حيض لتمكين الزوج من الرجعة.

وإذا قيل: إن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها ولا يمتكن من رجعتها، ومع ذلك فإنها تعتد ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر؛ ولعل السبب أن يُجرَى الطلاق على نمط واحد سواء الرجعية أو غير الرجعية، أن تكون كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر، سواء كان يمكن رجعتها أو لا يمكن رجعتها كالبائن، فهذه هي الحكمة.

الخامسة: من ارتفع حيضها ولا تدري سببه، تعتد سنة؛ يعني قد يتوقف حيضها وعمرها ثلاثون أو عشرون أو أربعون ولا تدري، ففي هذه الحال إذا طلقت مكثت سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة؛ وذلك لأن هذا هو الغالب غالب الحمل تسعة أشهر، والعدة للتي يئست ثلاثة أشهر؛ سنة تسعة وثلاثة هذه اثنا عشر شهرا هذا إذا لم تعلم.

أما إذا علمت، قالت: نعم ارتفع حيضي لأني أتعاطى حبوب المنع، فعند ذلك تترك الحبوب حتى ترجع إليها الحيض، قد يرتفع الحيض بسبب هذه الحبوب سنة أو نصف سنة قد علمت السبب، فلا تزال في عدة إلى أن ترجع إليها الحيض؛ لأنها علمت السبب.

وقد يكون السبب أيضا الرضاعة، ذكر أن رجلا من الصحابة طلق امرأته، ولما طلقها كان معها بنت ترضعها استمرت ترضع ولم تحض، مر عليها سنة ونصف سنة، ما حاضت لأن المرضع لا تحيض؛ ينقلب الدم لبنا، هذه عادة النساء قديما، لما كانت المرأة تحن على ولدها لا تحيض ما دامت ترضع، فتلك المرأة مكثت سنة ونصف، مرض زوجها مع أنه قد طلقها، فقال: أخشى أنها ترث مني وأنا طلقتها من سنة ونصف، أريد أن آخذ ابنتي، فأخذ ابنته وجعل لها مرضعة، ومع ذلك مات قبل أن تحيض ثلاث حيض، فورثت منه.

عرف بذلك أن الرضاع يمنع ويرفع الحيض، فإذا علمت ما رفعه لم تزل في العدة إلى أن يرجع الحيض، وذلك بفطام المولود أو بترك إرضاعه؛ هذا معنى ( وإن علمت فحتى يعود ) الآن علمت أن الذي رفع حيضها هو الرضاع.

وقد يرتفع بسبب مرض، المريضة لمرضها، لضعف بنيتها يتوقف الحيض، فهي تعرف أن الذي رفعه هو هذا المرض أو هذه الحبوب أو هذا الرضاع، فلا تزال في العدة إلى أن يرجع إليها حيضها بزوال ذلك المعنى.

السادسة: امرأة المفقود؛ المفقود الذي ذهب وفقد وانقطع خبره، وهو قسمان:

الأول: من الغالب على غيبته الهلاك وهذا ينتظر أربع سنين، والثاني: من الغالب على غيبته السلامة وهذا ينتظر تمام تسعين سنة منذ ولد حتى يتحقق أنه مات.

يقول:( المفقود بمهلكة أو من بين أهله ولم يعلم خبره تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة ) وقع ذلك في عهد عمر رضي الله عنه رجل خرج بالليل في ليلة مظلمة، ثم فقد ولا يدرى أين ذهب، وبقي يسألون عنه ولا يدرون أين هو؟ مكثت امرأته أربع سنين فسخها عمر رضي الله وتزوجت، ثم رجع بعد أربع سنين وسألوه، فقال: استهوتني الجن.

يقول: اختطفه الجن، ولما اختطفوه ذهبوا به في مكان لا يدري أين هو بعيد أو قريب؟ في مكان لا يحس فيه بشيء، ويقول: لا أرى إلا أعاصير؛ يعني مثل الرياح الشديدة، وبقي عندهم أسيرا يطعمونه طعام قوت مما يأخذونه ليس كطعامهم، وكانوا جنا كفارا.

ثم غزاهم جن مسلمون وانتصروا عليهم ووجدوا هذا أسيرا عندهم، فقالوا: أنت مسلم ولا يحل لنا أن نسترقك، فلك الخيار إما أن تبقى معنا معززا مكرما، وإما أن نردك إلى أهلك، فقال: بل ردوني إلى أهلي، يقول: فأصبحت في طرف المدينة، فخيره عمر رضي الله عنه: أتريد أن تفسخ زوجتك من زوجها وترد إليك، أم تريد صداقها؟ فقال: بل أريد صداقها ولا حاجة لي فيها.

فهذا الغالب عليه الهلاك.

لأن الإنسان إذا فقد في الليل الغالب أنه قد اغتيل، أن هناك من اختطفه وقتله، فإذا مرت أربع سنين ولم يعهد له على خبر، ما عثر عليه غلب على الظن هلاكه.

ومثله الذي فقد في معركة؛ معركة قتال، وقع قتال بين المسلمين والكفار ولم يعثر عليه، لا حيا ولا ميتا، ينتظر أربع سنين.

ومثله أيضا: الذين انكسرت بهم السفينة كانت السفن من خشب أحيانا تنكسر في لجة البحر، فيركب بعضهم على ألواح إلى أن يصل إلى جزيرة، فلا يدرى هل هو مع الذين غرقوا أو مع الذين نجوا، ينتظر أيضا أربع سنين، إذا مضت قُسّم ماله واعتدت زوجتُه، بعدما تمضي أربع سنين تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، هذا الذي يغلب على الظن هلاكه.

الثاني: الغيبة التي ظاهرها السلامة أنه سليم مسافر؛ سافر إلى الصين وانقطع خبره مثلا، أو سافر إلى الروس وانقطع خبره، سافر إلى بلاد نائية ولم يعهد عليه ولم يعثر عليه، فماذا تفعل زوجته؟

فيه قولان: قول أنها تبقى دائمة إلى أن تموت وهي في ذمته لا تعتد ولا تتزوج. ولا شك أن في هذا ضررا عليها.

والقول الثاني: أنها تبقى إلى أن يتم عمره تسعون سنة إذا كمل تسعين سنة من ولادته، فإنه يُقسم ماله وتعتد زوجتُه؛ لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من تسعين سنة، ولكن في هذه الحالات للقاضي أن يتدخل؛ لأنها قد تتضرر أن تبقى مثلا خمسين سنة ستين سنة وهي معلقة - لا أيم ولا ذات زوج- للقاضي أن يفسخ النكاح، فيحكم يقول: بموجب غيبة فلان وطول غيبته وانقطاع خبره فسخت امرأته فلانة، وأبحت لها بعد العدة أنها تتزوج، فإذا فسخها اعتدت ثلاثة قروء عدة، أو قرءا واحدا، أو اعتدت عدة وفاة.

يقول:( لو خرجت المرأة لسفر - حج أو غيره - توفي زوجها وهي في السفر - سفر حج في نصف الطريق أو سفر نزهة مثلا أو سفر نقلة أو سفر تجارة أو نحو ذلك - وتوفي وهي في الطريق في هذه الحال ترجع إذا كانت قريبة إلى منزله حتى تعتد في منزله، لترقد تقضي العدة في منزله؛ لأنها مأمورة بأن تمكث في بيته ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾1 ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ﴾9 .

أما إذا كانت بعيدة؛ مات وهي في مكة، فالصحيح أنها تكمل حجها ولو كانت حادة؛ لأن عليها مشقة أن تترك الإحرام مثلا أو تترك الحج وقد تجشمت مشقة، فإذا تمت حجها رجعت إلى منزلها وكملت عدتها في بيتها.

لو أسلمت امرأة الكافر، أسلمت وهو كافر أو ارتد زوجها وهي مسلمة بعد الدخول، في هذه الحال لها نفقة العدة، إذا أسلمت فرق الإسلام بينهما، وكذلك لو ارتد فرق الإسلام بينهما، فيلزم أن ينفق عليها مدة عدتها؛ لأنها ماكثة بسببه محبوسة بسببه ولو كان كافرا.

( وعكسه بعكسه ) إذا كانت هي التي ارتدت أو مثلا أسلم وهي لم تسلم؛ أسلم كافر وبقيت لم تسلم، فلا نفقة لها سوى أن أسلم وهي كافرة أو كانا مسلمين وكفرت، ارتدت فلا عدة لها؛ يعني لا نفقة لها زمن العدة. نواصل غدا إن شاء الله، والله أعلم.

س: أحسن الله إليكم. فضيلة الشيخ، ذكر المؤلف في درس الأمس رحمه الله قوله:( فإن مات قبل القرعة فالورثة مثله ) نرجو توضيح هذه العبارة، أحسن الله إليكم.

ج: يقولون: إذا طلق واحدة ونسيها استعمل القرعة إذا قرعت واحدة فهي التي تكون قد خرجت من ذمته، لو مات قبل القرعة بأن طلق مثلا في الشهر الأول في شهر محرم، ومات في شهر جُمادى وكان له زوجتان: إحداهما مطلقة لا يدري الورثة أين هي، فإن الورثة يستعملون القرعة، يخرجون واحدة بالقرعة لا ترث ولا تحد.

س: أحسن الله إليكم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( وغير المدخول بها تبينها الواحدة وتحرمها الثلاث ) أشكلت علينا.

ج: غير المدخول بها إذا طلقها قبل أن يدخل بها طلقة واحدة بانت، أي: بينونة صغرى، لا يملك رجعتها؛ لأنه لا عدة لها، ولكن لو جمع الثلاث لو قال: أنت طالق ثلاثا حرمت؛ ( تحرمها الثلاث ) فلا تحل له إلا بعد زوج، وأما إذا قال: طالق ثم طالق فإن الأولى تبينها، ولا تلحقها الثانية.

أحسن الله إليكم. نعتذر من بعض بقية الأسئلة لانتهاء وقت الدرس.

1 : سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:1
2 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:228
3 : سورة الأحزاب (سورة رقم: 33)؛ آية رقم:49
4 : سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:4
5 : أبو داود : النكاح (2157) , والدارمي : الطلاق (2295).
6 : الترمذي : النكاح (1131) , وأبو داود : النكاح (2158).
7 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:234
8 : البخاري : الوضوء (228) , ومسلم : الحيض (333) , والترمذي : الطهارة (125) , والنسائي : الحيض والاستحاضة (366) , وأبو داود : الطهارة (282) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (624) , وأحمد (6/204) , ومالك : الطهارة (137) , والدارمي : الطهارة (774).
9 : سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:6