موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الرجعة - شرح التسهيل في الفقه (الجزء الرابع)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح التسهيل في الفقه (الجزء الرابع) لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
شرح التسهيل في الفقه (الجزء الرابع) - كتاب الرجعة
كتاب الرجعة

كتاب الرجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى: كتاب الرجعة.

مَنْ طَلَّقَ دُونَ مِلْكِهِ بِلَا عِوَضٍ فَلَهُ رَجْعَةُ اَلْمَدْخُولِ بِهَا مَا دَامَتْ فِي اَلْعِدَّةِ برَاجَعْتُ، أَوْ أَمْسَكْتُ وَنَحْوِهِ، وَبِالْوَطْءِ، وَفِي نَكَحْتُ، وَتَزَوَّجْتُ، وَجْهٌ، بِلَا وَلِيٍّ وَلَا رِضَاهَا، وَهِيَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا اَلطَّلَاقُ، وَالظِّهَارُ، وَالْإِيلَاءُ، وَتَعُودُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ اَلطَّلَاقِ ِ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ، ولَا تُعَلََّقُ اَلرَّجْعَةُ، وَلَا تَصِحُّ فِي اَلرِّدَّةِ، وَتُسْتَحَبُّ فِي اَلْبِدْعِيِّ، وَيُقَدَّمُ قَوْلُهَا فِي اِنْقِضَاءِ عِدَّتِهِا مَا اِدَّعَتْ مُمْكِنًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

ذكر العلماء أن عند النصارى لا طلاق، فمتى تزوج المرأة تعلقت بذمته، ولم يقدر أن يتخلص منها، ولا تقدر أن تتخلص منه، بل تمكث معه مدى حياتهما، وأما عند اليهود متى طلق فلا رجعة بمجرد أية طلقة لا تحل له، بل تحرم عليه، هذا دين اليهود الأساس.

جاء الإسلام بإباحة الطلاق، ولو كان أبغض الحلال، ولكن يكون فيه تخليص كل من الزوجين إذا ساءت العلاقة بينهما، وجاء أيضا بالرجعة، وهذا من سماحة هذا الدين؛ وذلك لأنه قد يحقد على امرأته في وقت من الأوقات فتسوء العشرة فيطلقها، وإذا طلقها تمكن من رجعتها مدة العدة، فإنه قد يندم أو يتأسف أحدهما فيكون لهما فسحة في هذه المراجعة.

وإذا انتهت عدتها والطلاق بائن بينونة صغرى تمكن أيضا من خطبتها، ونكاحها نكاحا جديدا، فإذا طلقها واحدة فإنها تمكث عنده، في بيته، وتتجمل له، وتتكشف أمامه على أنه يراجعها، فإذا راجعها عادت إلى ذمته، وإذا تحمل وصبر، وانتهت العدة ملكت نفسها.

ولكن لو تراضيا بعهد ذلك حلت له بعقد جديد، ولكن يذهب عليه طلقة، ويبقى طلقتان، فإذا طلقها الثانية مكثت عنده مدة العدة ولها أن تتجمل أمامه وتتكشف، فإذا غلبته نفسه وراجعها في زمن العدة حلت له، فإذا تحامل وملك نفسه ولم يراجعها حتى انتهت عدتها من الطلقة الثانية ملكت نفسها، حلت لغيره، وحلت له إذا أرادها وتراضيا بعقد جديد أيضا، ولكن قد ذهب عليه طلقتان وبقيت له طلقة، فينكحها بهذه الطلقة.

فإذا ساءت العلاقة بينهما، وطلقها الثالثة عرف بذلك سوء الصحبة وعدم الوئام بينهما، فأصبحت بائنا منه بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد زوج.

فعندنا الرجعية التي في العدة بعد الطلقة الأولى، أو في العدة بعد الطلقة الثانية تسمى رجعية، وعندنا البائن بينونة صغرى التي اعتدت بعد طلقة أو اعتدت بعد طلقتين، بينونتها صغرى؛ بمعنى أنها تحل له بعقد جديد وتحل لغيره.

وعندنا البينونة الكبرى؛ التي طلقت ثلاثا فهذه لا تحل له إلا بعد زوج.

والحكمة في ذلك عدم التلاعب بالطلاق؛ ذكرنا بالأمس أنهم كانوا قبل الإسلام يطلق أحدهم ما شاء، يطلق ثم يراجع ثم يطلق ثم يراجع ولو عشر مرات.

ولا شك أن في ذلك إضرارا، والله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾1 ويقول: ﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾2 فحدد له ثلاث طلقات، لكن قد يشدد على نفسه فيجمع الثلاث، وإذا جمعها أصبحت واقعة على قول الجمهور، وحرم نفسه الرجعة.

وإذا طلق طلاق السنة واحدة، تمكن من الرجعة، أو تمكن من العقد الجديد بعد العدة، وهكذا إذا طلق ثانية تمكن من الرجعة زمان العدة وتمكن من عقد جديد بعد العدة.

فالرجعة: إعادة المطلقة إلى العصمة؛ إعادتها بعد أن أوقع عليها طلقة أو طلقتين، فيستحق إعادتها؛ دليليه من القرآن قول الله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾3 يعني البعل: هو الزوج، أحق بردها ما دامت في العدة؛ لأن الله تعالى ذكر الطلقتين وذكر العدة، ذكر العدة في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾3 ما خلق الله من حمل أو من حيض ونحو ذلك: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾3 ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾4 يعني الطلاق الرجعي مرتان، ثم قال بعد ذلك: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾5 يعني: الثالثة ﴿ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾5 .

يقول: من طلَّق دُونَ ملْكِه بِلَا عِوَضٍ فَلَهُ رَجْعَةُ اَلْمَدْخُولِ بِهَا مَا دَامَتْ فِي اَلْعدَّةِ، أي: دون ملكه، الحر يملك ثلاثا، فإذا طلق دون ملكه طلق واحدة فله رجعتها، طلق اثنتين دون ملكه فله رجعتها، أما إذا طلق الثلاث التي نهاية ملكه فإنه تحرم عليه هذا معنى "دون ملكه".

بشرط أن يكون الطلاق بلا عوض، المطلقة بعوض، ماذا تسمى؟ المختلعة، المخالعة؛ وهي التي تشتري نفسها من زوجها بمال، أعطيك ألفا وخلِّ سبيلي، أنا قد مللت صحبتك وأريد التخلص، أنا أشتري نفسي بألف أو بعشرين ألفا، فإذا بذلت مالا وقبضه ورضي ملكت نفسها.

ففي هذه الحال هذا الفراق بعوض ولا يقدر على الرجعة؛ لأنها ما بذلت المال إلا للتخلص ولو كان يملك رجعتها ما نفعها ذلك المال الذي افتدت به نفسها.

فالمختلعة لا رجعة عليها، ولكن لو تراضيا بدأت من جديد، لو ندمت وقالت: قد ندمت أريد العودة في هذه الحال لا بد من عقد جديد.

والجمهور على أن الخلع لا يحسب من الطلاق إذا قال: خالعتها بمائة، بألف، بعشرة آلاف وقبض العوض، فلا ينقص عدد الطلاق الذي يملك، ثم لو نكح بعد ذلك نكاحا جديدا ثم خالعته مرة أخرى، فإنها يحل لها ذلك وتملك نفسها ولا ينقص ما يملك من الطلقات.

ثم لو نكحها نكاحا جديدا ثم خالعها مرة ثالثة جاز ذلك وجاز له بعد ذلك أن ينكحها مرة رابعة وخامسة، فالخلع لا يعد طلاقا وإنما يعد فسخا.

ثم غير المدخول بها لا عدة لها فلذلك لا يملك رجعتها، لو عقد عليها وبعدما عقد عليها طلقها قبل الخلوة وقبل الدخول فهل يراجعها؟ لا رجعة؛ لماذا؟ لأنه لا عدة لها، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾6 فأخبر بأن المطلقة قبل الدخول لا عدة لها؛ ولهذا تملك نفسها، ولا يستطيع أن يراجعها بعد الطلاق ولو بعده بساعة، إنما تحل له برضاها بعقد جديد.

الرجعة: زمن العدة إذا كانت العدة ثلاثة قروء فله رجعتها في هذه الثلاثة، واختلف في القروء، والمذهب أنها الحيض، إذا طلقها ثم حاضت وطهرت فهي في العدة، حاضت الثانية وطهرت فهي في العدة، حاضت الثالثة فهي في العدة، إذا طهرت من الحيضة الثالثة وراجعها قبل أن تغتسل فهل تصح الرجعة بعد الطهر وقبل الاغتسال، في ذلك خلاف، والأقرب أنه يقدر.

وقع ذلك في عهد بعض الصحابة؛ طلق رجل امرأته وتركها حاضت الحيضة الأولى طهرت، حاضت الثانية طهرت، حاضت الثالثة، ولما خلعت ثيابها وقربت ماء لتغتسل طرق الباب وقال: يا فلانة إني قد راجعتك. قالت: إني قد طهرت من الحيضة الثالثة، هل اغتسلتِ؟ قالت: لا، سأل بعض الصحابة، فقالوا: تقدر على ردها لك رجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

وقيل: إن القروء هي الأطهار، فعلى هذا فإذا طهرت الطهرة الثانية حوت الحيضة الثالثة دخلت فيها انتهت عدتها، وملكت نفسها.

كيف يراجع إذا قال: راجعتك. فهذه رجعة، أو أمسكتك، أو أعدتك إلى ذمتي، أو نحو ذلك، ولكن الصحيح أنه لا بد من شهود، كما ذكر عن عمرو بن العاص؛ سأله رجل إني طلقت امرأتي بدون شهود وإني راجعتها بدون شهود، فقال: طلقت لبدعة وراجعت لبدعة، أشهد على طلاقك وعلى رجعتك.

الله تعالى أمر بالإشهاد على الطلاق في سورة الطلاق، قال: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾7 يعني أشهدوا على الطلاق.

وكذلك أيضا على الرجعة، شهود عقد النكاح واجب، يقول صلى الله عليه وسلم: « لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل »8 فإذا كان شهود عقد النكاح اثنين فكذلك شهود الطلاق، عند الطلاق ...: اشهد يا فلان وفلان أني طلقت امرأتي فلانة، وكذا الرجعة اشهد يا فلان وفلان أني راجعت امرأتي.

وإذا راجعها بشهود رجعت إلى ذمته إذا قال: اشهدوا أني راجعتها أو أني أعدتها إلى عصمتي أو أني أمسكتها أو أنها امرأتي، فإن هذه رجعة، اللفظ الذي يدل على مراجعة: راجعتها أمسكتها أخذتها رددتها وما أشبه ذلك.

وهل تحصل الرجعة بالوطء؟ الصحيح أنها تحصل؛ لأنهم يقولون: تبقى الرجعية في بيته، تبقى كأنها امرأة من نسائه تتجمل أمامه، فإذا اندفع وجامعها فإنه يعتبر قد راجع، ولو أنه ما أشهد؛ لأن الجماع لا يصح إلا للزوجة، فيكون جماعه لها رجعة، ولا تحصل الرجعة بتقبيل أو بلمس ونحو ذلك، إنما تحصل بالوطء.

يقول: " وفي نكحت وتزوجت وجه " هل تعد رجعة إذا قال نكحتها أو زوجتها؟ فيها وجهان أو قولان؛ ولعل الأقرب أنها تكون رجعة، وما ذاك إلا أنه يصدق عليه أنه يريد بـ" تزوجت " يعني أعدتها كزوجة، إذا كانت مثلا اسمها سعاد، فقال: تزوجت سعاد، وهو قد طلقها وهي معتدة فإنها تعود.

كذلك إذا قال: نكحتها، فإنها أيضا تعود؛ لأن النكاح له معنيان: العرب تفرق إذا قالوا: نكح امرأته أرادوا الوطء، وإذا قالوا: نكح بنت فلان أرادوا العقد، فعلى هذا إذا قال في الرجعية: نكحتها، اشهدوا أني نكحتها أني تزوجتها، فالصحيح أنها ترجع.

وهل تحتاج إلى ولي؟ الرجعة لا تحتاج إلى ولي، يراجعها ولو لم يكن الولي حاضرا، لكن بعض الناس إذا طلقها أرسلها إلى أهلها، هذا خطأ، عليه أن يبقيها، لقوله: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾9 ثم إذا أرسلها إلى أهلها وندم فقد يشهد، اشهد يا فلان وفلان أني راجعت امرأتي ولا يخبر أهلها، فتبقى في عدتها ويتقدم لها خاطب فيعقدون لها، ثم يأتي بعد العقد ويقول: إني قد راجعت، لماذا لم تخبرنا؟ قد أملكنا لها على زوج جديد، أنت أخطأت، لماذا لم تخبرنا لما كانت في العدة؟ ففي هذه الحال يظهر أنه لما لم يخبرهم أنه... لهم أن يزوجها بناء على أنها قد انتهت عدتها.

ولكن إذا أخبرهم ولو بعد انتهاء العدة قبل أن يزوجها وأتى ببينة فإنها ترجع إليه، هكذا بلا ولي ولا رضاها، لو ما رضيت وقالت: أنا لا أريده أنا فرحت بالطلاق، لكنه راجعها فإنها تعود إليه.

اشترط الله شرطا وهو الإصلاح في قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾3 فنقول له: أنت أحق بها ولكن عليك ألا تضارها، لا تراجعها إلا إذا كنت تريد الإصلاح؛ إصلاح حالك وحالها وصحبتها وعشرتها بالمعروف والإحسان إليها وعدم المضارة.

أما إذا راجعها لأجل المضارة ولأجل إغاظتها ولأجل إهانتها فإنه آثم، ولو كانت ترجع إليه وهي زوجة يلحقها الطلاق والظهار والإيلاء.

الرجعية زوجة؛ لأنها باقية في بيته، يلزمه أن ينفق عليها مدة العدة ينفق عليها، وإذا كان له زوجتان قسم لها، يبيت عندها إلا أنه يتعفف عن وطئها؛ لأن وطئها يكون رجعة.

كذلك أيضا لو طلقها في زمن العدة فهل تقع الطلقة؟ تقع ثانية، إذا طلقها مثلا في أول شهر ربيع الأول، ثم مكثت عنده ثم في شهر ربيع الثاني طلقها ثانية وقعت، بقيت عنده في شهر جمادى الأولى طلقها طلقة أخرى وقعت، فلحقتها الطلقتان بعد الأولى أصبحت طلقها ثلاثة، ولو أن الطلقة في زمن العدة في زمن تمكنه من الرجعة.

هكذا الرجعية زوجة تقع بها الطلقة، يلحقها الطلاق ويلحقها الظهار ويلحقها الإيلاء .

لو قال لها: أنت علي كظهر أمي أنت علي كظهر أو كبطن أو كفرج أختي أو بنتي، أليس هذا ظهارا؟ يلحقها، فلو قال: اشهدوا أني قد راجعت امرأتي، ولكني قد حرمتها كظهر أمي. فنقول له: عليك كفارة الظهار ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾10 ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾11 لحقها الظهار؛ لأنها شبيهة بالزوجة.

كذلك يلحقها الإيلاء الذي هو الحلف، الإيلاء: هو أن يحلف على ترك وطء امرأته مدة طويلة؛ كسنة أو نصف سنة أو نحو ذلك، فإذا حلف ومضى أربعة أشهر فإن المرأة تطالبه؛ إما أن تفيء وإما أن تطلق، إما أن يفيء بأن يكفّر ويطأها، وإما أن يكفر عن يمينه وترجع إلى ذمته، وإما أن يفارقها.

يلحق الرجعية الإيلاء المذكور في قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾12 إذا راجعها تعود على ما بقي من طلاق، إذا طلقها واحدة وراجعها فكم بقي له؟ اثنتان، تعود على ما بقي أي: اثنتين.

لو طلقها ثم راجعها ثم طلقها طلقة ثانية، ثم راجعها تعود على ما بقي، ما بقي له إلا واحدة.

لو قدر مثلا أنه طلقها وتركها واعتدت بعد الطلقة ونكحت زوجا غيره وطلقت وتراضيا وأعادها بعقد جديد، فكم يملك؟ هي قد تزوجت زوجا بعده في هذه المدة، فهل زواجها الذي تزوجته ودخل بها ذلك الزوج، هل يهدم الطلقة الماضية أو الطلقتين أو لا يهدمه؟ الصحيح أنه لا يهدم؛ بل تعود على ما بقي.

إنما الذي يهدم الثلاثة؛ إذا طلقها واحدة وتركها واعتدت ونكحت زوجا غيره وطلقها الزوج الثاني، ثم خطبها هو ونكحها بعد طلاق ذلك الزوج، ما بقي له إلا طلقتان.

ثم طلقها الطلقة الثانية واعتدت ونكحت زوجا آخر وطلقت، وتراجعا بأن خطبها ورجعت إليه، فكم يملك؟ ما بقي له إلا واحدة، ولو أنها قد تزوجت ثم طلقت، فطلاقها الثاني لا يهدم الطلقات التي قبلها.

أما إذا طلقها الثالثة ثم تزوجت ثم طلقت، فإن زواج الثاني الذي بعد ثلاث طلقات يهدم الطلقات الثلاث، إذا عادت إليه ملك ثلاثا، فهذا معنى قوله:" ولو بعد زوج" أي ولو نكحها أو راجعها أو نكحها بعد زوج.

يقول:"ولا تعلق الرجعة" كيفية التعليق على شرط؛ بأن يقول مثلا: أشهدكم إن سلمت من مرضي فقد راجعت امرأتي؛ هذه رجعة معلقة، أو إن قدم غائبي أشهدكم أني قد راجعتها، أو إن ربحت في هذا الشهر كذا فاشدوا أني قد راجعتها، أو إن رضي فلان وفلان، إن رضيت زوجتي الأخرى اشهدوا أني قد راجعت امرأتي المطلقة، هذه رجعة معلقة، فلا تصح.

كما أن النكاح لا يصح مع التعليق، بأن يقول مثلا: إن رضيت ابنتي فهي زوجتك، زوجتك ابنتي إن رضيت، أو إن رضيت أمها، لا بد أن تكون الرجعة منجزة لا معلقة.

ولا تصح في الردة، هكذا ذكروا، لا تصح في الردة، تكون الردة من الزوج، فلو ارتد فإن زوجته تحرم عليه، لو ارتد وكان قد طلق، فقال وهو مرتد: اشهدوا أني راجعت امرأتي، لا ترجع؛ لأنه كفر والكافر لا يحل له المسلمة: ﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾13 .

وكذا لو ارتدت كفرت بعد الإسلام، وكانت قد طُلقت يعني قد طلقها فهل يراجعها وهي مرتدة؟ لا تحل له يعني أنها تعتبر كافرة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾13 الكافرات، فلا تصح في الردة سواء المرتد هو الزوج أو المرتد هو الزوجة.

"وتستحب في البدعي" أي الطلاق البدعي، الطلاق في الحيض طلاق بدعي، فيستحب الرجعة؛ لما طلق عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته وهي حائض، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر »14 فهذا الأمر هل هو للوجوب؟ إنما هو للاستحباب؛ لأنه قد لا يريدها، فإذا طلقها في الحيض طلاقا بدعيا استحب أن يراجعها.

وكذا لو طلقها في طهر قد جامعها فيه، طلاق بدعي فيستحب أن يراجعها وألا يطلقها إلا طلاق سنة؛ هذا معنى "تستحب في البدعي".

" وَيُقَدَّمُ قَوْلُهَا فِي اِنْقِضَاءِ عِدَّتِهِا مَا اِدَّعَتْ مُمْكِنًا" هي مأمونة على نفسها، فإذا ادعت ممكنا فإنها تصدق؛ لأنه لا يعرف إلا من قِبَلها؛ رجل طلق امرأته ولما مضى شهر جاءت إلى علي رضي الله عنه، وقالت: قد انقضت عدتي قد حضت ثلاث حيضات، فتوقف في ذلك، ثم سأل شريحا القاضي، فقال شريح: إن جاءت ببينة عاجلة من أهلها وإلا فهي كاذبة، فقبل ذلك علي. الله تعالى يقول: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾3 .

لا يعرف الحيض إلا من قبلها، ولا يعرف الحمل إلا من قبلها، فإذا ادعت أنها انتهت عدتها بزمن ممكن قُبل، وأقلُّه شهر؛ يمكن أنه في اليوم الذي طلقها حاضت حيضة، وطهرت بعد يوم، وبقيت في الطهر ثلاثة عشر يوما، وحاضت الحيضة الثانية في اليوم الخامس عشر، وطهرت في اليوم السادس عشر، وبقيت في الطهر إلى اليوم الثامن والعشرين، ثلاثة عشر يوما، وحاضت في اليوم التاسع والعشرين وطهرت في اليوم الثلاثين، فتكون حاضت ثلاث مرات؛ في اليوم الأول وفي اليوم الرابع عشر وفي اليوم التاسع والعشرين في شهر واحد، هذا ممكن، وإن كان نادرا.

فإذا ادعت انقضاء عدتها في زمن ممكن إذا ادعته ممكنا قُدِّمَ قولها، فإذا كذبها فإن الأمر إليها، إذا قال الزوج: أنا أعرفها أنها لا تحيض إلا في الشهر مرة واحدة وأن حيضها أسبوع، فكيف مع ذلك حاضت في هذا الشهر ثلاث حيضات وصارت حيضتها يوما واحدا؟ إذا ادعت ممكنا وجاءت ببينة من صالح نسائها قُبل ذلك منها.

1 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:231
2 : سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:6
3 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:228
4 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:229
5 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:230
6 : سورة الأحزاب (سورة رقم: 33)؛ آية رقم:49
7 : سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:2
8 :
9 : سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:1
10 : سورة المجادلة (سورة رقم: 58)؛ آية رقم:3
11 : سورة المجادلة (سورة رقم: 58)؛ آية رقم:4
12 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:226
13 : سورة الممتحنة (سورة رقم: 60)؛ آية رقم:10
14 : البخاري : الطلاق (5252) , ومسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1176) , والنسائي : الطلاق (3390) , وأبو داود : الطلاق (2179) , وابن ماجه : الطلاق (2019) , وأحمد (2/43) , ومالك : الطلاق (1220) , والدارمي : الطلاق (2263).