حديث رافع هذا حديث مثل ما تقدم
«
ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
»1
ليس: اسثناء "ليس السنَ والظفرَ" يصلح "ليس السنُ والظفرُ" على أنه اسم ليس، لما سئل عن السن قال:
«
أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة
»1
مثل ما تقدم أن الواجب إنهار الدم؛ ولهذا اختلف العلماء في الذبح في الحلقوم والمريء والودجان.
فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا بد من قطع الحلقوم والمريء -الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، والودجان العرقان المحيطان بالعنق- قالوا: لا بد من قطع هذه الأربعة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفي قطع الودجين، وذهب آخرون إلى أنه يكفي قطع الودجين مع الحلقوم والمريء، وقيل يكفي ثلاثة من أربعة.
والأظهر -والله أعلم- ما دل عليه الخبر أنه ما أنهر الدم، فإذا حصل إنهار الدم بقطع الودجين فإنها تحل، لكن الأكمل هو قطع الحلقوم والمريء؛ ولأنه في الحقيقة سبب الميتة،
وتحريم الميتة: هو انحباس الدم، فإذا خرج الدم ذهب مُوجِبُ التحريم، والموجب لإفساد الذبيحة أو الشاة هذه ونحوها، وهو خروج الدم وانحباس الدم؛ ولهذا هذه الكلمة كلمة جامعة
«
ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
»1
هذا معلق بشرط، وأن ذكر اسم الله واجب كما تقدم، لكنه يسقط عند النسيان، أو أنه عند النسيان لا بأس به سواء في الذبيحة أو في السهام أو في الكلاب أو في الطيور أيضا؛ لأن الصيد يكون بالطير، ويكون بالكلاب ويكون بالطيور.
ثم في قوله تعالى:
﴿
مُكَلِّبِينَ
﴾2
هذه مشتقة من الكلْب أو من الكلَب، فإن كان مشتق من الكلْب فيكون الصيد خاصا بالكلب، ولا يحل صيد الفهود والنمور ولا يحل صيد الطيور، وإن قيل من الكلَب بالفتحات وهو من التكليب وهو الإغراء وهو الأظهر لأن قوله
﴿
مُكَلِّبِينَ
﴾2
أي معلمين يعني مغرين لها، وإذا كان هذا الكلب وهو من التكليب من التعليم قد تعلم الصيد، والذي يتعلم الصيد هو: الذي إذا أغريته انطلق، وإذا زجرته قعد ورجع، وإذا أمسك لم يأكل. بهذه الشروط الثلاثة. أما الشرطان الأولان فمتفق عليهما. أما الشرط الثالث ففيه خلاف: الجمهور على أنه شرط كما تقدم خلافا لمالك.
إذا أطلقه انطلق، وإذا زجره رجع، وإذا أمسك لم يأكل، وهذا يشمل الكلب ويشمل غيره السلب ونحوها من الكلاب، كذلك أيضا ما يتعلم؛ إن كان مثلا الفهود والنمور يمكن تعليمها فإنها كذلك، هذا ويُسأل عنها الخبرة، فإن كان يمكن أنها تتعلم وتتدرب وتتلقى التدريب على الصيد ويثبت فيها هذه الشروط الثلاثة حلَّ صيدُها، وإن كان لا يمكن تعليمها فلا يحل صيدها؛ فالمُعَوَّل عليه على التكليب فما تعلم من هذه الحيوانات من كلب أو غيره وإلا فلا؛ إنه هناك أنواع لا يمكن أن تتعلم كالفيل ونحوه.
واختلف في الطيور مثل الصقر ونحوه في هل يحل؟ قيل: إنها تدخل؛ لأنها من التكليب وهو التعليم، وجاء في رواية عند أبي داود:
ما علمت من كلب وباز
والباز يشمل جميع سباع الطير، لكن هو ضعيف حديث ... سعيد عن الشعبي، لكن دلالة عموم الآية يشهد له كما تقدم.
فعلى هذا مثل ما تقدم أنه
«
ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل
»1
وأن العبرة على إنهار الدم
«
ليس السن والظفر أما السن فعظم
»1
وفيه خلاف كثير في: هل هي خاص بمجرد السن؟ أو أنه عظم يشمل جميع أنواع العظام؟ وهذا هو الأظهر، يشمل جميع أنواع العظام، فالعظم لا تحل ذكاته؛ لأنه إن كان عظم مأكول اللحم فالتذكية هذه تنجسه؛ لأنه طعام إخواننا من الجن، وإن كان عظم ميتة فهو نجس على قول الجمهور، وإذا كان نجس فلا تحصل الذكاة بنجس.
فهو إما أن يكون طاهرا فلا يجوز تنجيسه، وإما أن يكون نجسا فلا تجوز التذكية به؛ ولهذا علل قال:
«
السن فعظم
»1
وقوله: "عظم" هذا تعليل لا بد أن يكون مقصودا، وليس المقصود من جهة أنه خاص بالسن وأنه لا يذكى بالسن وحده.
«
وأما الظفر فمدى الحبشة
»1
يظهر والله أعلم أن الظفر مدى الحبشة؛ يعني مدى خاص بهم، وإلا فالحبشة يذبحون بالسكين؛ فلا يقال لا يحل الذبح بالسكين، لكن مدى الحبشة يعني أنهم اختصوا بالذبح بالظفر، وقيل الظفر نوع من الطين لكن الأظهر أنه ظفر، وأن الظفر لا يحل الذكاة به؛ لأنه لا يحصل به فري الأوداج ولا يحصل به المقصود؛ فلهذا أيضا هو في الحقيقة فيه تشبه بالحبشة؛ ولهذا قال: فمدى الحبشة، فهو مدية خاصة بهم. أما السكين فليست خاصة بهم، فهم يذبحون بها، لكن السكين لهم ولغيرهم؛ فنص على ظفر لخصوصهم بها. نعم.