|
حديث: من بدل دينه فاقتلوه
وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- في رجل أسلم ثم تهود: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-. فأمر به فقتل. متفق عليه. وفي رواية لأبي داود: وكان قد استتيب قبل ذلك.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«
من بدل دينه فاقتلوه
»1
رواه البخاري.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-
«
أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، فلما كانت ذات ليلة أخذ المعول فجعله في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ألا اشهدوا فإن دمها هدر
»2
رواه أبو داود ورواته ثقات.
حديث معاذ المتقدم متفق عليه، ورواية: (وكان قد استتيب) رواية عند أبي داود وهي جيدة، وجاء عند أبي داود أنه ما استتابه؛ لكنه ضعيف من رواية المسعودي.
الحديث الآخر لابن عباس: الرجل اللي كانت له جارية وهو الأعمى حديث صحيح أو حسن، من رواية عثمان الشحام عن عكرمة عن ابن عباس، وعثمان لا بأس به روى له مسلم.
وهذا أنه رجل كانت له جارية أمة كانت تشتم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان ينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تسب النبي -عليه السلام-، فنهاها فلم تنته، وزجرها فلم تنزجر، فأخذ المعول وهو حديدة لها نصل -طرف مدبدب- أو سيف قصير، فأخذه -وكان أعمى- فوضعه في بطنها فاتكأ عليه حتى قتلها، وسقط من بطنها غلام، قال: فلطخت ما هنالك، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس وذكر له ذلك، وأن رجلا قتل جاريته، فقال: أسأل رجلا فعل كذا إلا قام. فقام رجل أعمى يتدلدل ويهتز وجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال يا رسول الله: إنها أمة لي، كانت بي رفيقة، وكانت تشتمك، وأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، فلما كانت البارحة جعلت تشتم فنهيتها، فأبت، ثم أخذت المعول فوضعته في بطنها فقتلتها، وإن لي منها ابنين كاللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة. يعني: يذكر من حسن معاملتها لكنه غار وثأر لحرمات الله عز وجل، ولحرمته -عليه الصلاة والسلام- من جهة أنه سب وشتم فقتلها، فقال -عليه الصلاة والسلام-:
«
ألا اشهدوا أن دمها
هدر
»2
. وهذه الأخبار فيها أحكام كثيرة ومسائل شريفة، ويشير إليها على الإجمال، وفيه دلالة على أن المرتد يقتل، عن ابن عباس:
«
من بدل دينه فاقتلوه
»1
وفي حديث معاذ أيضا: قضاء الله ورسوله. وأنه يجب قتل المرتد.
وقد اختلف العلماء: هل يستتاب أو لا يستتاب؟ ظاهر الروايات أنه يستتاب، وهذا هو الأظهر، ولقوله تعالى:
﴿
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
﴾3
فذكر التوبة في حق المرتدين فدل على أنه يستتاب، فهذا هو المشروع توبته، وأيضا ما روي عن عمر -رضي الله عنه- رواه مالك في الموطأ وغيره بإسناد فيه ضعف، أنه قال: اللهم إني لم أشهد. لما قال: هلا استتبتموه ثلاثا، وأعطيتموه كل يوم رغيف. حينما ذكر ذلك الرجل الذي قتلوه ولم يستتيبوه.
فالمقصود أن الاستتابة مشروعة، خاصة حينما تكون الردة وقعت من أول مرة، ويخشى أن يكون عنده شبهة فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ووجب قتله، أما إذا كان زنديقا لا تعلم توبته؛ فإن الزنديق في الحقيقة لا تعلم توبته مثل ما تقدم فلهذا يقتل مطلقا.
وحد الردة ذكر لها العلماء أحكاما كثيرة، وذكروا بابا خاصا قالوا: باب حكم المرتد، وذكروا فيه أنواعا من المكفرات التي يجب فيها قتل المرتد بشرطه، وفي هذا الخبر أنه -عليه الصلاة والسلام- - خبر ابن عباس- أنه قال:
«
ألا اشهدوا أن دمها هدر
»2
وفي هذا أن الرجل كان يستتيبها، وأهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعل ذلك الرجل وثأر وقام لحرمته صلوات الله عليه وسلم.
وهذا هو الواجب، والله إن هذا هو الواجب، له -عليه الصلاة والسلام- بأبي هو وأمي أن يكون المسلم حرمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في قلبه هكذا، حينما يذكر عنده أو يقع إساءة له -عليه الصلاة والسلام- يجب القيام بحقه، نصرة لدينه ونصرة لشرعه.
ومن أعظم الضلال والفساد أن تضيع مثل هذه الحدود، فإنها من أعظم الفساد في الأرض، ومن أعظم الفتن في الأرض أن توجد الزندقة والردة، ولا شك أن المسلمين ابتلوا في هذا الزمان بكثير من أهل الزندقة والإلحاد؛ لكن مثل ما قال ابن عقيل وجماعة عن كثير من الزنادقة في زمن بعيد ممن يلبسون ويظهرون الزندقة بأثواب مختلفة ماتوا كما مات غيرهم، مثل المعري وأمثاله وابن الراوندي وغيرهم ماتوا، وحملت جنائزهم كما حمل غيرهم، وهذا من البلاء العظيم.
لكن الواجب: من علم شيئا من ذلك هو الإنكار بحسب ذلك والبيان والإبلاغ نصرة لديننا. وأسأل الله -سبحانه وتعالى- لي ولكم التوفيق والسداد.
أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: ما هو القول الراجح في الخوارج؟ هل هم كفار أم عصاة؟ وما هو التفصيل في ذلك؟ والله يحفظكم؟
الخوارج أولا ينبغي أن يعلم أن الخوارج هم الذين يكفرون بالذنوب، يقولون: الزاني كافر، شارب الخمر كافر، الكاذب كافر، المغتاب كافر وما أشبه هذا هم الخوارج.
أما الحكم فاختلف العلماء: ذهب جمهور الفقهاء والعلماء إلى أنهم ليسوا بكفار، وهو المشهور عن علي رضي الله عنه قال: من الكفر فروا، وقال: إخواننا بغوا علينا. كما روى محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح، هذا هو المشهور عن علي -رضي الله عنه-.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنهم كفار، واستدلوا بالأدلة التي جاءت أنه قال:
«
تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين
»4
ثم إنهم لم يتعلقوا من الإسلام بشيء سبق الفرث والدم، وأنه يعني مثل السهم الذي ترمى به البهيمة من شدة نفوذه خرج ولم يصبه لا من دمها ولا من فرثها كذلك هو لم يتعلق من الإسلام بشيء، هذا هو يعني قول جمع من أهل العلم في هذه المسألة، وكان يقرره شيخ الإسلام ابن باز -رحمه الله تعالى- على البخاري، يقدم هذا مرارا -رحمه الله- من جهة الأخبار وظواهر اقتضاها الأخبار؛ ولكن جمهور العلماء وجمهور المحدثين وجمهور الفقهاء وهو المنقول عن علي -رضي الله عنه- ولم ينكره أحد أنهم لم يكفروهم، ولهذا قال: من الكفر فروا. نعم.
أحسن الله إليكم. وهذا يقول: من هم البغاة؟ ومن هم المحاربين؟ ومن هم الخوارج؟ وكيف يفرق بينهم؟
مثل ما تقدم، البغاة هم الذين لهم قوة ولهم جماعة ولهم نفوذ يخرجون على الناس ولا يمكن إلا أن يقاتلوا، هؤلاء هم البغاة، ويخرجون بتأويل سائغ، فهو بشرطين: إن كان لهم تأويل سائغ، مع القوة والغلبة، بكثرة جماعتهم وقوة سلاحهم فبهذا الجمع هم بغاة.
أما إذا كانوا خرجوا بغير تأويل، أو خرجوا بتأويل لكنهم قوم قليل لا عدة لهم لا منعة لهم ولا قوة فهؤلاء حكمهم حكم المحاربين، أما إن كانوا لهم قوة وخرجوا وكان لهم تأويل سائغ يقبل فإن حكمهم حكم البغاة، والمحاربون هم الذين يخرجون على الناس بقصد الإفساد وبقصد قتالهم، وأيضا قالوا: حتى ولو كان هنالك تأويل إذا لم يكن قوة ومنعة. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
1 :
البخاري : الجهاد والسير (3017) , والترمذي : الحدود (1458) , والنسائي : تحريم الدم (4060) , وأبو داود : الحدود (4351) , وابن ماجه : الحدود (2535) , وأحمد (1/282).
2 :
النسائي : تحريم الدم (4070) , وأبو داود : الحدود (4361).
3 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:89
4 :
مسلم : الزكاة (1065) , وأحمد (3/95).
|