موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شروط بيع السلم - شرح التسهيل في الفقه (الجزء الثاني)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح التسهيل في الفقه (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح التسهيل في الفقه (الجزء الثاني)
 كتاب البيع
 مقدمة
 شروط البيع
 بيع الجوز واللوز ونحوه في قشره
 صور من البيع المنهي عنه
 صور مما لا يجوز بيعه لأجل الغرر
 بيع المنابذة والملامسة
 بيع المكيل والموزون
 بيع العينة
 باب الخيار
 خيار المجلس
 خيار الشرط
 خيار الغبن
 خيار التدليس
 خيار العيب
 الشروط في البيع
 بيع العربون
 باقي أقسام الخيار
 خيار الاختلاف
 خيار التخبير بالثمن
 باب الربا
 حكم الربا
 ربا الفضل
 المحاقلة والمزابنة
 بيع العرايا
 بيع اللحم بالحيوان
 باب بيع الأصول والثمار
 بيع الدور وما يدخل فيها
 بيع الشجر وعليه ثمر
 بيع الثمار دون الأصول
 مسألة الجوائح
 بيع الثمر قبل بدو صلاحه
 باب السلم
 ما يصح فيه السلم
 شروط بيع السلم
 باب القرض
 باب الرهن
 ما يجوز رهنه
 الانتفاع بالرهن
 مؤنة الرهن
 زيادة الرهن ونقصه
 بيع الرهن
 باب الضمان
 تعريف الضمان
 شروط الضمان
 أركان الضمان
 انتفاء الضمان
 باب الكفالة
 باب الحوالة
 باب الصلح
 الصلح على الإقرار
 الصلح على الإنكار
 أحكام الجوار
 باب الحجر
 حجر الفلس
 حلول الدين المؤجل
 الحجر بالسفه
 باب الوكالة
 ما تصح فيه الوكالة
 مبطلات الوكالة
 الضمان في الوكالة
 ما تنعقد به الوكالة
 الوكالة بأجر
 توكيل الوكيل غيره
 شراء الوكيل وبيعه من نفسه
 تجاوز الوكيل حدود الوكالة
 باب الشركة
 شركة عنان
 شركة وجوه
 شركة مضاربة
 شركة أبدان
 شركة مفاوضة
 باب المساقاة والمزارعة والمغارسة
 باب إحياء الموات
 كيفية الإحياء
 الحمى والإقطاع
 باب الجعالة
 باب اللقطة
 لقطة ما تقل قيمته
 لقطة الحيوان
 لقطة النقود وغيرها
 باب اللقيط
 تعريف اللقيط
 أحكام اللقيط
 باب السبق
 فائدة السباق
 السباق على جعل
 باب الوديعة
 باب العارية
 ضمان العارية
 ما تجوز فيه العارية
 باب الإجارة
 تعريف الإجارة
 شروط الإجارة
 إجارة الطير
 الأجرة في الإجارة
 الضمان في الإجارة
 فسخ الإجارة
 اختلاف المؤجر والمستأجر
 كتاب الغصب
 حكم الغصب
 الانتفاع بالمغصوب
 ضمان المغصوب
 نماء المغصوب
 غصب أرضا وزرعها أو بناها
 غصب أمة ووطئها
 باب الشفعة
 ما تجوز فيه الشفعة
 الاختلاف في الشفعة
 تعدد الشفعاء
 باب الوقف
 ما يجوز فيه الوقف
 الموقوف عليه
 بيع الوقف
 شروط الوقف
 الوقف على الأولاد
 باب الهبة
 تعريف الهبة
 أقسام الهبة
 قبض الهبة
 عطية الأولاد
 العمرى والرقبى
 كتاب الوصايا
 حكم الوصية
 كتابة الوصية
 شروط الموصي
 أركان الوصية
 الوصية من الحقوق المتعلقة بالتركة
 شروط الموصى إليه
 الوصية بالزائد على الثلث
 الوصية بجميع المال
 العطية المنجزة
 الوصية للأقارب
 ما تحمل عليه ألفاظ الوصية
 الموصى به
 الموصى له
 مبطلات الوصية
 الوصية بمثل نصيب وارث أو ضعفه
شرح التسهيل في الفقه (الجزء الثاني) - شروط بيع السلم

 

 

شروط بيع السلم

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال الإمام البعلي -رحمه الله تعالى- في باب السلم: "وشرطه إمكان ضبط صفاته كالمكيل والموزون، وأن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا، وأن يقبض ثمنه في المجلس وكونه في الذمة بأجل معلوم يعم وجوده عند محله، معلوم القدر بمعياره، ويعين موضع الوفاء إن لم يصلح موضع العقد له، ولا يتصرف فيه قبل قبضه إلا بالإقالة، ولو أسلم ثمنا في جنسين لم يصح حتى يبين ثمن كل جنس، ويصح قرض كل ما يسلم فيه ويملكه بقبضه، ولا يؤجل كالحال، ويرد المثل في المثلي والقيمة في غيره، ولا يجوز شرط ما ينتفع به المقرض لا وثيقة، ولا تقبل هدية لم تجرِ بها عادة.

 

باب الرهن: يصح في كل ما يجوز بيعه مع الحق وبعده، لا قبله في وجه بدين ثابت لازم وهو أمانة، وإنما يلزم بالقبض واستدامته، فلا ينفذ تصرف الراهن بغير عتق، وتأخذ قيمته فتجعل رهنا، ولا ينفك شيء منه إلا بأداء الكل، وللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر علفه، ولو جنى عليه فالمجني عليه أحق برقبته، فلو فداه سيده فهو رهن بحاله، وإن جُني عليه فالخصم مالكه، وما قبضه بسببه رهن كنمائه وكسبه، فإذا حل الدين فامتنع الراهن من الوفاء أجبره الحاكم، وإلا باعه وقضي دينه.

 


 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، ذكرنا أن السلم هو ما عجل ثمنه أجل مثمنه، أن يبيع شيئا غائبا بثمن حاضر، والمصلحة فيه تعود للطرفين، فالبائع ينتفع بالثمن لحاجته إليه، والمشتري يشتري شيئا رخيصا يبيعه بربح، اشتراه رخيصا، وذلك لأنه مؤجل.

فمثاله أن يشتري إنسان خمسمائة كيلو من البر، كل كيلو بريال، يقدم ثمنه الآن ولا يقبضه إلا بعد نصف سنة، وإذا قبضه يبيع الكيلو بريالين، فيربح، الذي أخذ الدراهم انتفع بها، والذي قبض البر ربح فيه، ويسمى أيضا سلفا، وهو لغة القرآن في قوله -تعالى-: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾1 ، أي أنكم قدمتم الثمن، وهو الأعمال الصالحة، وحصلتم على المثمن الذي هو هذه الثمرات في الجنة.

ذكروا للسلم سبعة شروط:

الشرط الأول: إمكان ضبط صفاته، أن يكون مما ينضبط بالصفة، كالمكيل والموزون، فلا يصح في ما لا ينضبط بالصفة، وكان الذي لا ينضبط بالصفة هو الذي تدخله الصناعة اليدوية، قديما كانت الأشياء المصنوعات تصنع بالأيدي، كالسيف والسكين والخنجر والفأس، تصنع باليد، والقدر والصحن وسائر الأواني والأبواب والنوافذ، وكذلك أيضا المخيط كالقميص والسراويل، تصنع بالأيدي، والأحذية والقرب والجراب والكيس، تصنع بالأيدي، والأواني الكبيرة ونحوها كالأسطال، تصنع بالأيدي وتختلف، فلذلك قالوا: لا يصح السلم فيها، وذلك لاختلافها عادة.

الآن يقل الاختلاف فيها، ذكرنا بالأمس أنها تنضبط بالصفة، لأنها أصبحت تصنع بالماكينة، ولا يكون هناك فرق بين هذا الحذاء وهذا الحذاء، ولا بين هذا القدر وهذا القدر وهذا الإبريق وهذا الإبريق، بل هذه الملعقة وهذه الملعقة وهذه الإبرة أو الإبرة الأخرى مثلا، والسكاكين وجميع المصنوعات الآن، كالفؤوس والفناجين وما أشبهها والكئوس كلها، والآن يصح السلم فيها، وذلك لأنها لا تتفاوت وتعرف بالأرقام وتعرف بالماركات التي تنتجها، والناس الآن يسلمون فيها، كبيرة كالسيارات وصغيرة كالإبر، يشترونها من الشركة التي تنتجها قبل أن تتم صناعتها.

لا خلاف أن المكيل والموزون يصح السلم فيه، البر والشعير والذرة والدخن والأرز مكيل، وكذلك التمر والزبيب والزيتون، وكذلك المائعات مثل الأدهان والألبان ونحوها يصح السلم فيه، وذلك لأنها منضبطة ولا تتفاوت، وكذلك الموزون يصح السلم فيه، كالحديد والقطن واللحوم بأنواعها، يصح السلم فيها إذا كانت منضبطة لا تتفاوت.

الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا، أي لا بد من وصف دقيق، فيقول من تمر كذا وكذا، من تمر العجوة، من تمر الصيحاني، من نوع البرحي، وأشباه ذلك من البر الكندي أو الشارعي أو اللقيمي أو ما أشبه ذلك، لا بد أن يصفه، وهكذا أيضا المصنوعات، ولكن المصنوعات التي لا تتفاوت يكفي أن يقول: من صناعـة كذا، من صناعة اليابان أو من صناعة الصين، أو نحو ذلك، لأنها لا تتفاوت.

الشرط الثالث: أن يطلب الثمن في المجلس، أي في مجلس العقد يدفع الثمن كاملا، المجلس الذي يتعاقدون فيه، فيسلم الثمن كاملا حتى لا يحصل التفاوت والتباعد، وإذا تفرقا قبل قبض الثمن فلا ينعقد البيع، وذلك لأنه يكون بيع دين بدين، وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « نهى عن بيع الكالئ بالكالئ »2 الكالئ هو الغائب، فاشترط التقابض، أن يقبض البائع من المشتري ثمن ذلك المسلم فيه في مجلس العقد.

الشرط الرابع: أن يسلم في الذمة، فلا يسلم في الأعيان، لأن الأعيان قد تتغير وقد لا تنتج، فلا يقول: اشتريت منك في ذمتك خمسمائة كيلو من زرع هذه المزرعة، أو خمسمائة من تمر هذا البستان، لا تعطني إلا من هذا البستان أو من تمر هذه البلدة، لماذا؟ لا يُؤمَن أن تنعدم ثمرته، أو تصيبها جائحة، وحينئذ يتضرر المشتري، بل يقول: في ذمتك، إن أثمر نخلك وإلا تخرج لي من غيره، إن أنتج زرعك وإلا تخرج لي من غيره، هذه المائة أو المئات تتقبلها في ذمتك، تلتزم بها في الذمة ولا تجعلها في غيرها، ولا نلتزم أن تكون في هذه الأعيان، مخافة أن تنقطع ثمرة هذه الأعيان أو ألا ينتج هذا الزرع، أو أن تصيبه آفة سماوية، وحينئذ يتعطل أو يتضرر المشتري، بخلاف ما إذا كان في الذمة، ذكروا هذا حتى في التعريف: "عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد" فذكروا أنه في الذمة.

الشرط الخامس: الأجل، لا بد أن يكون مؤجلا بأجل معلوم، أما إذا كان حالا فلا يسمى سلفا ولا سلما، بل لا بد أن يكون مؤجلا بأجل له وقع في الثمن، وذلك لأن المشتري يشتريه رخيصا بدل ما يكون الكيلو بريال يشتريه بريال إلا ربع، لكونه غائبا يصبر وينتظر إلى أن يقبضه بالأجل، بعد سنة أو نصف سنة أو نحو ذلك، يجوز أن يكون حالا في شيء يأخذونه منه في كل يوم.

مثاله لو تتفق مع الخباز الذي يبيع أربعة خبز بريال، فتقول له: أنا أشتري منك خمسمائة خبزة كل خمس بريال، أقدم لك الثمن الآن، أدفع لك مائة ريال بخمسمائة على أن تعطيني كل يوم خمس، ولمدة مائة يوم، فهو ينتفع بالمائة مقدما، وأنت يحصل لك الرخص بدل ما يبيع لك الأربع بريال يكون لك أنت خمس بريال، فهذا جائز، وذلك لأنه مؤجل لمدة مائة يوم.

كذلك أيضا لو اتفقت مع بائع اللحوم الذي يبيع اللحم مثلا الكيلو بعشرة، لحم الغنم مثلا، ولحم الإبل الكيلو بثمانية، فاتفقت على أن يبيعك كيلو لحم الغنم بثمانية أن تشتري منه مائة كيلو وتدفع له ثمنها بدل ما يبيع غيرك الكيلو بعشرة يبيعك إياه بثمانية، مائة كيلو كل يوم تأخذ منه كيلو لمدة مائة يوم، فهذا جائز لأنه مؤجل، هو يريد أن ينتفع بدراهمك التي قدمت، وأنت تشتري منه رخيصا، يبيع غيرك بعشرة وأنت بثمانية، لأنك قدمت الثمن، فلا يصح السلم حالا، لأن الحال لا فرق بينه وبين ما دفع ثمنه وقبض.

الشرط السادس: أن يعم وجوده عند محله، فلا يسلم في شيء يتعذر وجوده، وذلك لأنه إذا تعذر تضرر المشتري، مثال ذلك: لو أسلم في الرُّطب في الشتاء، الشتاء لا يوجد فيه، أو في العنب، لو أسلم في العنب في الشتاء فإنه لا يتواجد إلا في الصيف، وهكذا أيضا لو أسلم التمر في بلاد لا ينبت فيها التمر ولا ينمو فيها، كجنوب المملكة واليمن لا يتواجد فيها التمر، فلا يصح أن يسلم فيه إلا إذا كان المشتري شترط عليه أن يسلمه في البلاد التي يتواجد فيها كالمملكة، أو التزم البائع أن يحضره وينقل له على سيارة أو سيارات، فإذا كان ذلك المبيع لا يتواجد وقت الحلول، أو لا يتواجد في البلاد التي حصل العقد فيها، فلا يصح السلم، بل لا بد أن يعم وجوده عند محله.

الشرط السابع: معرفة قدره بمعياره.

ذكر قدره بكيل معلوم أو وزن معلوم أو عد أو ذرع مما يباع بالعد أو الذرع أو الوزن أو الكيل، لا بد أن يقول: مائة كيلو أو مائة صاع أو خمسمائة كيلو، وكذلك أن يقول: مثلا مائة ذراع من القماش كذا وكذا، أو مائة ذراع أو مائة متر من الحبال، وهكذا أيضا إذا كان يباع بالعدد كمائة بيضة من الدجاج الذي نوعه كذا، وأشباه ذلك، فإن هذا ينضبط بالعدد، لا بد أن يكون العدد معلوما، يعني مقداره، بكيل أو وزن أو عد أو ذرع، فهذه شروطه سبعة شروط، وتوجد محترزاتها في الشروح كالروض المربع ونحوه:

الشرط الأول: أن يكون مما ينضبط بالصفة.

الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا.

الشرط الثالث: أن يقبض ثمنه في المجلس.

الشرط الرابع: أن يكون في الذمة.

الشرط الخامس: أن يؤجله بأجل معلوم.

الشرط السادس: أن يكون مما يتواجد، أي يعم وجوده.

الشرط السابع : أن يكون معلوما قدره أو وزن أو كيل أو عد أو زرع.

ثم يعين موضع الوفاء إن لم يصلح موضع العقد له، موضع الوفاء لا بد أن يحدده، فيقول: محل الوفاء في محل العقد، إذا تعاقدا في بيت المشتري فإن البائع يحضر الأرز مثلا أو الذرة، ولو كانت ثقيلة، يحضر الثياب أو يحضر الكئوس والأواني ونحوها إلى بيت المشتري، هذا هو الأصل، أن مؤونة حمله وإحضاره على البائع، وأن المشتري لا يتكلف، بل تُحضَر له.

أما إذا كان محل العقد لا يصلح محلا للوفاء، كما لو تبايعا في برية، أو تبايعا وهم في لجة البحر في سفينة، لا يحل البحر محلا للوفاء، في هذه الحال لا بد أن يحددا الموضع، بشرط أن توفيني في البلد الفلاني أن تحضر السلعة لي في المكان الفلاني، هذا هو المعتاد.

كذلك أيضا لا بد أن يُرجع في ذلك إلى العرف، الناس في هذه الأزمنة يتسامحون، فالمشتري يأتي إلى البائع في نخله ويقبض منه المبيع، أو في مزرعته، ولا يكلفه أن يأتي إليه في بيته من باب التسامح، وإن كان الأصل أن الوفاء يكون في موضع العقد، في الموضع الذي يتفقان فيه، أي يتعاقدان فيه.

ثم يقول: ولا يتصرف فيه قبل قبضه إلا بالإقالة، وذلك لأنه لم يتم قبضه، وتعرفون أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع السلع التي تبتاع حتى تُقبَض، فالمشتري إذا كان في ذمتك له مائة صاع أو خمسمائة كيلو، فليس له أن يبيعه عليك، ولا أن يبيعه على زيد أو عمرو حتى يقبضه ويستوفيه، فلا تباع السلعة حتى تقبض، وحتى تُستوفَى، استثنوا من ذلك الإقالة التي هي التنازل عن المبيع، إذا جاءك صاحب المبيع وقال: أنا بعتك في ذمتي ألف كيلو من التمر أو البر، والآن ندمت، أريد أن تقبض دراهمك، أقلني بيعتي، يجوز أن تُقِيله ولك أجر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته »3 ، فالإقالة هي قبول ندم النادم.

لو أسلم ثمنا في جنسين لا يصح حتى يبين ثمن كل جنس، إذا أسلم ثمنا في جنسين، الجنس ماله اسم خاص يشمل أنواعا، فمثلا إذا أسلم أعطاك مثلا ثلاثة آلاف ريال، وقال في بر وفي تمر، البر جنس والتمر جنس، فلا يصح حتى يبين مقدار البر ومقدار التمر، وقيمة كل كيلو مثلا من هذا ومن هذا، وذلك لأنه قد يتعذر أحدها ولا يعلم مقدار الثمن، فلا بد أن يقول مثلا: ثلاثمائة أو ألف في التمر وألفان في بر، التمر من نوع كذا، من نوع السكري مثلا، أو من نوح الخصاب،أو النبت، أو نحو ذلك، كل كيلو بريال، وألفان في بر نوعه كذا وكذا، من نوع الشارعي مثلا أو الحب الصافي أو نحو ذلك، لا بد أن يعين ثمن كل صاع أو كل كيلو حتى إذا تعذرا أحدهما رجع بثمنه، لأنه إذا لم يبين ثمن الكل حصل الاختلاف عند تعذر أحدهما..

انتهينا من باب السلم، وبعده باب القرض.

 

باب القرض

 

القرض هو إباحة عين لمن ينتفع بها ويرد بدلها، أو دفع عين مباحة لمن ينتفع بها ويرد بدلها، وقد سمى الله -تعالى- الصدقات قرضا في حقه: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾4 في عدة آيات، وصفة القرض أن يأتي إليك إنسان محتاج، فيقول: أقرضني مائة ريال، أقرضني خمسة آصع بر، أقرضني عشرين كيلو تمر، وأردّ بدلها، وتثبت في ذمتي. إذا أقرضته فإن لك أجر، وذلك لأنك وسعت عليه، ويسرت أمره، وقد يقع في حرج وفي شدة، « ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة »5 وفي الحديث: « ما من مسلم يقرض مسلما مرة إلا كانت صدقة عليه، أو ما من مسلم يقرض مسلما مرتين إلا كصدقة عليه مرة »6

ومعنى ذلك أنك إذا أقرضته ألفا ثم ردها عليك، ثم جاءك مرة أخرى فأقرضته ألفا ثم ردها عليك، فلك أجر من تصدق بألف، أقرضته ألفا ثم ألفا فلك أجر صدقة الألف، ويرى بعض العلماء أن القرض أفضل من الصدقة، وذلك لأنه لا يستقرض إلا المحتاج الذي تمسه حاجة شديدة، يأتي إليك ويقول: أقرضني مائة أو ألفا، أو يقول مثلا: أقرضني ثوبا وأرد بدله، أو أقرضني عشرين صاع تمر وأردّ بدلها، لأني مضطر الآن، أو أقرضني خمسين كيلو من البر أو من الأرز، أسد بها حاجتي الآن، وسوف أجمعها لك وأردها. فأنت فرّجت عنه كربة من كرب الدنيا، ويسرت عليه، فلك أجر على هذا العمل.

فالقرض: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، إذا استلمه فإنه يملكه كما يملك بقية أمواله، يثبت بدله في ذمته كدين.

يصح قرض كل ما يسلم فيه، لماذا؟ لأنه ينضبط بالصفة، ولا يصح قرض ما لا ينضبط بالصفة قديما، التي تدخلها الصناعات اليدوية لا يصح السلم فيها فكذا القرض، لأنهما يختلفان، فلو أقرضه قربة ثم رد عليه قربة فقد يقول هذه القربة أصغر، وهذه القربة أقدم، فهي قديمة وقربتي جديدة، فلا بد أن يكون مما ينضبط بالصفة، وكذلك أيضا ذكرنا أن المصنع تدخلها الصناعة، فلا يقرضه سكينا ولا سيفا ولا كأسا مما تصنع بالأيدي، وأما إذا كانت تصنع بالماكينة ولا تختلف فإنه يصح قرضها، لأن ثمنا وجنسها موجود متواجد.

ويملكه بقبضة، إذا قبضه فإنه يملكه ويثبت بدله في ذمته مما يقبضه، بمعنى أنه حينما يتم قبضه يدخل في ملك المستقرض، هذه الآصع التي سلمها دخلت في ملكه، فلو تلفت فإنه يرد بدلها، وذلك لأنها تلفت في ملكه، وكذلك لو سرقت أو احترقت، أو تكسرت الكأس أو الإبريق، أو تمزق الثوب المُقرَض، فإنه يثبت بدله في ذمته من حين يقبضه، ولا يؤجل، وذلك لأن المقرض فعل خيرا، أقرضك ألفا، هذا القرض تبرع منه، ما ربح عليك، فلا يؤجل، بمعنى أنه حال، القرض حال، لأن التأجيل إنما يكون في مقابل زيادة، التأجيل مثلا إذا باعك الكتاب الذي يساوي عشرة باثني عشر مؤجلة لمدة سنة أو نحوها، أو باعك الشاه التي تساوي خمسمائة باعك بست مائة مؤجلة لمدة سنة.

فالعادة أن الثمن المؤجل يزاد فيه، وأما هذا القرض فإنه مار بح عليه، إنما وسع عليك فلا يتأجل، بل يثبت بدله في الذمة حالا، كما أن الحالّ لا يتأجل، لو كان عليك دين ألف، ثم إنه حل في شهر جمادى الأولى، وجاءك صاحبه وقلت له: أمهلني فيه نصف سنة، فلو قال: نعم، أجّلتكه مثلا إلى شهر ذي القعدة، فهل يتأجل؟ لا يتأجل، الحالّ لا يتأجل، لو طلبه بعد يوم أو بعد أسبوع لزمك أن تدفعه، ولو أن تستقرض من غيره، ولو أن تستدين، ذلك لأنه طالبك بحقه في محله.

وهكذا القرض لو أعطاك مثلا ألفا وقال: هذه قرض، ثم قال لك: لا أطلبه منك إلا في رمضان، أو هو مؤجل عليك إلى ذي الحجة، ثم بدت له حاجة، وجاء يطالبك بعد أسبوع أو بعد شهر، هل ترده؟ ما انتفع ولا ربح عليك، إنما أعطاك إياه عينا ولم يعطك قيمة، ولا زاد عليك، فلك أن ترده عليه، ولو أن تستقرض من فلان أو فلان، هذا معنى قوله: ولا يؤجل، كما أن الحالّ لا يؤجل.

عند الرد يرد المثليات بالمثليات، والقيمة بغيرها، المثليّ: هو الذي له مثل موجود متوفر، إذا أقرضك ثوبا ووجد له جنس ترد عليه ثوبه، إذا أقرضك صاعا من بر هذا له مثل، البر متواجد، ترد عليه صاعا مثل صاعه، وهكذا أيضا إذا أقرضك صاع أرز، وهو متواجد، ترد عليه مثله، إذا أقرضك ريالات سعودية ترد عليه مثلها، وأشباه ذلك في كل ما له مثل، هذا معنى أنه يرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها، القيمة في غير المثلى.

غير المثلى الذي لا يوجد له مماثل على حده، فلو أقرضك كبشا بربريا مثلا أو نعيميًّا، ولم يوجد مثله، فإنك ترد قيمته، وذلك لأنه لا بد من رد القرض فلا يفوت على صاحبه فترد عليه مثل ما أعطاك أو قيمة ما أعطاك، تنظر كم يساوي هذا الكبش، لأنه لم يكن متواجدا، وأنت بحاجة إلى أن ترد عليه قرضه، فإذا وجدت أنه يساوي مائتين ادفع إليه القيمة.

وكذلك من غير المثلى، ما ليس له مثل معتاد يقوم مقامه إلا في مكان آخر، فلو استقرضت منه في مصر ألف جنيه مصري، وجئت إلى المملكة، ولم يجد الألف جنيه، في هذه الحال يرد عليك قيمته في الحال، يسأل عن قيمة الجنيه المصري في هذا البلد، فإذا أُخبر بأن قيمة مثلا ألف جنيه بألف ومائة ريال دفعها لك في الحال، ولا يتبقى بينكما شيء.

هذا ما يرد في المثليات، وكذلك سائر العملات المتفاوتة، فإذا أقرضك مثلا ألف دولار، عند الرد ما وجدت الدولار، ولكنك وجدت الريال السعودي، فتقوّمه وترد عليه المثليّ فيها، كم يساوي الدولار، كم تساوي الألف دولار، ترد عليه مثلها، هذا معنى المثلي في المثليات والقيمة في غيرها.

ولا يجوز شرط ما ينتفع به المُقرِض، ذكر عن كثير من الصحابة -منهم علي وأُبيّ وغيرهما: « كل قرض جر منفعة فهو ربا »2 وروي مرفوعا من طريق علي: « كل قرض جر نفعا فهو ربا »2 ولكن في إسناده الحارث الأعور وهو كذاب، كما ذكر ذلك الشعبي، ولكن معناه صحيح، وإذا ثبت عن جملة من الصحابة فإن ذلك دليل على أنه مشهور، والمراد أن المقترض يريد الأجر في الآخرة، ولا يريد منفعة دنيوية ينفعه فيها ذلك المستقرض، فيسأل أجره من عند الله -تعالى- فلا يفسده بشرط منفعة.

مثال ذلك: لو قال: أنا أقرضك ألف بشرط أن تبيعني هذا الكبش بأربعمائة، مع أنه يساوي خمسمائة، ولكن صاحبه محتاج إلى ألف أو محتاج إلى ألف وأربعمائة، فيضطر إلى أن يبيعه لك رخيصا لأنك أقرضته، وأنت ما أقرضته إلا لأجل أن تربح في هذا الكبش ونحوه، فاجتررت منفعة في هذا القرض، قرض جر منفعة، هذه المنفعة هي أنه باعك رخيصا.

كذلك لو قال: بعني هذا الكبش الذي يساوي خمسمائة، بعنيه بأربعمائة وأنا أقرضك مع الأربعمائة أربعمائة، باعك رخيصا لأجل أنك تقرضه، أو أقرضك أربعمائة وأصرف لك هذا الجنيه بثلاثمائة، الجنيه يساوي أربعمائة ولكنك أخذته بثلاثمائة وباعك لأنه بحاجة إلى هذا القرض، فهو قرض جر منفعة، والإنسان الذي يريد الآخرة والأجر الأخروي يجعل عمله صالحا، ولا يبطله بهذه الشروط، حتى جاء في حديث: « أن الإنسان إذا تصدق بصدقة فأركبه صاحبها مجانا بطل أجره »2 فلو مثلا أن إنسانا رأيته محتاجا، فتصدقت عليه بعشرين أو ثلاثين كيلو من التمر، ثم إنه أركبك على سيارته من مكان كذا وكذا إلى مكان كذا، فهل يجوز أن تركب معه؟ لا يجوز ذلك، وذلك لأنه قد يتغاضى عن الأجرة لأجل أنك أقرضته أو تصدقت عليه، فيكون هذا قرضا جر منفعة أو صدقة جرت منفعة، فالذي يتصدق ويريد الأجر الأخروي لا يريد المصالح الدنيوية.

يقول: لا يجوز شرط ما ينتفع به المقرض، إلا وثيقة، لا بأس بالوثيقة، إذا قال: أنا أقرضك خمسة آلاف أو مائة ألف، ولكن بشرط أن ترهنني هذا البيت، أن تعطيني وثيقته وحجة حتى أتوثق، لأني أعطيتك هذا القرض الكبير، مائة ألف أو ثمانين ألفا، وأخشى أنك لا تسددني، وأخشى أن تموت ولك غرماء كثيرون يطالبون فيضيع علي جهدي، فيضيع علي مالي، فارهني بيتك بحيث أن أكون عند البيع أحق بثمنه، حتى أستوفي، هذا معنى الوثيقة، لأنها توثق عند البائع.

يقول: ولا تقبل هدية لم تجر بها عادة، وذلك لأن المقرض يريد الأجر، فلا يجوز له أن يقبل هدية من المستقرض، ولو يسيرة، لو أهدى إليك ثوبا أو نعلا أو كتابا أو فاكهة أو تمرا أو نحو ذلك لا تقبلها، لأنه قد يقصد بذلك أن يكافئك على قرضك بهذه الهدية، وأنت تريد الأجر الأخروي، والأجر الأخروي خير من الدنيا وما عليها، فلا يجوز لك -والحال هذه- أن تقرضه ثم تقبل منه هذه الهدية التي تفسد أجرك.

رخصوا في ذلك بعد الوفاء، إذا أوفاك، أقرضته مثلا عشرة آلاف، ثم إنه ردها عليك دون أن تشدد عليه، ودون أن تطالبه بقوة، ردها عليك من يسر، ورأى أن يكافئك، فأهدى إليك لبنا أو تمرا أو سمنا أو فاكهة، أو أهدى إليـك كتابا أو عمامة أو نحو ذلك لمكافئتك، ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه »7

وهكذا أيضا إذا كانوا قبل ذلك يتهادون، قبل أن تقرضه، أقرضته عشرين ألفا، وهو قبل ذلك يهدي إليك من العنب، ويهدي إليك من الرطب، ويهدي إليك من الصيد ومن اللحوم، وأنت أيضا تهدي إليه من الكتب، وتهدي إليه من الأشرطة، وتهدي إليه مثلا من الثياب ونحو ذلك، وكل منكم يهدي إلى الآخر، فهي عادة جارية بينكما، لا بأس بذلك، هذا ما يتعلق بالقرض.

 

باب الرهن

 

 

ما يجوز رهنه

 

ذكر بعد ذلك الرهن، وهو من باب التوثق، التوثق للديون والتوثق للأموال، مشتق من الرهون الذي هو الثبات، تقول رهن الماء في هذه البقعة، يعني استقر وثبت، ويسمى كل ما يقبض مدة أو نحوها إلى حين يسمي رهنا، قال الله -تعالى-: ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾8 وقال: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾9

وتعريف الرهن: توثقه عين بدين يمكن استيفاؤها منها أو من ثمنها، التوثقة هي الوثيقة التي يتوثق بها صاحب المال، وهذه العين هي المرهونة، يعني كأن يقول: هذا السيف وثيقة عندك حتى أعطيك دينك أو تأخذه، أو تبيعه وتأخذ من قيمته، هذا السيف أو هذا الخنجر أو هذه المنطقة، أو ما أشبه ذلك مما يجوز بيعه، يجعله كوثيقة عنده حتى يجتذبك محبة مالك ألا يباع على أن تدفع ثمنه ثم تأخذ رهنك.

كل ما يجوز بيعه يجوز رهنه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، فأمُّ الولد لا يجوز رهنها، لأنها اتفق الأئمة على أنها لا تباع، الأمة التي وطئها سيدها ثم إنها ولدت منه ولدا، واستمر في وطئها حتى ولدت منه ولدا أو أولادا، فلا يجوز رهنها، لأن المرتهن إذا حل الدين ولم يوفِ فإنه يبيع ذلك الرهن حتى يستوفي، وأم الولد لا تباع مثلا، وكذلك المنافع التي لا يجوز بيعها، ككلب الصيد أو كلب الحرب أو كلب الماشية، لا يجوز رهنه لأنه لا يجوز بيعه.

استثنوا من ذلك ما نُهي عن بيعه لسبب، مثل: بيع الزرع الأخضر، ما يجوز، وبيع التمر وهو أخضر لا يجوز، ولكن يجوز رهنه، رهنتك هذا التمر الذي في النخل الذي لا يزال بسرا، رهنتك إياه بألف أو بألفين الذي هو دينك علي، لأن الرهن عادة يبقى عند المرتهن خمسة أشهر أو أربعة، وفي هذه المدة ينضج التمر ويكون رطبا ويكون تمرا، فبالإمكان إذا حل الدين أن يبيع من هذا التمر الذي في رؤوس النخل قد نضج، وكذلك الزرع الأخضر، إذا كان عنده لك عشرون ألف ريال، وله زرع لا يزال أخضر، فكتب لك أني قد رهنت لك هذا الزرع، دينك يبقى أربعة أشهر، وفي هذه المدة يستحصد الزرع، فيجوز بيعه -والحال هذه- بعدما يشتد حبه، كما تقدم لا يباع الزرع حتى يشتد.

يقول: يصح في كل ما يجوز بيعه مع الحق أو بعده، مع الحق يعني مع الدين، أو بعده، فإذا اشترى منك أطعمة وأمتعة بألف، وفي الحال في نفس اليوم رهنك سيفا، وقال: هذا رهن بالألف، ففي هذه الحال يصح الرهن، كذلك أيضا لو أنك أعطيته سلعة قيمتها خمسة آلاف، ولما مضى شهر أو شهران خفت ألا يوفيك، فقلت: أعطني رهنًا. فأعطاك هذا السيف أو هذه الخناجر كرهن، أو هذا البعير كرهن، بعدما استدان منك بعشرة أيام أو شهر، يصح ذلك.

هذا هو معنى قوله: مع الحق وبعده، الحق هو الدين، أن يكون الرهن معه، تسلمه ويسلم لك الرهن، ويكون بعده أيضا، أي بعد ما يثبت الحق في ذمته مدة قصيرة أو طويلة، إلى قبله في أحد الوجوه، يعني هل يجوز أن يعطيك السيف في شهر ربيع الثاني، ويقول: هذا رهن، سآخذه في الجمعة الأولى، فتقبض السيف، وإذا جاء الجمعة الأولى مثلا استدان منك، قبض منك دينا، اشترى أطعمة وأكسية وأحذية وأوني ومواشي ونحو ذلك؟ لعل الأقرب أنه يجوز، لأنه إحدى الروايتين.

يقول: "بدين ثابت لازم" الرهن لا بد أن يكون بدين، أي لا بمنفعة، فلو قلت مثلا: أعمل عندك في حفر بئر أو بناء حائط وأعطني رهنا بأجرتي، هل يلزمه أن يعطيك قبل أن تحفر، وقبل أن تبني ونحو ذلك؟ حقك إلى الآن ما ثبت، لأنه لا يلزم إلا بالعمل، فلا بد أن يكون الدين ثابتا في الذمة، وأن يكون لازما، يلزم الوفاء به، بخلاف ما لم يثبت فلا يلزم أخذ الرهن به.

صورة ذلك: دين الكتابة، إذا باع عبده بعشرين ألفا، وقال: بعتك نفسك بعشرين ألفا، تكتسب وتؤدي إلي، ولكن أعطني رهنا، الدين إلى الآن ليس مستقرا، يمكن أن العبد يعجز ويعود قنا، فكيف تطلب رهنا في دين ما ثبت ولا استقر؟

ومثال ثان: الصداق قبل الدخول، إذا عقد على المرأة وجعل مهرها عشرين ألفا، فهل تطلب في هذه العشرين رهنا؟ لها أن تطلب بنصف ذلك، لأنها لو طلقت ملكت النصف، ولا تطلب بالنصف الباقي، لأنه يمكن أن يطلقها قبل الدخول، وإذا طلق قبل الدخول لم تستحق عليه إلا النصف، فلا يكون الدين ثابتا، فلا تطالبه برهن.

يقول وهو أمانة، أمانة في يد المرتهن، إذا تلف فإنه لا يضمنه، فلو رهن عنده شاة فأكلها السبع فلا يضمن، لأنها أمانة، أو ماتت حتم أنفها فلا يضمنها المرتهن.

ما حكم الرهن؟ الرهن لازم في حق الراهن، وجائز في حق المرتهن، ولا يلزم إلا بالقبص، معنى ذلك أنه إذا رهنت عنده مثلا شاة أو جملا وقبضه، فأردت أن ترجع فيه ما تقدر، أنت الذي سلمتني هذا الرهن، والله -تعالى- يقول: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾10 والآن قد قبضت هذه الشاة فهي مع غنمي، أو هذا السيف فهو في بيتي، فلا تقدر أن تسترده، لو تبرع هو وأخرجه إليك زال اللزوم، لأنه وثق بك، يقول: أنا واثق بك، والآن لا أحتاج إلى رهن، خذ سيفك أو خذ شاتك أو خذ أكياسك، فأنا واثق بك، فلا حاجة لي إلى رهن، فليس بلازم في حق المرتهن، ولكنه لازم في حق المالك، اللازم هو الذي لا يقدرون على فسخه.

واستدامته، أي: يلزم بالاستدامة، استدامة القبص، فإذا رده إلى الراهن زال لزومه، حتى ولو كان مؤقتا، لجاء إليك وقال: أنا في حاجة إلى قدر لأطبخ فيه، فأعطيته قدره المرهون، أو قال: إنه ثوبي الذي أصلي فيه الجمعة أو العيد، فأعطيته ثوبه، في هذه الحال يبطل كونه رهن عندك، لو منعه بعد ذلك لم تملك استرجاعه، فإن رجعه إليك عاد لزومه، فاستدامة القبض شرط، فإن أخرجه إلى الرهن بطل.

التصرف لا يجوز، الملك في هذه المدة للراهن، الملك مدة ما كان في يد المرتهن، فإن الملك للراهن، وذلك لأنه عين ماله، ولا ينفذ تصرف في غير العتق، فلو قال: سبّلت البيت المرهون، أو تصدقت بهـــذا البر أو الأرز المرهون تصدقت به، أو بعت السيف المرهون قبل أن يحل الدين، فهذا التصرف لاغٍ، لأنه تصرف في شيء تعلق به حق المرتهن، المرتهن يمتنع عن ذلك ويقول: كيف تزيل ملكك منه وقد تعلق به حقي، تعلق به ديني؟ فكيف تزيل ملكه؟ فالملك يكون ثابتا ملكك فيه، ولكن حق المرتهن متعلق به.

صححوا عتقه، إذا أعتق عبدا مرهونا فقيل: إنه يصح العتق، لأن النفوس تتشوق إلى العتق وتؤخذ قيمته وتجعل رهنا مكانه.

ولكن قد يقال: إن الراهن مفلس ما عنده قيمة، فمن أين يدفع القيمة؟ فلعل الصواب: أنه لا يصح عتقه لأن فيه إبطال حق الغير.

إذا كان الرهن مثلا كيسين من بر أو أرز والدَّين مائتين، فأعطاك مائة وقال: أعطني أحد الكيسين، يلزمك أو لا يلزمك؟ لا يلزمك، لأن دينك مائتان تعلق بهذين الكيسين، فما دام أنه بقي من المائتين ولو خمسة أو عشرة فلك أن تمتنع أن ترد عليه شيئا منها.

هذا معنى "لا ينفك شيء منه إلا بأداء الكل" سواء كان الرهن متعددا أو غير متعدد، فلو رهنك شاتين في أربعمائة، ودفع أوفاك مائتين وقال: أعطني إحدى الشاتين، ما يلزمك. أو رهنك كيسا فيه قهوة مثلا، رهنه بأربعمائة والكيس يساوي ستمائة، وقال: أعطني نصف الكيس، لا يلزمك إلا تبرعا منك، فلا تعطه الكيس حتى يوفي الكل، والله أعلم، نقف هنا.

أحسن الله إليكم، سائل يقول: سماحة الشيخ، هل من السَّلم الاتفاق مع ورشة نجارة لصنع أبواب أو دواليب من السَّلم؟

صحيح إن هذا إجارة، لكن إذا كانت المواد والأدوات من العامل صدق عليه أنه شبيه بالسلم، ولكن فيه أنه عمل يعمله فيقرُب أنه إجارة، فلو قلنا: إنه سلم للزم تقديم الثمن، وهنا لا يدفعون الثمن كله.

أحسن الله إليكم، وكذلك بالنسبة لمحلات خياطة ثياب الرجال أننا نفصل ثيابا ونسلِّم بعض قيمتها أو بعض بعضها حتى الاستلام.

يعد أيضا إجارة يعني تستأجره على أن يخيط لك كذا وكذا من الثياب، فالأصل أنها أجرة، أما إذا قلت: أنا أشتري منك في ذمتك مائة ثوب من نوع كذا وكذا مقاسها كذا وقماشها كذا وكذا، وأدفع إليك الثمن مقدما وتدفعها لي بعد شهرين أو بعد خمسة أشهر، فهذا يسمى سلما.

أحسن الله إليكم، سماحة الشيخ، نرجو توضيح قول المؤلف - رحمه الله: " وأن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا. "

صرف السلم يعني أن يصرفه إلى غيره، فإذا كان بما يختلف به الثمن فلا يجوز، يعني قوله: "وأن يصفه " أي: يصف الأعيان بما يختلف به الثمن ظاهرا، وصورة ذلك أن يقول: السلم في بر ثم يصف البر، حتى يعينه حتى لا يختلفا، فإن البر يختلف به الثمن ظاهرا.

فثمن هذا النوع كذا وثمن هذا النوع أرخص وثمن هذا أرخص، وكذلك التمر يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا يقول: إنه من نوع السكري أو من نوع النبت أو من نوع السُّلَّج مثلا أو الصفري، فيصفه بما يختلف به الثمن.

أحسن الله إليكم، سماحة الشيخ، هل إقراض الشخص المسلم كالكافر، خصوصا إذا كانت حاجة الكافر ماسّة.

إذا كان ذلك الكافر معاهَدًا ورأيت أنه بحاجة ومن الموفين بعهودهم وأقرضته فلك ذلك ولك أجر على توسعتك عليه، أما إذا كان من المحاربين أو من الكافرين المعاندين فنرى أنه لا يقرض.

أحسن الله إليكم، يقول: نحن في دائرة حكومية وتأتي هدايا من العملاء مثل ساعة وتقاويم عليها اسم الشركة التي أهدتها ويوزعونه على كل موظف، فهل يجوز لنا أخذه ووضعه على مكاتبنا أم لا؟

إذا كانت جميع الشركات يهدون لكم فلا بأس، وأما أنه يهدي لكم شركة واحدة يريدون أنكم تتعاملون معهم ولا تتعاملون مع غيرهم، فنرى أنكم لا تقبلون ذلك إذا شرطوا عليكم، وأما إذا لم يشرطوا وقلتم نأخذ هذه الهدايا التي أهدوها لنا تبرعا منهم بدون أن نطلبها ونعاملهم كمعاملة غيرهم لا نخصهم بأن نخفف عنهم المقاولات، ولا أن نتغاضى عنهم عن الشروط، ولا نفضلهم على غيرهم فإذا كان كذلك جاز قبولها.

أحسن الله إليكم، يقول: هل نرد دَين العملة بوقت استدانتها أو بوقت حلولها؟

العملات تختلف باختلاف البلاد التي هي فيها، ولكن لها في كل بلد قيمة أو ما يقوم مقامها، فترد بسعرها في تلك البلد التي هي فيها، مثلا أقرضته ريالات سعودية وطلبتها منه في مصر فإنه يعطيك قيمتها بالجنيه المصري، وكذلك بالعكس وما أشبهه.

أحسن الله إليكم، وهذا سائل يقول: صليت أمس صلاة العصر مع إمام ولم ألحق معه أيّة ركعة، ثم قمت وقضيت ما علي، وفي الركعة الثانية نسيت الركوع وسجدت مباشرة وأكملت صلاتي، ثم سجدت للسهو فهل فعلي صحيح أم أعيد الصلاة؟

غير صحيح، لأنك تركت ركنا في تلك الركعة وإذا تركت ركنا أو تركت ركنين: تركت الركوع وتركت الرفع، ومن ترك ركنا بطلت ركعته، وحيث إنها طالت المدة فإنك تعيد الصلاة.

أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول هل ستقام لسماحتكم هذه السنة دورة في حفر الباطن أم لا؟

محاضرات فقط نأتي إليهم يوما واحدًا، الدورات التي يعني طويلة هي دورة في حائل لمدة ستة أيام، وكذلك في الخميس، أما البقية يوم أو يومين.

أحسن الله إليكم وصلى الله على محمد.

1 : سورة الحاقة (سورة رقم: 69)، آية رقم:24
2 :
3 : أبو داود : البيوع (3460) , وابن ماجه : التجارات (2199) , وأحمد (2/252).
4 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)، آية رقم:245
5 : مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) , والترمذي : القراءات (2945) , وأبو داود : الأدب (4946) , وابن ماجه : المقدمة (225) , وأحمد (2/252).
6 : ابن ماجه : الأحكام (2430).
7 : النسائي : الزكاة (2567) , وأبو داود : الزكاة (1672) , وأحمد (2/99).
8 : سورة الطور (سورة رقم: 52)، آية رقم:21
9 : سورة المدثر (سورة رقم: 74)، آية رقم:38
10 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)، آية رقم:283