موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تفسير القرآن بالقرآن - شرح أصول التفسير
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أصول التفسير لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
 شرح أصول التفسير
 مقدمة الشارح
 مقدمة التفسير
 تنزيل القرآن
 مواضع نزول القرآن
 إنزال القرآن
 أسباب نزول القرآن
 العام والخاص
 الناسخ والمنسوخ
 المحكم والمتشابه
 التأويل
 نفي الـمجـاز
 إعجاز القرآن
 أمثال القرآن
 القسم في القرآن
 الخبر والإنشاء
 طرق وأوجه التفسير
 تفسير القرآن بالقرآن
 تفسير القرآن بالسنة
 تفسير القرآن بأقوال الصحابة
 تفسير القرآن بأقوال التابعين
 أنواع الاختلاف بين الصحابة في التفسير
 أوجه التفسير
 مناهج الناس في التفسير
 المنهج الأول تفسير أئمة السلف
 المنهج الثاني من أنزل القرآن على عقيدته تعصبا لمذهبه
 المنهج الثالث الذين أخطئوا في الدليل مثل كثير من الصوفية والوعاظ
 الأمور التي نتج عنها اختلاف المفسرين في تفسير القرآن
 التفسير
 التلاوة
شرح أصول التفسير - تفسير القرآن بالقرآن
تفسير القرآن بالقرآن

طرق وأوجه التفسير

تفسير القرآن بالقرآن

قال -رحمه الله-: طرق التفسير.

أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فصل في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضوع آخر، فإن لم تجده ففي السنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، فإن لم تجده فارجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما كبراؤهم، كالخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: كابن مسعود، وابن عباس. وإذا لم تجده، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين: كمجاهد، وسعيد بن جبر، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومسروق، وسعيد بن المسيب، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والحمادين، وأبي حنيفة، وغيرهم من تابعي التابعين، وكالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وأمثاله من أتباع تابع التابعين.

قال الشيخ: وقد يقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه.

ويُرجع إلى لغة القرآن أو السنة أو لغة العرب. ومن تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ويحرم بمجرد الرأي. وقال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.


ذكر المؤلف في هذا المفصل أولا طرق التفسير، والمراد بطرق التفسير يعني: الأوجه التي يمكن أن يفسر بها القرآن، والأدلة التي يمكن أن يفهم القرآن من خلالها، ومن المعلوم أن المفسرين لهم منهاجان معروفان في التفسير:

الأول تفسير القرآن بالمأثور: وهذا الذي عليه علماء الأمة وسلفها، وهو الذي ذكره المؤلف هنا.

والثاني: تفسير القرآن بالرأي: وقد بين المؤلف أن هذه الطريقة طريقة غير مَرضية، قال المؤلف: أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، في هذا إشارة إلي اختيار منهج التفسير بالمأثور، فأصح طرق القرآن -يعني أن الطريقة الصحيحة- هي تفسير القرآن من طريق السبل والطرق الآتية:

أول هذه الطرق أن يفسر القرآن بالقرآن، فإن الله -عز وجل- قد وصف الكتاب بقوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾1 فهذا القرآن تبيان لكل شيء، ومن ذلك تبيانه للقرآن ذاته.

ومن أمثلة تفسير القرآن بالقرآن: ما ذكره العلماء في قوله -سبحانه-: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾2 ففسر البقرة الواردة في أول هذه الآيات بهذا التفسير، بكونها غير فارض ولا بكر، وأنها عوان بين ذلك.

ومثال آخر أوضح من هذا: قوله -سبحانه-: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ﴾3 فالدم كلمة عامة تشمل جميع أنواع الدم، ويدخل في ذلك الدماء التي في العروق، والدماء المسفوحة، ثم جاءت آية سورة النحل، قال فيها -سبحانه-: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾4 فهذه الآية فسرت الآية الأولى، وبينت أن المراد بالآية الأولى الدم المسفوح دون الدم الذي في العروق.

قال المؤلف: فما أُجمل في مكان، يعني أن الألفاظ التي لم يوضح معناها في مكان من القرآن، أو في إحدى سور القرآن، فإنه قد يفسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، ويظهر هذا في قصص الأنبياء -عليهم السلام-، مثل قصة موسى، تجده في موطن يجمل، ويفسره في موطن آخر، ويختصر هذه القصة في مكان، ويبسطها في مكان آخر.

تفسير القرآن بالسنة

والنوع الثاني، أو الطريق الثاني من طرق التفسير: السنة. فإن السنة مفسرة للقرآن كما قال -سبحانه- ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾5

ولا شك أن السنة النبوية دليل من أدلة الشريعة، قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾6 وقال: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾7 قال: فإنها -يعني السنة- شارحة للقرآن وموضحة له.

وقول المؤلف هنا: فإن لم تجده، يعني: إن لم تجد تفسير القرآن في القرآن، ففسر القرآن بواسطة السنة. وهذه المسألة موطن خلاف بين الأصوليين، وهي مسألة: هل المجتهد ينظر أولا إلى الكتاب ولا يلتفت إلى السنة، إذا وجد شيئا في الكتاب، أو هو يجمع أدلة المسألة كتابا وسنة، فلا يغفل أدلة السنة ولو كان في المسألة أدلة من الكتاب؟ في هذه المسألة قولان للعلماء:

القول الأول: أن من وجد دليلا من الكتاب اقتصر به، ولم يحتج معه إلى أدلة السنة.

والقول الثاني: بأن المجتهد ينظر إلى أدلة الكتاب وإلى أدلة السنة، لأن السنة تفسر القرآن وتخصصه وتقيده، وحينئذ يمكن أن تكون الآية عامة، ثم تأتي السنة فتفسرها وتوضحها، وتبين أن العموم فيها ليس مرادا، وأن هذا العموم مخصوص، وهذا القول أرجح، لقيام الأدلة على أن السنة تخصص الكتاب وتقيده.

قوله: فإنها، يعني: فإن السنة شارحة للقرآن. ولذلك تجدون كثيرا من ألفاظ القرآن لا نعرف معناها إلا من خلال السنة، قال تعالى: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾8 ما المراد بالحق؟ ليس معروفا حتى تأتي السنة فتوضحه، وقال -سبحانه-: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾9 ما هي طريقة الصلاة؟ وكم عدد ركعاتها؟ وما هو الواجب فيها؟ لم يبينه الكتاب، فجاءت السنة فبينته.

والسنة قد تبين المجمل، مثل الآيات السابقة من الكتاب، والسنة كذلك قد تأتي بتخصيص الكتاب، كما في قوله -سبحانه-: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾10 ثم جاءت السنة ببيان أن المقطوع يد واحدة، وليس جميع الأيدي مع أن ظاهر قوله: ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾10 يشمل جميع الأيدي، وجاءت السنة ببيان أن القطع يكون من الكوع لا من المرفق، ولا من الكتف، وجاءت السنة ببيان أن بعض السارقين لا يُقطعون، كالسارق من غير الحرز، وسارق ما دون النِّصاب ونحو ذلك.

وكذلك السنة تأتي بتقييد المطلق في الكتاب، قال -تعالى- في بيان كفارة القتل: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾11 ثم جاء في السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « أعتقها فإنها مؤمنة »12 فدل ذلك على أن الرقبة المعتقة في كفارة القتل مقيدة بكونها مؤمنة.

تفسير القرآن بأقوال الصحابة

الطريق الثالث: أقوال الصحابة. قال المؤلف: فإن لم تجده، يعني: إن لم تجد تفسير القرآن في الكتاب ولا في السنة، فارجع إلى أقوال الصحابة. فإنهم أدرى بذلك، يعني أن الصحابة أعلم بذلك -يعني بتفسير القرآن- لما شاهدوه، فإنهم قد شاهدوا سبب نزول الآيات، وشاهدوا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عند نزولها، وعرفوا القرائن التي احتفت بالخطاب والأحوال التي كانت موجودة في ذلك الزمان.

وقوله: فإنهم، "إن" تعليلية، فهذا هو الدليل على كون الصحابة يعتمد قولهم في التفسير، أنهم أدرى بتفسير القرآن، لكونهم قد شاهدوا التنزيل، ولما لهم يعني: ولما لهؤلاء الصحابة من الفهم التام والعلم الصحيح.

ولا شك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- بذلوا من أنفسهم في تعلم العلم وفي تعليمه، وكون أقوال الصحابة يعتمد عليها قد يراد به ثلاثة أشياء:

الأول: اتفاقهم، فإذا اتفق الصحابة على قول، فإن إجماعهم حجة شرعية بلا شك، فإذا اتفقوا على تفسير القرآن، أو تفسير آية بشيء، فإن قولهم حجة، وقد يمثل له بما ورد عن الإمام أحمد أن الصحابة أجمعوا على أن قوله -تعالى-: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾13 أنها نزلت في الصلاة.

والنوع الثاني: من أنواع أقوال الصحابة في تفسير القرآن: أقوالهم عند اختلافهم اختلافا متضادا، فحينئذ لا يكون قول بعضهم حجة دون قول البعض الآخر، وذلك لتساويهم وتماثلهم.

والنوع الثالث: قول بعضهم ممن لا يعلم له مخالف من الصحابة، فإذا قال البعض تفسيرا للقرآن ولم نعلم لغيرهم قولا في هذه المسألة، فهذا ينقسم إلى قسمين: أن ينتشر هذا القول ويشتهر في الأمة، ولا يوجد له مخالف، فهذا إجماع سكوتي، يرى جماهير أهل العلم أنه حجة ويعمل به ويفسر القرآن به.

والنوع الثاني: قول بعضهم في تفسير القرآن الذي لم ينتشر في الأمة، فحينئذ هل هذا القسم طريق صحيح لتفسير القرآن، أو لا؟ فيه قولان لأهل العلم.

فعرفنا من خلال ما سبق أن محل الخلاف يشترط فيه شروط:

الشرط الأول: أن يكون قولا لبعضهم دون جميعهم.

والشرط الثاني: ألا يوجد اختلاف بين الصحابة فيه.

والشرط الثالث: ألا ينتشر قول هؤلاء الصحابة، فإذا كان كذلك، فليعلم أن بعض من قال: إن قول الصحابي ليس بحجة، وافق الجمهور في كون تفسير الصحابي دليلا شرعيا يُفسر به القرآن.

فبعض القائلين بأن قول الصحابي ليس بحجة قالوا: لكن تفسيره مقبول. وذلك لأن الصحابة عدول ثقاة، والعدل الثقة لا يتكلم في القرآن، ولا يفسر كلام الله إلا بما يعلم أن الرسول قد قاله، فيكون تفسير الصحابة حينئذ في مثابة المرفوع حكما.

وقد جاءت النصوص الشرعية بالحث على التمسك بهدي الصحابة -رضوان الله عليهم-، قال -تعالى: ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾14 ولا شك أن الصحابة من أفاضل من أناب إلى الله -عز وجل-، وقال -سبحانه-: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﴾15 فأثنى على من اتبع الصحابة بإحسان.

قال المؤلف: لا سيما كبراؤهم، يعني أن أولى من يتبع من الصحابة كبراء الصحابة، كالخلفاء الراشدين، لأنه قد ورد في عدد من النصوص الأمر بالسير على منهاجهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: « اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر. »16 كما في السنن، وفي حديث العرباض: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. »17

وإن كان المأثور عن الخلفاء الراشدين في تفسير القرآن قليلا، ولم يرد عنهم تفسير كثير للقرآن، وأكثر من روي عنه في تفسير القرآن من الخلفاء الراشدين هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وكما تقدم أن جهل الإنسان بتفسير آية من القرآن لا يدل على نقصان مكانته، أو عدم علو منزلته، فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: « أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما ليس لي به علم. »18 يريد بذلك أنه لا يعرف المراد بالأب، قالوا له: هذه الفاكهة قد علمناها، فما هو الأب؟ فلم ينقص هذا من مقدار الصحابي الجليل أمير المؤمنين أبي بكر الصديق، رضي الله عنه.

وكون الإنسان يخطئ في مسألة أو مسألتين، أو يجهل مسألة أو مسألتين، لا يغض من مكانته، فلا يزال الأئمة يسمع عنهم قول: "لا أعلم". وقد قيل: من أخطأ "لا أعلم" أصيبت مقاتله. ووقوع الخطأ القليل أيضا من الإمام الذي له كلام كثير صحيح لا يجعلنا ننتقص من مكانته، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: « أصبت في بعض وأخطأت في بعض »19 ومع ذلك لم ينقص هذا من مكانة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

قال: والأئمة المهديين. الخلفاء الراشدون، الخلفاء المراد بها من خلف الرسول في إمامة الأمة. قال: والأئمة، يعني: من يقتدى به. الإمام: هو من يقتدى به، المهدين يعني: الذي وفقهم الله للهداية، كابن مسعود، فإن ابن مسعود كان بالعراق، وكان يقرئ العلم ويفسر القرآن، فأخذ عنه الشيء الكثير من تفسير القرآن، ولذلك ورد عنه -رضي الله عنه- أنه قال: « إني لأعلم كل آية من كتاب الله أين نزلت وفيمن نزلت »18

قال: وابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وقد دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يعلمه الله التأويل، وهو ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد بذل من نفسه في صغره، فكان يهين نفسه في طلب العلم، وكان يذهب للواحد من علماء الصحابة في وقت القائلة، فينام عند بابه ينتظر خروجه ليسأله شيئا من مسائل الشرع.

وقد كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يعتمد على ابن عباس في مسائل العلم، وورد أن بعض كبار الصحابة كان يتعلم من ابن عباس، وكان عبد الرحمن بن عوف يتعلم من ابن عباس. ونظرا لما لدى ابن عباس من العلم مع صغره، أدخله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في مجلسه للحديث في مسائل العلم مع علماء الصحابة.

وأنتم تعرفون ما ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾20 فإن الصحابة سألهم عمر عن تفسير السورة، فأجابوا بإجابات معتمدة على ظاهر هذه السورة، ثم سأل ابن عباس، فقال: هذا أجَلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نعي إليه، فقال عمر: والله لا أعلم من هذه الآية إلا كما قلت.

وورد عنه الرجوع إلى ابن عباس في عدد من المسائل وفي تفسير القرآن، وكذلك بعد عمر كان الناس يرجعون إلى ابن عباس في تفسير القرآن.

ومن هنا نعلم أن قول بعضهم: إن السن له اعتبار، فيه وجهان: أحدهما صحيح، والآخر خاطئ. فإن بعض الناس وإن لم يبلغ من السن شأوا كبيرا، لكنه بذل من نفسه في تعلم العلم وبذل للأسباب في تحصيله فحصّله، فهذا يرجع إليه، لوجود مناط الحكم عنده وهو معرفة علوم الشريعة، وحينئذ ما ورد عن سلف الأمة في عدم اتباع الأصاغر يراد به الأصاغر في العلم، ليس الأصاغر في السن.

تفسير القرآن بأقوال التابعين

قال المؤلف: "وإذا لم تجده". هذه هي الطريقة الرابعة حسب تقسيم المؤلف، والطريقة الخامسة حسب تقسيمنا، لأن المؤلف قال:

أولا: الكتاب،

وثانيا: السنة،

وثالثا: أقوال الصحابة،

ورابعا: هنا أقوال التابعين.

وجعلناها نحن خمسة أقسام:

القسم الأول: الكتاب،

والثاني: السنة،

والثالث: الإجماع،

والرابع: أقوال الصحابة.

قال: "وإذا لم تجده" يعني: وإذا لم تجد تفسير القرآن في الطرق السابقة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك -يعني في تفسير القرآن- إلي أقوال التابعين، وذلك لأن التابعين قد تلقوا العلم عن الصحابة، فأقوالهم مظِنة لكونها مأخوذة عمن سبقهم.

وثانيا: أن التابعين في القرون المفضلة التي شهدت النصوص بخيريتهم، وقد ورد في الحديث: « خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. »21 وهذا أحد الأقوال في المسألة: هو أن التابعين يرجع إلى أقوالهم في تفسير القرآن.

والقول الثاني: بأن التابعين لا يرجع إلى أقوالهم، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو ظاهر اختيار المؤلف، لأنه لما قال: "فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين" كأنه يحكي قول غيره، مما يدل على أنه يختار خلاف هذا القول. والظاهر أن قول التابعي يستدل له ولا يستدل به.

قال المؤلف: "كمجاهد" مجاهد بن جبر من تلاميذ ابن عباس، وقد ذكر بأنه عرض المصحف على ابن عباس عرضات من فاتحته إلى خاتمته، وكان يوقفه عند كل آية يسأله عن معانيها، فيما نزلت وكيف نزلت وكيف معناها.

قال: "وسعيد بن جبير". وسعيد بن جبير مات ولم يبلغ سن الأربعين، وقد كانت الأمة ترجع إليه، وأنتم تعرفون حادثته: خرج مع ابن الأشعث أو شاركهم، فقتله الحجاج. وقد ورد عن سلف الأمة بيان مكانة سعيد بن جبير في تفسير القرآن، وسعيد بن جبير من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنهما.

قال: "وعكرمة". عكرمة مولى ابن عباس، وقد ألزمه ابن عباس المُكث بين يديه لتعلم العلم.

قال: "وعطاء". ظاهر هذه العبارة أنه عطاء بن أبي رباح، وقد حكي عن عطاء من قِصره وسواد لونه وغزارة علمه، وكان مختصا بالمناسك، وكان ينادى في المناسك: لا يفتي في المناسك إلا عطاء بن أبي رباح. وعطاء أيضا من تلاميذ ابن عباس، فهؤلاء السابقون كلهم من تلاميذ ابن عباس، أخذوا العلم عنه.

قال المؤلف: "والحسن". يعني: الحسن البصري، متوفى سنة 110 هـ، كان من علماء الأمة في العراق. ومسروق، وسعيد بن المسيب، وهؤلاء من علماء الأمة الذين يرجع إليهم في التفسير على أحد القولين في هذه المسألة، وهذه الطبقة كلها من طبقة التابعين.

قال المؤلف: "وكمالك" أتى بحرف الكاف من أجل بيان أن من بعد الكاف طبقة أخرى مغايرة للطبقة السابقة، الطبقة السابقة في التابعين، وهذه الطبقة هم تابعو التابعين.

والإمام مالك إمام دار الهجرة وعالم المدينة، والثوري (سفيان بن سعيد)، والأوزاعي (عبد الرحمن بن عمرو)، والحمادَين (حماد بن زيد، وحماد بن سلمه)، وأبو حنيفة الإمام المعروف، هؤلاء يرجع إليهم في التفسير، وغيرهم من تابعي التابعين، وقد ورد في النص الثناء على القرون الثلاثة المفضلة، وهؤلاء منهم، وقد نقلوا العلم عن التابعين.

قال المؤلف: "وكالشافعي". انتقل من طبقة إلي طبقة، الطائفة السابقة تابعو التابعين، وهؤلاء أتباع تابعي التابعين: كالشافعي، وأحمد، وهما إماما المذهبين المعروفين في الفقه، وإسحاق بن راهويه، وهو من أئمة أهل السنة، وأبي عبيد كذلك، وأمثالهم من أتباع تابعي التابعين.

أنواع الاختلاف بين الصحابة في التفسير

قال الشيخ -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية-: وقد يقع في عباراتهم -يعني في تفسيرهم للقرآن- تباين في الألفاظ، فيقع في تفسير هذه الطبقات من الصحابة والتابعين اختلاف، وهذا الاختلاف ليس اختلافا حقيقيا، وإنما هو اختلاف وتباين في اللفظ دون المعنى، من أمثلة ذلك تفسير الشيء بأمثلته، فيأتي فيفسر أحدهم الحنطة بأنها القمح، ويفسر الآخر الحنطة بأنها الحَب الذي يأتي منه الدقيق، وهكذا.. فهذا الاختلاف اختلاف في الترادف، الأسماء المترادفة لهذا اللفظ المفسر، ومن أمثلته أن يفسر أحدهم السيف باسم من أسمائه كالهندية، أو يفسر الأسد يفسر أحدهم الأسد بأنه الليث، ويفسره الآخر بأنه الهزبر، فكلاهما تفسير صحيح، ولا تضاد بين اللفظين.

فهذا النوع الأول: من أنواع الاختلاف بين الصحابة في التفسير: الاختلاف بإيراد ألفاظ مترادفة، الاختلاف بسبب ترادف الألفاظ.

والنوع الثاني: الاختلاف بسبب الاختلاف في التمثيل، فأحدهم يأتي بمثال والآخر يأتي بمثال آخر، كان يقول أحدهم: الدقيق هو الذي يصنع منه الخبز، ويقول الآخر: الدقيق هو الذي يطحن من القمح. فهنا اختلاف في التمثيل وليس اختلافا في التفسير، فكل منهم فسر القمح بلازمه، فإنه يلزم الدقيق أن يصنع منه بعض المأكولات، وهذا الدقيق ناتج عن القمح.

والنوع الثالث: اختلاف بين الصحابة في تفسير القرآن بسبب ذكر بعض الأجزاء والأفراد، ومثال ذلك تفسيرهم لقوله -تعالى-: ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾22 فإن بعض الصحابة قال: إن الصراط المستقيم هو الإسلام، وبعضهم قال: هو فعل الطاعات، وبعضهم قال: هو العلم، وبعضهم قال: هو القرآن. فكل منهم قال بجزء من تفسير هذا اللفظ، ولا تناقص بينهم.

قال: وقد يقع -يعني يوجد في عباراتهم يعني في تفسيرهم للقرآن، في تفسير الصحابة والتابعين للقرآن- تباين في الألفاظ، يحسبها -يعني يظنها- من لا علم عنده اختلافا حقيقيا، وليس كذلك -يعني وليس الأمر كذلك-، فلا يوجد هناك اختلاف حقيقي، وإنما هو اختلاف في اللفظ دون الحقيقة، فإن منهم -يعني إن من الصحابة- من يفسر اللفظ من القرآن بلازمه -كما قلنا في صناعة الخبز من الدقيق-، أو نظيره -أي ما يماثله-، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، فالذي يفسر الشيء بلازمه كالذي يقول: القمح هو الذي يصنع منه الخبز، أو يطحن منه الدقيق، أو نظيره، كأن يقول: القمح نبات مماثل للشعير، ومنهم من ينص عن الشيء بعينه، فيقول: القمح هو الحنطة. ولذلك الخلاف بين الصحابة في تفسير القرآن قليل.

وقوله هنا: النظير، الأصل في النظير هو المقابل للشيء، ولذلك يقال: فلان يتناظر مع فلان، وبينهم مناظره، يعني: يقابله. والغالب في إطلاق النظير على المضاد للشيء الذي يكون بينه وبين نظيره نوع تسابق لحيازة شيء ما، وحينئذ فالأصل في كلمة "النظير" أنها تقع على الأشياء المتشابهة في الصورة المختلفة في الحكم.

أوجه التفسير

قال المؤلف: "ويرجع إلى لغة القرآن". يعني أننا عند تفسير القرآن نرجع إلى لغة القرآن، فإذا وجدنا لفظا في القرآن وأردنا أن نفهمه، رجعنا إلي هذا اللفظ في المواطن الأخرى التي ذكر فيها هذا اللفظ، ففهمنا معنى هذا اللفظ من سياقه ومدلوله، فجاءتنا لفظة "الصراط المستقيم" في مواطن عديدة في القرآن، عندما لم نعرف معناها في الموطن الأول، ذهبنا نبحث عن المواطن الأخرى التي ذكر فيها اللفظ، فنظرنا في سياق اللفظ والقرائن المحتفة به، فعرفنا معانيه في تلك المواطن، ففسرنا الموطن الأول بها.

وقد ألف العلماء مؤلفات في الوجوه والنظائر، مما يعين الإنسان على فهم لغة القرآن، كما أنه وجد في العصر الحاضر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، وهو يعين الإنسان على معرفة لغة القرآن.

قال المؤلف: "أو السنة". يعني أن المفسر يرجع في فهم معاني القرآن إلى لغة السنة، إذا وجدنا لفظا مستخدما في الكتاب، وأردنا أن نعرف معانيه، ذهبنا نبحث عن هذا اللفظ في الأحاديث النبوية فعرفنا دلالته من خلال سياقه وما يحتف به من القرائن.

قال: "أو لغة العرب" أي أنه يرجع في تفسير القرآن إلي لغة العرب، وذلك لأن القرآن نزل بلغتهم: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾23 ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾24 ، فإذا أردنا أن نعرف معاني القرآن، فلا بد أن نعرف معاني كلام العرب.

قال المؤلف: "ومن تكلم" يعني أن المكلّف هو الشخص الذي يتكلم في تفسير القرآن بما.. -يعني بالألفاظ- وبالتفسير الذي يعلمه من ذلك -يعني من الطرق السابقة- من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة، ولغة العرب لغة وهو الطريق الأخير، وشرعا وهو الطرق السابقة، فإنه حينئذ لا حرج عليه.

وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-: أنه « ليس عندنا شيء نختص به دون الناس إلا ما في هذه الصحيفة، ففيها العقل وأسنان الإبل، وإلا فهما يؤتاه رجل في القرآن. »25

وقد أمرنا الله -عز وجل- بتدبر القرآن، ولا يكون ذلك إلا بالبحث في تفسيره، وبتفسيره من خلال هذه الطرق السابقة، فهذه طرق سائغة لا حرج على الإنسان عند تفسيره القرآن بها.

ثم ذكر المؤلف طريقا لا يصح تفسير القرآن به، فقال: ويحرُم -يعني يحرم تفسير القرآن- بمجرد الرأي، فمن فسر القرآن بالرأي المجرد فإنه آثم. وقوله: "بمجرد الرأي" يعني: الرأي الذي لا يستند إلي كتاب أو سنة أو لغة، أو أقوال الصحابة، فإن كان الرأي مستندا إلى واحد من هؤلاء، فلا حرج على المرء فيه.

وقد تواترت النصوص الشرعية بتحريم القول على الله بلا علم، قال -تعالى-: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾26 وقال -سبحانه-: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾27 قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه:

الوجه الأول: وجه تعرفه العرب من كلامها، وهذا هو الألفاظ اللغوية التي تفسر بمقتضى اللغة: كتفسير الحروف المجردة، وتفسير الكلمات التي يستعملها أهل العربية كقوله: جبل، سماء، أرض، قمر، شمس. هذه يعرفها الناس من خلال معرفة لغة العرب.

والنوع الثاني: تفسير -يعني للقرآن- لا يعذر أحد بجهالته، والمراد به ما يلزم العبد على جهة الوجوب والحتم، فإنه يجب عليه أن يتعلمه، ولا يعذر أحد بجهالته، فقوله: ﴿ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾28 لا بد أن تكون عالما بكيفية الصلاة، ولا تعذر بعدم علمك.

النــوع الثالث: وتفسير يعلمه العلماء، يعني: دون عامة الأمة، وهو المذكور في قوله -تعالى-: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾29 ومن أمثلة ذلك: استخراج الأحكام من الأدلة، فإن أخذ الحكم من الدليل الشرعي لا بد أن يكون مبنيا على القواعد الأصولية، فمن لم يعرف القواعد الأصولية لم يحق له أن يستخرج الأحكام الشرعية من القرآن، والقواعد الأصولية مما يختص العلماء بمعرفتها، ويختص العلماء بالقدرة علي تطبيقها على النصوص الشرعية.

ومما يعلمه العلماء أيضا بيان المجملات في القرآن، وتخصيص العموم، وتقييد المطلق.

النوع الرابع: تفسير لا يعلمه إلا الله، وهو ما استأثر الله بعلمه، ومن أمثلته: كيفية الصفات، استأثر الله بعلمها، ومن أمثلته أيضا: تفاصيل ما في الجنة والنار، لذلك ورد في الحديث: « فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر »30 .

وقد يكون هناك أشياء متعلقة بما في القرآن، لكنها لم توضح ولم تبين، وعدم إيضاحها وعدم بيانها هو لعدم انتفاعنا بإيضاحها وتوضيحها وتفسيرها، ومن أمثلة ذلك: لون كلب أصحاب الكهف، ما هو لونه؟ أيش لونه؟ لا نعلمه، لماذا لم يخبرنا الله به؟ لأنه لا فائدة لنا فيه.

1 : سورة النحل (سورة رقم: 16)، آية رقم:89
2 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)، آية رقم:68
3 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)، آية رقم:173
4 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)، آية رقم:145
5 : سورة النحل (سورة رقم: 16)، آية رقم:44
6 : سورة النساء (سورة رقم: 4)، آية رقم:80
7 : سورة الحشر (سورة رقم: 59)، آية رقم:7
8 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)، آية رقم:141
9 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)، آية رقم:43
10 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)، آية رقم:38
11 : سورة النساء (سورة رقم: 4)، آية رقم:92
12 : مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (537) , والنسائي : السهو (1218) , وأبو داود : الصلاة (930).
13 : سورة الأعراف (سورة رقم: 7)، آية رقم:204
14 : سورة لقمان (سورة رقم: 31)، آية رقم:15
15 : سورة التوبة (سورة رقم: 9)، آية رقم:100
16 : الترمذي : المناقب (3662) , وابن ماجه : المقدمة (97) , وأحمد (5/399).
17 : الترمذي : العلم (2676) , وأبو داود : السنة (4607) , وابن ماجه : المقدمة (42) , وأحمد (4/126) , والدارمي : المقدمة (95).
18 :
19 : البخاري : التعبير (7046) , ومسلم : الرؤيا (2269) , والترمذي : الرؤيا (2293) , وأبو داود : السنة (4632) , وابن ماجه : تعبير الرؤيا (3918) , وأحمد (1/236) , والدارمي : الرؤيا (2156).
20 : سورة النصر (سورة رقم: 110)، آية رقم:1
21 : البخاري : الشهادات (2651) , ومسلم : فضائل الصحابة (2535) , والترمذي : الفتن (2222) , والنسائي : الأيمان والنذور (3809) , وأبو داود : السنة (4657) , وأحمد (4/427).
22 : سورة الفاتحة (سورة رقم: 1)، آية رقم:6
23 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)، آية رقم:3
24 : سورة الشعراء (سورة رقم: 26)، آية رقم:195
25 : البخاري : الديات (6903) , والترمذي : الديات (1412) , والنسائي : القسامة (4744) , وابن ماجه : الديات (2658) , وأحمد (1/79) , والدارمي : الديات (2356).
26 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)، آية رقم:21
27 : سورة الإسراء (سورة رقم: 17)، آية رقم:36
28 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)، آية رقم:72
29 : سورة النساء (سورة رقم: 4)، آية رقم:83
30 : البخاري : تفسير القرآن (4779) , ومسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2824) , والترمذي : تفسير القرآن (3197) , وابن ماجه : الزهد (4328) , وأحمد (2/438) , والدارمي : الرقاق (2828).