موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فضل المهاجرين والأنصار - شرح حائية ابن أبي داود
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح حائية ابن أبي داود لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح حائية ابن أبي داود
 مقدمة
 التمسك بالكتاب والسنة
 عقيدة السلف في كلام الله عز وجل
 قول الواقفة في القرآن
 رؤية الله عز وجل
 إنكار الجهمي رؤية العباد لربهم
 مذهب الجهمية في يدي الله عز وجل
 مسألة نزول الله عز وجل
 فضل الصحابة وتفاضلهم ومحبتهم
 فضل العشرة المبشرين بالجنة
 فضل أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وسبطيه
 فضل أم المؤمنين عائشة ومعاوية رضي الله عنهما
 فضل المهاجرين والأنصار
 فضل التابعين
 الطعن في الصحابة
 الإيمان باالقدر
 الإيمان باليوم الآخر
 خروج الموحدين من النار
 شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
 التكفير بالمعصية
 عقيدة الخوارج
 عقيدة المرجئة
 تقديم قول الله ورسوله على كل قول
 الطعن في أهل الحديث
 فضل الإيمان بالله ورسوله
شرح حائية ابن أبي داود - فضل المهاجرين والأنصار
فضل المهاجرين والأنصار

فضل المهاجرين والأنصار

وأنصاره ثم المهاجرين ديارهم

بنصرتهم عن كية النار زحزحوا


"وأنصاره" يعني: أنصار النبي -عليه الصلاة والسلام- والمراد بهم الأوس والخزرج هما أصحاب هذا اللقب، والرسول هو الذي لقبهم بالأنصار، والله -تعالى- ذكرهم بهذا الوصف، فالله سماهم الأنصار، والرسول سماهم الأنصار صلى الله عليه وسلم.

"وأنصاره" أنصار الرسول، أنصار: جمع ناصر أو جمع نصير، "والهاجرون" صوبوها هكذا، بدل مهاجر هاجر، لا يستقيم الوزن إلا هكذا، "وأنصاره والهاجرون ديارهم" ... والهاجرون ديارهم، وأنصاره والهاجرون: يريد بذلك المهاجرين والأنصار، وأخر ذكر المهاجرين مراعاة للنظم ولا بأس بهذا؛ فقد جاء على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم: « اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة »1 وإلا فالأصل هو تقديم المهاجرين؛ فالمهاجرون مقدمون على الأنصار في القرآن في كل المواضع: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾2 ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾3 إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾4 .

"هاجروا" والهجرة معناها الهجر ومعناها الترك، والهجرة بمعنى الترك، والمهاجرون هم الذين فارقوا أوطانهم في سبيل الله، فارقوا أوطانهم نصرة لدين الله وفرارًا بدينهم.

فالمهاجرون هم الذين هاجروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، جاءوا من شتى الأقطار من مكة ومن غيرها، فاجتمع أهل المدينة أهل البلد وهم الأنصار والضيوف الوافدون المهاجرون ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾4 .

وقد جاءت نصوص في فضل المهاجرين والأنصار، المهاجرون فالقرآن فيه: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾2 والآيات في سورة "الحشر" قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾2 .

ومما جاء في فضل الأنصار قوله -صلى الله عليه وسلم-: « آيةُ الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النفاق بُغْضُ الأنصار »5 وقال في الأنصار: « لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق »6 .

وإذا كان هذا في الأنصار فالمهاجرون من باب أولى، فهم أنصار المعنى، معنى النصرة حاصل للكل ومن الكل، وأنصاره والمهاجرون ديارهم، هجروا ديارهم... هاجر، ديارَهم مفعول به، يعني: والذين هجروا ديارهم وأموالهم كما قال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ﴾3 أثبت لهم صفة النصر: ﴿ وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾3 فأثنى عليهم بطلب فضل الله ورضوانه، وأثنى عليهم بنصرة دينهم، وينصرون الله ورسوله، وأثنى عليهم بالصدق ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾3 .

يقول الناظم: "وأنصاره والهاجرون ديارهم" أيش اللي بعده..؟ "بنصرتهم عن كَيَّةِ النار زحزحوا" والشارح السفاريني عنده في "لوائح الأنوار" يقول: بنصرته أو بنصرهم يستقم كذا وكذا، يستقيم أن تقول:

وأنصاره والهاجرون ديارهمُ

بنصرتِهِ (بنصرتهم).......

أي: بنصرتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وبنصرتهم لدين الله.

"بنُصرتهم" أو تقول: "بنَصرهم" يستقيم البيت على كل من العبارتين، والشارح مشى على أنه بهذا اللفظ -يعني- بلا تاء "بنصرهم" أو "بنصرتهم".

بنصرهم أو بنصرتهم عن ظلمة النار زحزحوا، وعندكم "عن كَيَّة النار زحزحوا": يعني زحزحوا النار، المقصود من هذا وذاك أنهم زحزحوا عن النار بنصرهم.. بإيمانهم ونصرهم لدين الله ونصرهم لرسول الله زحزحوا عن النار، بهذا نجوا.

قال صلى الله عليه وسلم في أهل بيعة الرضوان: « لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة -لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة- فقالت له حفصة: يا رسول الله، أليس الله يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا »7 ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما ذلك العبور على الصراط .

"عن كية النار زحزحوا": والزحزحة الإبعاد بشيء من التدرج والدفع شيئًا فشيئًا، زحزح، قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾9 زُحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن زحزح عن النار دخل الجنة، ولكن تمام الفوز الفوز إنما يتم بدخول الجنة، أول الفوز النجاة من النار، والزحزحة عن النار، ومجاوزة النار.. مجاوزة النار، التجاوز، فمن جاوز النار تجاوز كل الأخطار، انتهى، من نجا من النار نجا من كل هم وغم وكرب، وحسرة وشدة، من تجاوز النار نجا من كل مكروه.

ولا شك أن المهاجرين والأنصار لهم الحظ الوافر من ذلك الفضل؛ فهم أولى الناس بالنجاة من النار ودخول الجنة: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾2 فوعدهم الله الرضوان والفوز بالجنان.

1 : البخاري : الجهاد والسير (2834) , ومسلم : الجهاد والسير (1805) , والترمذي : المناقب (3857) , وأحمد (3/244).
2 : سورة التوبة (سورة رقم: 9)؛ آية رقم:100
3 : سورة الحشر (سورة رقم: 59)؛ آية رقم:8
4 : سورة الحشر (سورة رقم: 59)؛ آية رقم:9
5 : البخاري : الإيمان (17) , ومسلم : الإيمان (74) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (5019) , وأحمد (3/134).
6 : البخاري : المناقب (3783) , ومسلم : الإيمان (75) , والترمذي : المناقب (3900) , وابن ماجه : المقدمة (163) , وأحمد (4/292).
7 : الترمذي : المناقب (3860).
8 : سورة مريم (سورة رقم: 19)؛ آية رقم:71
9 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:185