موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - التمسك بالكتاب والسنة - شرح حائية ابن أبي داود
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح حائية ابن أبي داود لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح حائية ابن أبي داود
 مقدمة
 التمسك بالكتاب والسنة
 عقيدة السلف في كلام الله عز وجل
 قول الواقفة في القرآن
 رؤية الله عز وجل
 إنكار الجهمي رؤية العباد لربهم
 مذهب الجهمية في يدي الله عز وجل
 مسألة نزول الله عز وجل
 فضل الصحابة وتفاضلهم ومحبتهم
 فضل العشرة المبشرين بالجنة
 فضل أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وسبطيه
 فضل أم المؤمنين عائشة ومعاوية رضي الله عنهما
 فضل المهاجرين والأنصار
 فضل التابعين
 الطعن في الصحابة
 الإيمان باالقدر
 الإيمان باليوم الآخر
 خروج الموحدين من النار
 شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
 التكفير بالمعصية
 عقيدة الخوارج
 عقيدة المرجئة
 تقديم قول الله ورسوله على كل قول
 الطعن في أهل الحديث
 فضل الإيمان بالله ورسوله
شرح حائية ابن أبي داود - التمسك بالكتاب والسنة
التمسك بالكتاب والسنة

التمسك بالكتاب والسنة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال رحمه الله تعالى:

تمسّك بحبل الله واتبع الهدى

ولا تـك بِدعيّـــا لعلـك تفلح

ودِن بكتاب الله والسنن التي

أتت عن رسول الله تنجو وتربـح


إلى هنا.

يقول الناظم -رحمه الله-:

تمسك بحبل الله واتبع الهدى

ولا تـك بدعيـا لعلـك تفلـح

هذا البيت فيه أربعة أمور -ثلاث وصايا وذكر النتيجة والعاقبة-:

(تمسك بحبل الله) يعني اعتصم بحبل الله، اعتصم به، واشدد يديك به، والتعبير بالتمسك مناسب لذكر الحبل، والحبل المراد به القرآن أو الدين، دين الإسلام، والله تعالى قد أطلق ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾1 اعتصموا بحبل الله، والقرآن لو سمي حبلا، فلأن الحبل هو الذي، هو السبب الذي يُتعلق به، حسيُّ، هذا هو الأصل في الحبل، يتمسك به عن الوقوع في الهاوية.

فكتاب الله ودين الله هو حبله الذي من تمسك به، وأهل اللغة يقولون إن مثل هذا أنه من نوع المجاز، هذا على القول يعني بالمجاز وهو المشهور، إن هذا مجاز، فيه تشبيه، تشبيه الإسلام وتشبيه القرآن بالحبل.

وقوله: (تمسك) هذه فيها تأكيد لهذا التشبيه، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾2 فالله ذكر التمسك، والتمسك بحبل الله هو الاستقامة على دين الله، وعدم الإعراض عنه، تمسك به، اشدد يديك بحبل الله.

فهذه وصية جامعة، هذه وصية جامعة عامة، في كل أمر من الأمور تمسك بحبل الله، أي في كل أمر، في العقيدة، في مسائل الاعتقاد، وفي مسائل أحوال القلوب، وفي أعمال الجوارح، وفي جميع الأحوال تمسك بحبل الله في كل الأحوال، في كل زمان، وفي كل مكان، فهي وصية جامعة.

ثانيا: قوله ( واتبع الهدى)، اتباع الهدى يكون بمعرفته والعمل به، بمعرفة الهدى والعمل به، والهدى هو ما أنزله -سبحانه وتعالى- على رسله والذي..، وأعظمهم وأهمهم وهو الذي فرضه الله علينا اتباع الهدى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ﴾3 .

فمنذ أهبط الله آدم وهو -سبحانه وتعالى- قد أنزل على عباده الهدى الذي يهتدون به، وضمن لمن اتبعه النجاة من الضلال والشقاء، ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾4 ﴿ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾4 هذا عام، هذا هو طريق النجاة للبشرية، طريق النجاة للبشرية من أولها منذ أهبط الله آدم؛ ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾4 .

فكل الرسل جاءوا بالهدى من عند الله، جاءوا بالدعوة إلى التوحيد، بالدعوة إلى الأعمال الصالحة، والنهي عن الشرك وعن القبائح، فهذا هو دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأكمله وأعظمه وأتمه ما بعث به خاتم النبيين وسيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

(واتَّبِع الهدى): فاتباع الهدى هو سبيل السعادة، وبه يحصل الاهتداء، فمن اتبع هدى الله فهو من المهتدين، من اتبع هدى الله كان مهتديا، ﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾5 .

واتباع الهدى والتمسك بحبل الله، يعني يمكن أن نقول معناهما واحد، أو مؤداهما واحد، لكن كل لفظة لها دلالة، دائما تلاحظون هذا، يعني مثلا الشيء الواحد له أسماء، المسمى واحد ولكن تلك الأسماء لها دلالات. كما في أسماء الرسول، بل وأسماء الرب سبحانه وتعالى، بل وأسماء القرآن، القرآن له أسماء.

فالتمسك بحبل الله يتضمن اتباع الهدى، واتباع الهدى يتضمن التمسك بحبل الله، لكن اتباع الهدى فيه معنى النجاة من الضلال، والتمسك بالحبل يتضمن النجاة من الهلاك، وكل إنسان أحوج ما يكون إلى هذين الأمرين: إلى الهدى الذي يعصم من الضلال، وإلى النجاة والفلاح الذي به النجاة من الشقاء، انظروا إلى...، تأملوا قوله تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾4 لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى في الدنيا ولا في الآخرة.

فهناك تلازم بين التمسك بحبل الله واتباع الهدى، كل منهما يتضمن الآخر، كل منهما يستلزم الآخر، لكن كل منهما له دلالة، تمسك بحبل الله، فمن تمسك بحبل الله نجا من الهلكة، كما ينجو من تمسك بالحبل الحسي لينجوا من السقوط في الهاوية، واتباع الهدى فيه السلامة من الضلال، فمن تحقق من الأمرين فاز بماذا؟ فاز بالهدى والفلاح. ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾6 .

قال الناظم: (ولا تك بدعيا)، لا تك يعني لا تكن، وفعل (الكون) المجزوم أو المبني على السكون يجوز حذف النون منه الفعل المضارع، (ولا تك) فعل مضارع مجزوم (بلا الناهية)، فيجوز في اللغة أن تقول (ولا تكن) ويجوز أن تقول (ولا تك) وقد جاء في القرآن: ﴿ وَلا تَكُن فِي ضَيْقٍ ﴾7 (ولا تك في ضيق) جائز، والناظم آثر حذف حرف النون للنظم؛ لأنه لا يستقيم معه النظم إلا هكذا، (ولا تك بدعيا).

(لا تك بدعيا) نسبة إلى البدعة، يعني لا تكن من أهل البدعة. فتنسب إليها، لا تك بدعيا، لا تكن مبتدعا، والبدعة هي ما أحدث في الدين، أو أدخل في الدين وليس منه، على حد قوله -صلى الله عليه وسلم-: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد »8 وقوله -صلى الله عليه وسلم-: « وشر الأمور محدثاتها »9 « إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة »10 شر الأمور محدثاتها.

وهذه الوصية الثالثة من الناظم فيها تأكيد لما قبل، فإن اتباع الهدى هو اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع الهدى والتمسك بكتاب الله فيه العصمة من الضلال، من البدع، والبدع ضلالات (البدع ضلالات) لكن أيضا كما ذكرت أن هذه الوصية وإن كانت داخلة ضمن ما سبق ففي التنصيص عليها تحذير، والله تعالى يجمع في كتابه بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده.

(ولا تك بدعيا) يعني كن سنيّا، كن متبعا لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا تكن من أهل البدع، والبدع أنواع:

بدع اعتقادية وبدع عملية. وأخطرها البدع الاعتقادية وهي أسبق في الأمة من البدع العملية، يعني من حيث الوقوع، فالبدع الاعتقادية مثل أصول البدع، بدعة القدر، أي نفي القدر، وبدعة الخوارج، وهي التكفير بالذنوب، بدعة الرافضة وهي الغلو في آل البيت، في علي خصوصا في علي رضي الله عنه، هذه البدع اعتقادية، وبدعة الإرجاء، وهي تأخير الأعمال عن مسمى الإيمان، هذه كلها بدع اعتقادية.

ومن البدع الكبيرة المتأخرة: بدعة التعطيل، وهي نفي أسماء الرب وصفاته، فهذه بدعة كبرى من أقبح البدع، فهي أكبر مما قبلها، ولهذا تأخر خروجها، يعني ظهور بدعة التعطيل لم تظهر في الأمة الإسلامية إلا في القرن الثاني، في أوائل القرن الثاني بخلاف البدع الأولى فقد جاءت في النصف الأول بل وقبل النصف الأول من القرن الأول، في عصر الخلافة النبوية، خلافة النبوة، في خلافة علي -رضي الله عنه- ظهرت بدعة الخوارج وبدعة الرافضة.

وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول ما معناه: (إنه يظهر من البدع أولا ما كان أخفى) فالبدع إذا كانت أظهر -يعني فسادا وبطلانا- تأخر خروجها، فلهذا تأخر ظهور بدعة التعطيل.

ولا تك بدعيا بل كن سنيا، ضد البدعي السني. فهما رجلان: هذا بدعي يعني مبتدعا، ينتحل بدعة من البدع، إما قدري، أو مرجئ، أو خارجي من الخوارج أو .. أو .. والسني هو المعتصم بالسنة، ولهذا صار الناس في هذه الأمة افترقت كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- فرقا شتى، فرق كثيرة، وذلك من قوله -عليه الصلاة والسلام-: « وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي »11 وفي لفظ: « وهي الجماعة »12 وهي الجماعة المتجمعة على الحق، على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالناس بين سني وبدعي، فمن سلك طريق السلف الصالح من الصحابة والتابعين فهو من أهل السنة، وأهل السنة... ويتبين هذا بمعرفة مذهب أهل السنة، مذهب أهل السنة في الاعتقاد، جماعة الإيمان بالأصول الستة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة، أهل السنة والجماعة) وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر وخيره وشره، هذه أصول اعتقاد أهل السنة. إذن المبتدعة لا بد أن يخالفوا شيئا من هذه الأصول، المبتدعة لا بد أن يخالفوا بعض هذه الأصول.

قال الناظم رحمه الله بعد هذه الوصايا الثلاث: (لعلك تفلح)، يعني رجاء أن تفلح، ولعل في مثل هذا كما جاءت في القرآن فسرت بمعنى الرجاء لعل، وفسرت بمعنى التعليل، كما نجد في القرآن ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾13 ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾14 ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾15 أي لتفلحوا أو لتتقوا، للتعليل، وتفسيرها بمعنى التعليل في القرآن لعله أظهر، وإذا فسرت في معنى الرجاء يعني راجين أن تفلحوا أو رجاء أن تفلحوا أو تتقوا.

(لعلك تفلح)،

تمسك بحبل الله واتبع الهدى

ولا تـك بدعيـا لعلـك تفلـح

والفلاح هو الفوز والظفر بالمطلوب، ويفسر في اللغة العربية بمعنى الخلود، والخلود في النعيم هو من مقومات الفوز العظيم والفوز الكبير، ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾16 ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾17 ووصف الله المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بالله وكتبه وباليوم الآخر بهذا..: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾6 .

ولهذا قال الناظم: (لعلك تفلح) إذا فعلت يعني عملت بهذه المعاني، هذه الوصايا، فهي سبيل الفلاح.

تمسك بحبل الله واتبع الهدى

ولا تـك بدعيـا لعلـك تفلـح

ثم قال:

ودن بكتـاب الله والسنن التي

أتت عن رسول الله تنجو وتربح

نجد أن هذا البيت أيضا يمكن أن يكون مضمونه داخلا في البيت قبله. (دن بكتاب الله). دن: فعل أمر من (دان - يدين) بمعنى خضع وذل وتعبد، (دن بكتاب الله)، (دن بكتاب الله) يعني تعبد لله بكتاب الله، اخضع لله بالإيمان بكتاب الله والعمل بكتاب الله.

(دان) والدين يطلق على معان كثيرة منها: الشريعة، الملة، الجزاء، الجزاء كما في آيات كثيرة ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾18 يوم الجزاء، ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾19 والدين اسم لما يتدين به الإنسان ويتعبد به، ويخضع به، والدين نوعان (دين حق ودين باطل)، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾20 وهما دينان: دين الله الذي هو الإسلام، وهو الحق، وضده: وهو أنواع الكفر، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾21 إلى قوله ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾22 ودين الله هو دين رسله هو الدين الذي بعث به رسله من أولهم إلى آخرهم, هو الإسلام. قال صلى الله عليه وسلم: « إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد »23 .

يقول الناظم: (ودن بكتاب الله). كتاب الله هو القرآن، هذا اسم من أسماء القرآن، القرآن له أسماء (الكتاب، والقرآن، والفرقان، والتنزيل، والهدى، والنور) له أسماء كثيرة، وكل اسم -كما سبقت الإشارة إلى هذا آنفا- كل اسم له دلالة، حتى فسر (الصراط) بالقرآن ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾24 فسر بالقرآن، فالقرآن (هو الصراط المستقيم) وهو الذكر الحكيم، وهو النور المبين.

والله سمى القرآن (كتابا) في آيات كثيرة جدا. ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾25 ﴿ حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾26 ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾27 كم نجد في القرآن لكن يأتي الكتاب في القرآن بمعنى يعني لفظ الكتاب يأتي مرادا به الكتاب المنزل الذي هو القرآن، ويأتي مرادا به معان أخرى، لكن هذه الآيات والمراد بها القرآن، ﴿ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾28 هو القرآن ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾25 هو القرآن. ويطلق كتاب الله على حكم الله، ويطلق على الكتاب الأول، أم الكتاب، وكتاب المقادير ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾29 ذاك هو كتاب القدر ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾30 .

(ودن بكتاب الله) والدينونة أو التدين أو الدِّين بكتاب الله: الإيمان بكتاب الله، والعلم بكتاب الله، والعمل بكتاب الله، كل ذلك يدخل في التدين بكتاب الله. (دن بكتاب الله) إيمانا وعلما وعملا.

(والسنن التي أتت عن رسول الله) السنن جمع سنة، وهي في اللغة: الطريقة، والمراد بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الطريقة التي جاء بها وسار عليها، وهي هديه، وهي تتناول ثلاثة أمور عند أهل العلم: (أقوال الرسول، وأفعاله التي -نعم أفعاله عموما- وتقريراته ما يقر عليه). فالسنة ثلاث: (قولية - وفعلية - وتقريرية).

وكل حكم من هذه الأحكام في أي مسألة يقال هذه سنة، سنة الرسول يعني في كذا، سنته في الصلاة، سنته في الركوع، في السجود، السنة في كذا، السنة في كذا، سنة الرسول مطلقة، شاملة لأقواله وأفعاله وتقريراته، وإذا أريد شيء معين يقيد، سنة الرسول في كذا، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- بيّن للناس ما نزل الله من وحيه ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾31 .

ونقول: ولهذا يقال لكتب الحديث (كتب السنة)، سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا اعتبرنا -يعني- متعلقات سنة الرسول المتعددة من الأقوال والأفعال والاعتقادات قلنا السنن، ولهذا بعض من صنف في السنة سماها السنن، سنن فلان، سنن أبي داود، سنن الترمذي، السنن يعني ألف أو هذا المؤلف تضمن ذكر سنن الرسول عليه الصلاة والسلام، السنن سنن الرسول في سعيه في أمور الدين.

قال المؤلف يعني الناظم (ودن بكتاب الله والسنن) يعني ودن أيضا بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني لا بد من التدين بهما، والإيمان بهما، والعلم بهما والعمل، (والسنن) فلا يجوز الاقتصار على القرآن، بل لا يمكن، يعني هما مصدران لدين الله، هما مصدران للعلم النافع (الكتاب والسنة) وكلاهما وحي، الكتاب والسنة كلاهما وحي منزل من عند الله بنص القرآن، ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾27 وقال سبحانه: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ﴾32 والحكمة هي السنة، ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾33 فالحكمة التي هي السنة قرينة القرآن في القرآن، الحكمة اللي هي سنة قرينة القرآن في القرآن، كما أن الزكاة قرينة الصلاة في القرآن وفي السنة، الزكاة قرينة الصلاة.

السنة النص على السنة، وبيان -يعني- أنها حق وأنه يجب الإيمان بها واتباعها، هذا مستفيض في القرآن، فمن أنكر السنة فهو كافر، من أنكر العمل وقال لا نؤمن ولا نعمل، يعني لا نعمل إلا بالقرآن فهو كافر، بل في الحقيقة لا يمكن العمل بالقرآن إلا مع العمل بالسنة، فالسنة شارحة، السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه، السنة، ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾31 .

فالله فرض الصلاة في آيات وبين بعض أحكامها القليلة ولكن بيان أحكامها تفصيلا إنما علم في السنة، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- بيّن كيفية الصلاة وقال: « صلوا كما رأيتموني أصلي »34 وقل مثل ذلك في الحج، وقل مثل ذلك في سائر أحكام الواجبات، جاءت في القرآن مجملة وجاءت السنة ببيان تفصيلها، وإذا فلا بد من الإيمان بالكتاب والسنة، ولا بد من العلم بهما، ولا بد من العمل بهما.

ودن بكتاب الله والسنن التي

أتـت عن رسول الله ........

قوله: (التي أتت عن رسول الله) توضيح، صفة توضيحية، الوصف يا إخوان النعت أحيانا تكون صفة مؤسسة، وهي التي كلها مفهوم، يقصد فيها الاحتراز من شيء آخر، وأحيانا تأتي للتوضيح، لمحض التوضيح. وهكذا قول الناظم هنا: (التي أتت عن رسول الله) توضيح، للتوضيح فقط، لما قال (ودن بكتاب الله والسنن) أو قال (والسنة) يتبادر إلى فهم المسلم أن المراد سنن الرسول، والسنة هي سنة الرسول -عليه الصلاة والسلام- لكن جاء قوله زيادة توضيح، (التي أتت عن رسول الله).

(جاءت عن رسول الله) جاءت بمعنى، جاءت يعني وثبتت. ما هو مجرد.. بصيغة الجزم التي (جاءت) جزما، لم يقل رويت (السنن التي رويت) لا، في فرق بين (جاءت) و(ثبتت) وبين (رويت) كما تعلمون أن نسبة الحديث إلى الرسول يكون إما بصيغة جزم، بصيغة الجزم (جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام)، لا يجوز أن تقول (جاء أو قال رسول الله) (أو ثبت عن رسول الله) إلا فيما صح. يمكن (جاء) أقل في الجزم لكن (روي) صيغة يسمونها صيغة تمرير، يذكر عن النبي -عليه الصلاة والسلام- روي عن النبي عليه الصلاة والسلام.

الناظم يقول: (والسنن التي أتت عن رسول الله)، يريد (أتت) ثابتة. (أتت عن رسول الله).

ودن بكتاب الله والسنن التي

أتـت عن رسول الله ........

الرسول هو المراد به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالمناسبة تعلمون مسألة الفرق بين النبي والرسول، والفرق المشهور، أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، هذا التعريف المشهور.

ولكن هذا في الحقيقة غير مستقيم. فإن تعريف النبي بما ذكر يقتضي أن النبي لا يعلم ولا يأمر ولا ينهي ولا يبلغ، وهذا غير صحيح، بل الأنبياء أرسلهم الله يحكمون بين الناس ويعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، كما قال الله تعالى في أنبياء بني إسرائيل: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾35 الآية.

والأنبياء -يعني- لهم حظ من الإرسال، وهو الإرسال الشرعي، الإرسال العام الشرعي، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾36 فالنبي مرسل، مكلف، مأمور، يعني يعلم ويدعو وينهي، ولهذا التعريف أو الفرق السديد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب النبوات: أن الرسول بالمعنى الخاص هو من أرسل إلى قوم مكذبين، والنبي من أرسل إلى قوم مؤمنين يعلمهم ويذكرهم ويحكم بينهم كما في الآيات.

(والسنن التي أتت عن رسول الله) وإذا أطلق رسول الله في عرف المسلمين ينصرف إلى من؟ إلى محمد صلى الله عليه وسلم (أتت عن رسول الله).

قال المصنف (تنجو وتربح) هو الناظم يقول (تنجو وتربح) هذا من جنس قوله (لعلك تفلح) وهذا جواب، جواب (تنجو وتربح) النجاة: السلامة من المهالك والشرور، والربح ضد الخسران، وكلاهما مطلب، أعني النجاة والربح مطلب، بهما السلامة من الشقاء.

وجواب أقول (تنجو وتربح) على جواب الأمر جواب الطلب (دن) هذا طلب (دن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله) هذا طلب وقوله (تنجو) هذا جوابه، وجواب الطلب يقول أهل النحو أي النحويون: إنه يجوز فيه الجزم والرفع، الفعل المضارع إذا جاء جوابا يجوز فيه هذا وهذا؛ (اتق الله تفلحْ) (اتق الله تفلحُ) يصح هذا وهذا، والنظم يقتضي رفع الفعل (تنجو وتربح).

ودن بكتـاب الله والسنن التي

أتت عن رسول الله تنجو وتربح

وقلت لكم: إن مضمون البيت الثاني يندرج في البيت الأول لكن فيه تنبيه وتفصيل آخر وهو التنصيص على التمسك بالكتاب والسنة، تنصيص على التمسك والتدين بشريعة الله التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ففيه زيادة بيان وزيادة معنى، وهذان البيتان -كما لا يخفى- تضمنا هذه الوصايا العامة الجامعة، وما بعد ذلك من الوصايا هي وصايا تفصيلية تتعلق بأشياء مخصوصة مندرجة في هذه الوصايا العامة، إذًا فالناظم صدّر هذه المنظومة في هذين البيتين بهذه الوصايا العامة تمهيدا لما ينبه عليه وينص عليه من الوصايا المهمة. نعم يا شيخ.
- ...
هه؟
- ...
نعم قل.

1 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:103
2 : سورة الأعراف (سورة رقم: 7)؛ آية رقم:170
3 : سورة التوبة (سورة رقم: 9)؛ آية رقم:33
4 : سورة طه (سورة رقم: 20)؛ آية رقم:123
5 : سورة الإسراء (سورة رقم: 17)؛ آية رقم:15
6 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:5
7 : سورة النمل (سورة رقم: 27)؛ آية رقم:70
8 : البخاري : الصلح (2697) , ومسلم : الأقضية (1718) , وأبو داود : السنة (4606) , وابن ماجه : المقدمة (14) , وأحمد (6/256).
9 : مسلم : الجمعة (867) , والنسائي : صلاة العيدين (1578) , وابن ماجه : المقدمة (45) , وأحمد (3/310) , والدارمي : المقدمة (206).
10 : مسلم : الجمعة (867) , والنسائي : صلاة العيدين (1578) , وابن ماجه : المقدمة (45) , وأحمد (3/310) , والدارمي : المقدمة (206).
11 : أبو داود : السنة (4597) , وأحمد (4/102) , والدارمي : السير (2518).
12 : أبو داود : السنة (4597) , وأحمد (4/102).
13 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:21
14 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:132
15 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:189
16 : سورة النور (سورة رقم: 24)؛ آية رقم:31
17 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:200
18 : سورة الفاتحة (سورة رقم: 1)؛ آية رقم:4
19 : سورة الانفطار (سورة رقم: 82)؛ آية رقم:17
20 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:85
21 : سورة الكافرون (سورة رقم: 109)؛ آية رقم:1
22 : سورة الكافرون (سورة رقم: 109)؛ آية رقم:6
23 :
24 : سورة الفاتحة (سورة رقم: 1)؛ آية رقم:6
25 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:2
26 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:1 - 2
27 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:113
28 : سورة الزخرف (سورة رقم: 43)؛ آية رقم:2
29 : سورة فاطر (سورة رقم: 35)؛ آية رقم:11
30 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:59
31 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:44
32 : سورة الأحزاب (سورة رقم: 33)؛ آية رقم:34
33 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:129
34 : البخاري : الأذان (631) , والدارمي : الصلاة (1253).
35 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:44
36 : سورة الحج (سورة رقم: 22)؛ آية رقم:52