موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح حائية ابن أبي داود
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح حائية ابن أبي داود لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح حائية ابن أبي داود
 مقدمة
 التمسك بالكتاب والسنة
 عقيدة السلف في كلام الله عز وجل
 قول الواقفة في القرآن
 رؤية الله عز وجل
 إنكار الجهمي رؤية العباد لربهم
 مذهب الجهمية في يدي الله عز وجل
 مسألة نزول الله عز وجل
 فضل الصحابة وتفاضلهم ومحبتهم
 فضل العشرة المبشرين بالجنة
 فضل أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وسبطيه
 فضل أم المؤمنين عائشة ومعاوية رضي الله عنهما
 فضل المهاجرين والأنصار
 فضل التابعين
 الطعن في الصحابة
 الإيمان باالقدر
 الإيمان باليوم الآخر
 خروج الموحدين من النار
 شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
 التكفير بالمعصية
 عقيدة الخوارج
 عقيدة المرجئة
 تقديم قول الله ورسوله على كل قول
 الطعن في أهل الحديث
 فضل الإيمان بالله ورسوله
شرح حائية ابن أبي داود - مقدمة
مقدمة

حائية ابن أبي داود

مقدمة

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه .

أيها الأخوة: نبدأ معكم في هذه الدورة المباركة -جزى الله القائمين عليها والمعينين عليها خيرا- ووفقنا وإياكم للعلم النافع، نسأل الله أن يعلمنا وإياكم علما نافعا، وأن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا.

ولا يخفاكم أيها الأحباب ضرورة المسلمين في كل زمان ومكان -ولا سيما في هذا العصر- إلى العناية بالعلوم الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه طغى في هذا العصر ما يسمى بعلم المادة، أي العلوم الدنيوية غلبت على الناس، وسيطرت على أفكارهم واهتماماتهم.

فمعظم الناس من المسلمين، دع الكفار فلا شأن لنا بهم، ولا يُنتظر منهم إلا ما هم عليه، لكن غلب على المسلمين الاهتمام بالعلوم المادية الدنيوية، والزهد في العلوم الشرعية.

وإذا وجد الإنسان من نفسه محبة للعلوم الشرعية ورغبة فيها، في تحصيلها من مصادرها وفي التلقي ممن تهيأ له ممن يجد عنده -يعني فائدة- فليحمد الله على هذه النعمة؛ لأن محبة الخير هي خير، محبة العلم الصحيح، علم الكتاب والسنة، وعلم السلف الصالح، العلوم الشرعية هي علم السلف، اقرءوا تأريخ المسلمين إذا ذكروا العلماء، مَنْ العلماء في عرف المسلمين في الصدر الأول والقرون الأولى؟ مَن العلماء؟ العلماء هم العلماء بكتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- العلماء بالعلوم المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ومرتبطة بهذين الأصلين.

العلوم الشرعية أنواع: ومنها -يعني- ما يسمى بعلوم الآلة، العلوم المعينة, فيه علوم شرعية أساسية وهي التي جاءت -يعني- جاء بها الوحي، هذه العلوم الشرعية الأساسية ثم ما بعدها علوم معينة، وهي وسيلة لتحصيل تلك العلوم الأساسية، ففهم القرآن وفهم السنة يحتاج إلى وسائل وإلى أشياء وعلوم معينة على الفهم، على فهم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

فالعلماء في مفهوم المسلمين الأوائل إلى عصور يعني أيضا متأخرة، لكن مفهوم العلماء هم العلماء بالعلوم الشرعية تجد المحدثين والفقهاء؛ بل وكذلك يعني أهل اللغة، اللغويون يعني معدودون في العلماء؛ لأن اللغة العربية هي لغة الكتاب والسنة، لغة القرآن، فهي علم شرعي، معرفة العلوم اللغوية؛ لأنها وسيلة معينة لفهم الكتاب والسنة .

أما الآن فخرج علماء، اسم العلماء صار -يعني- ينصرف في عرف كثير من المسلمين، إلى علماء العلوم المتنوعة المختلفة المادية، ولهذا يقال علماء كذا علماء الغرب، وعلماء كذا وعلماء كذا، فإذا جاء علماء كذا بالإضافة تبينت المسألة، علماء الطب، علماء الكيمياء، علماء علم كذا، بالإضافة يعني، الإضافة تحدد، لكن أعني إطلاق العلم وإطلاق العلماء اسم العلماء، هذا هو الذي فيه يعني الاختلاف، وهو اسم لعلماء الشريعة -علماء العلوم الشرعية- هذا هو الأصل في مفهوم العالِم والعلماء والعلم، والترغيب في العلم، والحث على العلم.

فالشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لما في مطلع الأصول الثلاثة قال في المسائل الأربع: الأولى العلم، وفسر هذا العلم، المراد به ماذا؟ معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، فالحاجة ماسة إلى هذا العلم، العلم الشرعي، والعلم الشرعي هو الذي تزكو به النفوس، وتستنير به البصائر، سماه الله نورا، سماه الله نورا وهدى، فيه نور وفيه هدى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾1 ما هو الهدف؟ ما هو ذلك النور الذي أنزله؟ النور الذي أنزله هو الكتاب والسنة ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾2 الكتاب والحكمة هي الكتاب والسنة، القرآن والسنة هو النور، أما ما عداه من العلوم فلا يسمى نورا.

يعني ضعوا في أذهانكم إن العلوم الأخرى ليست نورا؛ لأنها لا يحصل بها الاستبصار والفرقان بين الحق والباطل العلم المنزل هذا هو الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، يحصل به التبصير حتى يبصر الإنسان طريقه في الحياة، يبصر طريقه في الحياة، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾3 فآمنوا ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾4 .

فالمقصود أن العلم الشرعي ضروري للإنسان، منه ما هو فرض على الأعيان، وهو ما لا يقوم دين الإنسان إلا به، فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، يجب على الأمة الإسلامية أن تعلم أن يكون فيها من يعلم أن يعلم ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم-، لا بد يجب على الأمة أن يكون فيها من يعلم العلوم الشرعية؛ حتى يكون ذلك سببا في بقاء هذا الدين وبقاء العلم الموروث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهذا محقق لا بد أن يكون فيها ولله الحمد؛ للضمان الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾5 وللخبر الصادق عنه -صلى الله عليه وسلم- في قوله: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين »6 على الحق، لا بد أن تكون قائمة بالحق علما وعملا.

القيام لا يتحقق إلا بالعلم والعمل جميعا، والمقصود على كل حال أن هذه الدورات التي عني بها الموفقون إنها يعني تدعو وتمس الحاجة إليها لوجود النقص الكبير في عناية الناس بالعلوم الشرعية، فوفق الله الجميع لكل خير، ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى.

وموضوعي معكم كما هو مبين في الجدول هو منظومة العلامة الحافظ ابن أبي داود، وهو أبو بكر عبد الله بن سليمان بن أبي داود سليمان بن الأشعث صاحب السنن، ابن أبي داود، أبو بكر عبد الله هو ابن أبي داود، أبو داود هو سليمان بن الأشعث السجستاني الإمام المعروف صاحب السنن، وهي إحدى الأمهات، أمهات الحديث، مصادر الحديث المعروفة المعتمدة عند أهل العلم في هذا الشأن.

وابن أبي داود هو أحد الحفاظ المكثرين من الرواية، وأحد الثقات، وقد عني به أبوه منذ الصغر في تأهيله فطوّف به البلاد شرقا وغربا ليتلقى وليسمع من الشيوخ، وقد حصل له ما أراد، فبرز ابنه وصار أحد الحفاظ الكبار والثقات، وذُكر له مؤلفات في ترجمته ولكني لا أذكر أن شيئا منها معروف، قالوا (السنن)، و(المسند) , و (الناسخ والمنسوخ).

ومن آثاره هذه المنظومة المشهورة التي اشتهرت عند المؤرخين للأعلام، فهي مشهورة عند أهل العلم، هذه المنظومة المشهورة بالحائية، حائية أو منظومة ابن أبي داود، ولعلها -يعني- إن لم تكن أول نظم في العقيدة فلا شك أنها من أول ما نسج على هذا المنوال، فإن أهل العلم لما قامت حركة التأليف وحركة الجهاد باللسان والرد على المبتدعين ألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة ومعظمها -يعني- بذكر الأدلة وجمع الأدلة، كلها مؤلفات يعني على سبيل يعني بالنثر.

ومن الأساليب تأليف بعض العلوم بالنظم، تأليف بعض العلوم بالنظم، أو نظم بعض العلوم، وهذا منهج تطور، تطور وتوسع كثيرا حتى إنه بعض كتب الفقه نظمت بالآلاف، وفي العقيدة كذلك فيه قصائد نظم لمسائل العقيدة، وأعظم وأطول نظم في العقيدة (الشافية الكافية) التي هي القصيدة النونية للإمام ابن القيم رحمه الله، النونية هذه تقرب من ستة آلاف بيت كلها في عقيدة أهل السنة والجماعة، (الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية).

وهذه المنظومة التي نحن بصددها محدودة الأبيات قليلة، غايتها ما أثبت عندكم، أكثر ما وجد هي هذه المجموعة، أربعون بيتا تقريبا، ولكنها تضمنت يعني تأصيلا وتضمنت بيان معتقد أهل السنة لعله في أهم المسائل، ولا بد أن يكون ذلك على وجه الإجمال مع هذا الاختصار لا يمكن إلا أن يكون على وجه الإجمال.

وقد صدَّر -رحمه الله- الناظم، صدَّر قصيدته يعني جعلها في صيغة وصايا للسني أو للمسلم، وصدرها بوصايا عامة، ثم نص على جملة من مسائل الاعتقاد، ونسمع من الشيخ هذين البيتين الأولين نعم.

1 : سورة التغابن (سورة رقم: 64)؛ آية رقم:8
2 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:113
3 : سورة الحديد (سورة رقم: 57)؛ آية رقم:28
4 : سورة الأعراف (سورة رقم: 7)؛ آية رقم:157
5 : سورة الحجر (سورة رقم: 15)؛ آية رقم:9
6 : مسلم : الإمارة (1920) , والترمذي : الفتن (2229) , وأبو داود : الفتن والملاحم (4252) , وابن ماجه : المقدمة (10) والفتن (3952) , وأحمد (5/279).