موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بين يدي هذه الرسالة مراعاة أحوال المخاطبين - شرح كتاب التوحيد (كلمة الإخلاص)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب التوحيد (كلمة الإخلاص) لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح كتاب التوحيد (كلمة الإخلاص)
 بين يدي هذه الرسالة مراعاة أحوال المخاطبين
 النص المحقق
 أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها
 شروط لا إله إلا الله
 شروط دخول الجنة
 فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة
 الشرك والكفر له أصل وفروع
 طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن
 دلالة محبة الله عز وجل
 تلازم الظاهر والباطن
 النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم
 احذروا الرياء
 من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة
 فضائل كلمة التوحيد
شرح كتاب التوحيد (كلمة الإخلاص) - بين يدي هذه الرسالة مراعاة أحوال المخاطبين
كتاب التوحيد لابن رجب الحنبلي

كتاب التوحيد (كلمة الإخلاص)

بين يدي هذه الرسالة
مراعاة أحوال المخاطبين

صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

نبدأ هذا الدرس معكم -وفقكم الله- من خلال قراءة كتاب التوحيد، أو كتاب موسوم بكلمة الإخلاص وحقيقة معناها، للإمام العلَم العلامة أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، المعروف الشهير، من كبار أئمة الحنابلة، وهو ترجمته بين أيديكم، وهي مدونة في المصادر العديدة، وهو من أعلام القرن الثامن، وله المؤلفات المتنوعة في الفقه والأصول والحديث، وفي العقيدة كما في هذا الكتاب المختصر المبارك.

وهذه الرسالة تُعْنَى بهذا الموضوع العظيم؛ موضوع كلمة التوحيد وما تقتضيه، وما ورد فيها من الأحاديث التي اشتبه معناها على كثير من الناس.

ولاحظت أن الكتاب قد عُنِي به أهل العلم، من حيث الطباعة والتحقيق، والتخريج لما فيه من الأحاديث، والذي وقع لي من هذه الطبعات والتحقيقات تحقيق الأستاذ صبري سلامة شاهين، ولاحظت أنه -يعني- قد وُفِّق في هذا التحقيق، وقدم للكتاب مقدمة في التوحيد أيضا مناسبة، فلا أدري لعل هذه الطبعة معكم أو مع بعضكم، هه؟ هي التي معك؟ جيدة، أظن أنها أجود الطبعات والتحقيقات، فلهذا أقترح أن نستهل هذا اللقاء وهذا الدرس بقراءة ما في صفحة عشرين، ما عندك؟ العنوان بين يدي هذه الرسالة.

نعم، تفضل يا شيخ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -وفقه الله تعالى-: تغلغل الفقه الإرجائي في الأمة حتى غدا الإيمان قولا، والتوحيد شعارا، والإسلام إرثا وانتسابا، وصادف هذا الفكر قلوبا خاوية، فاستحكم من القلوب والعقول وفي حياة البشر، وكما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصــادف قلبــا خاليـا فتمكنـا

فترك الناس الفرائض والواجبات والسنن، واكتفوا بقول: "لا إله إلا الله" وظنوا أن دينهم محفوظ، وإسلامهم مصون، وإيمانهم لا غبار عليه، فهم يؤمنون برب واحد للكون، لا يعتقدون بالتثليث، ويعرفون أن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، ويؤمنون -على حد زعمهم- باليوم الآخر، والحساب والعقاب، والجنة والنار.

وقد يؤدي بعضهم صلاة الجمعة والعيدين، وقد يصوم البعض، وقد يصوم البعض الآخر شهر رمضان، أو بعض أيام منه، وقد يعتمر البعض الآخر ويحج بيت الله الحرام، ويظنون أنهم على خير، وعلى جادة الطريق.

والكثير ممن ينتسبون لهذا الدين يعتقد النفع والضر بيد بعض الأولياء والصالحين، فيتوسل بهم، ويستغيث، وينذر لهم، ويحلف باسم الواحد منهم، ويظنون أنهم على خير ما داموا يقولون: "لا إله إلا الله".

وقد سرت أحاديث: « من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة »1 « وأخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله »2 وما شابه ذلك حتى سرت هذه الأحاديث في العامة سريان النار في الهشيم، فأتت على الأخضر واليابس.

فظن أكثر المنتسبين إلى الملة أن النطق بالشهادتين يكفي في إثبات صفة الإسلام ودخول الجنان، وإن تركوا الصلوات، وفعلوا المنكرات كالاستهزاء بالله ورسوله وآياته، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، ووالوا أعداء الله من اليهود والنصارى والملحدين، وحكَّموا في الناس الشرائع الكفرية، والقوانين الوضعية الجاهلية، نشأ على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، حتى صار في عُرف العامة ومعتقدهم عند بعض الدعاة أن هذا هو الوضع السليم، والأمر الذي لا يُحتاج إلى وقفة، بل وقفات؛ اللهم إلا بعض الإصلاحات من هنا ومن هناك.

وأصبح الإنكار متوجها على من ينكر ذلك الوضع، أو يضع يده على أصل الداء، أو يحاول أن يهز بعنف هذا السبات الذي هو أشبه منه بالموت، ويوقظ الغافلين الذين هم واقعين في شراك عدو الله إبليس اللعين، يُنكر على من ينكر المنكر، ويدعو إلى عودة الناس إلى ربهم بإخلاص دينهم لله وإسلام وجوههم لربهم، وتخليص حياتهم من الشركيات والوثنيات.

وهذه الرسالة التي بين أيدينا تعالج هذا الأمر، وتدعو إلى أن الإيمان والإسلام قول وعمل، ولا ينفع قول بلا عمل، وإن فُهِمَ من بعض الأحاديث أن القول ينفع دون أن يُقرَن بعمل، وهذا ما لا يكون بإذن الله.

أقول: إن مَنْ فهم ذلك ممن قصر فهمه وقل عقله، فينبغي ألا تُنشَر على مسامعه هذه الأحاديث، وتُحجب عنه، ما دام فهمه يؤدي به إلى غير ما أراد الشرع، وهذا ما فهمه الصحابة وسلف هذه الأمة الصالح، الذين ما إن سمعوا مثل هذه الأحاديث حتى ازدادوا عملا وإقبالا على الله.

أما في القرون المتأخرة اتُخِذت مثل هذه الأحاديث ذريعة إلى ترك التكاليف، والاستهانة بالفرائض، وجرأة على انتهاك الحرمات، حتى وصل الحال بهذه الأمة إلى ما صارت إليه مما لا يخفى على ذي عينين، والله المستعان.

قال العلامة جمال الدين القاسمي. ..


إلى آخر القول نقول: يكفي ما أدلى به المحقق رحمه الله، وجزاه الله خيرا.

هذه المقدمة مقدمة حسنة ونافعة، وهي -في الحقيقة- تنبه إلى أمر عظيم، وهو خطر منهج الإرجاء.

والإرجاء معروف أن مضمونه هو أن الإيمان هو مجرد التصديق، أو أن الإيمان هو مجرد المعرفة، أو أن الإيمان هو مجرد القول باللسان كما هي أقوال لطوائف المرجئة، وهذا يخالف ما دلت عليه آيات الكتاب وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أن الإيمان قول وعمل، اعتقاد وعمل، اعتقاد بالقلب، وعمل القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح.

فدين الله الذي بعث به رسله، أو هذا الدين الذي بعث الله به محمدا -عليه الصلاة والسلام- جاء بشريعة عظيمة مشتملة على اعتقادات مفصلة، وأعمال قلبية مفصلة، وأعمال للجوارح مفصلة، أفعال وتروك، حلال وحرام، وواجبات وفرائض، مبادئ الإسلام وواجبات.

فليس دين الإسلام هو أن يقول الإنسان: "لا إله إلا الله" فقط، هذه الكلمة لها مدلولها العظيم، مدلولها عظيم، فكيف يجعل النطق بها يجعل الإنسان مسلما مهما كان؟ مهما فعل؟ مهما فعل من المنكرات؟ بل من الكفريات، بل من الشرك؟

أو كما قال -وفقه الله- في هذه التقدمة: إن مذهب الإرجاء قد استشرَى في الأمة، وقد أدى إلى ألا يبقى مع كثير من المسلمين، ألا يبقى معهم من الإسلام إلا مجرد الاسم، فالمشركون الذين يعبدون القبور بأنواع العبادات لا يُنكَر عليهم ذلك؛ لأنهم يقولون: "لا إله إلا الله" وهذا غرور من الشيطان، غرور من الشيطان.

كذلك كثير من المسلمين يجترئ على المعاصي، يُقدم عليها بجرأة واستخفاف معتذرا بأنه يقول: "لا إله إلا الله" يتكل على أحاديث الوعد، يتكل على هذه الأحاديث التي سنمر بها في هذه الرسالة.

فمذهب المرجئة يؤدي إلى الاستخفاف بهذا الدين، استخفاف بدين الإسلام يؤدي إلى الجرأة على المحرمات من كبائر الذنوب، وما هو أكبر منها: من الشرك، من الطواف بالقبور، والذبح للأموات، والدعاء والاستغاثة بالأموات، وكذلك أنواع من الكفر التي تجري على ألسنة بعض الناس.

فهو خطر عظيم، يعني: هذا المنهج جَرّ إلى هذا الواقع الأليم، واقع أليم، سبحان الله! لا إله إلا الله، يكفيك من دين الإسلام أن تقول: "لا إله إلا الله" بلسانك.

ولهذا، غلاة المرجئة يذكر أهل العلم أن مذهبهم مبني على هذه المقولة: "لا يضر مع الإيمان ذنب". الإيمان الذي هو التصديق أو الاعتراف، "لا يضر مع الإيمان ذنب الإيمان كما لا ينفع مع الكفر طاعة".

فمن اعتقد ذلك فهو كافر، لا يضر، لا يضر مع التصديق من يقول، لا يضر مع قول: "لا إله إلا الله" لا يضر معها ذنب فهو كافر، النصوص دلت على أن الذنوب تضر، وهناك ذنوب توجب الكفر والخلود في النار لمن مات عليها.

ويقابل منهج المرجئة منهج الذين يكفرون بالذنوب، فهما على طرفي نقيض، ولهذا أهل السنة والجماعة على صراط مستقيم، على صراط الله بين هؤلاء وهؤلاء، وسط في الأفعال، في أسماء الدين والإيمان والأحكام بين الحرورية وبين المرجئة، بين الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة، وسط.

فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة يُقنِّطُون أصحاب الذنوب، والمرجئة يؤمنونهم من عذاب الله، يؤمنونهم من عذاب الله، وأهل السنة والجماعة بالنسبة لأهل الكبائر التي دون الكفر والشرك يقولون لهم فيهم ما قاله الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾3 .

وأما الشرك وأنواع الكفر فلا؛ هذه توجب الخروج، أنواع الردة، نواقض الإسلام، النواقض يخرج بها الإنسان عن الإسلام وإن كان يقول: "لا إله إلا الله" وإن كان يقولها.

فـ"لا إله إلا الله" إنما تعصم دم الإنسان في الدنيا وماله، وتعصمه في الآخرة من الخلود في النار، تعصمه من دخول النار إذا لم يأتِ ما يوجب؛ فإن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي، ماذا تقتضي؟

"لا إله إلا الله" معناها: لا معبود بحق إلا الله. هل تقتضي مجرد اعتقاد؟ لا تقتضي اعتقاد أمرين، اعتقاد أن الله هو الإله المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه لا يستحق العبادة، فهذا اعتقاد.

وتقتضي عمل، تقتضي عبادة الله، تخصيصه بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، فهي تقتضي اعتقادا، وتقتضي عملا.

فالأول: هو المذكور في قوله: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾4 .

والثاني: من قوله: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾5 ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾6 .

﴿ أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾6 .

فالذي يقول بلسانه: "لا إله إلا الله" وهو لا يبرأ من المشركين وشركهم، ولا يعتقد بطلان ما هم عليه وضلالهم، ليس له من هذه الكلمة إلا أن يقولها بلسانه، لا حظ له لا مما تقتضيه اعتقادا، ولا مما تقتضيه عملا، لا تقتضيه.

وإذا اعتقد -بزعمه- أنه يبرأ من المشركين، إذا اعتقد أو زعم أنه يقول: "لا إله إلا الله" وأنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأن كل ما سواه لا يستحق العبادة، ولكنه أعرض عن عبادة الله، فأي معنى لهذا الإقرار؟

أعرَض عن عبادة الله، إعراضه هذا يكذب دعواه، إعراضه عن عبادة الله، لا يعبد الله، ولا يطيع الله، ولا يحرم الحرام إلا زعما، ولا يقيم فريضة، لا يبالي، هذا لم يحقق، قول: "لا إله إلا الله".

فالناس في هذا المقام على تفاوت عظيم؛ منهم من ينتهي به الإرجاء إلى الكفر، ومنهم من ينتهي به إلى الجرأة على المحرمات، وشتان بين من يأتي المعصية وهو خائف وَجِل ويلوم نفسه، ويفكر في التوبة وفي الخلاص، ومن يأت بهذه الشبهة، شبهة؛ لأن الشبهة هذه، شبهة الإرجاء هذه تسند وتعمل على الإقدام على الشهوات المحرمة، فيجتمع له الشهوة والشبهة، وشتان بين من يفعل الذنب من غير هذه الشبهة.

فالشيطان يأتي الإنسان قبل فعل المعصية يجرئه عليها بتهوينها، بذكره بتذكيره بمغفرة الله ورحمته، بتذكيره بأنه مسلم وأنه يقول: "لا إله إلا الله" يذكره بالأحاديث الواردة في هذا المعنى، أحاديث الوعد، وبعد الإقدام على المعاصي من مداخل الشيطان أن يقنِّطَه من رحمة الله حتى ييئس من رحمة الله، ولا يهم، ولا يفكر في التوبة.

فالمقام عظيم وخطير، وهذا الانقسام موجود من الصدر الأول، وسارٍ في الأمة من وقت خروج الخوارج وعلى إثرهم المرجئة إلى يومنا هذا.

والمذهبان موجودان، لكن مذهب الإرجاء الآن هو -يعني- الذي له دعاة، وله -يعني- أتباع كثيرون يقررونه، ويهونون الذنوب على الناس.

فالواجب على المسلمين أن يحذروا من السبيلين: سبيل أهل التكفير، التكفير بالذنوب؛ وسبيل المرجئة المستخفين بالذنوب، والمهونين لخطر الذنوب.

على المسلمين أن يسلكوا الصراط المستقيم بين هذين الفريقين، والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم، نستغفر الله ونتوب إليه.

نعم يا شيخ.

1 : البخاري : اللباس (5827) , ومسلم : الإيمان (94) , والترمذي : الإيمان (2644) , وأحمد (5/152).
2 : البخاري : الإيمان (44) , ومسلم : الإيمان (193) , والترمذي : صفة جهنم (2593) , وابن ماجه : الزهد (4312) , وأحمد (3/116).
3 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:48
4 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:256
5 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:117
6 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:36