موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند

تعريف الحديث الغريب ووقوع الغرابة في المتن والسند

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-: الحديث الغريب ضد المشهور، فتارة ترجع غرابته إلى المتن وتارة إلى السند .


هذا نوع من أنواع الحديث مرتبط بالشاذ والمنكر، ولا يقل أهمية عنهما؛ لأن هذا النوع من الحديث ليس وصفا مجردا للأسانيد، وإنما هو متضمن للأحكام عليها، هذا متضمن، وأهل العلم أطلقوا هذا اللفظ، وبخاصة الترمذي، فقد أكثر منه في سننه كثيرا، وأيضا فهذا اللفظ -أو ما دل عليه لهذا اللفظ من حكم- استعمله العلماء كثيرا، وهذا اللفظ لفظ غريب، أو الغريب هذا يطلق عليه الغريب، ويطلق عليه الفرد، كلاهما اسمان لمسمى واحد، اسمان لحقيقة واحدة، فالغريب والفرد معناهما واحد في الجملة، إلا في صورة واحدة -كما سيأتي.

فالغريب والفرد في الاصطلاح يطلقان على تفرد الراوي، على تفرد الراوي، سواء بسند، أو ببعض سند، أو بمتن، أو ببعض متن، كل هذا يسمى غريبا، ويسمى تفردا أو فردا.

لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن الفرد غالبا ما يطلق على الفرد المطلق، وهو الذي يكون التفرد فيه ناشئا من قبل التابعي، ولو امتد إلى من دونه، يعني: إذا تفرد تابعي عن صحابي بحديث، ولم يروِ هذا الحديث عن الصحابي إلا هذا التابعي، فهو يسمى فردا مطلقا، وغالبا إذا أطلقوا الفرد ينصرف إلى هذا، إذا قالوا: حديث فرد، فالغالب أنه ينصرف إلى هذا، يعني: يكون هذا الحديث رواه صحابي، وتفرد بالرواية عنه راوٍ واحد، وتفرد بالرواية عنه راوٍ واحد.

وهذا التفرد قد يمتد إلى من دون التابعي، فيمثلون لهذا بحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه -صلى الله عليه وسلم- « نهى عن بيع الولاء وهبته »(1) .

فعبد الله بن دينار تابعي تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، لم يشاركه أحد في هذه الرواية، لم يشاركه أحد في رواية الحديث عن ابن عمر، لكن رواه عن عبد الله بن دينار جماعة من العلماء.

فهو يعتبر فردا مطلقا لتفرد عبد الله بن دينار به عن ابن عمر -رضي الله عنه-، فهذا تفرد في أصل الإسناد، يقصدون أصل الإسناد التابعي الذي يروي عن الصحابي.

وأحيانا يمتد هذا التفرد، مثل الحديث المشهور، حديث: « إنما الأعمال بالنيات »(2) هذا يرويه عمر، ويرويه عن عمر علقمة بن وقاص، فعلقمة بن وقاص روايته عن عمر هذه تسمى فردا، أو فردا مطلقا، أقول: هذه هو التفرد المطلق هكذا.

لكن هذا التفرد -أيضا- امتد، فامتداده لا يضر، فرواه عن علقمة التيمي، محمد بن إبراهيم التيمي، ورواه عن التيمي يحيى بن سعيد، ومن بعد يحيى بن سعيد اشتهر هذا الحديث، وأما من قبل يحيى بن سعيد فما فوقه هذا يعتبر فردا، يعتبر فردا، فالفرد هنا، التفرد امتد إلى من دون التابعي.

وكذلك حديث أنس -رضي الله عنه-، عنه -صلى الله وسلم- « أنه دخل مكة وعلى رأسه المغفر »(3)

هذا حديث رواه الزهري عن أنس -رضي الله عنه-، ولم يشارك الزهري أحد من التابعين في هذه الرواية، ما أحد من التابعين رواه عن أنس، ما رواه إلا الزهري، وما رواه عن الزهري إلا مالك بن أنس -رضي الله عنه-، فهذا يعتبر فردا مطلقا؛ لتفرد الزهري به عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- وامتد هذا التفرد إلى الراوي عن الزهري، وهو مالك بن أنس -رضي الله تعالى عنه.

فصار التفرد، أو الفرد إذا أطلق غالبا، هذا في غالب الاستعمال ينصرف إلى الفرد المطلق، وأما الغريب فهو ينصرف إلى الفرد النسبي، وهو الذي تكون فرديته منسوبة إلى شيء معين، تفرد به عن فلان، لم يروه ثقة إلا فلان، تفرد به أهل البلد الفلاني، هذا كله تفرد نسبي، غالبا ما إذا أطلق كلمة غريب، غالبا ما تتوجه إلى هذا الفرد النسبي.

فهو عند الحافظ ابن حجر -رحمه الله- إنما هو من حيث الاستعمال، إنما هو من حيث كثرة الاستعمال وقلته، هذا في الاسم، يعني: كلمة الفرق كلمة الغريب.

أما من حيث الفعل؛ تفرد به فلان، أو أغرب به فلان، فكلاهما بمعنى واحدن لكن الأكثر في استعمال أهل الحديث "تفرد به فلان" أو "لم يروه إلا فلان" أو "لا نعلم رواه إلا فلان" هذا هو الأكثر لاستعمال أهل.

وكلمة "أغرب به" هذه استعملها مثل الإمام الدارقطني في "العلل" واستعملها أيضا الخطيب في "التاريخ" وغيرهم الجماعة استعملوا هذه اللفظة، فهي لفظة أقل من لفظة "تفرد به" أقل من لفظة "تفرد به".

هذا من حيث الفعل، أما من حيث الاسم كما تقدم.

لكن السخاوي -رضي الله عنه- في توضيح الأظهر، ذكر أن هناك -يعني- صورة من الصور يصح، أو يطلق عليها تفردا، ولا يطلق عليها غريبا، وهي إذا تفرد بالحديث أهل بلد عن راوٍ، فإن هذا يسمى تفردا، ولا يسمى غريبا.

فإذا كان عندنا -مثلا- أنس بن مالك روى عنه أهل البصرة -مثل قتادة وثابت وغيرهم- حديثا، تفردوا به، لم يروه عن أنس أحد غير أهل البصرة، هذا لا يسمى غريبا، وإنما يسمى فردا، يسمى فردا ولا يسمى غريبا.

وهذا دائما يطلقه أهل العلم، "تفرد به أهل كذا عن فلان" تفرد به أهل كذا عن التابعي أو الصحابي أو الراوي الفلاني، فهم يطلقون لفظ التفرد.

إذن فالصورة التي يختلف فيها ويتميز فيها الفرد عن الغريب هو في رواية أهل البلد عن راوٍ إذا تعدد أهل البلد في الرواية، إذا كان أهل البلد اثنين فأكثر، ورووا عن راوٍ، وتفردوا بالرواية عنه، فإن هذا الحديث يسمى فردا، ولا يسمى غريبا، يسمى فردا ولا يسمى غريبا.

وعليه يكون كل غريب فهو فرد، وليس كل فرد غريبا؛ لأن هؤلاء الذين يتفردون من أهل البلد عن الراوي بهذا الحديث هو جماعة لا يطلق عليهم غريبا، وإنما يطلق عليهم على روايتهم تفردا، وإنما يطلق على روايتهم أنها من باب التفرد لا من باب الغرابة، والمعنى المتقارب.

والذي يدلنا على أن الغرابة والتفرد معناهما واحد، ما وقع في كلام الترمذي -رحمه الله- فإنه لما خَرَّج حديثا للوليد بن مسلم، قال: غريب من حديث الوليد بن مسلم، رواه رجل واحد من أصحاب الوليد، يعني به: الوليد بن شجاع.

فهو قال: هو شيء غريب، ثم قال: رواه رجل واحد. رواه رجل واحد هذا هو التفرد، وأطلق الاصطلاح الأول كلمة غريب، فدل على أن الغرابة معناها التفرد، وأن الغريب والفرد اسمان لحقيقة واحدة.

ثم ذكر المؤلف أن الغرابة تارة ترجع إلى المتن، وتارة ترجع إلى السند، أما رجوع الغرابة إلى المتن فتارة يكون المتن غريبا بكله، يعني: يكون المتن كله غريبا، وتارة يكون بعض المتن غريبا وبعضه ليس بغريب.

ومعنى "أن يكون المتن غريبا" يعني: أن هذا المتن لا يرويه إلا راو واحد، لا يرويه إلا راوٍ واحد فقط، فهذا يسمى متنا غريبا.

والمتن الغريب، المتن إذا كان غريبا فإنه لا بد أن يكون إسناده غريبا، لا بد أن يكون إسناده غريبا؛ لأنه لو كان له أسانيد، أو لو كان المتن مشتهرا للزم منه تعدد الأسانيد.

ولهذا قرر الحافظ ابن الصلاح أنه لا يوجد متن غريب إلا وإسناده غريب؛ لأن لو كان المتن مشتهرا للزم منه تعدد الأسانيد، وزالت غرابة الإسناد، وزالت الغرابة، وهي مطلق التفرد.

وهذا له مثال سبق لنا في مبحث الشاذ، فالشاذ سبق لنا أنه تفرد، يطلق على التفرد الضعيف، والمنكر كذلك يطلق على التفرد الضعيف.

فسبق لنا حديث أبي زكير عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: « كلوا البلح بالتمر »(4) هذا الحديث غريب، هذا الحديث حديث غريب في متنه، وتفرد به أبو زكير، تفرد بهذا الإسناد أبو زكير، والمتن لا يعرف إلا من حديث أبي زكير. فهذا متن غريب.

ومثله حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه « لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أما تكون الذكاة إلا في اللبة والحلق؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك »(5) .

هذا الحديث لا يُعْرَف إلا من حديث أبي العشراء عن أبيه، لا يعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد به حماد، عن أبي العشراء، عن أبيه.

فهذا المتن لا يرد إلا بهذا الإسناد، كما أن هذا الإسناد لا يُعْرَف إلا بهذا المتن، فهذا إسناده غريب، ومتنه غريب.

وأما الأول -حديث أبي زكير- هذا الغرابة في متنه فقط، في متنه فقط، الغرابة في المتن، والغرابة في الإسناد، لكن الغرابة ليست كغرابة حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء؛ لأن حديث أبي العشراء هذه غرابة -يعني- غرابة تامة جدا؛ لأن هذا سند لا يُرْوَى إلا بهذا الحديث، وهذا الحديث لا يُرْوَى إلا بهذا الإسناد.

أما حديث أبي زكير فإن هذا الإسناد بالنسبة لهذا الحديث غريب، هذا الإسناد غريب، لكن رواية هشام، رواية أبي زكير، كلها معروفة في أحاديث أخرى، لكن في هذا الحديث، هذا سند شاذ تفرد به أبو زكير، وروى به هذا الحديث.

فهذا يسمى فيه غرابة متن، هذا فيه غرابة متن وفيه غرابة إسناد؛ لأن أبا زكير لم يشاركه أحد في هذه الرواية، فهو تفرد مطلق.

وقد تكون الغرابة في بعض المتن، وهذا كما سبق لنا في بعض التفردات التي ذُكِرَتْ في الشاذ والمنكر، ذُكِرَتْ في الشاذ والمنكر، فحديث -مثلا- معمر اللي مر يوم أمس في تفصيل في الفأرة، هذا حديث غريب، يطلق عليه غريبا لتفرد معمر به، فهو تفرد في المتن، تفرد بالمتن معمر، ولكن هذا تفرد بالمتن والزيادة فيه بالتفصيل، فأصله ثابت، لكن التفصيل الوارد فيه غير ثابت.

مثله حديث مالك في زكاة الفطر، عن نافع، عن ابن عمر، زيادة لفظة "من المسلمين" هذه عند بعض أهل العلم تفرد بها مالك، فهي غريبة من حديث نافع، فهي غريبة عندهم من حديث نافع، والحفاظ يروون عن نافع بدون هذه الزيادة، لكن سبق أن هذه الزيادة الصحيحة ثابتة لأوجه كثيرة، وأنه لم يتفرد بها، لكن بعضهم يستدل بزيادة "من المسلمين" على تفرد مالك، فهذا تفرد ببعض المتن، وليس بالمتن كله؛ لأنهم متفقون على المتن اللي هو: . « فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير »(6) .

لكن بقي كلمة "من المسلمين" هذه هي التي يقال إن مالكا تفرد بها، فهي غرابة في بعض المتن.

ومثله الحديث اللي سبق قريبا، اللي فيه أبي عياش، في حديث أنس عن أبي عياش كلمة: "يا حي، يا قيوم" هذه أيضا تفرد من الراوي، فأصل الحديث متفق عليه، يعني: أصل الحديث متفق عليه بين الرواة، ولكن كلمة "يا حي، يا قيوم" هذه هي التي تفرد بها أحد الرواة كما سبق، فهي إذن فرد، أو بعض المتن فرد، وبعض المتن غريب، بعضه غريب، وليس المتن كله غريبا.

إذن، فصار الغرابة الراجعة للمتن تارة ترجع إلى جميع المتن، وهذه لا بد أن يكون الإسناد معها غريبا، وتارة تعود إلى بعض المتن فقط.

فما مر من الأمثلة التي فيها تفرد بعض المتن الرواة متفقون على الإسناد، لا خلاف بينهم في ذلك، فالإسناد ما فيه غرابة، إنما الغرابة في جزئية من أجزاء المتن.

فالتفرد بالمتن كله هذا يرجع إلى الشذوذ والنكارة، يعني: مرتبط بالشذوذ والنكارة، وله ارتباط بالصحيح والحسن، وأيضا بالضعيف.

وأما باالنسبة لغرابة بعض المتن، فهذا له ارتباط بالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، وأما بالنسبة لرجوعه إلى الإسناد، الغرابة إلى الإسناد، فهذه هي الأكثر، أو أكثر ما يقع في الأحاديث في الغرابة في الإسناد.

والغرابة في الإسناد تارة يكون الحديث غريبا في أصل الإسناد، ويكون فردا مطلقا، ومر التمثيل، وتارة يكون في أثناء الإسناد، أو تارة يكون فردا مطلقا، وتارة يكون فردا نسبيا، ومعنى النسبي: أنه يكون في التفرد ليس مطلقا، وإنما بالنسبة إلى شيء، إنما يكون التفرد بالنسبة إلى شيء.

فهناك -أحيانا- يكون متن الحديث مشهورا معروفا، يرويه جمع من الصحابة، ثم يأتي الحديث بإسناد يَحكم عليه العلماء بأنه غريب، فالمتن مشهور، لكن أحد الأسانيد الموصولة إلى هذا المتن غريبة.

وهذا مثل ما حكم البخاري وأحمد وأبو حاتم وجماعة على الحديث الذي رواه الإمام مسلم، من حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في مِعًى واحد »(7) .

هذا الحديث ثابت من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر، لكن من حديث أبي موسى استغربه العلماء، واستغرابهم هذا ناتج عن تفرد أبي كريب محمد بن علاء بهذا الحديث عن أبي أسامة، فهو غريب من حديث أبي موسى، مشهور من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر.

إذن، فهنا الغرابة ليست مطلقة، إنما هي غرابة نسبية،فهو غريب بالنسبة أو سنده بالنسبة إلى الطرق الأخرى.

أيضا تكون -أحيانا- الغرابة بالنسبة إلى راوٍ، كما يقال: لم يروه عن فلان إلا فلان، فهذا التفرد مقيد برواية فلان عن فلان، وهذا يمثلون له برواية سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، هنا الأب يروي عن الابن، فهذا من رواية الآباء عن الأبناء، فوائل بن داود يروي عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس: « أن النبي -صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ على صفية بسويق من تمر »(8) .

فهذا الحديث نص العلماء -كابن طاهر وغيره- أنه لم يروه عن وائل بن داود إلا سفيان بن عيينة، إذن فهو حديث غريب من حديث وائل بن داود، تفرد به سفيان بن عيينة.

ومثله أيضا الحديث الذي رواه الترمذي، حديث أنس: . « أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- اعقلها وتوكل »(9) .

هذا الحديث غريب من حديث المغيرة أبي قرة السدوسي، عن أنس -رضي الله عنه-، يعني ما رواه عن أنس إلا المغيرة أبو قرة السدوسي، لم يروه عن أنس إلا أبو قرة السدوسي.

فهذا تفرد بالنسبة إلى أنس، لكن الحديث ثابت من غير حديث أنس -رضي الله تعالى عنه.

وأيضا أحيانا يكون التفرد بالنسبة إلى الثقة، يقولون: هذا الحديث لم يروه ثقة إلا فلان، أو تفرد به فلان وهو ثقة، فهذا تفرد بالنسبة إلى وصف، وهو وصف الثقة، إلى وصف الثقة، وهذا يمثلون له بحديث ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي، في قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- لسورة "ق" و"اقتربت" في صلاتي الفطر والأضحى، فهذا قالوا: لم يروه ثقة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا المازني هذا.

وأما الحديث، فقد جاء من، أو له طريق أخرى، لكنها ضعيفة، من حديث عائشة لكنه ضعيف، فلا يصح الحديث، أو لا يرويه ثقة إلا، أو لا يُرْوَى عن طريق ثقة إلا في هذا الحديث، فهو مقيد بثقة،وأحيانا يقيدونه بأهل بلده، يقولون: تفرد به أهل كذا عن فلان، مثل ما في حديث القضاة الثلاثة، قالوا: تفرد به أهل مرو، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن حصين. فهذا تفرد عن أهل مرو عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه.

ومثله حديث زيد بن خالد الجهني، حديث اللقطة، هذا تفرد به أهل المدينة عن يزيد بن المنبعث مولى ابن المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، فهذا يسمى حديثا مدينيا، والآخر وذاك يسمى حديث أهل مرو، ومثله جميع الأحاديث التي يتفرد بها أهل بلد عن راوٍ، هذا تفرد بالنسبة.

فصار هناك تفرد بالنسبة، وهناك تفرد مطلق، أو هناك غرابة مطلقة وهناك غرابة مقيدة، لعلها اتضحت بالأمثلة السابقة. نعم.


(1) البخاري : العتق (2535) , ومسلم : العتق (1506) , والترمذي : الولاء والهبة (2126) , والنسائي : البيوع (4657) , وأبو داود : الفرائض (2919) , وابن ماجه : الفرائض (2747) , وأحمد (2/107) , ومالك : العتق والولاء (1522) , والدارمي : البيوع (2572).
(2) البخاري : بدء الوحي (1) , ومسلم : الإمارة (1907) , والترمذي : فضائل الجهاد (1647) , والنسائي : الطهارة (75) , وأبو داود : الطلاق (2201) , وابن ماجه : الزهد (4227) , وأحمد (1/25).
(3) البخاري : الحج (1846) , ومسلم : الحج (1357) , والترمذي : الجهاد (1693) , والنسائي : مناسك الحج (2867) , وأبو داود : الجهاد (2685) , وابن ماجه : الجهاد (2805) , وأحمد (3/109) , ومالك : الحج (964) , والدارمي : المناسك (1938).
(4) ابن ماجه : الأطعمة (3330).
(5) الترمذي : الأطعمة (1481) , والنسائي : الضحايا (4408) , وأبو داود : الضحايا (2825) , وابن ماجه : الذبائح (3184) , وأحمد (4/334) , والدارمي : الأضاحي (1972).
(6) البخاري : الزكاة (1503) , ومسلم : الزكاة (984) , والترمذي : الزكاة (676) , والنسائي : الزكاة (2504) , وأبو داود : الزكاة (1611) , وابن ماجه : الزكاة (1826) , وأحمد (2/66) , ومالك : الزكاة (627) , والدارمي : الزكاة (1661).
(7) البخاري : الأطعمة (5393) , ومسلم : الأشربة (2060) , والترمذي : الأطعمة (1818) , وابن ماجه : الأطعمة (3257) , وأحمد (2/43).
(8) البخاري : الصلاة (371) , ومسلم : النكاح (1365) , والنسائي : النكاح (3380) , وأبو داود : الأطعمة (3744) , وابن ماجه : النكاح (1909) , وأحمد (3/246).
(9) الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2517).