موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تعريف الحديث الشاذ والمنكر - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - تعريف الحديث الشاذ والمنكر

تعريف الحديث الشاذ والمنكر

الحديث الشاذ: هو ما خالف راويه الثقات، أو ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده.

المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به، وقد يُعَدّ مفرد الصدوق منكرًا .


هذان نوعان من أنواع علوم الحديث، من أهم ما في مصطلح الحديث، من أولى الأبواب بالدراسة والعناية، والنظر والتأمل والتدقيق؛ لأنها لها ارتباط بتعليل الحديث؛ لأن لها ارتباطًا بعلة الحديث، فالشاذ، معرفة الشاذ، ومعرفة المنكر، ومعرفة المدلس، ومعرفة المرسل إرسالًا خفيًا، ومعرفة المضطرب، ومعرفة المُعَل، هذه هي في الغالب لب علم الحديث، أو علم مصطلح الحديث.

فلذلك هذان النوعان ينبغي -يعني- دراستهما جيدًا وضطبهما، حتى يكون الإنسان عنده دراسة في الحديث المعل، فَاقِهًا لما يُذْكَر فيه.

أكثر علماء الحديث المتقدمين يعبرون بكلمة "منكر" وكلمة "شاذ" موجودة، ولكنها أقل بكثير من كلمة منكر، والمؤلف ها هنا ذكر هذين النوعين، وهما متعلقان بالمتن، ومتعلقان بالإسناد، وهما من أنوع الحديث الضعيف على التعريف الذي ذكره واختاره المؤلف -رحمه الله تعالى.

وهذا الضعف ناشئ إما من مطلق التفرد، وإما من المخالفة، الحديث الشاذ أو المنكر الضعيف فيهما ناشئ إما من مطلق التفرد، وإما من المخالفة.

التفرد والمخالفة ينشأ عنهما الشذوذ أو النكارة، وهذان نوعان من أنواع الحديث الضعيف.

فالأول: الشاذ، والشاذ ذكر المؤلف له جزأين:

الجزء الأول: هو ما خالف راويه الثقات، أو خالف راويه الثقات، كلاهما جائز، فما خالف راويه الثقات، يعني: بالراوي ها هنا -والله أعلم- إما الثقة وإما الصدوق، إما الثقة أو الصدوق، إما الثقة وإما الصدوق.

وقوله في الجزء الثاني: أو ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده، فهذا أيضًا نوع من الشاذ، فهما على هذا نوعان:

النوع الأول: مخالفة الثقة أو الصدوق لمن هو أوثق.

والثاني: تفرد الضعيف، ولو مع عدم المخالفة، تفرد الضعيف أو المجهول، ولو مع عدم المخالفة، فإذا خالف المجهول أو الضعيف فهو أشد شذوذًا، فصار الشاذ يطلق على شيئين:

الشيء الأول: اللي هو مخالفة الثقة أو الصدوق لمن هو أوثق منه.

والثاني: مجرد تفرد الضعيف، فالضعيف إذا روى لنا حديثًا تفرد به، ولم يتابعه عليه أحد، فهذا يسمى شاذًا، فإن تفرد بحديث، وخالف فيه فهو منكر وشاذ بمرة؛ لأنه أشد شذوذًا مما قبله، أشد شذوذًا من مخالفة الثقة، لمن هو أوثق منه، أو الصدوق لمن هو أوثق منه.

فهذا هو الشاذ، وأما المنكر فهو تفرد الضعيف، ولو مع عدم المخالفة يسمى منكرًا، فإذا روى لنا الراوي الضعيف حديثًا، ولم يتابعه عليه أحد، حكمنا عليه بأنه منكر، وهذا جارٍ جريانًا واسعًا على اصطلاح أهل الحديث.

وذكر المؤلف -أيضًا- أن من المنكر، قال: "وقد يعد تفرد الصدوق منكرًا". والصدوق -كما تقدم- هو الذي يحسَّن حديثه، فإذا تفرد بحديث، قد يعده بعض العلماء حديثًا منكرًا، وإن لم يخالف فيه أحدًا، بل يعد كثير من أهل العلم تفرد الثقة بالحديث الذي لا يتابع عليه منكرًا، ولا يعمل به، كما هو شأن الإمام أحمد وغيره من جماعة الحفاظ، يعدون مجرد التفرد إذا روى الثقة حديثًا لا يشاركه فيه غيره يعدونه منكرًا لا يعمل به، وبعضهم يسميه منكرًا من باب التسمية، وأما في الحكم فإنه يُعْمَل به.

والشاهد من هذا قضية تفرد الثقة هذه لها مبحث كبير جدًا، فيُتْرَك ويؤخذ بالاصطلاح المتأخر، نجري على الاصطلاح المتأخر، وهو الذي اعتمده الشيخان في الصحيح، أن تفرد الثقة لا يعد نكارة؛ وإنما يعد النكارة من تفرد الضعيف يعد نكارة، وقد يعد تفرد الصدوق منكرًا إذا احتفَّتْ به بعض القرائن.

وسيأتي -إن شاء الله- أن الثقات الأئمة الأثبات يروي أحدهم مائتي ألف حديث، ولا يتفرد إلا، أو لا يوجد له تفرد إلا بحديثين أو ثلاثة، كما سيورد المؤلف -إن شاء الله تعالى.

الشاهد أن قضية التفرد هذه قضية متعلقة بالنكارة والشذوذ، فإذا كان المتفرد ضعيفًا بحديث لا يتابع عليه، فهو حديث منكر، وهذا مما يضعف به، ومما يكون سببًا لتضعيف الراوي، وعدم اعتبار أحاديثه الأخرى إذا كثر منه رواية مثل هذه المناكير والشواذ.

فصار عندنا المنكر والشاذ يشتركان في تفرد الضعيف، سواء وقعت معه المخالفة أو لم تقع، فإذا تفرد الضعيف بحديث، سواء خالف أو لم يخالف، فإنا نقول: هذا حديث منكر، ونسميه أيضًا حديثًا شاذًا، ولكن إذا خالف تزداد النكارة، ويزداد الشذوذ.

فإذا روى الضعيف حديثًا، وخالف فيه الثقات، هذا نسميه يطلق عليه منكرا، وبعض العلماء يقول منكر جدًا؛ لأنه هنا ضعيف وخالف، ويسمى -أيضًا- شاذا وشاذا بمرة.

وينفرد الشاذ بمسألة الثقة والصدوق إذا خالف، إذا خالف الثقة أو الصدوق من هو أوثق منهما، هذا نسميه شاذًا، ولا نسميه منكرًا على ما ذكر المؤلف، هذا نسميه شاذًا، ولا نسميه منكرًا.

وإذا تفرد الصدوق بحديث ولم يُخالِف، فإننا قد نسميه منكرًا، ولكن لا نسميه شاذًا على كلام المؤلف -رحمه الله- وإن وقع تسميته شاذًا ومنكرًا عند جمع من أهل العلم المتقدمين.

أو نطبق هذا على بعض الأمثلة فيستبين به الأمر، فالحديث، عندنا حديث أورده ابن الصلاح بَيَّن به أنه تفرد، اللي هو حديث عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرفوعا: « كلوا البلح بالتمر »(1) .

هذا الحديث ذكره ابن الصلاح مثالًا للراوي الذي لا يحتمل تفرده.

فهذا الحديث رواه أبو زكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

أبو ذكير هذا ضعيف من جهة حفظه، فكونه يتفرد بهذا الحديث، ولا يتابعه عليه أحد، هذا يعتبر شذوذًا؛ لأنه تفرد من لا يحتمل حاله قبول تفرده، ويعتبر -أيضًا- منكرًا، ويعتبر منكرًا لأنه ضعيف وتفرد.

ولكن في مثل هذه الصورة أيضًا، مثل هذا الحديث قد يُحْكَم عليه بالنكارة جدًا؛ لأن هشام بن عروة شيخه ممن يُجْمَع حديثه، وإذا كان الشيخ راويا مكثرا مشتهرا بين الأئمة يُعْتَنَى بحديثه، وتفرد عنه مثل هذا الضعيف، فإنه يحكم عليه بأنه منكر جدًا، أو شاذ بمرة لوجود القرينة الدالة على ذلك، وهو أن شيخه هشام بن عروة ممن يُجْمَع حديثه.

إذن فهذا الحديث فيه راوٍ، وهو أبو ذكير تفرد بهذا الحديث، وأبو ذكير ضعيف لا يحتمل تفرده، فنحكم على هذا الحديث بأنه حديث شاذ؛ لأنه يصدق عليه الجزء الثاني مما ذكره المؤلف في تعريف الشاذ، ونسميه -أيضًا- منكرًا؛ لأنه يصدق عليه الجزء الأول من الحد الذي ذكره المؤلف في المنكر.

ومثال آخر اللي هو حديث الحارث بن شبل، عن النعمان، عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه سلم- قال: «يأتي الناس السائلُ، ما هم بجن ولا إنس، ولكنهم من الملائكة، من ملائكة الرحمن، يأتون يختبرون الناس في أرزاقهم ».

هذا الحديث ذكر أهل العلم أنه لا يروَى إلا من حديث الحارث بن شبل، هو الذي تفرد بهذا الحديث، والحارث هذا ضعيف، والحارث هذا -الحارث بن شبل- راوٍ ضعيف، فيصدق عليه أنه تفرد بحديث لا يحتمل تفرده فيه؛ لأنه راوٍ لا يحتمل تفرده، لكونه ضعيفًا، فيكون على هذا الحديث شاذًا، وأيضًا يصدق عليه الجزء الأول من المنكر؛ لأنه تفرد بهذا الحديث وهو ضعيف لم يتابعه عليه غيره، فيكون هذا الحديث منكرًا، ويكون شاذًا، يكون منكرًا، نسميه منكرًا، ونسميه شاذًا.

وأيضًا هناك حديث، وهو حديث أنس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل: من آلك؟ قال: كل مؤمن تقي».

هذا الحديث تفرد به نافع بن هرمز، وهو ضعيف جدًا، فيكون على هذا منكر هنا يصلح أن يكون منكرًا، ويصلح لأن الراوي ضعيف قد تفرد بهذا الحديث، ويصلح أن يطلق عليه شاذا؛ لأن نافع بن هرمز من الرواة الذين لا يحتمل تفردهم إذا رووا حديثًا.

وهذا المثال -يعني- من المنكر جدًا، ومن الشاذ بمرة؛ لأن نافع هذا ضعيف جدًا، فيتبين به أن المنكر والشذوذ أيضًا درجات، فيه منكر وفيه منكر جدًا، فيه شاذ وفيه شاذ بمرة، فإذا ضعف الراوي كلما ازداد ضعف الراوي ازدادت النكارة، وكلما ازداد ضعف الراوي ازداد الشذوذ.

وكذلك عندنا حديث: « إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس »(2) .

هذا الحديث حديث شاذ، وأيضًا حديث منكر.

أما وجه الشذوذ، فلكون المتفرد به -وهو هارون أبو محمد هذا- راوٍ مجهول، لا يُعرف، فكونه يتفرد بهذا الحديث وهو لا يعرف، هذا يكون الراوي فيه، الراوي الذي لا يعرف، هذا ممن لا يحتمل تفرده، فيكون على هذا شاذًا.

وأيضًا هو حديث منكر، لتفرد هذا المجهول به، وهذا المجهول له حكم الضعيف، يأخذ حكم الرجل الضعيف، هذا المجهول له حكم الرجل الضعيف.

فمثل هذه الأمثلة يتبين بها أن مجرد تفرد الراوي بالحديث يسمى شاذًا أو منكرًا، إذا تفرد به راوٍ ضعيف، أو راوٍ مجهول.

أما إذا تفرد به راوٍ صدوق، فهذا ذكر المؤلف أن بعض أهل العلم يعده منكرًا، فهذه النكارة جاءت من حيث خفة الضبط، فالصدوق قد اهتز ضبطه نوعًا ما عن الثقة، فكونه يتفرد بحديث، هذا قد يشعر بأن هذا الحديث مما أخطأ فيه، فقد يتفرد بحديث يكون قد أخطأ في إسناده، ولكن لا تظهر لنا العلة، لعدم الوقوف على طرق الحديث.

فقد يكون هذا الصدوق قد تفرد بهذا الحديث، ولا يشاركه فيه غيره، وهو -في الحقيقة- ليس تفردًا على ظاهره، وإنما هو خطأ في الرواية، وهذا مما جعل بعض أهل العلم يحكم على تفرده بأنه منكر، يحكم على تفرد الصدوق بأنه منكر.

وهذا كما حكم الحاكم في "المستدرك" على حديث جعفر بن برقان، عن ميمون، عن ابن عمر -رضي الله عنه- في الرجل الذي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في السفينة.

فهذا الحديث ذكر أن شرطه صحيح على شرط مسلم، هذا الحديث ذكر الحاكم أنه صحيح على شرط مسلم، ولكن قال: هو شاذ بمرة. لأن جعفر بن برقان -وإن كان من رجال مسلم- لكن حاله لا تحتمل التفرد بمثل هذا عند الحاكم، لا تحتمل التفرد بمثل هذا الحديث؛ لأن في حفظه شيئا، فهو صدوق له أوهام، وعنده بعض الأخطاء، وبخاصة في روايته عن الزهري، وإن كان يضبط رواية ميمون بن مهران، إلا أن مثل تفرد هؤلاء الثقات -يعني- مثل هؤلاء الذين تُكلم في حفظهم يحتاج إلى توقف، ولهذا الحاكم في المستدرك أعلَّ هذا الحديث بأنه حديث شاذ بمرة، وليس شاذًا؛ وإنما شاذ بمرة لتفرد جعفر بن برقان بهذا الحديث.

فتبين بذلك أن الشاذ والمنكر على درجات: منه ما هو منكر جدًا، ومنه ما هو منكر، ومنه ما هو شاذ بمرة، ومنه ما هو شاذ، وهذا باختلاف القرائن.

فمثلًا: صلاة التسبيح -يعني- في إسنادها موسى بن عبد العزيز، فهذا يصلح أن يكون شاذًا، ويصلح أن يكون منكرًا؛ لأن موسى بن عبد العزيز لا تحتمل حاله التفرد.

لكن لما رأى بعض العلماء أن هذه الصلاة مخالفة لهيئة الصلوات الأخرى قالوا: هذه قرينة على نكارة هذا الحديث وشدة شذوذه، فكون هذه الصلاة أربع ركعات، يُقرأ في الأولى الفاتحة وسورة من القرآن، ثم يسبح الله تعالى، ثم يركع ويسبح الله -تعالى- بتسبيح خاص، ويرفع ويسبح الله -تعالى- بتسبيح خاص، ثم يسجد ويسبح الله بتسبيح، كلها تسبيح واحد، ويجلس بين السجدتين يسبح الله بتسبيح.

هذا كله منافٍ للمعروف بين عموم الصلوات، فكونه خالف ما عهد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلواته، ويتفرد بها مثل هذا الراوي، وإن قواه بعض العلماء، لكن يتفرد بهذا الحديث، هذا يدل على أنه لم يضبط هذا الحديث، وأن هذا حديث منكر من الحديث وشاذ، وأنه حديث شاذ لوجود القرنية.

فصار الشذوذ والنكارة على مراتب، صار الشذوذ والنكارة يطلقان على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل تفرده، مع عدم المخالفة، وينفرد المنكر بأن الصدوق إذا تفرد بحديث، ولو لم يخالف فيه، فإنه قد يحكم على حديثه بأنه منكر، والشاذ ينفرد فيه الثقة أو ينفرد به الثقة والصدوق إذا خالفا من هم أوثق منهما.

والثقة قد يخالف من هو أوثق منه؛ سواء كان ذلك في سند الحديث، أو في متنه.

فمثلًا: حماد بن سلمة ثقة، فجاء إلى حديث، فرواه عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في نزول الله -تعالى- في الثلث الآخر من الليل.

فحماد بن سلمة ثقة، الذي يحكم على هذا الحديث في الظاهر بهذا الإسناد يحكم أنه حديث صحيح؛ لأن حماد بن سلمة ثقة، وشيخه عمرو بن دينار من الأئمة الثقات، ونافع بن جبير أيضًا ثقة، وأبوه جبير بن مطعم رضي الله عنه صحابي،.

فهذا ظاهر الإسناد صحيح، لكن العلماء يعلونه؛ يقولون: هذا حديث شاذ. لماذا؟

قالوا: لأن حماد بن سلمة خالف سفيان بن عيينة، فسفيان هو أوثق الناس في عمرو بن دينار، وأوثق من حماد بن سلمة -رحمه الله.

فرواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، شيخهما واحد، عن نافع بن جبير، وشيخ الشيخ واحد، لكن عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم.

فرواية حماد بن سلمة ظاهرها الصحة، لكن لما اطلعنا على حديث سفيان بن عيينة وجدنا أن رواية حماد هذه شاذة، شاذة لماذا؟

لأن حماد ثقة، وخالف سفيان بن عيينة وهو أوثق منه.

وفي هذا المثال قد يقول قائل: رجل من الصحابة واللا جبير، كلاهما واحد؛ لأن الصحابة ثقات؟ لكن هنا تظهر فائدة، وهو أن نافع بن جبير هذا إذا قال عن رجل من الصحابة غير إذا قال عن أبيه؛ لأن روايته عن أبيه ثابتة، لكن قال عن رجل من الصحابة، وما قال: حدثني، ولا قال: سمعت.

فكلمة "عن" ها هنا على رأي من يشترط ثبوت السماع في الجملة ها هنا يتوقف فيها، أما على رأي مسلم يعتبر صحيحًا، أما على رأي الأئمة الكبار هذه يتوقف فيها هذه الرواية اللي عن رجل، قد لا يحكم لها بالضعف، لكن يتوقف فيها؛ لأن هذا الرجل يحتمل أن يكون نافع بن جبير قد روى عنه وأدركه، ويحتمل ألا يكون قد أدركه.

فهنا تبين، العلماء حين يعلون حديث حماد بن سلمة، حماد بن سلمة حين يعلونه برواية سفيان بن عيينة، هذا يتبين أن هذا الإعلال ليس إعلالًا صوريًا، وإنما هو إعلال حقيقي، وليس صوريًا في الصورة فقط، وإنما هو إعلال حقيقي؛ لأن له أثرًا على الحكم على الحديث.

بخلاف هذا ما يصنعه بعض الناس إذا جاء إلى حديث مثل هذا قال: الراوي المبهم في حديث سفيان بن عيينة بينته رواية حماد بن سلمة، هذا خطأ عند أهل الحديث، هذا خطأ؛ لأن كلمة رجل تختلف عن كلمة جبير بن مطعم -رضي الله تعالى عنه.

ومثل هذا أيضًا حديث ربعي بن إبراهيم ابن عُلية، هو يروي حديثا عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أهبط الله آدم من الجنة، وعلمه صنعة كل شيء ».

فهذا الحديث إذا نظرنا في إسناده، إسناده ظاهره الصحة، وهو مسند، وكل رجاله ثقات، ولكن العلماء يقولون: هذا حديث شاذ.

فإذا نظرنا إلى وجه الشذوذ نلحظ أن ربعي بن إبراهيم ابن عُلية هذا ثقة من الثقات، لكن الثقات الآخرون يروون هذا الحديث عن شيخهم جميعًا عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى، موقوفًا على أبي موسى من قوله، موقوفا على أبي موسى، يعني: عن أبي موسى أنه قال: أهبط الله آدم.

وهذا الحكم ها هنا حكم المرفوع يغاير الموقوف ولا شك للفرق بين من أسند إليه الحديث، فإذا أُسند إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يغاير ما إذا أسند إلى الصحابي، فربعي هنا ثقة، ورفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن نأتي إلى الرواة، عن عوف بن أبي جميلة، الرواة الثقات، عبد الوهاب الثقفي وغندر وغيرهم، نجدهم يروون هذا الحديث عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة، عن أبي موسى الأشعري من قوله.

فتصير رواية ربعي شاذة، هو ثقة، ولكنه خالف الثقات في إسناد هذا الحديث، فرواه مرفوعًا، وغيره من الأئمة يروونه موقوفًا، فصارت رواية ربعي هنا رواية شاذة.

وأيضًا مثل حديث حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله تعالى- يمهل حتى إذا مضى شطر الليل الأول أمر مناديًا ينادي: هل من داعٍ فيستجاب له ».

هذا الحديث -لو نظرنا فيه- رجاله ثقات ما فيهم كلام، رجاله كلهم ثقات، لكن هذا الحديث قال العلماء: حديث شاذ.

السند ما فيه شذوذ، الشذوذ وين؟ في المتن، الشذوذ في المتن؛ لأن المحفوظ من حديث الأعمش إنما هو الحديث المشهور المعروف المُخَرَّج في الصحاح: « ينزل الله -تعالى- كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب »(3) .

المتن هذا يفارق المتن الآخر، الأول: الله -تعالى- ليس فيه نزول الله، وفيه أيضًا ليس فيه إثبات صفة الكلام لله أو النداء، وإنما فيه أنه يأمر مناديًا، وهذا هو الذي يستدل به بعض أهل البدع على أن الله -تعالى- في ثلث الليل الآخر لا ينزل، وإنما ينزل أمره.

فلذلك المعنى هذا الحديث مخالف لمعنى الحديث الآخر، حديث حفص بن غياث مخالف؛ لأن ليس فيه -أولًا- إثبات النزول، وليس فيه إثبات صفة النداء لله تعالى.

أما الأحاديث المحفوظة من حديث الأعمش، هذه كلها في إثبات النزول لله، وفي إثبات صفة النداء لله جل جلاله، فهما حديثان، فصار حديث حفص بن غياث شاذ في متنه.

عرفنا هذا الشذوذ، رأينا رجلًا هو مالك بن سعير يروي هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي إسحاق، بالحديث بالرواية المشهورة للحديث، بالرواية المشهورة المعروفة للحديث التي فيها إثبات صفة النزول، وإثبات صفة النداء لله تعالى.

وهذا مالك بن سعير -وإن كان أقل من حفص بن غياث في الحفظ- ولكن لما كان أصل الحديث، يعني: الرواة الآخرون يشاركون الأعمش اللي هي المتابعة، يسمى متابعة قاصرة، يشاركون الأعمش في الرواية عن أبي إسحاق شعبة والثوري وغيرهم، يروون الحديث أيضًا عن أبي إسحاق بالرواية المشهورة المعروفة، دلنا ذلك على أن حفص بن غياث -وإن كان ثقة- إلا أنه شذ بمتن هذا الحديث.

فهذا الحديث شاذ في متنه، هذا حديث شاذ في متنه وإن كان إسناده صحيحًا.

فحفص بن غياث ما خالف الثقات في إسناده، كلهم يروون الحديث عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنه.

ولم يخالف حفص بن غياث أيضًا مالك بن سعير؛ لأن مالك بن سعير يروي هذا الحديث بهذا الإسناد نفسه عن الأعمش، عن أبي إسحاق إلى آخره.

فحفص بن غياث ما شذ في إسناده، وإنما شذ بمتنه، فهذا حديث نعتبره شاذا في المتن لمخالفة حفص بن غياث للثقات الذين يروون الحديث بلفظ آخر، فهذا حديث شاذ.

أحيانًا الراوي يشذ بمتن الحديث وإسناده، كما في حديث معمر عن الزهري -رحمه الله-، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه »(4)

هذا الحديث يرويه معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، هكذا.

لكن الإمام البخاري، وأبا حاتم، وغيرهما من الحفاظ يقولون: هذا حديث، هذا الحديث يحكمون عليه بأنه حديث ليس بصحيح، وإنما هو خطأ من معمر.

ومعمر ها هنا ثقة، فتفرد وخالف في المتن، فيعتبر حديثه حديثًا شاذًا في متنه، شاذًا في إسناده.

أما شذوذه في المتن، فإن الرواة عن الزهري مالك وغيره يروون الحديث عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، وهو المخرج في الصحيح.

يروونه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. فهذا إسناده مغاير لإسناد معمر، هذا من جهة الإسناد.

من جهة المتن، الحديث الذي رواه الحفاظ عن الزهري ليس فيه هذا التفصيل المذكور في حديث معمر، وإنما «سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فأرة وقعت في السمن، فقال: ألقوها وما حولها وكلوه ».

لم يفصل في الجامد والمائع، لم يفصّل بينهما.

فدلنا هذا على أن معمرًا أخطأ في هذا الحديث؛ لمخالفته للثقات الأثبات الذين يروونه عن الزهري بهذا الإسناد وهذا المتن، فصار حديث معمر السابق حديثًا شاذًا في إسناده، شاذًا في متنه، فمعمر ثقة، ولكنه خالف الثقات في المتن والإسناد، فحكمنا على حديثه بأنه حديث شاذ.

وهذا الحديث -كما سبق- أن الشاذ هو إذا خالف الثقة من هو أوثق منه، سواء كانت هذه المخالفة في المتن، أو في الإسناد، ولهذا المؤلف قال: ما خالف راويه الثقات. خالفهم في ماذا؟

أطلق، فتارة يخالفهم في الإسناد، ويوافقهم في المتن، كما في حديث حفص بن غياث.

وتارة يخالفهم، آسف! تارة يخالفهم في الإسناد، كما تقدم في الحديثين السابقين الأولين، وتارة يخالفهم في المتن كما في حديث حفص، وتارة يخالفهم في المتن والإسناد معًا، كما في حديث معمر الذي معنا.

فيُحكم على حديثه: تارة بأنه شاذ سندًا، تارة بأنه شاذ متنًا، وتارة يجمع بن الشذوذين، وقد سبق لنا أن العلماء دائمًا ينبهون على هذا الشذوذ في مثل رواية الثقات؛ لأن أو تحذيرًا من الأخذ بظواهر بعض الأسانيد؛ لأن الآن لو لم نقف إلا على رواية معمر، يعني لو أتينا إلى رواية معمر هذه، ونظرنا إلى إسنادها، لحكمنا عليه بأنه حديث صحيح على شرط الشيخين في الظاهر، ولكنه في حقيقته حديث شاذ معل، قد أخطأ فيه معمر.

فالعلماء ينبهون على مثل هذا الشذوذ؛ لئلا يعتمد على ظواهر بعض الأسانيد، وسيأتي -إن شاء الله- بيان ذلك في الحديث المعل.

بقي عندنا تفرد الصدوق، وهذا تقدم إذا لم يكن مع المخالفة، قلنا جعفر بن برقان، الحديث اللي في الحاكم يصلح أن يكون لهذا.

وقد يتفرد الصدوق مع المخالفة؛ فتارة يخالف في المتن، وتارة يخالف في الإسناد، وتارة يخالف فيهما، ولذلك أمثلة.

وأيضًا الضعيف قد يتفرد بالحديث مخالفًا غيره، فنحكم عليه بأنه منكر، أو منكر جدًا، أو شاذ، أو شاذ بمرة.

أما بالنسبة للصدوق فأمثلته -يعني- لتعددها لا تكفي لهذا الدرس، نأخذ مثالًا لتفرد الضعيف مع المخالفة، وغدًا نتحدث عن تفرد الصدوق لدقته قليلًا.

فتفرد الضعيف مع المخالفة هذا يمثل له أهل العلم بحديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمةن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصة الذي جامع أهله في نهار رمضان، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بالكفارة، وهذه الكفارة جاءت في الأحاديث كلها، لكن جاء في حديث هشام بن سعد هذا اللي معنا زيادة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «صم يوما مكانه واستغفر الله ».

فهذه الجملة "صم يومًا مكانه" لم يروها عن الزهري إلا هشام بن سعد، كل الرواة الحفاظ -كمالك ومن نحا نحوه- كلهم يروون عن الزهري، ولم يذكر منهم أحد "صم يومًا واستغفر الله مكانه" إلا هشام بن سعد.

وهشام بن سعد هذا -وإن خرج له في الصحيح- إلا أن جمهور الأئمة على أنه ضعيف، ومخرج له في البخاري، ولكن جمهور العلماء على أن فيه ضعف، وأحسنهم حالًا من يجعله في مرتبة الصدوق.

فالشاهد أن العلماء يعلون، أو يجعلون هذا الحديث حديثًا منكرًا أو شاذًا؛ لأن هشام بن سعد تفرد بهذا الحديث مع المخالفة، فكان ضعيفًا، وكان مخالفًا، فهذا يصلح أن نطلق عليه شاذا باعتبار أنه خالف راويه الثقات، وقلنا راويه يحتمل يكون معهم الضعيف، ويحتمل لكن الأظهر أن الضعيف هنا ليس مرادًا، أو يمكن إدخالها في أن هذا تفرد، ولم يحتمل تفرده مع ضميمة المخالفة، فيكون شاذًا من جهة عند بعض أهل العلم، أو نطلق عليه شاذًا بمرة، أو نقول: هذا حديث منكر؛ لأن راويه ضعيف، وقد خالف فيه الثقات.

فهذا المثال صادق على المنكر، صادق على الشاذ، على اختلاف أهل العلم في حقائق، أو في حقيقة كل منهما، لكن المعتبر ها هنا أن الأئمة يخطئون مثل هذه الرواية، وهذا تنبيه؛ لأن بعض الناس إذا تفرد أحد الرواة بزيادة، وإن كان -يعني- ليس من الكبار، فإنه يصحح هذه الزيادة أو يحسنها، كما يصنع بعضهم في حديث هشام بن سعد هذا.

وهذا خلاف عمل الأئمة الذين يُخَطِّئون هذه الرواية، ويُخَطِّئُون راويها، ويعتبرون تفرده هذا تفردًا ليس بصحيح، وإن شاء الله يأتي تفرد الصدوق يوم غد.

فهذه بعض الأمثلة تصلح -إن شاء الله- في مبحث العلة، ويضاف عليها في مبحث العلة أشياء أخرى، وهي متعلقة بالشذوذ؛ لأن الشذوذ والنكارة من مباحث علة الحديث، يعني: على الحديث إذا اطُّلِع فيها على العلة صار المعلول شاذًا، صار المعلول منكرًا.

لكن العلماء يفردون كلًا منهما بمبحث؛ لأن الشاذ والمنكر يلتقيان مع المعل في بعض الأشياء، ويختلفان معه في بعضها، فالتفرد الضعيف المطلق هذا بعض أهل العلم لا يسميه معللًا لظهور ضعفه، لظهور الضعف، لكون ضعفه ظاهرًا، فلا يسمى معللا.

لكن إذا تفرد الثقة مع المخالفة، أو تفرد الصدوق مع المخالفة، فإن هذا يأتي في مبحث الإعلال، والله أعلم. وصل الله وسلم على نبينا محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في الدرس الماضي كان الكلام على الحديث الشاذ والمنكر، وتقدم لنا أن الشاذ -كما ذكره المؤلف- إما مخالفة الراوي الثقة أو الصدوق لمن هو أوثق منهما، أو هو مطلق تفرد الراوي الضعيف، سواء خالف أو لم يخالف، وأنه يجتمع مع المنكر في الحد الذي ذكره المؤلف، يجتمع الشاذ والمنكر في تفرد الراوي، إذا تفرد راوٍ ضعيف بحديث، فإنه يطلق عليه منكر، ويطلق عليه شاذ كما ذكر المؤلف.

ويفارق المنكر الشاذ بأن تفردات، أو بعض التفردات -ممن هم دون الثقة وفوق الضعيف- أن هذه قد تكون منكرة عند بعض العلماء، بل بعض أحاديث الثقات الذين تفردوا بها قد تكون منكرة عند بعض العلماء.

وتقدم التمثيل لهذه الأشياء سوى الصدوق، والصدوق ها هنا هو الذي يروي أو يحسَّن حديثه، هذا ينبغي الاعتناء بشأنه، وبخاصة في زياداته وتفرداته، فإذا كان الراوي الثقة لا تقبل زيادته إلا بشروط، فإن من دونه أولى ألا تقبل زيادته إلا بشروط أقوى من الشروط المشترطة في تفرد الثقة.

وإذا كان تفرد الثقة يعد أحيانًا، أو مخالفة الثقة تعد شاذة، فأيضًا مخالفة الصدوق -إذا خالف الثقات- فإنها تعد أشد شذوذًا من مخالفة الثقة للثقات، وأما إذا خالف الصدوق من هو قريب منه في المنزلة، فهذا يعتبر شذوذًا.

ومن أمثلة تفرد الصدوق إذا خالف: الحديث الذي يرويه الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس »(5) .

فالحارث هذا صدوق، وروى هذا الحديث بهذا الإسناد، وجعله من مسند أبي هريرة، وقد خالفه محمد بن عجلان، ومحمد هذا أرفع حالًا من الحارث بن أبي ذباب؛ ابن عجلان بعض أهل العلم يوثقه مطلقًا، وبعضهم يحسن حديثه، وهو بكل حال لا ينحط حديثه عن درجة الحسن، بل هو من أرفع مراتب الحسن، أو من أهل الصحة، والمقصود أنه أرفع حالًا وأحسن حالًا من الحارث بن أبي ذباب، وإن كان الحارث صدوقًا يحسن حديثه، فالحارث خالف ابن عجلان.

ابن عجلان روى هذا الحديث عن المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- موقوفًا عليه من قوله.

فالأول: الحارث جعله عن المقبري، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم.

فأخطأ في الإسناد، وأخطأ في إضافة الحديث.

وابن عجلان خالفه؛ فروى هذا الحديث بسند آخر، أو بسياق آخر مغاير لسياق الحارث، وجعله موقوفًا على عبد الله بن سلام -رضي الله تعالى عنه- فصارت رواية الحارث رواية شاذة؛ لمخالفته من هو أوثق منه، وهو ابن عجلان.

ولهذا النسائي -رحمه الله- في الكبرى خطَّأ رواية الحارث، وصوَّب رواية ابن عجلان.

ومثال آخر: وهو حديث أنس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما مر بأبي عياش الزرقي -رضي الله عنه- وهو يصلي ويقول في دعائه: يا حنان، يا منان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام ».

هذا الحديث هكذا يرويه الحفاظ من أصحاب أنس -رضي الله عنه-، أنس بن سيرين يرويه عن أنس بن مالك هكذا، إبراهيم بن عبيدة بن رفاعة وغيرهما يروون الحديث هكذا، بهذا اللفظ، فجاء حفص بن عمر -وهو صدوق- فرواه عن أنس، وزاد قوله: « يا حي يا قيوم »(6) .

فهذه اللفظة شاذة من قبل حفص بن عمر، وهذه لها تعلق بالحكم، أو لها أثر في الحديث؛ لأنها إذا أُثْبِتَتْ فهي تدل، أو تكون دليلًا لمن قال: إن الحي القيوم هو اسم الله الأعظم.

لكن إذا حذفت، وجاء في آخر الحديث، هذا الحديث لقد دعا الله باسمه الأعظم، وليس فيه يا حي يا قيوم، فهذا -أيضًا- يشكل على من قال، أو يرد مذهب من قال: إن الحي القيوم هو اسم الله الأعظم.

فهذه لها تعلق بالحكم، ولهذا تفرد بها حفص بن عمر، فصارت لفظة شاذة؛ لأنه صدوق خالف الثقات، وقلنا: الصدوق إذا خالف الثقات يكون حديثه أشد شذوذًا من الثقة الذي خالف الثقات؛ لأنه كلما عظم شأن المخالفين، وضعف شأن المُخالَف، كان الشذوذ أشد، ولهذا إذا خالف الضعيف كان الشذوذ أشد، والنكارة أقوى في الحديث.

بخلاف ما إذا جاء الصدوق، فإن النكارة أو الشذوذ يخف، وكذلك إذا خالف الثقة، فإن الشذوذ يخف.

وأيضًا مثله حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في قصة بني قريظة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « لقد حكمت فيهم بحكم الله »(7) .

لسعد بن معاذ: « لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات »(7) .

وأيضا مثل حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في قصة بني قريظة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « لقد حَكَمْتَ فيهم بحكم الله »(7) قال في سعد بن معاذ: « لقد حَكَمْتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات »(7) .

فهذا الحديث رواه محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه -رضي الله عنه.

هذا الحديث إذا نظرنا إليه لأول وهلة بهذا الإسناد يصلح أن يُحَسَّن الحديث؛ لأن الرجال ثقات إلا محمد بن صالح التمار، فهو صدوق، ولكن إذا جُمِعَتْ طرق الحديث تبين أن هذا الحديث شاذ، شاذ في سنده، وفي متنه زيادة لم تأتِ في الحديث الآخر.

فقد روى الحديث شعبة، وبينه وبين التمار مراحل كثيرة، رواه عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري، فصار شعبة يرويه بسند آخر، عن سعد بن إبراهيم، مغاير لرواية التمار.

فالتمار هذا، تكون رواية التمار هذه رواية شاذة، بل هي فيها شذوذ كبير؛ لأن المُخالِف -وهو التمار- صدوق، والمُخالَف موصوف، أو موصوف بأن -وهو شعبة- موصوف بأعلى مراتب التوثيق، هو من الذين يوصفون بأن لهم المنتهى، وأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأنه حجة ثَبْت ثقة إمام، كل هذه الأوصاف في شعبة.

والآخر "محمد بن صالح التمار" مُخْتَلَف في حاله، والأظهر أنه صدوق، حسن الحديث، فإذا خالف التمار مثل شعبة فإن روايته يكون الشذوذ فيها كبيرا جدا.

أما في الأمثلة السابقة، في مخالفة ابن أبي ذباب لابن عجلان، هذه الشذوذ فيها خفيف، أخف من هذه؛ لأن الرجلين -يعني- بينهما تقارب، وكذلك حديث أبي عياش الزرقي، الرواة بينهما -يعني- ليس بينهما، أو ليس بينهما فرق كبير.

فتبين بهذه الأمثلة أن رواية الصدوق إذا خالف فيها الثقات، سواء في الإسناد أو في المتن، فإنها تعتبر رواية شاذة.

وعلى ما تقدم كله يظهر أن الشاذ والمنكر متقاربان ومتداخلان في بعض النقاط، مختلفان في نقاط أخرى، وهذا هو الذي، التعريف هو الذي ذكره المؤلف -رحمه الله-، غير أن الحافظ ابن حجر فَرَّقَ بينهما بأن الشاذ يُشترط في راويه أن يكون؛ إما ثقة، وإما صدوقا، ويشترط المخالفة.

فهو يشترط فيه شرطان: أن يكون الراوي ثقة أو صدوقا، وأن يكون مخالفا لمن هو أوثق منه.

وأما المنكر عنده لا بد أن يكون المتفرد به، أن يتفرد به ضعيف ويخالف، فرواية الضعيف إذا وقعت مخالفة فإن الحافظ ابن حجر يسميها رواية منكرة، والثقة أو الصدوق إذا خالف يسميها شذوذا، وهذا الكلام -يعني- لا يرجع إلى الأحكام، وإنما يرجع إلى الألفاظ، والأمر فيها يسير.

لكن الذين جاءوا من بعد الحافظ ابن حجر -أو غالبهم- مشى على ما قرره وقَعَّدَه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- نعم.


(1) ابن ماجه : الأطعمة (3330).
(2) الترمذي : فضائل القرآن (2887) , والدارمي : فضائل القرآن (3416).
(3) البخاري : التوحيد (7494) , ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (758) , والترمذي : الصلاة (446) , وأبو داود : الصلاة (1315) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1366) , وأحمد (2/504) , ومالك : النداء للصلاة (496) , والدارمي : الصلاة (1478).
(4) البخاري : الذبائح والصيد (5539) , والترمذي : الأطعمة (1798) , والنسائي : الفرع والعتيرة (4260) , وأبو داود : الأطعمة (3842) , وأحمد (6/330) , ومالك : الجامع (1815) , والدارمي : الأطعمة (2085).
(5) الترمذي : تفسير القرآن (3368).
(6) الترمذي : الدعوات (3436).
(7) البخاري : الجهاد والسير (3043) , ومسلم : الجهاد والسير (1768) , وأبو داود : الأدب (5215) , وأحمد (3/22).