موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح - شرح الموقظة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الموقظة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح الموقظة
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لذاته
 شروط الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح لغيره
 مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح
 الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن وأقسامه
 تعريف الخطابي للحديث الحسن
 تعريف الذهبي للحديث الحسن
 أول من قسم الحديث بالحسن
 تعريف الحديث الحسن عند الترمذي
 تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
 تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 مؤاخذات على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن
 الاضطراب في تعريف الحديث الحسن
 الحديث الحسن يستضعفه الحافظ
 ضبط حديث الحسن لذاته والحسن لغيره
 نقد قول الترمذي حديث حسن صحيح
 نماذج من مراتب الحديث الحسن
 نماذج للحديث الحسن المتنازع فيها
 الحديث الضعيف
 تعريف الحديث الضعيف
 التردد في الحديث بين الحسن والضعف
 آخر مراتب الحديث الحسن وأول مراتب الضعيف
 ذكر بعض ضعفاء الحديث غير المتروكين
 الحديث المطروح
 تعريف الحديث المطروح وأمثلته
 الحديث الموضوع
 تعريف الحديث الموضوع
 مراتب الحديث الموضوع
 طرق كشف ونقد الحديث الموضوع
 الحديث المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 وجود الحديث المرسل في أنواع الحديث الأخرى
 نماذج من المراسيل الجيدة والضعيفة
 تعريف الحديث المعضل والمنقطع والفرق بينهما
 تعريف الحديث الموقوف
 تعريف الحديث المرفوع
 تعريف الحديث المتصل
 تعريف الحديث المسند
 تعريف الحديث الشاذ والمنكر
 الحديث الغريب
 تعريف الحديث الغريب ووقوعه في المتن والسند
 وصف الحديث بالغريب صحيحا أو غير صحيح
 تفرد الرواي في الحديث إسنادا ومتنا وشيخا
 تعريف الحديث المسلسل ومراتبه
 الحديث المعنعن
 تعريف الحديث المعنعن وشرطه
 أمثلة لبعض من عرف بالتدليس
 الحديث المدلس
 تعريف الحديث المدلس
 قال الراوي في الحديث المدلس حدثنا وهو لم يسمع
 كيفية كشف الحديث المدلس
 التدليس عن الضعفاء جناية على السنة
 مقاصد التدليس
 أمثلة للتدليس الحديث
 تدليس الأسماء يؤدي إلى جهالة الراوي الثقة
 وقوع التدليس للأسماء في صحيح البخاري
 تدليس التسوية والصيغة
 الحديث المضطرب والمعلل
 تعريف الحديث المضطرب والمعلل
 كون العلة غير مؤثرة في الحديث المعلول
 الحديث المعلول إذا رفعه راو ضعيف ووصله راو ثقة
 المخالفات إذا كثرت من الراوي ضعفت حديثه
 توثيق الراوي
 تصحيح الوجهين المرويين عن الراوي
 اختلاف الجماعة في إسناد الحديث
 الحديث المدرج
 تعريف الحديث المدرج
 قلة إدراج الحديث في وسط المتن
 تصنيف الخطيب في الحديث المدرج
 ألفاظ الأداء
 معنى ألفاظ الأداء
 من ألفاظ الأداء قوله أخبرنا
 التسوية فيما تحمله الراوي عن طريق السماع
 ما تحمل بالإجازة ثم عبر عنه بأخبرنا
 التعبير بالإنباء عن التحديث وعن الإخبار
 إطلاق المغاربة لفظ أخبرنا على ما هو إجازة
 التعبير بأخبرني وحدثني مناولة
 صورة من التدليس للدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني
 من صورالتدليس القول بأخبرنا فلان من كتابه
 تعبير من هو دون الإجازة بقوله أنبأنا فلان
 صور الأداء
 الحديث المقلوب
 تعربف الحديث المقلوب
 الراوي لم يتهم بشيء من الكذب ولا بسرقة الحديث
 ركب متنا على إسناد ليس له متعمدا
 قلب متن الحديث
 سرقة الحديث
 سرقة السماع
 العدالة في الراوي
 اشتراط العدالة حالة التحمل
 سماع رواية ابن خمس سنين
 التصرف في الإسناد بالمعنى
 قول المحدث سمعت فلانا فيما قرأه علي
 إفراد المحدث حديثا من نسخة تجمع أحاديث بسند واحد
 اختصار الحديث وتقطيعه
 متى يقول في الحديث يسوقه بعد الحديث مثله أو نحوه
 تحمل الحديث من طريق المذاكرة
 آداب المحدث
 تصحيح النية من طالب العلم متعين
 لزوم المحدث الإمساك عن التحديث عند الهرم وتغير الذهن
 الامتناع من أخذ الإجازة من المحدث
 تحديث المحدث مع وجود من هو أولى منه
 بذل النصيحة
 بذل النصيحة تابع
 التهيؤ للتحديث
 ذم القراءة السريعة
 شرح المحدث لبعض الكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث
 عقد مجالس الإملاء
 تجنب رواية المشكلات
 رواية الحديث الموضوع أو المطروح
 تعريف الثقة
 تعريف الثقة باعتبار ماهية الثقة
 أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم
 الحفاظ من التابعين ومن بعدهم تابع
 تفرد الثقات من التابعين بالحديث
 تفرد أتباع التابعين بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 تفرد أصحاب الأتباع بالحديث تابع
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب
 الراوي الثقة المتوسط المعرفة والطلب تابع
 إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات
 تسمية الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا
 إطلاق النكارة على الحديث الذي ينفرد به إمام
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة
 الإمام إذا أكثر من الأفراد المنكرة- تابع
 الراوي إذا أخطأ في أحاديث أو تفرد بها ثم رجع عنها
 ليس من حد الثقة ألا يغلط
 فصل: تعريف الثقة باعتبار النظر في أقوال العلماء
 إخراج حديث من دون الثقة في الصحيحين
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة
 من دون الثقة إذا صحح له مثل الدارقطني والحاكم
 الفرق بين الثقة والمستور
 جهالة الراوي
 انفراد الثقة الكبير ببعض الأحاديث
 ينبوع معرفة الثقات
 أقسام من أخرج له الشيخان
 طبقات الثقات
 الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين
 احتجاجهم بجماعات قيل فيهم ليس بالقوي
 الورع لمن يتصدر للجرح والتعديل
 تحرير عبارات التعديل والجرح
 حكاية الجرح والتعديل كما صدرت من قائلها
 مناهج العلماء في الجرح والتعديل
 علماء الدين لا يجتمعون على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
 مراتب الرواة أصحاب البدع والأهواء
 آراء العلماء في قبول رواية المبتدع
 وجوب تفقد حال الجارح مع من تكلم فيه
 الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم
 الجهل بمراتب العلوم وقع بسببه الجرح
 فقد الورع في بعض الناقدين أورث جروحا خطيرة
 المؤتلف والمختلف
شرح الموقظة - مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح

مراتب المجمع عليه من الحديث الصحيح

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: فأعلى مراتب المجمع عليه:

مالك عن نافع عن ابن عمر، أو منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، أو الزهري عن سالم عن أبيه، أو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ثم بعده:

معمر عن همام عن أبي هريرة، أو ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، أو ابن جريج عن ابن عطاء عن جابر وأمثاله.

ثم بعده في المرتبة: الليث والزهري عن أبي الزبير عن جابر، أو سماك عن عكرمة عن ابن عباس، أو أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء، أو العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، ونحو ذلك من أفراد البخاري أو مسلم. .


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

لما تكلم المؤلف المؤلف -رحمه الله- فيما تقدم، عن الشروط التي يجب أن يستوفيها الحديث، حتى يحكم له بالصحة -ذكر في هذا الجزء مراتب المجمع عليه.

والمراد: أعلى مراتب المجمع على صحته، وهذه العبارة تعطينا أن الحديث الصحيح: منه ما هو مجمع عليه، ومنه ما هو مختلف فيه، منه ما هو مجمع على صحته بين الأئمة، ومنه ما هو مختلف في تصحيحه بين الأئمة، وهذا الخلاف ليس عائدا إلى ذات الشروط، فهم -كما سلف- أهل الحديث متفقون على الشروط الخمسة السابقة، وأنه لا بد من توافرها في الحديث، حتى يحكم له بالصحة، ولكن المراد، أو اختلاف العلماء في التصحيح، إنما هو عائد إلى تحقق تلك الشروط في ذلك الحديث، فأحيانا بعض أهل العلم لا يحكم على الحديث بضعف أحد رجاله عنده، بينما يصححه عالم آخر؛ لكون هذا الرجل ثقة عنده، أو يصحح بعض العلماء الحديث بناء على أن سنده متصل؛ لصحة سماع فلان أو فلان عنده، ثم يأتي آخر فلا يحكم لهذا الحديث بالصحة؛ لأنه لا يصحح سماع فلان من فلان، فهذه، أو فاختلاف العلماء في تصحيح الأحاديث ليس عائدا إلى الشروط أنفسها، يعني: ليس عائدا إلى اختلاف في هذه الشروط، وإنما هو عائد إلى تحقق هذه الشروط في الحديث الذي يحكم له بالصحة، أو لا يحكم عليه بالصحة، وهذه العبارة -أيضا- تدل على أن الصحيح مراتب، وأن الحديث كما أنه أقسام: صحيح وحسن وضعيف ودون ذلك، فكذلك الصحيح مراتب:

فمنه ما هو أصح الصحيح، ومنه ما هو أدنى الصحيح، وبين هاتين المرتبتين مراتب، وهذا عائد إلى الرجال أنفسهم وقوة ضبطهم. وكما أن الرجال -فيما سبق- يتفاوتون في الضبط، كذلك الأسانيد تختلف في الصحة، بحسب توافر الشروط فيها، وما ذكره المؤلف في هذه المراتب، إنما هو عائد إلى ضبط الرواة، فبعض الرواة يكون أضبط من بعض، فيكون حديث الأضبط أصح، وإن كان الجميع يطلق على حديثهم بأنه حديث صحيح، لكن هذا التمييز بين مراتب الصحيح، يستفاد منه في الترجيح حين الاختلاف بين الأحاديث: فالحديث الذي بلغ الغاية في الصحة، يقدم على ما هو دونه في المنزلة.

فمراتب الصحيح، أو الصحيح يختلف فيما بينها، بحسب ضبط الرواة، وهذه المراتب التي ذكرها الإمام الذهبي -رحمه الله- ثلاث مراتب:

فالمرتبة الأولى: هذه مرتبة عليا، الرواة فيها ثقات متقنون، وهي سلاسل معروفة ومشهورة، وتمتاز هذه المرتبة بالنظر في رجالها، أن هؤلاء الرجال جميعهم قد خُرج لهم في الصحيحين، قد خُرج لهم في الصحيحين بهذه السلاسل، بمعنى أنك لو أتيت إلى صحيح البخاري -لوجدت فيه حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، ولوجدت فيه حديث منصور بن معتمر، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود، ولوجدت فيه حديث الزهري عن سالم عن أبيه، ولوجدت فيه حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فهؤلاء الرواة المذكورون موجودون بهذه السلاسل في الصحيحين، وخرجت لهم أحاديث كثيرة بهذه الأسانيد، وتمتاز هذه المرتبة، أو أهل هذه المرتبة بأن هذه السلاسل وصفها، أو أُطلق عليها بأنها أصح الأسانيد؛ لأن بعض أهل العلم يرى أن أصح الأسانيد على الإطلاق:

مالك عن نافع عن ابن عمر، وبعضهم يرى: أنه الزهري عن سالم عن أبيه، وآخر يرى: أنه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أو منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وأيضا ذُكر غير هذه السلاسل بما يقارب ثماني عشرة سلسلة، وصفت بأن، أو ورد عن عالم وصف واحدة منها بأنها أصح الأسانيد، وكونها توصف بأصح الأسانيد، هذا دليل على علو منزلتها وتمام ضبط رجالها، وأنهم مقدمون على غيره.

وتمتـاز هذه المرتبة أو أهل هذه المرتبة، بأن الرجال المذكورين فيها لم يمس أحد منهم بما يقدح في عدالته أو ضبطه، فصارت هذه المرتبة التي أوردها المؤلف، أو أهل هذه المرتبة التي أوردها المؤلف -رحمه الله- وهي المرتبة الأولى من مراتب الصحـيح -يجمع أهلـها ثلاثة أوصاف:

الوصف الأول: أنهم قد خرج لهم في الصحيحين بجميعهم، على هذا النسق الذي ذكره المؤلف رحمه الله.

والثاني: أن هذه السلسلة، أو هذه السلاسل المذكورة وصفت بأنها أصح الأسانيد. الثالث: أن ما ذكر من هؤلاء الرجال، لم يمس أحد منهم بجرح يقدح في ضبطه، فضلا عن عدالته.

وأما المرتبة الثانية التي ذكرها المؤلف: فهي أقل من هذه المرتبة، وتمتاز بأن رجالها مخرج لهم في الصحيحين، جميع الرجال المذكورين في المرتبة الثانية، هؤلاء مخرج لهم في الصحيحين، والرجل الذي يُخرج له في الصحيحين، يختلف حاله عمن لم يُخرج له في الصحيحين؛ لأن وجوده في الصحيحين دليل على علو منزلته وأنه من الحفاظ؛ ولهذا بعض أهل العلم ذكروا أن من خرج له في الصحيح على سبيل الاحتجاج -فهو قد اجتاز القنطرة، فلا يتكلم في حفظه، فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، وإن لم يوثقه أحد من أئمة العلم، وإنما قالوا ذلك؛ لأن الصحيحين تداولتها أيدي العلماء ونقدوها، وأظهروا ما فيها من العلل، فلم يجدوا إلا شيئا يسيرا لا يكون ظاهرا مع وفرة أحاديث الصحيحين.

وهذه الصفة أو الوصف الأول الذي فازت به هذه المرتبة: إن الحديث من أهلها، إن أهلها مخرج لهم في الصحيحين، والصفة الثانية: إن أهلها لم يمس أحد منهم بقادح ظاهر، وإن كان على بعضهم ملحظ في الرواية، فمثلا: سعيد بن أبي عروبة ثقة فذ، لكن كان يدلس واختلط في آخر عمره، معمر ثقة فذ، لكن كان إذا حدث في البصرة وهِم، وإذا حدث عن بعض شيوخه: كالأعمش وهشام وثابت يخطئ، ليسوا كالرجال المتقدمين في المرتبة الأولى.

والصفة الثالثة وهي صفة سلب عنهم: أن هذه السلاسل لم يوصف أحد منها بأنه أصح الأسانيد، كما وصف في المرتبة الأولى، اللهم إلا حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، هذا وصف بأنه أصح أسانيد اليمانيين، وهذا وصف مقيد ليس مطلقا، وأما الأولون فكان الوصف لروايتهم وصفا مطلقا، بمعنى أن مالكا -مثلا- عن نافع عن ابن عمر، هذه السلسلة عند بعض أهل العلم أصح الأسانيد مطلقا، فلو جئت بحديث أهل الكوفة،أو بحديث أهل البصرة، أو بحديث أهل خرسان،أو بحديث أهل اليمامة، أو بحديث أهل مكة، أو بحديث أهل المدينة -غير حديث مالك- فهذه السلسلة تفضل على جميعها، وكذلك بالنسبة إلى حديث منصور ومن بعده.

فالشاهد أن هذه السلسة أو هذه المرتبة، لم يوصف أحد من هذه السلاسل الموجودة فيها بأنه أصح الأسانيد مطلقا، فصار التمايز بين هذين المرتبتين ظاهر، في كون أهل المرتبة الأولى ليس عليهم أي ملحظ، أما المرتبة الثانية فعليهم ملحظ وإن لم يكن قادحا، لكن صار عليهم ملحظ، والثاني: أن أهل المرتبة الأولى وصفوا بأن أسانيدهم أصح الأسانيد مطلقا، بخلاف المرتبة الثانية، وبهذا ظهر الفرق بين هاتين المرتبتين، وإن كان كل واحد من أهل...، أو كل سلسلة من هذه السلاسل، إذا خُرج الحديث بها وصف بأنه صحيح، لكن إذا جاءتنا رواية بحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وجاءنا في مقابلها حديث سعيد بن أبي عروض عن قتادة عن أنس -فإننا نقول: "الرواية الأولى أرجح". والروايتان كلتاهما صحيحتان، لكن الرواية الأولى أرجح؛ لأنها امتازت على هذه الرواية بوصف أسانيدها، بأنها أصح الأسانيد مطلقا، وبكون أهلها ليس عليهم أي ملحظ، أما الثانية فعليهم ملحظ ليس بقادح في جميع الأحوال.

أما أهل المرتبة الثالثة: فهؤلاء فيهم، أو في ذكرهم، أو فيما ذكره المؤلف في التمثيل في بعض تمثيله لأهل هذه المرتبة، هذا فيه محل نظر، وكونه يدخل في الصحيح أيضا محل نظر، فضلا عن كونه من مراتب الصحيح.

هذه الأسانيد المذكورة في هذه المرتبة، تبين أن كلام المؤلف في رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وجعلها من الصحيح، هذا مما لا يوافقه عليه الحفاظ، فرواية سماك عن عكرمة أعلها العلماء بالاضطراب، فهي من ضعيف حديث سماك وليست من صحيحه، كما أعلها شعبة وعلي بن النديم و يعقوب بن شيبة وآخرون؛ لأن رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس مضطربة، كان يلقن هذه الرواية فيتلقنها:

إذا قيل له: سماك -وهم يقرءون عليه سماك- عن ابن عباس قال: سماك عن ابن عباس، وإذا قيل: سماك عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال كذلك، فهو لا يثبت على حالة، فكان يلقن فيتلقن؛ ولهذا ضعف أهل العلم هذه الرواية، وإن كان سماك على الصحيح، حسن الحديث في روايته عن غير عكرمة، ولكن كونه يدخل في الصحيح بروايته عن عكرمة، هذا مما لا يوافق الحفاظ عليه الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- وإذا كان أهل العلم قد وصفوا هذه الرواية بالاضطراب -فمعناه أنها ضعيفة، وبناء على ذلك فإدخاله في مراتب الصحيح، فيه ما فيه على الإمام الذهبي -رحمه الله- اللهم إلا أن يكون مراد الإمام الذهبي: أن يكون هذا الحديث الذي يرويه سماك عن عكرمة عن ابن عباس، من رواية الثوري أو شعبة عن سماك، فإن العلماء ذكروا: "إن الثوري وشعبة، إذا رويا عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فهذا صحيح، وأما إذا روى غيرهم عن سماك فالرواية مضطربة". فيكون على ذلك كلام المؤلف: إما أن يقيد، يقال: "رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس، فيما رواه عن سماك الثوري وشعبة" وإما أن يقال: "إدخال هذه السلسلة في هذه المراتب، مخالفة من الذهبي لما اعتمده الحفاظ".

وهذه المرتبة، لو لاحظنا الأوصاف التي تميز بها أهلها -لوجدنا أن الوصف الأول: أنهم مخرج لهم في الصحيح، سواء في الصحيحين، أو في صحيح البخاري، أو في صحيح مسلم، فهم من رجال الصحيح.

الثاني: أن كل سلسلة من هذه السلاسل المذكورة، قد قدح في راو منها، لكن هذا القادح، يعني ليس مؤثرا يضعف الراوي، وإنما يحط من رتبته نوعا ما، وهذه -أيضا- فيها وصف سلبي: وهو أنه ليس في هذه السلاسل ما وُصف بأنه أصح الأسانيد، فصارت هذه المرتبة تمتاز أو تتصف بثلاثة أوصاف:

الوصف الأول: أن أهل هذه السلاسل لم توصف منها سلسلة بأنها أصح الأسانيد. والثانية: أن أهلها مخرج لهم في الصحيح.

والثالثة: أن كل سلسلة مشتملة على رجل ممن قد تكلم فيه، أو قُدح فيه، لكن هذا القدح لم يكن مؤثرا تأثيرا بالغا يضعف الرجل، وإنما أثر عليه بتنزيله من المرتبة العليا من مراتب الصحيح، إلى المرتبة الدنيا، والمؤلف في آخر كلامه قال: "وأمثال هذا: مما انفرد به في البخاري ومسلم".

وهذا الكلام إما أن يقال: "إن المراد: مما انفرد به في البخاري ومسلم على سبيل الاجتماع في الأسانيد". بمعنى أنه: لو رأينا رواية الليث عن أبي الزبير عن جابر، أو الزهير عن أبي الزبير عن جابر، وتتبعنا هؤلاء الرجال -لوجدناهم كلهم مخرج لهم في الصحيحين: الليث وزهير احتجاجا في الصحيحين، وأبو الزبير متابعة، وفي مسلم احتجاجا، لكن الشاهد من هذا: أنهم مخرج لهم في الصحيحين، لكن لما ترجع إلى صحيح البخاري -لا تجد أن البخاري يروي حديثا عن الليث عن أبي الزبير، ولا يروي حديثا عن زهير عن أبي الزبير، لا تجد هذا نهائيا، يعني لا تجد في صحيح البخاري الجمع بين هذين الرجلين، بينما إذا فتشت في صحيح مسلم وجدت أنه له روايات كثيرة عن الليث، عن أبي الزبير، الزهير عن الزبير، أما في البخاري فلا تجد، تجد رواية الليث عن شيخ آخر غير أبي الزبير، تجد رواية زهير عن شيخ آخر غير أبي الزبير.

إذن هذه الرواية لا يصح أن توصف بأنها جاءت على سبيل الاجتماع في الصحيحين، هذه السلسلة إنما جاء التخريج للرواة فيها على سبيل الانفراد، يعني: خرج الجامع أنه خرج له في الصحيح، لكن هل خرج لليث عن أبي الزبير؟ أو الزهير عن أبي الزبير في البخاري؟ هذا لم يحصل وإنما حصل في صحيح مسلم.

عن الليث والزهير عن أبي الزبير عن جابر أو سماك عن عكرمة عن ابن عباس.

وهذا سماك سبق أنه خالف هنا إما أن يقيد وإما أن يلغى نعم.

والثاني: "أو أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء " . هذا أبو بكر بن عياش، لم يخرج له إلا في البخاري، وأبو إسحاق السبيعي خرج له في الصحيحين، إذن يكون هذه السلسلة مما انفرد به البخاري، أو مما اجتمع عليها الشيخان، هذه السلسلة يكون قد انفرد بها البخاري، فكان الاعتبار هنا راجعا إلى الاجتماع لا إلى الانفراد؛ لأنه لو رجعنا إلى الانفراد لوجدنا أن أبا إسحاق يروى عنه في الصحيحين، لكن مراد المؤلف في هذا الاجتماع، فهذه السلسلة انفرد بها الإمام البخاري؛ لأنه ليس هناك رواية لأبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في صحيح مسلم، إلا في المقدمة، وهذه لا اعتبار لها، لكن رواية أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي موجودة في صحيح البخاري فكان البخاري منفردا بهذه الترجمة على سبيل الاجتماع.

أو العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة " .

العلاء بن بن عبد الرحمن هذا حسن الحديث، وأبوه كذلك، وهو هذه السلسة ممن انفرد الإمام مسلم بإخراج حديث أهلها، يروي كثيرا من هذه الأحاديث، لكن الذي ينبغي التنبه له: أن الإمام مسلم اختار من هذه النسخة، ما تيقن -رحمه الله- أنه ليس فيه علة، فأخرج من هذه السلسلة على سبيل الانتقاء؛ لأن بعض الناس إذا رأى حديثا بهذه السلسة صححه على شرط مسلم، وهذا غلط؛ لأن هناك أحاديث تركها مسلم عمدا لكونها معلولة، وهي تروى بهذا الإسناد، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، هذا بعض أهل العلم يصحح هذه الرواية، وبعضهم يحسنها، وبعضهم يضعفها، لكن الأشهر في هذا كله: أن هذه السلسلة دائرة بين الصحة والحسن؛ ولهذا خرج الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- لهذه النسخة أحاديث كثيرة في صحيحه، ولو نظرنا إلى هذه السلسلة لوجدنا أنه قد تكلم في أهلها، وجدنا أن رجالها مخرج لهم في الصحيح وصحيح الإمام مسلم، ثم وجدنا أن هذه السلسلة لم يوصف شيء منها بأنه أصح الأسانيد.

فالشاهد من هذا كله، أن عبارة المؤلف: "انفرد بإخراجه البخاري أو مسلم" هذا فيه تفضيل لما خرج في الصحيحين، وجعله مما خرج في صحيح مسلم، أو في صحيح البخاري على سبيل الانفراد، وجعله مقدما على غيره من الصحيح، وهذا معروف في كلام أهل الاصطلاح، وبهذا يتبين أن الحديث الصحيح على مراتب، وأن كوننا نفضل مرتبة على مرتبة، لا يعني تضعيف المرتبة الأخرى، وإنما يستفاد منها في الترجيح بين الروايات، وهذا كما يفضل أهل العلم بعض الرواة على بعض، فتفضيلهم للأوثق على الثقة لا يقتضي تضعيف الثقة، وإنما يقتضي التفاضل بينهما حين الاختلاف. نعم.