موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أدوات النصب والجزم - شرح الآجرومية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الآجرومية لفضيلة الشيخ محمد بن خالد الفاضل
  
 
 شرح الآجرومية
 مقدمة الشارح
 أنواع الكلام
 بـــاب الإعـــراب
 باب معرفة علامات الإعراب
 علامات النصب
 علامات الخفض (الجر)
 علامات الجزم
 فصل المعربات
 المعربات بالحروف
 باب الأفعال
 أدوات النصب والجزم
 باب مرفوعات الأسماء
 باب النعت
 باب الفاعل
 باب المفعول الذي لم يسم فاعله
 باب المبتدأ والخبر
 باب العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر
 باب العطف
 باب التوكيد
 باب البدل
 باب منصوبات الأسماء
 باب المفعول به
 باب المنادى
 باب المفعول معه
 خبر كان وأخواتها واسم إن وأخواتها
 باب المصدر
 باب ظرف الزمان وظرف المكان
 باب الحال
 باب التمييز
 باب الاستثناء
 باب لا
 باب المفعول من أجله
 باب المخفوضات من الأسماء
شرح الآجرومية - أدوات النصب والجزم

أدوات النصب والجزم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

فالنواصب عشرة، وهي: أن ولن وإذن، وكي ولام كي، ولام الجحود، وحتى والجواب بالفاء، والواو وأو.

والجوازم ثمانية عشر، وهي: لم ولما وألم، وألما ولام الأمر، والدعاء ولا في النهي والدعاء، وإن وما، ومهما وإذ ما، وأي ومتى، وأين وأيان وأنا، وحيثما وكيفما، وإذن في الشعر خاصة.


النواصب والجوازم التي تدخل على الفعل المضارع فتغير حاله من الرفع إلى النصب، أو من الرفع إلى الجزم.

طيب ‍! المضارع إذا دخل عليه ناصب؛ فإنه يكون منصوبا بهذا الناصب، وإن دخل عليه جازم؛ فإنه يكون مجزوما بهذا الجازم.

طيب! إذا لم يدخل عليه شيء … ما حكمه؟

يكون مرفوعا … طيب! مرفوع بماذا؟ مرفوع بالضمة. لماذا رُفع؟ ما علة رفعه؟ علة نصبه أنه مسبوق بحرف ناصب، علة جزمه أنه مسبوق بحرف جازم. ما علة رفعه؟.

نعم … يقولون: في الفعل المضارع بأن عامل الرفع فيه عامل معنوي، وهو تجرده من الناصب أو الجازم، وأن عامل الرفع في المبتدأ -كذلك- عامل معنوي، وهو الابتداء، وما عدا هذين العاملين؛ فإنه يكون عاملا لفظيا.

يعني أن الأسماء والأفعال لا بد لها من شيء يحدث فيها عملا معينا، فإن ارتفعت نقول: لماذا ارتفعت … ما الذي رفعها؟ وإن نُصبت، قلنا: ما الذي نصبها؟ وإذا جُرّت، قلنا: ما الذي جرها؟ وإن جزمت، قلنا: ما الذي جزمها.

فالمنصوبات والمجزومات والمجرورات هذه واضحة؛ لأن النصب يحدثه عامل من عوامل النصب، وهو عامل لفظي، والجر يحدثه عامل من عوامل الجر، وهو عامل لفظي -أيضا- والجزم كذلك.

أما الرفع في الفعل المضارع، وفي المبتدأ خاصة؛ فإنه عامل معنوي، أي: نستطيع أن نقول إن العامل في اللغة العربية نوعان:

عامل معنوي، وعامل لفظي.

العامل المعنوي: لا يأتي إلا في بابين فقط: مع الفعل المضارع المرفوع، ومع المبتدأ فقط. أما ما عدا ذلك فإن العامل يكون عاملا لفظيا سواء كان عامل رفع، مثل: جاء محمد: محمد فاعل مرفوع عمل فيه الفعل الماضي جاء، فهو عامل لفظي، ولكن محمدُ قائم: محمد مرفوع. .. ما الذي عمل فيه الرفع ؟.

يقولون: عمل فيه الرفع الابتداء. الابتداء ما هو ؟.

هو شيء معنوي ليس شيئا لفظيا. الابتداء ليس شيئا لفظيا: كحرف النصب، أو حرف الجزم، أو حرف الخفض، أو الفعل أو نحو ذلك.

الابتداء: هو اهتمامك بهذا الاسم وتقديمه، واحتفاؤك به جعله يكون مرفوعا هذا هو الذي يسمى بالابتداء.

وكذلك الفعل المضارع إذا دخل عليه ناصب نُصب بهذا العامل اللفظي، وهو الناصب.

وإذا دخل عليه جازم جُزم بهذا العامل اللفظي وهو حرف الجزم اللام أو نحوهما.

فإذا لم يدخل عليه شيء فإنه يكون مرفوعا حينئذ. ما العامل الذي عمل فيه الرفع؟ هو عامل معنوي لا يُرى وليس عاملا لفظيا، وهو تجرده من الناصب والجازم.

طبعا هذا الأمر لا تتصورون أنه قضية مسلمة، وإنما فيه خلاف لكنه هو المشهور، والراجح أن عامل الرفع في الفعل المضارع، وفي المبتدأ عامل معنوي، وفيما عداهما فهو عامل لفظي.

فالنواصب -إذن- التي تدخل على الفعل المضارع ثم ينصب عشرة.

الواقع أن النواصب والجوازم المؤلِّف هنا سردها بهذه الصورة، وقد يبدو لأول وهلة من سردها أنها شيء يسير لكنها في الواقع تشكل بابا كبيرا من أكبر أبواب النحو، وهو ما يسمى بإعراب الفعل … باب إعراب الفعل من أكبر الأبواب، والأستاذ في الكلية يجلس قُرابة شهر وهو يشرح في هذا الباب.

لا تتصورون أننا سنستطيع أن نوفي هذا الموضوع، وهو موضوع النواصب والجوازم حقه في درس أو درسين، ولو أعطيناه ما بقي من مدة الدورة لما كفاه بالصورة التي نريدها؛ لأن في الحديث عن النواصب تفصيلات كثيرة جدا، وخاصة في أن متى تُضمر جوازا؟ ومتى تضمر وجوبا؟.

والكلام طويل في هذا، وما فيه أيضا من قضايا خلافية فنحن سنمر عليه مرورا سريعا قدر الطاقة، ولن نطيل فيه كثيرا، ولن نختزله -أيضا- بالصورة التي فعل المؤلف، وقد حاولت أن أحقق جمعا بين الأمرين، ولخَّصت ملخصا يسيرا جدا لقضية الحروف النواصب.

فالحروف النواصب سردها المؤلف -رحمه الله- فقال إنها عشرة، وهي: أن ولن وإذن وكي، ولام كي التي تسمى لام التعليل، ولام الجحود وهي التي تسمى لام النفي، وحتى، والفاء والواو إذا وقعتا في الجواب. أو كما قال المؤلف: الجواب بالفاء، والواو والحرف الأخير أو.

هذه الحروف العشرة لو نظرنا إليها لجعلناها فئات: الفئة الأولى من هذه الحروف فئة تنصب بنفسها، وهي الحروف الأربعة الأولى، وهي: أن ولن وإذن وكي. وفئة ثانية تنصب بأن مضمرة جوازا، وهي: لام كي أو لام التعليل. والفئة الثالثة فئة تنصب بأن مضمرة وجوبا، وهي: لام الجحود وحتى والفاء والواو إذا وقعتا في الجواب وأو.

سنعيد -إن شاء الله- الفئات أيضا هذا التقسيم إلى هذه الفئات ليس محل اتفاق مائة في المائة، وإنما هو -يعني- من التقسيمات الجيدة الشائعة.

الحروف التي تنصب بنفسها، وهي الفئة الأولى، وهي الحروف التي تنصب بنفسها، وهي أربعة: أن ولن وإذن وكي.

والفئة الثانية هي الحروف التي تنصب بواسطة أن المضمرة جوازا، وهي: لام كي أو لام التعليل.

والفئة الثالثة هي الحروف التي تنصب بواسطة أن المضمرة وجوبا، وهي الخمسة الباقية: لام الجحود وحتى والفاء أو الواو في الجواب وأو.

إذن نلحظ من ذلك لو أمعنا النظر لوجدنا أنَّ أن هي المهيمنة على هذا الباب؛ لأنها إما أن تنصب وهي ظاهرة، وهي تسمى -تكاد تكون- أم الباب، وإما أن تنصب وهي مضمرة جوازا وذلك بعد لام التعليل أو لام كي، وإما أن تنصب وهي مضمرة وجوبا وذلك بعد الحروف الخمسة الأخيرة.

إذن هذه التي تسمى نواصب، وهي الحروف الستة الأخيرة، الواقع أنها ليست هي النواصب، وإنما هي الناصب مستتر تحتها أو خلفها، وهي مجرد ستار وغطاء للناصب الحقيقي وهو أن، نُفَصِّل قليلا أنْ هذه … أيضا أن نفسها تحتاج إلى وقفات؛ لأن أنْ هذه ليست نوعا واحدا، وتكاد تكون أنواعها متداخلة إلى حد ما.

فـ أن هذه تارة تكون مفسِّرة، وتارة تكون زائدة، وتارة تكون مخففة من الثقيلة، وهي أخت أنَّ الناسخة، تخفف -أيضا- فتصير أنْ فيصير لها أحكام خاصة، وتارة يصح فيها الوجهان: أن تكون مخففة وناصبة، وتارة تكون ناصبة للفعل المضارع وهي التي معنا، وكلها في النطق متشابهة، بل متحدة.

فالمفسرة -مثلا هذه الأمور سأستعجل فيها لن أتوقف فيها طويلا- المفسرة هي: المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، و هذه القضية لو وقفنا نتحدث فيها لطالت، مثالها: كتبتُ إليهِ أنْ يفعلَ كذا، أو بأن يفعل كذا، وهي التي ربما كانت مرادفة لأي. كتبتُ إليه أي: قلت إليه، أي: طلبت منه بأن يفعل كذا.

والزائدة: هي الواقعة بين القسم ولو، كما لو قلت مثلا: أقسم بالله أن لو يأتيني زيد لأكرمنَّه. وأيضا منها قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ(1) الواقعة بعد لما -أيضا- داخلة في الزائدة، كما في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ(1) .

وكلمة زيادة في القرآن الكريم لها خصوصية ليست ككلمة زائدة في الكلام العام. حينما تقول: بأن هذا حرف زائد، أو أن تقول: هذا مبتدأ مرفوع لفظا مجرور محلا بحرف الجر الزائد، أو نحو ذلك في القرآن الكريم؛ فإن معنى الزيادة إنما هي قضية تتعلق بالحكم الإعرابي، أما الناحية المعنوية فإنه ليس هناك شيء في القرآن ليس له معنى، وإنما جاءت لتؤدي معنًى مهما، ومعنى كبيرا قد يكون ظاهرا، وقد يكون ليس بظاهر.

النوع الثالث من أنواع أنْ هي: المخففة وهي المسبوقة بعَلِمَ، أو أي فعل من أفعال العلم … المسبوقة بعلِم أو غيره من أفعال العلم هذه في الغالب تكون مخففة من الثقيلة، وهذه كثيرة جدا في القرآن، كما في قوله -تعالى-: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى(2) وفي قوله -تعالى-: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا(3) .

فتلحظون أن الفعل المضارع إذا جاء في القرآن بعد فعل يدل على العلم؛ فإن أنْ هذه تكون مخففة ويرتفع الفعل المضارع بعدها، فإن جاءت بعد فعل يدل على الظن؛ فإنها تكون حينئذ محتملة بأن تكون مخففة فيرتفع الفعل المضارع بعدها، ويحتمل أن تكون ناصبة فينصب الفعل بعدها.

ولذلك جاء في بعض الآيات قراءتان سمعيتان كلتاهما متواترتان: إحداهما بالرفع، وإحداهما بالنصب. فالتي بالرفع تكون أنْ فيها مخففة من الثقيلة أخت إنَّ الناسخة، والتي بالنصب تكون أنْ فيها هي الناصبة.

وأنْ المحتملة للوجهين المخففة والناصبة هي الواقعة بعد فعل ظنٍّ، كفعل: حسِب أو نحو ذلك كما في قوله -تعالى-: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ(4) هذه الآية قرئت بوجهين: قرئت بالنصب: حَسِبُوا ألاَّ تَكُونَ فِتْنَةً، وقرئت بالرفع: حَسِبُوا ألاَّ تَكُونُ فتنةً. وكلا الوجهين جائز؛ لأنهما قراءتان سمعيتان؛ ولأن أنْ إذا وقعت بعد فعل من أفعال الظن مثل: حسب أو ظن أو خال أو نحو ذلك؛ فإنها تكون محتملة بأن تكون مخففة من الثقيلة؛ فيرتفع الفعل المضارع بعدها، ولأنْ تكون ناصبة للفعل المضارع فينصب الفعل المضارع بعدها.

والناصبة هي التي لا يسبقها فِعلُ عِلمٍ ولا فعل ظنٍّ، وهذه كثيرة جدا في القرآن كما في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(5) وكما تقول: أريد منك أنْ تحضر، وأنْ تعمل كذا، وأنْ تعمل كذا … وما إلى ذلك.

هذا مرور سريع على أنواع أنْ ونحن الآن لسنا بصدد التفصيل في أنواع أنْ وإنما نحن بصدد أنْ الناصبة فقط.

فـأنْ الناصبة هذه ما نوعها … أن الناصبة للفعل المضارع هي: حرف مصدريٌّ: لأنها مصدرية تؤول مع ما تدخل عليه بمصدر، ونصْبٌ: لأنها تنصب الفعل المضارع إذا دخلت عليه، واستقبال: لأنها تدل على ذلك.

فحينما تقول: أريد منك أن تحضرَ معك كتاب النحو. فهي هنا ناصبة؛ لأنك نصبْتَ الفعل بعدها، فقلتَ: أنْ تحضرَ.

ومصدرية: لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر؛ لأن التقدير: أريد منك إحضار كتاب النحو، أريد منك أنْ تحضرَ … أريد منك إحضار كتاب النحو لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي(5) التقدير: والذي أطمع منه مغفرة أو غُفران خطيئتي يوم الدين.

فهي إذن ناصبة؛ لأن الفعل الذي بعدها يُنصب، ومصدرية؛ لأن الفعل الذي بعدها يؤول … تؤول معه بمصدر، واستقبال؛ لأنها تكون للمستقبل فأنت تقول: أريد منك أنْ تحضرَ، أي: غدًا، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي(5) أي: إن شاء الله -تعالى- يتجاوز عني يوم الحساب.

وكما قلت لكم: أمثلتها كثيرة كما في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي(5) وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ(6) وكما في قوله -تعالى-: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ(6) وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ(7) أي: يجعلوه.

فالحاصل إذن أنَّ أنْ هذه -كما ذكرت لكم- ناصبة ومصدرية ودالة على الاستقبال، وهي -أيضا- نوع واحد من خمسة أنواع أشرنا إليها.

الحرف الثاني لَنْ، لن أيضا من معانيها أنها حرف نفي، وأنها حرف نصب، وأنها حرف استقبال، كما إذا قلتَ مثلا: لن يحضرَ محمدٌ هذا اليوم. لن يحضر: فيه نفي، وفيه نصب للفعل، وفيه استقبال؛ لأنك إنما تتحدث عن أمر مستقبل، أي: أنه لن يحضر فيما نستقبل من الوقت، وأمثلتها وشواهدها كثيرة جدا في القرآن كقوله -تعالى-: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ(8) ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ(9) ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(10)إلى غير ذلك.

الحرف الثالث من الحروف الأربعة، أي: من حروف الفئة الأولى التي تنصب بنفسها: هو إذَنْ. .. متى ينصب الفعل المضارع بعد إذن؟.

كما ترون أن النصب بـأنْ كثير جدا، وليس له شروط، والنصب بـلنْ أيضا كثير جدا وليس له شروط، أما النصب بـإذن فهو ليس في كثرة النصب بـأنْ ولن، وكذلك فإنه لا بد أن يتوافر فيه ثلاثة شروط على الأقل؛ لكي يصح النصب بها.

إذن هذه ما معناها؟.

هي حرف جواب، وحرف جزاء -أيضا- وحرف نصب، الغالب في حروف الجواب والجزاء أن تكون حروف جزم -كما سيأتي- معنا في حروف الشرط، لكن إذن حرف نصب؛ لأنها ضمن نواصب الفعل المضارع، وحرف جواب؛ لأنها تقع جوابا لكلام سابق؛ وحرف جزاء -أيضا- لأنها بمثابة الجزاء وليس الجواب فقط.

إذا قال لك شخص مثلا: سأزورك غدا، فقلت له: إذَنْ أُكْرِمَك. إذا قال: سأزورك غدا، فقلت له: إذن أكرمَك، إذن نصبتْ الفعل المضارع الواقع بعدها، وهو أُكرمَك، وأكرمك: فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على الميم؛ لأنه مسبوق بحرف إذن التي تنصب الفعل المضارع نطبق عليها ما قيل فيها: أنها حرف نصب هذا واضح، وحرف جواب: أن الرجل قال: سأزورك غدا، فأجبته أنت: إذن أكرمَك، فهذا حرف جواب له، وحرف جزاء -أيضا- أي: أنك كأنك قد تُجازيه وتكافئه على هذه الزيارة بهذا الإكرام.

الفرق بين الجواب والجزاء: أن الجواب يتضمن إجابة للمتكلم بجواب ما، وقد لا يكون هذا الجواب فيه مجازاة على عمل معين، أما الجزاء فإنه -يعني- يكون فيه شيء مثل الجزاء، ومثل رد ما يشبه أن يكون جميلا منه، فحينما يقول: سأزورك، فتقول له: إذن -والله- أكرمك، إذن أكرمك فتكون حينئذ جاوبته على هذا. .. على الزيارة بأنك وعدته بشيء، أو بأنك أجبته هل سيجدك أو لا يجدك، أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك ثنيت بأن قدمت له ما يشبه الجزاء والمجازاة على تفضله بزيارتك، وهو أنك وعدته بالإكرام.

فهي إذن حرف جواب وجزاء ونصب، لا تنصب الفعل المضارع إلا بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تقع في صدر جملة في الجواب. .. أن تقع في صدر جملة الجواب، فلا يصح أن تكون في الوسط، أو في الحاشية أو قريبة من الآخر،

والشرط الثاني: أن يكون المضارع بعدها مستقبلا. .. أن يكون الفعل المضارع بعدها مستقبلا؛ لأنك تعِده بشيء لم يحصل، فإن كان الفعل المضارع بعدها حالا؛ فإنه لا يتعين نصبه، وإنما يجوز رفعه

الشرط الثالث: ألا يفصل بينها وبين الفعل الذي تريد أن تنصبه بفاصل إلا بعد الفواصل التي تستثنى في الغالب.

ومن أبرز الفواصل التي تستثنى القسم، فلو قال لك: سأزورك غدا، فقلت: إذن أكرمَك، أو إذن -والله- أكرمك، فلا حرج؛ فإن الفصل بالقَسم لا يؤثر بشيء فيجوز أن تنصب مع الفصل بالقسم.

وأيضا من الفواصل التي تباح في هذا الموضع الفصل بالنداء: فإذا قال مثلا: سأزورك غدا، فقلت: إذن -يا صاحبي- أُكرمَك. لا حرج من الفصل بالنداء؛ لأنه ليس غريبا، وإنما في جو الحديث العام.

كذلك لو فصلت بلا النافية. .. لا النافية -طبعا- ستعكس المعنى المراد، لكنه لا مانع من الفصل بها، فقال: سأزورك، لو قال: سأزورك غدا متأخرا، وأنت لا يطيب لك الزيارة متأخرا؛ لأنك تنام مبكرا، فقلت: إذن لا أكرمَك. يجوز حينئذ النصب، ولا حرج في الفاصل؛ لأنه لا النافية لكن الجزاء جاءه معاكسا لما يتوقع.

ففيها جواب: أنك جاوبته، وفيها جزاء: أنك جازيته، لكن الجزاء قد يكون إيجابيا، وقد يكون سلبيا، قد يكون مقبولا، وقد لا يكون مقبولا، لكنه في الواقع جزاء، فالمكافأة تسمى جزاء والعقوبة تسمى جزاء أيضا.

فالحاصل أن إذن تنصب الفعل المضارع، ولكن لا بد لها من ثلاثة شروط: أن تقع في جملة الجواب في صدرها، وأن يكون الفعل المضارع بعدها مستقبلا، وألا يفصل بينها وبينه بفاصل، إلا بعض الفواصل التي لا تؤثر: كالقسم: إذن والله، النداء: إذن يا محمد، أو إذن يا صاحبي، أو إذن يا عزيزي، ولا النافية.

ومن شواهدها المشهورة التي تتناقلها الكتب قول الشاعر:

إذَنْ واللــهِ نَــرْمِيَهُم بِحَــرْبٍ *** تُشِيبُ الطِّفْلَ مِنْ قَبْلِ المَشِيبِ

فهو هنا فيه الجواب والجزاء، ولكنه جزاء معاكس، يعني: لا نكافئهم، وإنما إن هجموا علينا فإننا سنرميهم بهذه الحرب التي تشيب لها الولدان.

الحرف الرابع من الفئة الأولى من النواصب وهي التي تنصب بنفسها هو: كي وكي هذه حرف مصدري ونصب، حرف مصدري كما قلنا في أنْ أي: أنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وحرف نصب: أنها تنصب الفعل المضارع، ولا بد. .. ويشترط في النصب بها شرط واحد، وهو أن تسبقها لام التعليل لفظا أو تقديرا.

لا تَنصِب كي إلا أن تُسبق بـلام التعليل في اللفظ أو في التقدير؛ فإن سبقتها لام التعليل لفظا نَصبت، كما في قوله -تعالى-: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ(11) لكي: كي هنا نصبت الفعل المضارع تأسَوْا، وعلامة نصبه. .. ما هي؟ حذف النون؛ لأنه من الأفعال أو من الأمثلة الخمسة وجاز ذلك؛ لأنه تحقق فيها الشرط فقد سبقت بلام التعليل لفظا.

أو سبقت بها تقديرا، كما في قوله -تعالى-: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ(12) كي لا يكون: فقد سبقت بـلام التعليل المقدرة؛ لأن المعنى: لكي لا يكون.

لام التعليل تعرف أنها مقدرة حينما يصح أن تدخلها؛ فإن صح أن تدخلها فهي مقدرة، وتكون حينئذ كي هي الناصبة، فإن لم تُسبق كي بـلام التعليل -لا لفظا ولا تقديرا- صارت كي نفسها حينئذ هي التي للتعليل، وصار النصب حينئذ بـأن مضمرة بعد كي.

هذه هي الفئة الأولى، وهي الأربعة التي تنصب بنفسها، وأظن أن الوقت لا يسمح بالاسترسال أكثر من هذا، ونأخذ لنا سؤالين أو ثلاثة؛ لأن الوقت انتهى، ونكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم، كما قلت لكم: هذا الموضوع من الموضوعات الطويلة، وأنا أحاول أن أمنع نفسي من الاسترسال فيه، لكنه يفرض ذلك.

س- يقول: أليست الأسماء ستة وليست خمسة ؟

ج- الواقع أنها ستة، وكما ذكرت: أن بعض الكتب تسميها خمسة، والإشكال أو الخلاف بينهم في الاسم الأخير، وهو هنو هل يدخل أو لا يدخل.

س- يقول: ذكرتَ أن الفعل الأمر يُبنى على ما يجزم به مضارعه. فكيف الشأن في مثل هلِمُّوا وتعالوا ؟

ج- الواقع أن هلموا وتعالوا فيهما كلام بين العلماء: هل هما فِعلا أمْرٍ حقيقيان، أم أنهما اسما فعْلِ أمرٍ.

س- ما رأيك في أن يُصور الملخص الذي معك ؟

ج- الواقع أن المُلخص الذي معي ليس معدًّا للتصوير، وإنما هو رءوس عناوين لا تكاد تقرأ، أنا أجد صعوبة في قراءته؛ لأني نسيت النظارة.

س- غدا يوم الجمعة هل ثمة هناك درس يوم الجمعة -جزاك الله خيرا ؟

ج- الواقع أن يوم الجمعة -كما بلغني من إدارة الدورة -استراحة لجميع الدروس وليس لهذا الدرس فقط

والله أخشى من الملل والسآمة أن يكون متواصلا. .. درس، لكن لعلنا نجعل مجالا لدرس تقوية في وقت غير وقت الجمعة.

س- يقول: عرضت عليك هذا السؤال أمس ولكنك لم تتمكن من معرفة مضمونه، وسؤالي هو: في الجمل الآتية: جاء عمُّك، رأيت عمَّك، ومررت بعمِّك. أليس عمك هو أخ لأبيك؟! فإني أريد تبديل كلمة عمك بلفظ أخو أبوك -جزاك الله خيرا ؟

ج- يعني هذه الأمر فيها سهل حينما تقول مثلا: جاء أبو فلان، أو جاء أخو فلان: فأبو أو أخو الأولى. .. أخو أو أبوا هذه تعرب بحسب موقعها من الإعراب، أما ما بعدها وهو المضاف إليه، فإنه يكون مجرور بالإضافة: جاء أبو بكرٍ، رأيت أبا بكرٍ، مررت بأبي بكرٍ، وكذلك بالنسبة للعم، تقول: جاء أخو أبيك، رأيت أخا أبيك مررت بأخي أبيك.

فالأمر فيها -يعني- لا يتغير أن تكون أخو أبيك، أو أخو فلان، أو أبو فلان. الأمر لا يتغير. .. يعني ليس كون عمك يمكن أن يغير الصياغة فيه بأي شكل من الأشكال، كما إذا أدخلت أبو أو أخو على أي اسم آخر؛ فإنها هي تعرب بحسب موقعها وما بعدها سيكون مضافا إليه سواء كانت كلمة أبيك أو كان كلمة أخرى.

س- يقول: أليس من شروط عمل الأسماء الخمسة أو الستة أن تكون كلمة فو غير مختومة بحرف الميم، وإلا أعربت بالحركات هذا ما درسناه في الثانوية ؟

ج- هذا صحيح، لكني أنا لم أمسك بالأسماء الستة واحدًا واحدا لكي أفصل في شروطها، أنا ذكرت الشروط العامة التي تشترك فيها الأسماء الستة كلها.

وهي: الشروط الأربعة: أن تكون مفردة، ومكبرة، ومضافة إلى غير ياء المتكلم، وكل واحد من هذه أو ليس كلها إنما بعض هذه له شروط خاصة أخرى إضافية، ومنها كلمة الفم.

الفم لا تعرب إعراب الأسماء الستة إلا إذا حذفت منه الميم، تقول: فوه. .. اعتني بفِيك، ونظِّف فَاكَ، فإذا اتصلت به الميم، فإنه يعرب بالحركات؛ ولذلك يقول ابن مالك:

والفم حيث الميم منه بان

أي: حينما تنفصل منه الميم يكون اسما من الأسماء الخمسة، أما حينما تتصل به فإنه لا يكون كذلك، وإنما يعرب بالحركات.

... هذا صحيح، يقول: في قولنا أنَّ أنْ المخففة يرتفع بعدها الفعل المضارع. ألا يمكن أن نعبر تعبيرا آخر، وهو أنَّ أنْ المخففة يبطل عملها ويرجع الفعل المضارع إلى أصله وهو الرفع.

-الواقع أنّ أنْ المخففة هي لا تعمل في الفعل المضارع أصلا شيء؛ لأن أنْ المخففة من أخوات إنَّ فهي قد تعمل أحيانا، وسواء كانت مثقلة أو مخففة فهي من أخوات إنَّ وإنَّ لا عمل لها أصلا في الفعل المضارع.

فنحن حينما نقول يرتفع الفعل المضارع بعدها هو نفس التعبير الذي ذكرت أي: أنها لا تؤثر في الفعل المضارع شيئا أي أنها بعبارة أخرى: ليست هي الناصبة وإنما هي نوع آخر يرتفع الفعل المضارع بعدها أي: يكون مرفوعا أو يبقى على ارتفاعه كما هو أصح.

س- ما رأيك في كتب إعراب القرآن وخاصة الكتب العصرية ؟

ج- الواقع -يعني- كتب الإعراب العصرية لا أستطيع أن أحكم عليها؛ لأنني ما قرأتها حتى أستطيع أن أحكم عليها، وإنما هناك كتب -يعني- أُلِّفت حديثا في مجلدات في إعراب القرآن وأسمع … يعني ما اطلعت عليه اطلاعا كاملا، اطلعت عليها اطلاعا موجزا. .. أنها تقوم بالواجب خاصة وتؤدي الغرض خاصة في أنها تعرب القرآن إعرابا مفصلا، يعني هذا وجه القيمة فيها أنه لا يغنيك عنها غيرها من الكتب.

فمثلا لو أخذت ببعض كتب إعراب القرآن القديمة: كـ"إعراب القرآن" للنحاس، أو لمكي بن أبي طالب القيسي، أو "البيان في إعراب القرآن" للأنباري أبي البركات، أو "إملاء ما منَّ به الرحمن في إعراب القرآن" للعكبري، أو كتاب الأخفش أو كتاب الفراء أو غيرها هذه الكتب ألَّفها العلماء.

وهم لا يهتمون من القرآن إلا بما هو يحتاج لإعراب في نظرهم، يعني هناك أمور كثيرة يقفزونها؛ لأنها في نظرهم من الأمور السهلة التي لا تحتاج إلى إعراب، لكنها بالنسبة لنا بسبب بعدنا عن النحو وغربتنا أصبح كل شيء في القرآن يحتاج إلى إعراب، وأصبح أغلب ما في القرآن يصعب علينا إعرابه.

فهذه الكتب الحديثة لا شك في أنها معِينة في هذا، ومن أبرز كتب التفسير التي اهتمت واعتنت بالقرآن: "كتاب تفسير البحر المحيط" لأبي حيان، وكتاب "الدر المصون في إعراب الكتاب المكنون" إعراب القرآن لسمير الحلبي، هذه من التفاسير المشهورة التي اهتمت واعتنت بإعراب القرآن.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

أيها الإخوة في الله،: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله مع هذا الدرس السابع لمطلع الأسبوع الثاني من أيام هذه الدورة المكثفة المباركة -إن شاء الله-.

كنا بصدد الحديث في الدرس الماضي عن الفعل المضارع ونواصبه وجوازمه، وقلنا: إن الفعل المضارع يُرفع إذا تجرد من الناصب والجازم، وهذا هو القول المشهور، أي: أن رافع الفعل المضارع هو تجرده من الناصب والجازم.

وهناك أقوال أخرى وهي: أن رافعه حروف المضارَعة، أو أن رافعه حلوله محل الاسم، أو غير ذلك.

لكن الرأي الذي يرجح في هذا هو: أن رافعه تجرده من الناصب والجازم، ومعنى ذلك أنه إذا دخل عليه حرف ناصب فسينصب، وإن دخل عليه حرف جازم فسيجزم.

والحروف الناصبة تحدثنا عنها في اللقاء الماضي، وسأعيد ذلك سريعاً وسأتلوه -إن شاء الله- ببقيتها وبقية الجوازم، وأرجو أن تعينوني في هذا الدرس أن ننتهي فعلاً من النواصب والجوازم؛ لأني لا أرى أنها تحتمل في مثل هذا المختصر أن يُسرَف فيها أكثر من درس واحد.

فقلنا: إن نواصب الفعل المضارع -أولا- سردها المؤلف -رحمه الله- فقال: إنها: لن وأن وإذن وكي ولام كي ولام الجحود وحتى والجواب بالفاء أو الواو وأو.

وهي ثلاث فئات: فئة تنصب بنفسها، وهي الأربعة الأولى: أن ولن وإذن وكي.

وفئة تنصب بـأنْ المضمرة جوازًا، وهي: لام كي ولام التعليل، ومعها غيرها -كما سأشير-.

وفئة تنصب بأن مضمرة وجوباً، وهي الحروف الخمسة الباقية، وهي: لام الجحود وحتى والفاء والواو إذا وقعتا في جواب، وأو.

ومن العلماء من يختصر اختصاراً -وهي رغبة كثير منكم كما سألوني في الدرس الماضي- فيرون أن هذه الحروف هي الناصبة، ولا داعي لأن تقول: إن الناصب هو أنْ المضمرة جوازًا، أو أنْ المضمرة وجوبًا، وإنما تقول: منصوب بلام الجحود، منصوب بكي، منصوب بحتى، منصوب بالواو أو بالفاء … إلى غير ذلك.

فالقول المشهور: النصب بأن المضمرة جوازًا، أو وجوباً، وهناك قول آخر: أن تقول: إن هذه الحروف هي النواصب، ولا داعي لتقدير أن.

قلنا: إنَّ لن تنصب بنفسها -سأترك أن الأخيرة؛ لأن الحديث إنما يطول بالنسبة لـأن أكثر من غيرها- لن تنصب بنفسها، وهى حرف نفي ونصب واستقبال، وأمثلتها في القرآن كثيرة طويلة، يصعب إحصاؤها في مثل هذا المجلس، قوله -تعالى-: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ(9) وقوله -تعالى-: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ(8) ومثل قوله -تعالى-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(10) وغيرها من الآيات.

والحرف الثاني: إذن، وقلنا في إذن: إنها حرف جواب وجزاء، وتحدثنا -أيضاً- بالتفصيل عن شروطها..

إذن حرف جواب وجزاء ونصب، ولها ثلاثة شروط: أن تكون في صدر جملة الجواب، وأن يكون المضارع بعدها مستقبلا، وأن لا يفصل بينهما بفاصل غير القسم أو النداء أولا النافية..

الفصل بالقسم جوازه محل اتفاق، أما الفصل بالنداء أو بلا النافية، فإنه مختلف فيه.

فمن العلماء مَن يبيح الفصل بهما، ومنهم من لا يبيح. حينما يقول لك شخص: سأزورك غدًا. فتقول له: إذن أكرمَك، هذا هو الأصل ألا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل. .. إذن أكرمَك: فهي حرف -كما ترون- حرف جواب؛ لأنه إذا قال: سأزورك غدًا، ينتظر منك الجواب: موافق أو عدمهما، وحرف جزاء في أن ما بعدها قد يكون نوعا من الجزاء والتكريم.

الجزاء قد يكون تكريمًا أو عكس ذلك لهذا الذي عرض عليك هذا العرض، وهي حرف نصب؛ لأنها تنصب الفعل المضارع. فإذا قال: سأزورك غدًا، فينبغي أن تجيبه، وأن يتضمن جوابك جزاء، هذا الجزاء قد يكون إكرامًا أو عدمه، تقول: إذن أكرمَك، أو لو قال: سأزورك متأخرًا، فستقول: إذن لا أكرمَك، أو لا أستقبلك. .. أو نحو ذلك.

والفصل بالنداء، أو الفصل بالقسم جائز باتفاقٍ، فيصح لك أن تقول: إذن -والله- أكرمَك، والفصل بالنداء: إذن -يا صاحبي- أكرمَك. أو الفصل بـلا: إذن لا أكرمَك. هذا الفصل كما قلت لكم: ليس محل اتفاق كما حصل بالنسبة للقسم.

الحرف الثالث الذي ينصب بنفسه كي وهي حرف مصدر أو حرف مصدري ونصب، ويشترط في النصب بها أن تسبق بـلام التعليل سواء كانت هذه اللام ملفوظة، وهو الذي ينبغي وهو الأكثر كما في قوله -تعالى-: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ(13) لكيلا تأسَوْا: سُبقت كي بـلام التعليل فنصب الفعل المضارع الذي بعدها، وهو: تأسوا بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، أو أن تكون مسبوقة تقديرًا: كي لا يكون دُولَةً، كما في قوله -تعالى-: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ(12) فهي على معنى لكيلا يكون دولة.

فإن لم تسبق كي لا باللام الظاهرة ولا باللام المقدرة فهي حينئذ حرف التعليل، ويكون النصب بأن مضمرة بعدها إما جوازًا كما هو رأْي، أو وجوبًا كما هو رأىٌ آخر.

إذًا الناصب الثالث هو كي، ولا بد للنصب بها من أن تُسبق بـلام التعليل ظاهرة أو مقدرة، فإن لم تسبق بلام التعليل صارت هي حرف التعليل، وصار النصب بأن مضمرة إما وجوبًا كما يرجح، أو جوازًا كما يراه البعض.

أما أنْ وهي أمُّ الباب وهي الأصل؛ لأنها هي الوحيدة التي تنصب ظاهرة ومضمرة، جوازًا ومضمرة وجوبًا، فهي حرف مصدري ونصب -أيضًا- كما في بعض أخواتها، وأيضا حرف استقبال.

وأنْ كما قلت لكم: يكثر أن تنصب ظاهرة كما في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(5) وكما في قوله -تعالى- ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ(6) وكما في قوله -تعالى-: ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ(6) وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ7 .

... وغيرها من الآيات وهي كثيرة ولا تحصى، ولو طلبت من أي واحد منكم أن يمثل لمَا أعْوَزَهُ المثال من القرآن الكريم.

أنْ هذه التي تنصب الفعل المضارع هي حرف مصدري لكنها ربما التبست بغيرها من أنواع أن الأخرى، وأنا في الدرس الماضي استطردت استطرادًا سريعًا لبعض أنواع أنْ، فقلت: إنَّ أنْ تأتي ناصبة للفعل المضارع، وهذه علامتها أن تكون مصدرية، وأن ينصب الفعل المضارع بعدها، بمعنى أنها يصح أن تؤول مع ما بعدها بمصدر، وأن تنصب الفعل المضارع.

والنوع الثاني وهي أنْ المخففة من الثقيلة، ما معنى كلمة مخففة من الثقيلة؟

يعني: أصلها أنَّ أخت إنَّ الناسخة. أنَّ التي تنصب الاسم وترفع الخبر إذا خففت من الثقيلة صارت أنْ وهي حينئذ مصدرية -أيضًا- وتعمل، ويكون اسمها في الغالب ضمير الشأن محذوف، وخبرها جملة اسمية أو فعلية أو نحو ذلك.

وينبغي أن تُفصل من خبرها بالسين أو سوف أو بعض حروف النفي، أو لو لكي تكون هذه فارقة بينها وبين أنْ الناصبة للفعل المضارع. هذه هي أنْ المخففة.

بالنسبة للنوع الثالث من أنواع أنْ -أيضًا- هي أنْ الزائدة. أنْ الزائدة متى تُزاد؟.

أن الزائدة تزاد بعد لمَّا كثيرًا، كما في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ(1) كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ(14) … وغيرها، فتزاد كثيرًا أنْ الزائدة بعد لمّا، وتزاد -أيضًا- حينما تقع بين القسم ولو، تزاد حينما تقع بين القسم ولو هكذا تكون زائدة.

بعض الشواهد عليها: تُزاد بعد لمّا كما في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ(1) وكما في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا(15) وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا(14) .

وتزاد -أيضًا- حينما تقع بين القسم ولو، كما إذا قلت: أُقسم بالله أنْ لو يأتيني زيد لأكرمنَّه: أقسم بالله أنْ لو: وقعت هنا أنْ بين القسم وبين لو كما ترون، فهي في مثل هذا الموضع يُحكم عليها بالزيادة.

النوع الرابع: المفسِّرة، والمفسرة كما قلت لكم العلماء يقولون: إنه لا يوجد آيات أو شواهد أو أمثلة تتعين فيها أنْ المفسرة، وإنما أن هذه تكون مفسرة حينما تكون بمعنى أي: حينما تكون بمعنى أي، لكنها في الوقت نفسه يحتمل أن تكون ناصبة، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة.

فإن كانت بمعنى أي ووقع بعدها فعل مضارع مرفوع فهي مفسِّرة، لكن المفسرة يقل أن يليها الفعل المضارع. الكثير في المفسرة أن يليها فعل أمر، ولذلك أغلب الآيات الكريمة التي وردت فيها أنْ المفسرة وليها فعل أمر أو وليها فعل مضارع مسبوق بـلا الناهية.

نظرتُ في كتاب الشيخ محمد عبد الخالق عظيمة دراسات لأسلوب القرآن فوجدته تحدث باستفاضة عن أنواع أنْ، وتحدث عن أنْ المفسرة، وذكر الآيات التي حملها بعض العلماء على المفسِّرة، لكنه قال: إن طائفة من العلماء لم يوافقوا في أنها تعين كونها مفسرة في هذه الآيات، وإنما هي تحتمل المصدرية، وتحتمل -أيضًا- المخففة من الثقيلة. .

المصدرية ناصبة للفعل المضارع -كما تعلمون- وليس خاصة بالفعل المضارع، فالمصدرية الناصبة للفعل المضارع تدخل على الأمر، وتدخل على الماضي، وتدخل على المضارع، لكنها لا تعمل إلا في المضارع فقط.

هذا هو الفرق أما هي فهي مصدرية ربما تدخل على الأمر، وهذا كثير وقد تدخل على الماضي -أيضًا- وتدخل على المضارع فلا تعمل عملها إلا في الفعل المضارع فقط حيث تنصب.

أما إذا دخلت على غيره من الأفعال فهي مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، لكنها لا تعمل شيئًا، هذه هي التي كثيرًا ما تلتبس بالمفسّرة، ولذلك -مثلا- أذكر لكم بعض الآيات التي ذكر فيها أنها مفسّرة، في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى(16) .

"أنْ يا مُوسى": إذا نطقناها بدون إدغام.

يقول الزمخشري: هي هنا مفسرة؛ لأن التقدير أن يا موسى، وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ17 "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله": أنْ هنا كما ترون دخلت على فعل أمر، هذه هي التي تحتمل التفسير؛ لأن من العلماء من يقول التقدير: أي أن آمنوا بالله.

ومنهم من يقول: إنها هنا تحتمل أن تكون مصدرية، وكما في قوله -تعالى- ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي(18) أنْ هنا كما ترون أنْ المفسرة دخلت على فعل أمر، كما في قوله -تعالى-: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا(19) هنا -أيضًا- هذه المفسرة دخلت على فعل أمر؛ لأنها كلها يصح -ولو على بُعد- أن تكون مقدرة أو مؤولة بأيْ: أي سبِّحوا.

﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ(20) هنا -أيضًا- أنْ جاء بعدها فعل الأمر، وكما في قوله -تعالى-: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ(21) ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا(22) .

هذه أمثلة وشواهد على مجيء فعل الأمر بعدها، وهو الكثير جدًا في القرآن وهي آيات كثيرة.

هنا آيات أخرى: كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ(23) ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي(24) أيضًا فعل أمر ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا(25) فعل أمر.

نأتي إلى الأمثلة التي دخلت فيها على فعل مضارع مسبوق بـلا الناهية كما في قوله -تعالى-: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا(26) … ألا تتخذوا: وهنا بعض العلماء يقولون: تفسيرية أو مفسرة؛ لأن التقدير: أي: لا تتخذوا من دوني وكيلا، وكما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ(27) ألا تعلوا عليّ، وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا(28) إلى آخر الآيات.

فإن الحاصل أن المفسرة يقل أن يليها الفعل المضارع، فإن وليها الفعل المضارع فإنها حينئذ -إن لم يصح أن يدخل عليها حرف الجر وارتفع الفعل المضارع بعدها- فهي تفسيرية ومفسرة، وإلا فهي الناصبة للفعل المضارع، لكن المفسرة يقل أن تدخل على الفعل المضارع، وأكثر ما تدخل على الفعل الأمر، أو الفعل المضارع المجزوم بـلا الناهية بحيث لا يظهر العمل ولا تكون عاملة..

هذا بالنسبة للمفسرة. ماذا بقي من أنواع أنْ بقي منها النوع المحتمل لأن تكون ناصبة للفعل المضارع أو مخففة من الثقيلة.

أولا- من علامات المخففة من الثقيلة أن تقع بعد فعل يدل على العلم، كما في قوله -تعالى-: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى(2) وكما في قوله -تعالى-: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ(3) على أن الرؤية هنا رؤية علمية.

وكما في قولك: علمت أنْ قد يقوم زيد، وكما في قوله -تعالى- ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا(29) هذه الأمثلة لماذا جيء بها؟ جيء بها ليبين أن المخففة لا بد أن يفصل بينها وبين فعلها، إما بالسين: أن سيكون، أو بـلا: ألا يرجعوا، أو بـقد: أن قد يقوم، أو بـلو: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا(29) .

فالمخففة إذًا هي التي تقع بعد فعل يدل على العلم، فإن وقعت بعد فعل يدل على الظن فإنها في هذه الصورة تحتمل الوجهين، يصح أن تكون مخففة، ويصح أن تكون ناصبة للفعل المضارع.

ولذلك فإن أكثر الآيات التي جاءت بهذا الشكل قرئت بقراءتين، قرئت بالرفع … قرئ الفعل المضارع الذي بعد أن بالرفع على أنها مخففة وقرئ بالنصب على أنها ناصبة للفعل المضارع، ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ(4) حسِبَ: من أخوات ظن، فإذا جاء بعد أن فعل يدل على الظن وليس يدل على العلم واليقين صارت أن صالحة لأن تكون مخففة من الثقيلة، ولأن تكون ناصبة للفعل المضارع.

ولذلك هذه الآية ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ(4) قرئت بقراءتين، قرئت: أنْ لا تكونُ؛ برفع الفعل على أنها مخففة من الثقيلة، وقرئت: أنْ لا تكونَ بنصب الفعل على أنها الناصبة للفعل المضارع.

وكما في قوله -تعالى-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا(30) هذه -أيضًا- كذلك.

أما الناصبة للفعل المضارع فكما ذكرت لكم علاماتها: أن تكون مصدرية، وأن ينتصب الفعل المضارع بعدها، وأن يكون الفعل الذي تتعين فيه المصدرية وأن يكون الفعل المتقدم عليها ليس بفعل عِلْمٍ ولا ظنٍّ، يعني: فعلا ليس فيه دلالة على العلم وليس فيه دلالة على الظن، وإنما هو فعل آخر فيه، أي دلالة كما في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي(5) وكما في قولك: أريد منك أن تحضر، أو أن تسافر، أو نحو ذلك.

إذًا أنْ الناصبة للفعل المضارع هذه هي أخواتها التي يمكن أن تلتبس بها وهي المفسرة الزائدة والمخففة من الثقيلة والمحتملة للأمرين، والخامسة هي الناصبة للفعل المضارع.

ننتقل إلى الفئة الثانية، وهي فئة الحروف التي تنصب بواسطة أنْ المضمرة جوازًا، أنْ متى تضمر جوازًا؟.

أنْ في الواقع تضمر جوازًا في صورتين: الصورة الأولى: حينما تقع بعد لام الجر … لام الجر هذه … نقول لام الجر لماذا؟ لكي تشمل لام التعليل ولكي تشمل -أيضا- اللام التي تسمى للعاقبة أو الصيرورة، هي في الواقع يمكن أن يطلق عليها بأنها لام تعليل؛ لأن ما بعدها ليس علة حقيقية مقصودة لما قبلها سميت بـلام العاقبة أو الصيرورة.

لام العاقبة أو الصيرورة يمثلون لها في القرآن بآية مشهورة، وهي قوله -تعالى … هل منكم أحد يعرفها … اللام نعم-: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا(31) الآن الذي يبدو منها أنها لام التعليل.

لكن إذا نظرت في الواقع: هل هم أخذوه ليكون لهم عدوا! ليست علة أخذهم له ليكون لهم عدوا، وإنما أخذوه ليكون لهم ابنًا بارًا نافعًا ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا(32) .

وهم أخذوه ليكون ولدًا نافعًا، ولكن الذي آل إليه الأمر وصار إليه الأمر بإذن الله وإرادته أنه صار لهم عدوا، فهذه اللام بعضهم يقول: إنها لام التعليل، وبعضهم يقول: من حيث المعنى لا نسميها لام التعليل؛ لأنه في الواقع هو تحول لشيء ليس العلة التي أخذوه من أجلها، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا(31) .

فهذه تسمي لام العاقبة أو الصيرورة، أي: أن العاقبة التي انتهي إليها الأمر وصار إليها هي أنه صار عدوًا، لكن العلة التي أخذوه من أجلها هي ليتخذوه ولدًا ولكي ينفعهم، فـلام الجر تشمل لام التعليل، وهذه مشهورة، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ(33) وكما في قوله -تعالى-: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ(34) فاللام هنا هي لام التعليل.

ويقولون: إن الفعل المضارع: ليغفر ولتبين، منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل هذا التعبير الدقيق.

فيه تعبير فيه تسامح يجيزه بعض العلماء: أن تقول: إنَّ يغفر وتبين فعل مضارع منصوب بـلام التعليل وتكتفي بهذا، فـأنْ هنا مضمرة بعد لام التعليل أو بعد لام الجر، سواء كانت للتعليل كما في قوله -تعالى-: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ(33) .

أو كانت للعاقبة والصيرورة كما في قوله -تعالى-: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنً(31) .

أو كانت -أيضًا- زائدة، أو كانت لام الجر هذه زائدة كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(35) ؛ لأن التقدير: إنما يريد الله أن يُذهبَ. فاللام هنا ليست للتعليل، وإنما هي من حيث اللفظ زائدة، لكنها من حيث المعنى جيء بها لتؤدي المعنى لا يتم أداؤه بدونه.

إذًا الحاصل أنَّ أنْ مضمرة. .. أنْ تنصب وهي مضمرة جوازًا بعد لام الجر، لام الجر هذه تشمل: لام التعليل ولام العاقبة والصيرورة واللام الزائدة، هذا الوجه الأول من وجوب إضمار أنْ.

الوجه الثاني من وجوه إضمارها أنها تُضمر حينما تقع بعد عاطِفٍ.

إذا وقعت أنْ بعد عاطف مسبوق باسم خالص عن التقدير بالفعل. إذا وقعت أنْ بعد عاطف -أي حرف عطف- حرف العطف هذا مسبوق باسم ليس مؤولاً بالفعل، يعني: ليس فعل ولا صفة مشبه، ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول. .. من الأسماء المؤولة بالفعل، وإنما هو ينبغي أن يكون مصدرا، أو اسما غير مصدر. .. إذا وقعت بعد عاطف مسبوق باسم خالص من التقدير بالفعل.

الآن سنعدد هذه العواطف الأربعة التي إذا وقعت أنْ بعد واحد منها فإنها تُضمر جوازًا، ويُنصب الفعل المضارع الواقع بعدها، ويكون منصوبًا إما بأن مضمرة جوازًا كما ينبغي أن تقول، أو أن تقول: منصوب بهذا الحرف الذي سبقه.

الحروف هي. .. الحروف العاطفة هي أربعة، هي التي تقع بعدها أن فتضمر جوازًا، وينصب الفعل المضارع: أو، والواو، وثم، والفاء

نمثل لكل واحد منها: أو: كما في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا(36) أو يرسلَ هنا محل الشاهد: الفعل المضارع يرسل مرفوع أو منصوب؟.

منصوب. ما الذي نصبه؟

عندنا أو حرف … نقول: إنه منصوب بـأنْ مضمرة جوازًا بعد أو. هل حصل فيه الشرط المشترط أو لا؟ حصل فيه فـأو هذه وقعت بعد اسم ليس في تأويل الفعل، وهو كلمة وحيًا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولً(36) فعطف الفعل أو يرسل على كلمة وحيًا وهي اسم ليس في تأويل الفعل، فتحقق الشرط حينئذ فتقول: يرسل فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة جوازًا بعد أو؛ لأن أو هذه عاطفة سُبقت باسم ليس في تقدير الفعل فعطفت عليه.

مثال الواو: قول الشاعر … أو الشاعرة، هذه الشاعرة مشهورة … ميسون بنت بهدل، قيل: إنها زوجة لمعاوية بن أبي سفيان، وأنه أخذها من أهلها من البادية، وجاء بها إلى المدينة، ولم يطب لها العيش في المدينة، فقالت قصيدة تتحسر فيها على حياة البادية، فلما سمعها أرسلها إلى أهلها. الشاهد معنا هو البيت الذي تقول فيه:

وَلُبْسَ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي *** أَحَبُّ إليَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ

تقول: أنا ألبس عباءة خشنة، وأنا عند أهلي، وتقر عيني أحب إليَّ من لبس المدن الذي هو الملابس الشفافة الناعمة الحريرية.

الشاهد في قولها: ولُبْسُ عبَاءَةٍ وتَقَرَّ. .. وتَقَرَّ: الفعل المضارع تقرَّ هنا الآن منصوب أو مرفوع؟ منصوب، ما الذي نصبه؟.

منصوب بـأن مضمرة جوازًا بعد واو العطف وجاز ذلك؛ لأن الواو هنا عطفت الفعل على اسم متقدم خالص ليس في تأويل الفعل، وهو المصدر لُبْس. .. ولُبْسُ عبَاءَةٍ وتَقرَّ عَيْنِي.

الحرف الثالث هو: ثم كما في قول الشاعر:

إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلَهُ *** كالثَّوْرِ يُضْرَبُ لمَّا عَافَتْ البَقَر

إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعقلَه: ثم هنا دخلت على الفعل المضارع وهو أعقلَه فتحول من الرفع إلى النصب، فصار: ثم أعقلَه. فتقول في إعرابه: أعقلَه: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة جوازًا بعد ثم؛ لأنه صار معطوفًا بـثم على اسم متقدم ليس في تأويل الفعل، وهو المصدر قوله: قَتْلِي. .. إني وقتلي سليكًا ثُمّ أعقِلَه.

ما معنى البيت؟ معنى البيت يقول: هذا الرجل قتل شخصا اسمه سُلَيْك، ثم ترتب عليه أن دفع الدية أو صار … يعني تحمّل العقْل له وهو ديته، فقال: إني وقتلي سليكًا … الآن سأقتله لثأر أو ما إلى ذلك، ثم أنا الذي أتحمل ديته كالثور يضرب لمّا عافَت البقر … إذا عافت البقر فإنه يضرب الثور مع أن التي عافت هي البقر، فهو يبدو لأنه هو السيد هو الذي تحمّل العقل الذي يُسمى الدية. .. والذي هو الدية.

الرابع هو: حرف الفاء، مثل قول الشاعر:

لـولا تَـوَقُّعُ مُعْتَرٍّ فَأُرْضِيَهُ *** ما كُنْتُ أُوثِرُ أَتْرَابًا على تَرَبِ

لولا تَوَقُّع مُعْتَرٍّ فأُرْضِيَهُ: تَوَقُّع معروف، والمُعْتَرّ: هو. .. ما معنى المُعْتَر؟ هنا وفي هذه الآية: القانع. والمُعتر: نعم المحتاج المعوز. مُعْتَرٍّ فأُرْضِيَه: يقول: لولا أنني أتوقع أن أقوم بخدمات معينة أن يأتي هذا فأعطيه، وأن يأتي هذا فأعطيه، وأن يأتي هذا فأعطيه، لما كنت أوثر هذا الشيء على هذا الشيء، لكني أتوقع أن أكون منتدبا لمثل هذه الفضائل ومثل هذه المكارم.

الشاهد في قوله: فأُرْضِيَهُ، حيث أن الفعل المضارع نُصب بعد الفاء العاطفة؛ لأنها عطفت هذا الفعل على اسم متقدم وهو المصدر توقُّع. فالحاصل إذًا أنَّ أنْ تنصب مضمرة جوازًا في صورتين:.

الصورة الأولى: إذا وقعت بعد لام الجر سواء كانت لام تعليل أو عاقبة أو زائدة.

والصورة الثانية: إذا وقعت بعد عاطف مسبوق باسمٍ ليس في تأويل الفعل، وهذا العاطف أحد عواطف أربعة، إما: الواو، أو الفاء، أو ثم، أو أو. إذا وقعت بعد واحد من هذه فإنها حينئذ تنصب أو يُنصب الفعل بـأن مضمرة جوازًا في هذا.

فننتقل إلى المواضع التي يكون النصب فيها بـأنْ مضمرة وجوبًا، أن مضمرة أنْ متى تضمر وجوبًا؟ تضمر وجوبًا بعد الأحرف الخمسة التي ذكرها وهي: لام الجحود، وحتى، والفاء، والواو، وأو نلحظ إذن أن الفاء والواو وأو مرت معنا في مواضع الجواز وستمر معنا أيضا في مواضع الوجوب.

تضمر أنْ وجوبًا بعد لام الجحود. ما المراد بلام الجحود؟ نأخذها بسرعة. لام الجحود هي لام النفي. ما علامة لام الجحود؟ … نعم؟ لا ليس السكون وإنما لام الجحود: هي التي تسبق بـما كان أو لم يكن هي التي تسبق بكَوْنٍ ماضٍ منفيّ. لام الجحود هي التي يكون قبلها ما كان أو لم يكن كما في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ(37) يعذبَهم هنا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وعرفنا أنها لام الجحود؛ لأنها سبقت بالفعل بـكان المسبوقة بالنفي، وهي ما كان.

ما الفرق بين المضمرة جوازًا والمضمرة وجوبًا؟.

المضمرة جوازًا … نعم المضمرة جوازًا يمكن إظهارها يصح إظهارها، أما المضمرة وجوبًا فلا يصح أن تظهر. فالحرف الذي … أول الحروف التي تضمر بعدها وجوبًا هو: لام الجحود وهي لام النفي وهي اللام الواقعة بعد فعل كَوْن ماض منفي، أي: ما كان ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ(37) أو لم يكن كما في قوله -تعالى-: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ(38) يغفرَ هنا: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود.

طيب! لو جاءنا سؤال ما دمنا في لام الجحود، وقال: ما حكم الفعل المضارع إذا وقع بعد اللام. .. بعد لام الجر بصفة عامة؟ لام الجر طبعًا تشمل: لام التعليل، ولام العاقبة، واللام الزائدة، ولام الجحود. ما حكم الفعل إذا وقع بعد هذه اللام؟

الواقع أن له ثلاث صور أنا أشرت الآن منها إلى صورتين، وبقيت الصورة الثالثة.

الصورة الأولى التي أشرنا إليها وهي الجواز: أنه ينصب بـأن مضمرة جوازًا؛ وذلك إذا كانت صفة اللام. .. لام التعليل أو لام العاقبة أو اللام الزائدة..

الصورة الثانية هي أن الفعل ينصب بـأنْ مضمرة وجوبًا إذا كانت هذه اللام لام الجحود..

الصورة الثالثة هي وجوب هذا بالنسبة لحكم أن وجوب إظهار أن وذلك إذا اقترن الفعل بلا النافية أو الزائدة. إذًا أحوال أنْ مع اللام إن سبقت بلام الجحود فهي مضمرة وجوبًا إن سبقت بلام التعليل أو لام العاقبة أو اللام الزائدة فهي مضمرة جوازًا. إذا اقترن الفعل بلا النافية أوالزائدة وجب إظهار أنْ حينئذ.

إذًا أحوال أنْ من حيث الإضمار والإظهار مع لام الجر ثلاث حالات. أنْ لها ثلاث حالات مع لام الجر: وجوب إظهار أنْ إذا كان الفعل سبق الفعل بلا النافية أو لا الزائدة: لا النافية كما في قوله -تعالى-: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ(39) هنا لا يكون الفعل مسبوقا بلا النافية، ولذلك أظهرت أنْ. لئلا أصلها: لأنْ لا، لكنها أظهرت ثم أدغمت فهي ليست محذوفة لا جوازًا ولا وجوبًا.

ولا الزائدة كما في الآية في آخر سورة "الحديد": ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ(40) لئلا يعلم أهل الكتاب. .. ما هو المعنى؟ ليعلم أهل الكتاب، فلا هنا هذه زائدة؛ لأنْ لا يعلم أهل الكتاب المعنى المراد وبإجماع المفسرين فيما أعلم: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء؛ فلا هنا زائدة.

فإذًا أنْ حكمها مع لام الجر:

يجب إظهارها إذا سبق الفعل بلا النافية أو الزائدة.

يجب إضمارها إذا وقعت بعد لام الجحود.

يجوز الوجهان: الإظهار والإضمار إذا سبقت بلام الجر وهي لام التعليل أو العاقبة و الصيرورة أو الزائدة.

الحرف الثاني من الحروف التي ينصب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعدها هي: حتى.

حتى يُنصب الفعل بـأنْ المضمرة وجوبًا بعدها بشرط كون الفعل مستقبلاً بالنسبة إلى ما قبلها، أو أن تقول -أيضًا- تيسيرًا: بشرط أن تكون بمعنى كي، أو تكون بمعنى إلى.

يعني: سواء كانت حتى بمعنى كي أو كانت بمعنى إلى؛ فإن الفعل المضارع ينصب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد حتى. في قوله -تعالى-: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى(8) ما معنى حتى هنا؟ هل معناها كي أو إلى؟ معناها: لن نبرح عليه عاكفين إلى أن يرجع إلينا موسى. .. حتى يرجع إلينا موسى.

يرجعَ: -كما ترون- فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد حتى، ولا مانع على رأي من ذكرنا من العلماء أن تقول: إنّ يرجعَ فعل مضارع منصوب بـحتى من باب التجوز والاختصار.

فإذا قلت لشخص: أَطِعْ الله حتى تدخل الجنة. فما معناها هنا؟ إلى أو كي؟ معناها كي هنا: أطع الله كي تدخل الجنة.

إذًا حتى يُنصب الفعل المضارع بـأنْ مضمرة وجوبًا بعدها سواء كانت بمعنى كي كما في قولك: أطع الله حتى تدخل الجنة، أو كانت بمعنى إلى كما في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى(8) .

طيب! ما معناها في قوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ(41) هذه الآية تحتمل الأمرين معًا، أي: يصح أن يكون المعنى: قاتلوها كي تفيء إلى أمر الله، أو أن يكون المعنى: قاتلوها إلى أنْ تفيء إلى أمر الله.

الحرف الثالث أو: إذا وقعت بعد أو التي بمعنى إلى أو التي بمعنى إلا. هناك عندنا حتى بمعنى كي أو بمعنى إلى هنا عندنا إذا وقعت بعد أو التي بمعنى إلى أو التي بمعنى إلا.

إذا قلت لشخص: لألزمنك أو تعطيني حقي. .. لألزمنك أو تعطيني حقي. هنا بمعنى إلى أو إلا؟ هنا بمعنى إلى أي: سألزمُك إلى أن تسدد لي ما عندك. .. إلى أن تعطيني حقي.

فإذا كانت بمعنى إلى فإن الفعل المضارع يُنصب بعدها بـأنْ مضمرة وجوبًا فتعطيَني -هنا-: فعل مضارع منصوب بعد أو بـأن مضمرة وجوبًا، ولو قلت: تجوزا منصوب بـأو لكان جائزا على ذلك الرأي، ومنه قول الشاعر:

لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أوْ أُدْرِكَ المُنَى *** فمَا انْقَــادَتِ الآمَـالُ إلاّ لصَـابِر

لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أو أُدْرِكً المُنَى: أو أدركَ: أدركَ فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد أو.

أو ما معناها في هذا البيت؟ إلى مثل: لألزمنّك أو تعطيني. حتى لأستسهلن الصعب أو أدركَ المنى. يقول: سأركب الصعاب وأتجشَّم الأخطار مستهينًا بها، أو مستسهلاً لها حتى أدرك المُنى إلى أن أصل إلى ما أتمناه، ولن أتراجع عن ذلك.

ولو قلت: لأَقْتُلَنَّ الكافر أو يسلم. لأَقْتُلَنَّ الكافر أو يسلم. هنا بمعنى إلى أو إلا؟ بمعنى إلاَّ؛ لأن ما تصلح إلى … تقتله إلى أن يسلم! فإذا قتلته لا يمكن يسلم! انتهي الأمر. المراد: لأَقْتُلَنَّهُ إلاَّ أن يسلم. لأقتلن الكافر إلا أن يسلم، وما معناها في قول الشاعر:

وكُـنْتُ إذَا غَمَزْتُ قنَاةَ قَوْمٍ *** كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أوْ تَسْتَقِيمَا

يقول: إنني آخذ الأمور بالجِد فأنا إذا غمزت قناة قوم يعني: أمعن في ذلك حتى أصل إلى إحدى نتيجتين: إما أن أكسر الكعب أو يستقيم الكعب، يعني: ما فيه خيار، فهنا بمعنى إلى أو إلا؟ بمعنى. .. ما تحتمل إلى، ما تصلح هنا: كسرت كعوبها إلى أن تستقيم! إذا كسرها لا يمكن تستقيم! انتهي الأمر.

وإنما المراد كسرت كعوبها إلاَّ أن تستقيم؛ فإنه حينئذ يمتنع الكسر أو يتوقف.

هذه ثلاثة أحرف -الآن- مما تضمر أن بعدها وجوبًا: لام الجحود، حتى، أو.

الحرفان الأخيران: الفاء والواو الحكم فيهما متقارب، فينصب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد: فاء السببية أو واو المعية … متى؟ إذا كانت أنْ هذه مضمرة وجوبًا أو إذا كانت الفاء هذه ظاهرة فاء السببية أو واو المعية مسبوقةً بنفي محض أو طلب.

إذا سُبقت الفاء بنفي محض يعني: خالص أو يعني: غير مبطل بأي شيء آخر، أو سُبقت بطلب. كلمة طلب لو أطلقت ماذا تشمل. .. الطلب تشمل ماذا؟.

الأمر، والنهي، والدعاء، والتمني، والترجي، والتحضيض، والاستفهام، والعرض، هذه أمور تدخل تحت ما يسمى بالطلب.

تجدون هذا، يعني موجود في مباحث البلاغة وغيرها، فإذا قيل: إذا سُبقت بطلب، الطلب يدخل فيه الأمر والنهي، والدعاء والتمني والترجي والتحضيض والعرض والاستفهام.

هذه الثمانية وقبلها التاسع، وهو النفي إذا سبقت الفاء أو واو معية إذا دخلت فاء السببية، أو واو المعية على فعل مضارع، وكانت مسبوقة بواحد من هذه التسعة إما نفي أو طلب، وتدخل تحته هذه الثمانية؛ فإن الفعل المضارع حينئذ يكون منصوبًا بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية أو بعد واو المعية.

نأخذ أمثلة عليها. النفي كما في قوله -تعالى-: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا(42) هنا يموتوا: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وقد أضمرت أن؛ لأنها وقعت بعد فاء السببية المسبوقة بنفي، وهو قوله: لا يُقْضَى عليهم.

ومثال الطلب بأنواعه الثمانية أولها الأمر كما في قول الشاعر:

يا نَاقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا *** إلـى سُـلَيْمَانَ فَنَسْـتَرِيحَا

يخاطب ناقته ويقول: سيري سَيْرًا سريعًا حثيثا حتى نصل إلى سليمان فنحُطَّ رحالنا عنده؛ لأننا سنجد ما نؤمل هناك.

يا نَاقُ سِيري: سيري -هنا- فعل أمر وقعت بعده فاء السببية داخلة على فعل مضارع فنصب هذا الفعل المضارع بأن مضمرة وجوبًا، وهو قوله: إلى سليمانَ فَنَسْتَرِيحَا، فَنَسْتَريحَا هنا نستريحَ فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية؛ لأنها سبقت بأمر حقيقي، وهو قوله: سيري.

ومثال -أيضا- النهي قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي(43) يحلَّ -هنا-: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية، وقد سبقت بالنهي الحقيقي في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ(43) .

والتحضيض كما في قوله -تعالى-: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ(44) فأَصَّدَّقَ -هنا-: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية؛ لأنه سُبق بالتحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي(44) أي: هلا أخرتني إلى أجل قريب.

والتمني كما في قوله -تعالى-: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ(45) فأفُوزَ -هنا-: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية؛ لأنه سبق بالتمني في قوله -تعالى-: ﴿يَا لَيْتَنِي(45) .

والترجي كما في قوله -تعالى-: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ(46) فأطلع -هنا-: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية؛ لأنه سبق بالترجي لعلي.

ومثال الدعاء قول الشاعر:

رَبِّ وَفِّقْنِـي فَلا أَعْدِلَ عنْ *** سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنِ

ربِّ وَفِّقْنِي فلا أعْدِلَ. هنا أعْدِلَ: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية التي سبقت بالدعاء في قوله: ربِّ وَفِّقْني.

والاستفهام كما في قول الشاعر:

هلْ تعرفـون لُبَانَـاتِي فـأرجُوَ أنْ **** تُقْضَى فيَرْتَدَّ بعْضُ الرّوحِ للجسَدِ

يقول: هل أنتم -فعلا- تعرفون حاجاتي التي جئت من أجلها فأؤمِّل أن تقضى فيرجع بعض روحي إلى بعض جسدي؛ لأنها كاد يخرج بعضها من خوفي على ألا يتحقق ما أريد.

فقوله: هل تعرفون لُبَانَاتِي فأرجو أنْ. .. أرجوَ: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة بعد الفاء؛ ولأنه سبق بالاستفهام بـهل.

والعَرض كما في قول الشاعر:

يا بْنَ الكِرَامِ ألاَ تَدْنُو فَتُبْصِرَ ما *** قَـدْ حـدَّثُوكَ فمَـا راءٍ كَـمَنْ سَـمِعَ

وهنا العرض: ألا. .. ألا تدنو فتُبْصِرَ: تبصر فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة بعد فاء السببية؛ لأنه سبق بالعرض.

الفرق بين العرض والتحضيض أنَّ العرض: طلب برِفْق: ألاَ. .. عرْض خفيف.

أما التحضيض: ففيه حثٌّ للمخاطَب.

هذه شواهد وأمثله على وقوع النصب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية، ويماثلها -أيضًا- شواهد بعد واو المعية، وإن كانت أنواع الطلب لم تسمع كلها بعد واو المعية، وإنما سمع منها شيء.

فنأتي إلى الواو سريعًا لنأخذ عليها أمثلة:

فوقوعها بعد النفي كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(47) ويعلم الصابرين: يعلمَ فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية؛ لأنها سبقت بنفي في قوله: لما يعلم، كما سيأتي معنا -الآن- في الجوازم أنّ لمّا حرف نفي وجزم.

والتمني كما في قوله -تعالى-: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ(48) نُكذِّبَ: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية؛ لأنها سبقت بالتمني بـياليت.

والاستفهام كما في قول الشاعر:

ألمْ أَكُ جَارَكُم ويكُونَ بيْنِي *** وبَيْنَكُـم المَوَدَّةُ والإخَاءُ

ألم أَكُ جارُكم هنا استفهام تقريري، ويكونَ: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية.

والنهي كما في البيت المشهور الذي ينسب لأبي الأسود الدؤلي:

لا تَنْهَ عَنْ خُلْقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَـارٌ عَلَيْـكَ إذَا فَعَلْـتَ عَظِيـمُ

وتأتيَ. .. تأتيَ: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية؛ لأنها سبقت بالنهي بـلا الناهية: لا تَنْهَ.

وتقول هذا المثال المشهور … تقول: لا تأكلْ السَّمَكَ وتشْرَبَ اللَّبَنَ. هذا المثال تجوز فيه ثلاثة أوجه … ما توجيه الأوجه الثلاثة هذه بسرعة؟ الشاهد الذي معنا أن تقول: لا تأكلْ السَّمَكَ وتشربَ اللَّبَنَ، تشربَ: فعل مضارع منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية؛ لأنها سبقت بنهي: لا تأكلْ السَّمَكَ.

طيب! فلو قلت: لا تأكلْ السمكَ وتَشْرَبْ اللبنَ -بالجزم- ما توجيهه؟ النصب واضح توجيهه الآن، النصب توجيهه بـأنْ مضمرة وجوبًا على أنها واو المعية.

أما الجزم فتوجيهه على أنها معطوفة على نية تكرار لا الناهية، كأنك قلت له: لا تأكلْ السمكَ ولا تشربْ اللبنَ. يعني: نهيته عنهما جميعًا، يعني: لم تنهه عن الجمع بينهما، وسمحت له بأن يأخذهما على حدة. لا. أنت تنهاه الآن من أن يقرب أي واحد منهما: لا تأكلْ السمكَ ولا تشربْ اللبنَ. يعني: لا تقرب أي واحد منهما نهائيًا هذا هو توجيه الجزم.

ما توجيه الرفع في قوله: لا تأكلْ السمكَ وتشربُ اللبنَ. ما توجيه الرفع؟ يعني طيب الآن فيه نهي أو إباحة؟ وماذا فيه حينما تقول: لا تأكلْ السمكَ. هذا واضح أنه نهي، وتشربُ اللبنَ -بالرفع- هل سُمح له أو منع؟ سُمح له الآن.

كأنك قلت: لا تأكلْ السمكَ ولكن لك شُرب اللبن: لا تأكلْ السمكَ واشربْ اللبنَ: لا تأكلْ السمكَ وتشربُ اللبنَ، أي: وأنتَ تشربُ اللبنَ ما في مانع، لك ذلك، لك شُرب اللبن لكنك لا تأكل السمك.

فإذًا وتشرب اللبن. إن قلت: وتشربَ فهو الشاهد الذي معنا على أنه منصوب بـأنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية، ويكون النهي حينئذ عن الجمع بينهما، أي: لا تجمع بين السمك واللبن فإنه مُضِرٌّ؛ ولذلك بعض الناس ربما صدّق هذا الأمر وأصبح إذا جلس على مائدة فيها سمك ولبن يترك واحدا منهما مع أن هذا يبدو أنه غير صحيح ففي حالة النصب الواو وتكون للمعية والمراد ولا تجمع بينهما الجزم نهي عن كل واحد منهما، الرفع نهي عن الأول وإباحة للثاني هذه خلاصة النواصب وما يتعلق بها.

بالنسبة للجوازم لو لم نأخذها كلها على الأقل نأخذ منها شيء. الجوازم نوعان كما تعلمون منها ما يجزم فعلاً واحدًا، ومنها ما يجزم فعلين، الذي يجزم فعلين ماذا يسمى؟ أنا سألت عن الأخير الذي يجزم فعلين ما هو؟ ماذا تسمى أدوات الجزم التي تجزم فعلين؟ أدوات الشرط.

أدوات الجزم التي تجزم فعلين تسمى أدوات الشرط: الأول من الفعلين فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه. هذه هي الأدوات التي تجزم فعلين.

أما الأدوات التي تجزم فعلاً واحدًا فهي ليست أدوات الشرط، وإنما هي حروف الجزم، وهي كلها حروف باتفاقٍ.

التي تجزم فعلاً واحدًا متفق على حرفيتها، أما التي تجزم فعلين فمنها ما هو حرف باتفاق، ومنها ما هو حرف على الراجح، ومنها ما هو اسم باتفاق و هو الكثير، ومنها ما هو اسم على الراجح، والتي تجزم فعلين تجمع بين الحرفية والاسمية فيها هذا وفيها هذا.

والتي تجزم فعلاً واحدًا كلها حروف باتفاق، التي تجزم فعلاً واحدًا ما هي؟.

معروفة هذه مشهورة نعم: لم ولما … لم ولما وألم وألما. ألم وألما سنشير إلى أنهما في الصحيح هما: لم ولما، ولكن دخلت عليهما همزة الاستفهام فقط. يعني ما في جديد.

فإذًا تقول: لم و لما ولام الأمر ولا الناهية. الحروف التي تجزم فعلا واحدا هي أربعة حروف: لم ولما ولام الأمر ولا الناهية.

والمؤلف هنا -رحمه الله- ناجي الروم أضاف ألم كما في قوله -تعالى-: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(49) وأضاف ألما، والواقع أن ألم وألما هي لم ولما، ولكن دخلت عليها همزة الاستفهام، فهي ليست حروفا جديدة، ولكن هما الحرفان السابقان.

طيب! هل الفعل الواحد لا يجزم إلا بهذه الأربعة؟ ألا يمكن أن يأتي الفعل الواحد مجزوم بأمر آخر غير هذه الحروف الأربعة؟.

أدوات الشرط لن تدخل معنا؛ لأنها تجزم فعلين، وسنتحدث عنها فيما بعد، لكن الأشياء التي تجزم فعلا واحدا هي هذه الأربعة فقط.

أليس هناك شيء يجزم فعلا واحد غيرها؟ أحسنتَ! وقوع الفعل في جواب الطلب، فعل الأمر… الفعل المضارع قد يجزم إذا وقع في جواب الأمر، أي: إذا وقع في جواب الطلب دون أن يدخل عليه حرف -لا حرف يجزم فعلا ولا حرف يجزم فعلين- مثل ماذا؟ فعل جُزم لأنه وقع في جواب الطلب؟.

هل فيه أحد يستطيع يأتيني بشاهد من القرآن؟ نعم. .. نعم: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ(50) هذا صحيح تأكلْ. .. الفعل المضارع لماذا جُزم؟ كما ترون لم يُسبق بجازم -لا بما يجزم فعلا ولا بما يجزم فعلين- جزم لأنه وقع في جواب الأمر الذي هو ذروها.

وكما في قوله -تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ(51) قل تعالَوْا أتل: أَتْلُ -هنا- واقعة في جواب مجزوم؛ لأنه وقع في جواب فعل الأمر الذي هو تعالَوْا، أو اسم فعل الأمر على خلاف في تعالوا هل هو فعل أمر حقيقي أو اسم فعل أمر، لكن الراجح: أنه فعل أمر؛ لأنه يقبل العلامة؛ ولأنه -أيضا- تدخل عليه الضمائر: يتغير بحسب الضمائر الداخلة عليه.

أَتْلُ -هنا- مجزوم بماذا؟ قُلْ تعالَوْا أتْلُ مجزوم بحذف … لأتلو أنا، قل تعالوا أتل مجزوم بحذف حرف العلة، مثل: أدعو، أسمو … أدنو … أرجو. .. أتلو.

أتلو بالواو فلما وقع في جواب الأمر جُزم فصار: قٌلْ تَعَالَوْا أَتْلُ.

إذًا الفعل الواحد يجزم بـلم أو لما أو لا الناهية أو لام الأمر أو إذا وقع في جواب الأمر أو جواب الطلب.

طبعًا لم كما تعلمون هي حرف نفي هذا معروف: لم يحضرْ محمدٌ، وحرف جزم؛ لأنها تجزم الفعل المضارع، وتسمى -أيضا- حرف قلب؛ لأنها تقلب معنى الفعل المضارع إلى الماضي، حينما تقول: يحضر محمد. فهو المراد الآن أو في المستقبل، لكن حينما تقول: لم يحضر. محمد لم يحضر متى؟ لم يحضر في الماضي.

فإذا دخلت على الفعل المضارع قلبَتْ زمنه من المضارع الذي هو الحال أو الاستقبال إلى المضي، فهي تسمى حرف نفي وجزم وقلب.

حرف نفي أي: أنها تنفي، وحرف جزم أي: أنها تجزم، وقلب أي: أنها تقلب زمن الفعل المضارع فتحوله إلى الماضي.

يعني بينما هو خاص بالمستقبل أو الحال يحضرُ صار يعني مُنْصَبًّا على الماضي، فأنت حينما تقول: لم يحضرْ محمدٌ، لا تريد أنه غدًا وإنما قصدُك لم يحضر بالأمس فمع أنه فعل مضارع إلا أنها حولت زمنه إلى المضي.

الحرف الثاني لمَّا: وهي أخت لم أيضًا. أخت لم في معانيها، وهي كذلك النفي والجزم والقلب، لكنها تشاركها في أمور وتخالفها في أمور أخرى.

فتشاركها في أربعة أمور، وهي: الحرفية والاختصاص بالمضارع وجزمه وقلب زمنه. هذه أمور تشترك فيها لم ولمَّا.

وتفارقها في أربعة أمور، وهي: أنّ المنفي بـلمّا مستمر الانتفاء إلى زمن الحال بخلاف لم، فإنه قد -يعني- ينتهي في الحال، يعني ممكن أن تقول: لم يحضر في الصباح لكنه حضر بعد ساعة، لم يحضر في الموعد لكنه حضر بعده بخمس دقائق.

ولكن لمّا الكلام فيها مستمر إلى نهاية الحديث، فإن النفي بـلما مستمر الانتفاء بزمن الحال بخلاف لم فإنه قد يكون مستمرًا كما في قوله -تعالى-: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(52) .

وقد يكون منقطعًا مثل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(53) أي: لم يكن شيئًا مذكورًا ثم كان شيئا مذكورا.

وثانيًا- من الأمور التي تختلف فيها لما عن لم أنّ لمّا تؤذن كثيرًا بتوقع حدوث ما بعدها كما في قوله -تعالى-: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ(54) لكن ما المعنى المراد أو ما المعنى المتبادر؟ أنه لمّا يذوقوه إلى هذه الساعة لكنهم حتما سيذوقونه، وسيصل إليهم لكنه إلى نهاية إلى الوقت الحاضر، فالمنفي بها مستمر المنفي بها مستمر إلى وقت زمن التكلم، لكنه مؤذن بثبوته بعد ذلك.

أما لم فإن المنفي بها قد يكون منقطعًا في الحال. .. أن الفعل يجوز حذفه بعد لمّا بخلاف لم.

أنت تقول: قاربت المدينة ولما. وتقف، هذا الكلام جائز، أي: ولما أدخلها، ولا يصح أن تقول: قاربت المدينة ولم. فحذف مجزوم لما وارد وجائز لكنه غير وارد بالنسبة لـلم.

إنّ لما لا يصح فيها أن تقترن بحرف الشرط، أما لم فإنه لا مانع في ذلك، تقول: إن لم تقُمْ قمتُ. إنْ الشرطية يصح أن تدخل على لم، لكنه لا يصح أن تقول: إنْ لما تقُم قمتُ.

فإذًا لم أخت لما وشبيهة بها في أربعة أحكام، لكنها تفارقها في أحكام أخرى.

بقي لام الطلب ولا الطلبية وأشير إليها بسرعة، ونترك الحروف أو الأدوات التي تجزم فعلين، وهي أدوات الشرط للدرس القادم -إن شاء الله.

لام الطلب. .. ما المراد بها؟ هي: اللام الدالة على الأمر، لام الطلب هي: اللام الدالة على الأمر.

لكن هذا الأمر من الناحية المعنوية والناحية الأدبية -يعني- ممكن أن يتغير اسمه: إذا كان من الأعلى إلى الأدنى سُمي أمرًا.

فإن كان بالعكس: من الأدنى إلى الأعلى فإنه. .. ماذا يسمى؟ يسمى دُعاء.

فإن كان من المتساويين يسمى التماسا.

هذا الكلام يصدق على لام الأمر، ويصدق على لا الناهية. لام الأمر: هي التي تدل على الأمر، ولا الناهية: هي التي تدل على النهي، ولكن يسمى أمرا إذا كان من الأعلى إلى الأدنى، ويسمى نهيا -كذلك- إذا كان من الأعلى إلى الأدنى.

فإن كان بالعكس سمي دعاء في الحالين، فإن كان من المساوي سمي التماسًا في الحاليين، في قوله -تعالى-: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ(55) ليُنْفِقْ: ينفق -هنا- فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه السكون، وهو أمر حقيقي؛ لأنه من الأعلى إلى الأدنى.

في قول أصحاب النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ(56) هنا من الأدنى إلى الأعلى فيسمى دعاء لِيَقْضِ علينا ربك يقض -هنا- فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة؛ لأنه معتل الآخر، أصلها: يقضي فلما جزم بلام الأمر صار ليقْضِ.

أو إذا كان من المتساويين صار دالاً على الالتماس كما إذا قلت لصاحبك أو زميلك أو أخيك: لتركبْ معي يا أخي، لتركب معي يا أخي. هنا يعني ليس دعاء ولا أمرًا، وإنما هو التماس ورجاء.

هذه التقسيمات الثلاثة تأتي في لا الناهية في قوله -تعالى-: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ(57) لا تشرك بالله هنا نهي حقيقي.

في قوله -تعالى- بالنسبة للدعاء على لسان المخاطبين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ(58) هنا ليس نهيا حقيقيا؛ لأنك تخاطب المولى -سبحانه وتعالى- وإنما هو دعاء منك ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا(58) ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا(58) ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ(58) كل هذه الأفعال وما شابهها من ألفاظ الدعاء بالنسبة للمخلوق مع خالقه هي لا الناهية، لكنها أدبا لا تسمى لا الناهية، وإنما يسمى دعاء ولا يسمى نهيا.

أما الالتماس: فإذا قلت -مثلاً- لصاحبك أو زميلك أو أخيك أو مَن يساويك لا تقلقْ يا أخي فالامتحان سهل، أو ما إلى ذلك من الأفعال التي تتحدث بها مع ندك فإنها حينئذ تسمى التماسا.

هذه خلاصة الأفعال أو خلاصة الأدوات أو الحروف التي تنصب فعلاً واحدًا هي الخمس هي: لم، ولمّا، لام الأمر، ولا الناهية، والواقع في جواب الطلب.

بقي ما يجزم فعلين يكون موضوع الدرس -إن شاء الله- الدرس القادم.

فيه أسئلة عندكم استعداد للأسئلة الآن نأخذ بعضها سريعًا.

س- يقول: ما معنى كلمة مِنْوَال وما معنى كلمة مَنْدُوحة وما معنى كلمة بَلْهَا وما معنى كلمة بَيْدَ أرجو طرح هذا السؤال للأهمية؟.

ج- والله هذا سؤال مهم في المقال، لكن أنا ودي أن تكون الأسئلة حول موضوع الدرس؛ لأن مسائل اللغة العربية والنحو طويلة جدًا، لو كل شيء وكل كلام يُسأل عنه في هذا الدرس يكون فيه صعوبة. تقول: نسجتُ على مِنْوَالِه يعني: هيئته وطريقته وكيفيته، على منوال هذا الشيء، أي: على طريقته وهيئته وكيفيته.

بَلْهَا تقول -مثلاً-: عجز عن هذا المتفوقون بلها. يعني: الأقل منهم فكيف بذلك. .. فكيف بمن هو أدنى من ذلك!

وكلمة مندوحة أي: لك أن تقول: لنا عن هذا الأمر مندوحة. أي: بإمكاننا أن نعدل عنه، أي: لنا عنه مجال لنا فرصة، ومجال للعدول عنه، لأن نأخذ بشيء بديل عنه، يعني: لسنا ملزمين بهذا الأمر، وإنما لنا عنه مندوحة.

وكلمة بَيْدَ. بيد بمعنى: إلا كما في قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أنا أفصح العرب بَيْدَ أني من قريش»(59) أي هنا في هذا: مع أني من قريش، أو إلا أني من قريش، وهذه زادتني فصاحة على فصاحتي.

أرجو تعريفي ما هو باب ضرب وباب نصر.

باب ضرب: هو كل فعل يكون على وزن فَعَلَ يَفْعِلُ مثل: ضَرَبَ يَضْرِبُ، وباب نَصَرَ: هو كل فعل يكون على وزن فَعَلَ يَفْعُلُ مثل نصر يَنْصُرُ.

س- يقول:في قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ(60) لماذا لم يُرفع الفعل المضارع؟.

ج- لم يرفع لأنه مرَّ معنا في موضوع هذا الدرس؛ لأنه واقع في جواب الطلب، إذا وقع الفعل في جواب الطلب: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ(50) ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ(51) "ارْجِعِ البَصَرَ يَنْقَلِبْ". .. وقوعه في جواب الطلب في هذه الآيات جعله مجزوما وليس مرفوعا.

س- هذا السؤال طويل لا أدري من أين أبدأ؟ يقول: قال بعض أهل اللغة: إنه وجد حروف زائدة في القرآن الكريم، وقد وجد في كلامهم تناقض، حيث قال: إن هذه الأحرف الزائدة لها فائدة في البلاغة، واستقامة في المعاني فكيف تكون زائدة، ولها فائدة؟ يعني: هذه خلاصة كلامه الطويل.

ج- الصحيح: أنهم يقولون الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، يعني وخاصة حينما يأتي في القرآن، لا يأتي في القرآن شيء عبث، لكن حينما يقال: زائدة أمور مبنية على قضايا الإعراب، يعني في الإعراب ليس لها مكان لكنها في المعنى ما جيء بها إلا أنها تضيف معنى جديدًا قويًا.

ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الإخوة في الله،: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتنا وأوقاتكم بكل خير، ونفعنا الله بما نقول، وبما نسمع في استعراض سريع لبعض الدروس الماضية يعني: جاءت بعض الأسئلة التي تتطلب مني أن أقف بعض الوقفات اليسيرة السريعة مع بعض ما مر في حديثنا عن ألف التأنيث، وكونها مانعا من الصرف، وأنها علة واحدة تكفي للمنع.

كان تركيزنا على ألف التأنيث الممدودة، وليس معنى ذلك أن ألف التأنيث المقصورة ليست مانعة من الصرف، وإنما ألف التأنيث على إطلاقها مانعة من الصرف، ولكن التركيز على الممدودة فقط؛ لأنها تظهر عليها الحركات؛ ولأننا كنا نتحدث عن علامات الإعراب الفرعية، وكنا نتحدث عن الجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، فهو يظهر ويتجلى واضحا في ألف التأنيث الممدودة.

أما ألف التأنيث المقصورة، فإن الإعراب فيها إعراب تقدير، سواء منعت من الصرف، أو لم تمنع من الصرف بأن دخل عليها ما يعيدها إلى الصرف، أو ما يمنعها ما يبعدها عن أحكام الممنوع من الصرف، وهو الإضافة، أو وقوعها مضاف ودخول الألف واللام عليها.

فألف التأنيث المقصورة تمنع من الصرف، وحينما تكون ممنوعة من الصرف، فإنك تقول في إعرابها: مرفوعة بضمة مقدرة، ومنصوبة بفتحة مقدرة، ومجرورة بفتحة مقدرة؛ لأنها ممنوعة من الصرف، فالإعراب فيها تقديري؛ ولذلك كان التركيز على ما ختم بألف التأنيث الممدودة؛ لأنها هي التي تظهر عليها علامة الإعراب؛ وتبدو فيها الفتحة والكسرة؛ ومن هنا كان التركيز عليها.

وكلمة "بيد" وردت أمس في أحد الأمثلة استطرادا، وقلت للسائل: إن المراد بها إلا، أو غير، فهذا هو معناها المشهور الكثير كما تقول: فلان كريم بيد أنه جبان، أي: هو كريم غير أنه جبان، والعادة أنه يحسن أن تتلازم، أو من العادة أن تتلازم صفتا الكرم والشجاعة، فيكثر أن يكون الإنسان كريما وشجاعا، فإن كان إن وجد فيه إحداهما فيمكن أن تقول: فلان شجاع، بيد أنه بخيل أي: غير أنه بخيل، أو إلا أنه بخيل.

هذا الاستعمال الكثير الشائع هو أنها بمعنى غير وزنا ومعنا، بيد على وزن غير، وفي معناها أيضا، وقد تأتي بمعنى من أجل كما في الحديث الذي سقناه بالأمس، وهو ما ينسب للرسول -صلى الله عليه وسلم- من قوله: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش»(59) أي: هنا هي بمعنى من أجل أي: أنا أفصح العرب من أجل أني من قريش، أو بسب أني من قريش.

وهذا الحديث مما يدور على الألسنة، ويشتهر في الكتب، لكن كتب الأحاديث التي تبحث في أصل الحديث، وفي تحقيق الصحيح من الضعيف من الموضوع تقول: إن هذا الحديث لا أصل له، وإن كان معناه صحيحا، لا شك في صحته فالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أفصح العرب، وكونه من قريش أيضا زيادة على ذلك، أو مما أدى إلى ذلك، أو من أجله، كما هو معنى كلمة "بيد".

فكتاب كشف الخفاء للعجلوني وغيره يقول: بأن هذا الحديث لا أصل له، لكن معناه صحيح بلا شك.

كذلك كلمة "بلها" كلمة "بلها" لها عدة استعمالات، ولكن أبرز استعمالاتها هو ما ذكرناه من أنها بمعنى "كيف" تقول: هذا الأمر عجز عنه المشمرون الجادون بلها المهملون، أي: فكيف بالمهملين، فإنهم لا يستطيعونه، ولا يقوون عليه، ولها استعمالات أخرى على أنها اسم فعل، أو مفعول مطلق، وما إلى ذلك.

في الشاهد الذي ورد بالأمس في قوله:

إنـي وقتـل سـليك ثـم أعقله *** كالثور يضرب لما عافت البقر

معنى هذا البيت لا يتضح إلا بمعرفة قصة البيت، وهو أن الشاعر رأى ما يريبه من الشاعر المشهور سليك ابن السلكة أو ابن سلكة، وهي اسم أمه، فقتله ثم بعد ذلك تحمل ديته، يقول: أنا الذي قتلته، ومع ذلك تحملت ديته، فتحملت ديته، فكأنْ صرتُ كالثور إذا عافت البقر الشرب، فإنها لا تضرب هي؛ لأنهم يرفقون بها من أجل ما فيها من اللبن، وإنما يضربون الثور؛ لكي تتأدب هي.

والبيت الآخر قول الشاعر:

لولا توقع معتر فأرضيه ما *** كنت أوثر أترابا على تربي

أنا قرأته أترابا بالفتح، بفتح الهمزة، وهذه رواية فيه، وفيه رواية أترابا بالفتح على أنه بمعنى أنداد وأصحاب، وفيه رواية بالكسر أخرى إترابا، أي: الغني على ترب، أي: على الفقر.

انتهينا بالأمس إلى الحديث عن جوازم الأسماء التي تجزم فعلا واحدا، أو الشق الأول من الجوازم: وهو ما يجزم فعلا واحدا، وقلنا: إنها أربعة، وهي: لم، ولما، ولام الأمر، ولا الناهية.

والمؤلف -رحمه الله- زاد عليها "ألم وألما" وهما في الحقيقة لم ولما، لكن دخلت عليهما همزة الاستفهام، وهناك خامس مما يجزم الفعل الواحد وهو وقوعه في جواب الطلب، ومثَّلْنَا ببعض الآيات الكريمة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ(51) ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ(50) وغير ذلك من الآيات.

وهي آيات كثيرة جدا لا نريد أن نستطرد في إعادة درس الأمس، أخشى أن يأخذ علينا الوقت فيطول بنا الحديث أكثر من اللازم فيما يتعلق بجوازم الفعل المضارع.

ننتقل إلى الشق الثاني من الجوازم، وهو ما يجزم فعلين:

الأدوات التي تجزم فعلين، المؤلف -رحمه الله- انفرد من بين عامة العلماء بأن أضاف لها أداة، أو اسما من أسماء الشرط، العلماء في الواقع يرون أنه من أدوات الشرط غير الجازمة؛ ولذلك لا يعدونه مع الجازمة في الغالب، وهو هنا أضافه وأعده من الجازمة، وهو "كيفما".

فأدوات الشرط الجازمة ثماني عشرة، إذا أبعدنا منها الست التي ذكرها بزيادة "ألم وألما" يبقى عندنا اثنتا عشرة أداة، هذه تجزم فعلين لماذا نقول أدوات الشرط؟ لماذا لم نقل أسماء الشرط، أو حروف الشرط؟

يعني: لماذا كان التعبير بأدوات الشرط أولى وأدق من التعبير بحروف الشرط، أو بأسماء الشرط؛ نعم لأن هذه الأدوات فيها حروف، وفيها أسماء، فحتى يكون التعبير دقيقا، فإنه يحسن أن تقول: أدوات، ولا تقل: أسماء، أو حروف.

هذه الأدوات إذن منها ما هو حروف، ومنها ما هو أسماء، ومنها ما هو مختلف فيه، ويترجح فيه أحد الأمرين، فالأدوات نقرأها بسرعة سردا هي: "إن وما ومهما وإذما وأين ومتى وأين وأيان وأنى وحيثما وكيفما وإذا في الشعر خاصة".

هذه الأدوات منها ما هو حروف، ومن هذه الأدوات ما هو متفق على حرفيته، نعم "إن" فقط المتفق على حرفيته من هذه الأدوات هو "إن" الشرطية: إن تدرس تنجح، والمختلف فيه ولكن المترجح أنه حرف من هذه الأدوات ما هو؟ نعم، إذما، إذما فقط هي التي فيها خلاف.

لكن الراجح أنها حرف، هناك شيء مختلف فيه، والراجح أنه اسم ما هو المختلف فيه، والراجح اسميته ما هو؟ نعم، لا ليس "أيان" المختلف فيه، والراجح أنه اسم، "مهما" المختلف فيه، والراجح أنه اسم "مهما" هذه الآن ثلاثة، بقية الأدوات ما هي أسماء متفق على اسميتها. إذن نأخذ القليل الأول "إن" وهو متفق على حرفيتها، ثم "إذما" وهو مختلف فيها، والراجح أنها حرف، ثم "مهما" وهو مختلف فيها، والراجح أنها اسم.

ثم الأدوات الباقية كلها أسماء باتفاق وهي: "ما وأين ومتى وأي وأيان وأنى وحيثما وكيف ومن" أيضا كأنها سقطت هنا في المتن يبدو أنها ساقطة حرف أداة الشرط من وقال: "لم ولما وألم وألما ولام الأمر والدعاء" ولا الناهية، هذه تجزم فعلا واحدا "وإن وما ومهما وإذما وأين ومتى وأيان وأنى وحيثما وكيفما، وإذا في الشعر خاصة"

سقطت "مَن" وهي من أهم أسماء الشرط، ومن أشهرها فليست موجودة هنا في المتن، أدوات الشرط هذه ماذا تعمل؟ تجزم فعلين: الأول ماذا يسمى؟ نعم يسمى فعل الشرط، والثاني ماذا يسمى؟ يسمى جواب الشرط وجزاءه أيضا؛ لأن جواب الشرط يتضمن الجواب، ويتضمن أن فيه ما يشبه الجزاء.

أداة الشرط هذه إذا دخلت على فعل معرب، فإنه يكون مجزوما جزما حقيقيا ظاهرا، فإذا دخلت على فعل مبني. فما الحكم؟ فإنه يكون نعم. فإنه يكون مبنيا في محل جزم، فإذا دخلت على فعل يظهر عليه الإعراب فإنه يكون مجزوما مثل: إن تدرسْ تنجحْ، فإذن ظهرت.

فإذا دخلت على فعل مبني، فإنه يكون حينئذ مبنيا، لكنه في محل جزم مثلا: إن جاء محمد أكرمته، إن دخلت على الفعل الماضي "جاء" ماذا تقول في الإعراب؟ تقول: جاء فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه فعل الشرط، فهي إذن تجزم فعلين، لكن هذا الجزم قد يكون ظاهرا، إذا كان الفعل معربا قابلا للجزم، وقد يكون ليس ظاهرا، وإنما في محل، وذلك إذا كان الفعل مبنيا.

هذا والفعلان اللذان تدخل عليهما أدوات الشرط، قد يكونان مضارعين مثل ماذا؟ مثل المثال الذي مثلنا به، وهو إن تدرس تنجح. كما في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ(61) هنا الفعلان مضارعان، وقد يكون العكس أي: قد يكون الفعلان يعني: فعل الشرط وجوابه قد يكونان ماضيين كما في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا(62) ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَ(62) الفعل فعل الشرط فعل ماض، وجواب الشرط أيضا فعل ماض.

وقد يكون العكس يعني: أو قد يكون أحدهما الأول فعلا ماضيا، والثاني والجواب فعلا مضارعا، مثل إن جاء محمد أكرمته، إن جاء محمد أكرمته، أو إن جاء محمد أكرمته. مثال للسابق إن جاء محمد أكرمته مثال لهما إذا كانا ماضيين، إن جاء محمد أكرمه، أو إن جاء محمد يغادر أخوه، فيكون الأول ماضيا، والثاني مضارعا كما في قوله -تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ(63) .

الفعل كان ماضي، والجواب نزد مضارع، وقد يكون العكس، وهو أقلها، العكس ما هو؟ أن يكون فعل الشرط مضارعا، ويكون جوابه ماضيا، وهذا هو القليل أن يكونا مضارعين، هذا كثير أن يكونا ماضيين، هذا كثير أن يكون الفعل الأول ماضيا، والثاني مضارعا يعني: فعل الشرط ماضيا، وجوابه مضارعا، وهذا أيضا كثير.

أقل الصور الأربع عكس الصورة الثالثة، وهي أن يكون فعل الشرط مضارعا وجوابه ماضيا، وهذه صورة قليلة حتى إن بعض العلماء يعني: أنكر وجودها وحاول تأويل ما كان منها لكنها موجودة، ولها شواهد.

مما يُسْتَشْهَد به عليها قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في إحدى الروايات «من يقم ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه»(64) «من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»(65) "من يقم" الفعل "يقم" فعل الشرط "غفر" هو جواب الشرط، وهو بصيغة الماضي.

ورد لهذا شاهد في القرآن الكريم، لكنه ليس شاهدا مباشرا، وإنما شاهد مؤنس ومعين أو مبين لذلك وهو قوله -تعالى-: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(66) ما وجه الاستشهاد بهذه الآية؟ أولا أين فعل الشرط؟ وأين جوابه ؟ ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(66) نعم، فعل الشرط "نشأ" وجوابه "فظلت" هذا صحيح، نعم فعل الشرط "نشأ" وجوابه "ننزل" وكلاهما مضارعان، إذن من أين جاء الشاهد؟ نقول: إنه شاهد مؤنس، وليس شاهدا مباشرا، هنا الفعل والجواب مضارعان.

لكن الجواب المضارع عطف عليه فعل ماض، وهو قوله -تعالى-: ﴿فظلت(66) فعطفُ الماضي عليه يؤنس بجواز وقوع الماضي جوابا؛ لأن ما صح أن يكون معطوفا صح أن يقع في محل المعطوف عليه، فإذا عطفت على المضارع فعلا ماضيا، فمعنى ذلك أنه يصح أن توقع الماضي موقع المضارع، فهذه الآية مؤنسة ومؤذنة بجواز، وقوع فعل الشرط فعلا مضارعا، ووقوع الجواب فعلا ماضيا، وهو بلا شك أقل الصور الثلاث التي أشرنا إليها.

فعل الشرط هل يشترط فيه شروط أو أنه ليس له شروط؟ في الواقع أن فعل الشرط يشترط فيه:

أن يكون فعلا ليس طلبيا، فلا يصح أن يقع فعل الأمر فعل شرط، لا يصح أن تقول: إن قم، أو إن اجلس، لا يصح يشترط فيه أن يكون فعلا ليس طلبيا.

ولا فعلا جامدا أيضا، نعم أن يكون فعلا ليس طلبيا، يعني: ليس أمرا، وما في حكمه من الطلب، وألا يكون فعلا طلبيا ليس منفيا أيضا، بلن ونحوها وليس مسبوقا بقد، أو بالسين، أو سوف، أو نحو ذلك، فلا بد فيه أن يكون كذلك، ومن هنا، فإن جواب الشرط إذا وقع واحد من هذه الأشياء فإنه يلزم أن تدخل عليه الفاء، أنتم تجدون أحيانا أن الفاء تدخل في جواب الشرط.

متى تدخل الفاء في جواب الشرط إذا كان واحدا من هذه الصور الممنوعة في فعل الشرط: إذا كان طلبيا، أو كان جملة اسمية، أو كان منفيا بلن، أو كان منفيا، أو كان مسبوقا بقد أو بالسين أو سوف أو نحو ذلك.

إذا كان جواب الشرط واحدا من هذه الصور فإنه تدخل عليه الفاء، وإلا فإن الفاء لا تدخل في جواب الشرط، إلا في مثل هذه الصور.

نستعرض استعراضا سريعا لأدوات الشرط، ومع التمثيل لكل واحد منها طيب نبدأ بـ:

"من" وهي التي أسقطها المؤلف ونسيها، نعم في الطبعة هذه قصدي ليست في كل الطبعات، وإنما في هذه الطبعة، طبعا ليس المؤلف الذي أسقطها قطعا، وإنما هي من الطباعة، ففي هذه النسخة سقطت "من" وفيما عداها من النسخ فهي موجودة، كما في بعض الشروط.

وفي بعض المتن الذي في طبعة الشروح هي موجودة فيه بلا شك "من" كما في قوله -تعالى- … الآيات التي وردت فيها "من" أداة شرط كثيرة مثل ماذا؟ من يأتي بشاهد من القرآن؟ تفضل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَ(67) أو ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا(68) هذه الآية هنا ترون أنها دخلت الفاء في الجواب لماذا دخلت الفاء في جواب الشرط؟ نعم؛ لأنها جملة اسمية ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا(68) .

هنا لأن الجواب جملة اسمية دخلت عليه الفاء، هذا شاهد على "من" وكذلك شاهد آخر على "من" ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ(69) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(70) أيضا فعلان، لكن الأخير؛ لأنه معتل الآخر جزم بحذف حرف العلة.

طيب شاهد على "ما" شاهد من القرآن على "ما" الشرطية؟ نعم ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ(71) هذا جواب الشرط ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا(2) ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ(72) .

ومثال شاهد على "أي" طبعا أي هذه لو دخلنا في تفصيلاتها لوجدنا أنها أنواع كثيرة "أي" تكون شرطية، وتكون استفهامية، وتكون موصولة وتكون حالية، وتكون نعتا أي: وصفية، فـ "أي" هذه عدة أنواع، وأنا أريد شاهدا ومثالا على أي الشرطية التي لها جواب، لها فعل ولها جواب تفضل.

هذا سنحتاجه في "أينما" نحن نريد شاهدا لـ "أي" نعم، ما سمعت، نعم هذا صحيح، هذا صحيح شاهد من القرآن في آية مشهورة تتناقلها كتب النحو، نعم في قوله -تعالى-: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى(73) هنا دخلت الفاء في جواب الشرط أيضا؛ لأنه جملة اسمية.

مثال أو شاهد على "متى" مثال على "متى" لو من الشعر أيضا أو من النثر نعم، نعم:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا *** متـى أضـع العمامة تعرفوني

هذا البيت المشهور الذي استشهد به الحجاج، أو تمثل به الحجاج بن يوسف الثقفي طبعا هو ليس من قوله، وإنما هو من قول الشاعر سحير بن وثين الرياحي:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا *** متـى أضـع العمامة تعرفوني

"أضع" هنا هو فعل الشرط ومجزوم، لكن السكون خففت؛ لأجل التقاء الساكنين، أصله متى أضع العمامةَ فإذا وصلت قلت: متى أضع العمامةِ يعني: بالكسر؛ لأجل التقاء الساكنين، الساكن وهو الألف واللام.

"تعرفوني" هو جواب الشرط، وقد جزم بماذا؟ بحذف النون؛ لأنه من الأفعال أو من الأمثلة الخمسة، ومثل "متى" أيضا قول الشاعر:

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** تجد خير نار عندها خير موقد

وشاهد على "أيان" أو مثال على "أيان" ربما تكون الشواهد عليها قليلة، وليست كثيرة، أيان مثالها قولك: أيان تلقني أكرمك، أيان تلقني أكرمك أي: في أي مكان أو متى ما لقيتني فإنني سأكرمك.

ومثال الشاهد على "أينما" هو شاهد كذا قوله -تعالى-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ(74) .

وحيثما "حيثما" أيضا من شواهدها قول الشاعر:

حيثما تستقم يقدر لك الله *** نجاحـا فـي غـابر الأزمان

ومثال "كيفما" وهي التي قلت لكم: إن المؤلف أدخلها، وغالبية العلماء يرون أنها من أدوات الشرط غير الجازمة؛ ولذلك لا يدخلونها "كيفما" نعم: "كيفما تكونوا يول عليكم" هذا صحيح "كيفما تكونوا يول عليكم" "كيفما تجلس أجلس مثلك" يعني: في الهيئة التي تجلس أحاول أن أقلدك فيها.

إذا أدخلها المؤلف، وهي أيضا من أدوات الشرط غير الجازمة، لكنه سمع الجزم بها في الشعر فقط؛ ولذلك أدخلت كما في قول الشاعر:

واستغن ما أغناك ربك بالغنى *** وإذا تصبــك خصاصــة فتجـمل

"وإذا تصبك خصاصة فتجمل" أي: إذا أصابك فقر فتجمل وتجلد ولا تحاول أن تتسخط، أو أن تظهر شيئا من ذلك عليك.

"إذما" التي قلنا: إنهم اختلفوا فيها، والراجح أنها حرف كما في قول الشاعر:

وإنك إذ ما تأت ما أنت آمر *** بـه تلف من إياه تأمر آتيا

يقول: إذا أردت أن تأمر الناس بشيء، فحاول أن تبدأ بنفسك حتى ينقاد الناس، ويأتون ما أمرتهم به طوعا، وبسرعة دون أن تتوقع ذلك "وإنك إذما تأت ما أنت آمر به تلف" "تلف" هنا هو جواب الشرط، وقد جزم بحذف حرف العلة؛ لأنه فعل مضارع معتل الآخر، نعم.

دخل عليها الفاء في جواب الشرط هنا؛ السبب لأن "إذا" هذه ليست من أدوات الشرط الجازمة أصلا، والفاء ليس معنى ذلك أنها لا تدخل، بل هو يجب.

يتعين دخولها حينما يكون جواب الشرط من الأشياء التي لا تصلح أن تكون فعل شرط، وذلك في الفعل الطلبي، وفي الجملة الاسمية، وفي غيرها من الأشياء، لكن دخولها في غير ذلك أقل منه بقليل، وهو سائغ كما دخلت هنا، وليس ممنوعا أن تدخل مع بقية الأشياء، لكنه متعين، وواجب دخولها في الأشياء التي لا يصلح أن تكون فعل شرط، وقد تنوب عنها "إذا" فتدخل محل الفاء حينئذ كما في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ(75) .

تدخل "إذا" أحيانا بدل الفاء التي تقع في جواب الشرط إذا كان الجواب من الأشياء التي لا تصلح أن تقع فعل شرط.

من الأدوات "مهما" وهي -كما قلنا- مختلف فيها، والراجح أنها اسم، ومن أمثلتها قوله -تعالى-: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ(76) لا أدري هل نسينا شيئا من الأدوات؟ "أنى" أنى مثالها نعم، نعم

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجـده كـالطير مقصوصـا جناحاه

هو صحيح شاهد على "أنى".

هذا خلاصة الحديث عن أدوات الشرط تعدادها، وعملها، ونوع فعل الشرط، وجوابه، والأسماء منها، والحروف بقي إشارة إلى هذه الأسماء من حيث المعنى.

أدوات الشرط لو أردنا أن نصنفها إلى فئات من حيث المعنى، ماذا نقول: إذا نظرت إلى "إن وإذما" وجدت أنها لمجرد تعليق الجواب بالشرط؛ لمجرد تعليق الجواب بالشرط، فإذا نظرت إلى "من" وجدتها تجمع بين ماذا؟ "من" بصفة عامة سواء كانت للموصول، أو كانت للاستفهام، أو كانت للشرط، فإنها مضادة لأختها "ما" سواء كانت للشرط، أو موصولة، أو استفهامية.

ما الفرق بينهما؟ ما الفرق بين "من وما" في هذه الاستعمالات الثلاثة؟ تفضل أنت، نعم أنت، أن "من" تكون تستعمل للعاقل باستمرار، وأن "ما" لغير العاقل.

هناك حالات قليلة ذكرها العلماء للتناوب بينهما يعني: لاستعمال هذه لغير العاقل في مواضع، واستعمال هذه بالعكس في مواضع، لكن الأصل فيها أن "من" للعاقل، وضمنت معنى الشرط هنا، وأن "ما" لغير العاقل، وضمنت معنى الشرط.

هنا يلحق بـ "ما" في هذا الموضع "مهما" أيضا، فإنها تستخدم لذلك فإذا نظرت إلى "متى وأيان" وجدت أنهما ضُمِّنَا معنى الشرط مع دلالتهم على الزمان، فإذا نظرت إلى "أين وأنى وحيثما" وجدت أنه نعم، ضمنت معنى الشرط مع دلالتها على المكان، ضمنت "أين وأنى وحيثما" هذه الثلاثة ضمنت معنى الشرط مع دلالتها على المكان، والاثنان اللذان قبلهما "متى وأيان" ضمنا معنى الشرط مع دلالتهما على الزمان.

"كيفما" هذه يعني: هي حكمها حكم "كيف" أيضا في أنها للدلالة على الهيئة للدلالة على الهيئة، طيب نأتي للأخير منها وهو "أي" أي ما حكمها؟ "أي" في الواقع نعم، "أي" تتشكل بحسب ما تضاف إليه تقول: "أيهم يقم أقم معه" أضفتهما إلى عاقل دلت على العاقل مع الشرط، أي الدواب تركب أركب، أضيفت إلى غير العاقل، فدلت عليه مع تضمينها معنى الشرط.

أي يوم تصم أصم، أضيفت إلى زمان فدلت على زمان مع تضمينها معنى الشرط، أي مكان تجلس أجلس فيه، أضيفت إلى مكان فدلت على المكان مع تضمينها معنى الشرط، فإذن "أي" تتكيف بحسب ما تضاف إليه، أي أنها تدور مع الفئات المتقدمة كلها، تكون مع العاقل، وتكون مع غير العاقل، وتكون مع الزمان، وتكون مع المكان، وهي في كل صورها مضمنة معنى الشرط؛ لكي تكون أداة شرط.

هذه خلاصة الحديث في الأدوات التي تجزم فعلين، يبدو أن قضية النواصب والجوازم أخذت وقتا كبيرا، لا نقول ما تستحقه، لكن كنا نود في مثل هذه العجالة ألا يعني: تأخذ منا هذا الوقت كله.

فقد كان حديثنا في الدرس السابق عن الجوازم، بل عن القسم الثاني من الجوازم، وهو ما يجزم فعلين، وذكرنا هذه الأدوات التي تجزم فعلين، وقلنا: إن تسميتهما بالأدوات، هي أولى؛ لأن منها ما هو حروف، ومنها ما هو أسماء.

وبينا أن المتفق على حرفيته منها هو "إن" وأن الذي تترجح حرفيته منها هو "إذما" وأن الذي تترجح اسميته على حرفيته هو "مهما" وأن بقية الأدوات هي أسماء، وأن المؤلف -رحمه الله- أدخل معها "كيفما" مخالفا بذلك ما يراه أغلب العلماء من أن "كيفما" من أدوات الشرط غير الجازمة.

ونحن هنا إنما نتحدث عن أدوات الشرط الجازمة، وبينا أن فعل الشرط إن كان صالحا لظهور العلامات عليه فهو مرفوع، فإنه يكون مجزوما بسكون ظاهر أو بعلامة جزم أخرى من علامات الجزم الأخرى، وإن كان مبينا فإن جزمه يكون جزما محليا، ولا يكون جزما ظاهرا، وأن فعل الشرط وجوابه إما أن يكونا مضارعين، وإما أن يكونا ماضيين، وإما أن يكون الأول ماضيا، والثاني مضارعا، والصورة الرابعة وهي القليلة أن يكون الأول مضارعا، والثاني ماضيا.

(1) سورة يوسف: 96
(2) سورة المزمل: 20
(3) سورة طه: 89
(4) سورة المائدة: 71
(5) سورة الشعراء: 82
(6) سورة يوسف: 13
(7) سورة يوسف: 15
(8) سورة طه: 91
(9) سورة البقرة: 55
(10) سورة آل عمران: 92
(11) سورة الحديد: 23
(12) سورة الحشر: 7
(13) سورة طه: 23
(14) سورة العنكبوت: 33
(15) سورة القصص: 19
(16) سورة القصص: 30
(17) سورة التوبة: 86
(18) سورة النحل: 68
(19) سورة مريم: 11
(20) سورة طه: 38 - 39
(21) سورة المؤمنون: 32
(22) سورة الشعراء: 16 - 17
(23) سورة لقمان: 12
(24) سورة لقمان: 14
(25) سورة ص: 6
(26) سورة الإسراء: 2
(27) سورة النمل: 30 - 31
(28) سورة الحج: 26
(29) سورة الرعد: 31
(30) سورة العنكبوت: 2
(31) سورة القصص: 8
(32) سورة القصص: 9
(33) سورة النحل: 44
(34) سورة الفتح: 2
(35) سورة الأحزاب: 33
(36) سورة الشورى: 51
(37) سورة: 33
(38) سورة النساء: 137
(39) سورة البقرة: 150
(40) سورة الحديد: 29
(41) سورة الحجرات: 9
(42) سورة فاطر: 36
(43) سورة طه: 81
(44) سورة المنافقون: 10
(45) سورة النساء: 73
(46) سورة غافر: 36 - 37
(47) سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:142
(48) سورة الأنعام: 27
(49) سورة الشرح: 1
(50) سورة الأعراف: 73
(51) سورة الأنعام: 151
(52) سورة الإخلاص: 3
(53) سورة الإنسان: 1
(54) سورة ص: 8
(55) سورة الطلاق: 7
(56) سورة الزخرف: 77
(57) سورة لقمان: 13
(58) سورة البقرة: 286
(59)
(60) سورة الملك: 4
(61) سورة الأنفال: 19
(62) سورة الإسراء: 8
(63) سورة الشورى: 20
(64) البخاري : الإيمان (35) , ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (760) , والترمذي : الصوم (683) , والنسائي : الصيام (2202) , وأبو داود : الصلاة (1372) , وأحمد (2/241) , والدارمي : الصوم (1776).
(65) البخاري : الإيمان (35) , ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (760) , والترمذي : الصوم (683) , والنسائي : الصيام (2202) , وأبو داود : الصلاة (1372) , وأحمد (2/241) , والدارمي : الصوم (1776).
(66) سورة الشعراء: 4
(67) سورة النمل: 89
(68) سورة الأنعام: 160
(69) سورة الطلاق: 2 - 3
(70) سورة الزلزلة: 7 - 8
(71) سورة البقرة: 110
(72) سورة البقرة: 197
(73) سورة الإسراء: 110
(74) سورة النساء: 78
75) سورة الروم: 36
(76) سورة الأعراف: 132