موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه - شرح لمعة الاعتقاد
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه

القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه

ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله حجة علينا بإنزال الكتب، وبعثه الرسل، وقال الله -تعالى-: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ونعلم أن الله -سبحانه- ما أمر بها ولا نهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة.

قال الله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال الله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ فدل على أن للعبد فعلًا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو راض بقضاء الله وقدره.


نعرف أن مسألة القدر انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا قدرة الله، وقسم احتجوا بالقدر، وقسم توسطوا ولم يجعلوا القدر حجة لهم على المعاصي، ولكنهم يحتجون به على المصائب بعد حدوثها.

القسم الأول: الذين أنكروا قدرة الله هؤلاء هم المعتزلة، تعرفون أن أصول المعتزلة خمسة، مطبوع لهم كتاب اسمه "الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار، أصولهم الخمسة أسماؤها حسنة، ولكن يدخل تحت تلك الأسماء بدع.

الأصل الأول: "التوحيد" ويريدون به نفي الصفات.

والأصل الثاني: "العدل" ويريدون به نفي قدرة الله على أفعال العباد كما سيأتي.

والأصل الثالث: "المنزلة بين المنزلتين" ويريدون به إخراج العاصي من الإيمان، وعدم إدخاله في الكفر.

والأصل الرابع: "إنفاذ الوعيد" ويريدون به تخليد العصاة في النار.

والأصل الخامس: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ويريدون به الخروج على الأئمة العصاة في زعمهم.

الذي يهمنا هو "الأصل الثاني" وهو "العدل" الاسم حسن، العدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ العدل شيء حسن، ولكن ماذا يريدون؟ معروف أن العدل هو التسوية بين الخصمين، والحكم بينهما بحكم وسط لا ظلم فيه، ولا جور أو ميلًا لأحدهما على الآخر، كما في قوله -تعالى-: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولكن يريدون بالعدل أن الله -تعالى- لا يقدر المعصية على العاصي ثم يعاقبه عليها؛ فإن ذلك يكون ظلما.

هكذا قالوا، فيقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعله، العبد هو الذي يستقل بأفعاله، ولا قدرة لله على فعله: لا يقدر على أن يهدي، ولا يقدر على أن يضل، ولا يقدر على أن يقبل بقلب هذا، ولا يصد قلب هذا الله عزيز عن هذا -تعالى الله عن قولهم- بل العباد بأنفسهم هم الذين يستقلون بأفعالهم.

فجعلوا العبد خالقا مع الله؛ ولهذا يسمون مجوس هذه الأمة، لأنهم جعلوا مع الله من يخلق، لأن المجوس جعلوا الكون صادرا عن خالقين النور والظلمة، وأما المعتزلة فإنهم جعلوا العباد كلهم يتخلقون: الطائع يخلق طاعاته، والعاصي يخلق معصيته، والله ليس له قدرة على هداية ولا على إضلال، بل العاصي يعصي الله ولو شاء الله أن يرده ما قدر على أن يرده.

إذا أراد العبد أن يفعل معصية، وأراد الله ألا يفعلها -غلبت قدرة العبد على قدرة الله، إذا أراد الله أن يفعل طاعة من العبد، والعبد أراد ألا يفعلها -غلبت قدرة العبد على قدرة الله؛ هذا بزعهم سموه عدلًا حتى لا يعذب الخلق على الأمر الذي خلقه فيهم، هذا قول القدرية وهم المعتزلة.

أما الطرف الثاني: فيسمون "الجبرية" طائفة من الأشاعرة غلوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته وإرادته، وقالوا: ليس للعبد أية اختيار، بل العبد مجبور على فعله مقصور عليه، ليس له أية نظر ولا همة ولا إرادة. هذا قول الجبرية، وفيهم يقول أو يتمثل بعضهم بقوله:

ألقاه في البحر مكتوفا وقال له *** إيــاك إيـاك أن تبتـل بالمـاء

يقولون: إن الله هو الذي أوقعه في المعصية، وخلقها فيه وقدرها عليه وألزمه، ومع ذلك يقول له: لا تعص، لا تقرب معصية، لا تفعلها. فهو كمن كتف: كتفت يداه وألقى في البحر، وقيل له: لا تبتل بالماء، لا تبتل ثيابك، هل هذا ممكن؟! غير ممكن.

وذكروا أن يمكن أنه يهودي، ويمكن أنه قدري من هؤلاء الجبرية، جاء إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ورفع إليه أبياتا الأبيات التائية التي يقول في أولها:

أيا علماء الدين ذمي دينكم *** تحـير دلـوه علـى خـير ملة

ثم يقول:

إذا مـا قضـى ربـي بطردي وشكوتي *** وإبعـادي عـن ديني فما هي شيمتي

........................................ *** دعاني وســد الباب دوني فما حيلتي

فيقول: هو بمنزلة من دعاني وسد الباب دوني، ولامني على ذلك. فأجابه شيخ الإسلام نظما وارتجالًا، جعل يكتب وهم جالسون يعتقدون أنه يكتب نثرا، وإذا هو يكتب نظما في المنظومة التائية الموجودة في المجلد الثامن من مجموع الفتاوى والتي أولهـا:

ســؤالك يــا هــذا سـؤال معـاند *** مخــاصم رب العـرش بـادي البريـة

وتـدعي خـصوم اللـه يـوم معـادهم *** إلـى النـار طـرا معشــر القـدرية

ســـواء نفـوه أو دعـوا ليخـاصموا *** بـه اللـه أو ماروا بـه فــي الخليقة

زادت على مائة وثلاثين بيتا أو نحوها، وبين له أنك مخصوم وأنك تقر على نفسك بأنك مخصوم، وأن الذين يحتجون بالقدر متناقضون ولا بد، هم يقولون هذه المقالات حتى يحتجون على فعل المعاصي بوجودها، أنشد ابن القيم في بعض كتبه قول بعضهم:

وضعـــوا اللحد للبزاة *** علــى ذروتــي عـدن

ثـــم لامـوا الـبزاة *** إذ أطلقـوا لهن الرســـن

لـــو أرادوا صيـانتي *** ســتروا وجـهك الحسـن

فيقول: إنهم يحتجون بالقدر كما يحتج الزاني -مثلًا- بأنهم دفعوه إلى الزنا؛ حيث أن النساء -مثلًا- تكشفت أمامهم، فلم يملك من الشهوة إلا أن اندفع.

يقول:

لـــو أرادوا صيـانتي *** ســتروا وجـهك الحسـن

فهكذا يحتجون ولكن لا حجة لهم في ذلك؛ لأنهم متناقضون، ذكروا أن سارقا جيء به إلى عمر -رضى الله عنه- فأراد أن يقطع يده، فقال ذلك السارق: هذا مكتوب علي، سرقت بقدر الله. فقال عمر: وأنا أقطع يدك بقدر الله. يعني: أن هذا قدر وهذا قدر.

ولما توجه عمر -رضى الله عنه- إلى الشام، وأقبل عليه وذكر له أن الطاعون وقع في الشام عزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرار من قدر الله؟ فقال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. يعني: أننا فعلنا هذا مقدر، ولو فعلنا هذا لكان مقدرا.

فالقدر: هو ما نفعله، القدر هو ما يهدينا الله له. في الحديث: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله» يعني: قدر الله هذا المرض، وقدر أن العبد يتعالج فيشفى، فهذه الأدوية مكتوب أنها سوف تحصل، فهى من قدر الله جعلها الله -تعالى- سببا.

وعلى هذا فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي؛ وذلك لأن القدر إنما هو موافقة الأمر والنهي؛ فالإنسان مأمور بأن يفعل، فإذا فعل فقد وافق القدر، وليس له أن يحتج بالقدر على ترك الفعل أو على فعل المحرم، ولو احتج بذلك فلله الحجة البالغة، فكما أن الله -تعالى- أمرنا بفعل الأسباب الحسية، وجعلها من القدر، فكذلك أمرنا بالأفعال المعنوية، وجعلها من القدر.

فنحن مأمورون -مثلًا- بأن نتكسب ونطلب الرزق، ويكون هذا بقدر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لزرقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا » فكما أن الطير لا تجلس وكراتها ولا في أوكارها، بل تغدو وتذهب وتتطلب الرزق حتى تجده، فالإنسان كذلك -أيضا- يذهب حين يصبح، ويفعل الأسباب ويتكسب ويطلب الرزق، ويمشي في الأسواق ويبيع ويشتري ويحترف، ويكتسب ويطلب الرزق، وفعله هذا من قدر الله -تعالى- ومن قضائه المكتوب عليه.

وكذلك -أيضا- لا يقول: أسكت لا أتكلم؛ فإن هذا قدر. نقول له: انطق وتكلم، وذلك -أيضا- من القدر. ولا يقول: سوف أمسك عن الأكل ولا آكل، إن كان الله قدر أني أعيش عشت، وإلا فلا. نقول: لا، بل أطعم الطعام وغذ بدنك؛ فإن هذا مما أمرت به، وهو من الأسباب في حياتك، وهو -أيضا- من القدر.

ولا يقول: لا أتزوج، إن كان الله قدر لي أولادا حصلوا بدون زواج. نقول: لا، بل تزوج حتى يحصل ما قدر لك؛ فالله -تعالى- قدر لك أنك تتزوج، وأنك يولد لك كذا وكذا من الولد ذكورا وإناثا، ولكن لا بد من فعل السبب الذي هو الزواج ونحوه. وهكذا التعلم، وهكذا الدراسات وما أشبهها؛ كلها بقضاء وقدر، لا بد أن العبد يفعل هذه الأسباب حتى يوافق ما قدر الله وما كتبه.

نقول بعد ذلك: إن أهل السنة توسطوا في ذلك، فجعلوا للعبد قدرة، وجعلوا لله تعالى قدرة، وقدرة الله -تعالى- غالبة على قدرة العبد، وبقدرة العبد التي أعطاه الله والتي مكنه بها يحصل الثواب والعقاب على هذه القدرة، لا شك أن الإنسان معه قدرة ومعه تمكن، وأنه لولا هذه القدرة ما كلف؛ ولهذا في الآيات التي سمعنا ذكر الأدلة على ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .

فلو لم يكن للإنسان قدره ما كلف؛ ولهذا لا يكلف المجنون ولا يكلف العاجز -مثلا-، ولا يكلف المقعد ولا يكلف المريض -مثلا- ولا فاقد القدرة، كذلك قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أثبت للعباد استطاعة وقدرة يزاولون بها أعمالهم.

وهكذا الآيات التي بها الأوامر والنواهي التي وجهها الله للعباد: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ونحو ذلك. لو لم يكن للعباد قدرة ما وجهت إليهم هذه الأوامر؛ فدل على أن الله أعطاهم قدرة يزاولون بها الأعمال، ويصح بها أن يكونوا مكلفين، ويصح أن تنسب إليهم أفعالهم فيقال: هذا هو القاتل فاقتلوه، هذا هو الزاني فارجموه، وهذا هو السارق فاقطعوه.

يقال: -مثلًا- هذا هو المصلي يستحق الثواب، هذا هو الصائم له أجر صيامه، هذا هو المتصدق يضاعف الله أجره، تنسب إليه أفعاله؛ لأنها صدرت منه، ولو كانت مقدرة ومقضية ومخلوقه لله أذلًا، ولكن لما أنه باشرها نسبت إليه فهى أفعاله.

فلا يجوز أن يقال: ليس للعبد أية قدرة أصلًا؛ فيكون هذا قول الجبرية، ولا يقال: ليس لله قدرة أصلًا؛ فيكون هذا قول الجبرية، ولا يقال: ليس له قدره أصلًا؛ فيكون هذا قول المعتزلة، بل لله قدرة عامة، وللعبد قدرة خاصة، وقدرة الرب غالبة لقدرة العبد، دليل ذلك في القرآن قوله -تعالى-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ونحو ذلك.

فالاحتجاج بالقدر قول المشركين الذين يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ .

فهؤلاء الجبرية الذين يحتجون بالقدر قولهم موافق لقول المشركين، والغالب أنهم لا يحتجون به إلا عند أهوائهم؛ ولهذا يقول ابن القيم في ميميته:

وعنـد مراد اللـه تفنى كميت *** وعند مراد النفس تسدي وتلحم

وعنـد خلاف الأمر تحتج بالقضا *** ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم

أي: تزعم أنك مجبور.

فحصل بذلك تقسيم الطوائف إلى ثلاث:

طائفة القدرية: الذين يقولون: إن العبد هو المستقل بفعله. وينكرون قدرة الله، ويدعون أن الله يعصي قصرا.

وطائفة مجبرة: الذين ينفون قدرة العبد أصلًا، ويقولون: ليس له شيء، حركته كحركة المرتعش الذي لا يقدر على إمساك يده، أو حركته كحركة الشجرة التي تحركها الرياح بدون اختيارها، فليس له أية قدرة.

وقول أهل السنة: أن له قدرة وإرادة، وأنه بحسبها يثاب ويعاقب، وإن كانت خاضعة لقدرة الله تعالى. نقف عند هذا.

س: هذا سؤال يتعلق بالفقه، يقول: نسب إليكم فتوى في جريدة المسلمون حول جواز رمي الجمار في اليوم الثاني عشر قبل الزوال، هل هذا صحيح، وما هو الحق في ذلك؟ .

ج: هذه الفتوى كانت هاتفية -ما نشر في الصحف عن الذين ماتوا في اليوم الثاني عشر في زحام الجمرات وعددهم- سألني صاحب الجريدة، فذكرت له أن هناك قول في الرخصة للمتعجل الذي سوف ينفر في اليوم الثاني عشر أن له رخصة، وهى قول في مذهب الإمام أحمد، وقول في مذهب أبي حنيفة، أو هو رواية عنه.

وذكرت بعض التوجيه لهذه الفتوى، ومعروف أن الصحف يبالغون في نشر مثل هذا، فجعلوا العنوان كبيرا كما قرأتموه أو قرأه بعضكم؛ يريدون بذلك لفت الأنظار، وأنا إنما ذكرت أن هذا قول من الأقوال، ولم أفصح أنني أختاره، أنا أقول إنه جائز للضرورة عندما يخاف الإنسان على نفسه، هذا القول خاص بمن يريد أن يتعجل، أما الذي لا يريد التعجل -الذي سوف يقيم إلى اليوم الثالث عشر- فليس له أن يرمي إلا بعد الزوال.

وكذلك -أيضا- هذا القول مذكور في "المغنى" رواية عن الامام أحمد، ومذكور في الشرح الذي حققناه، الذي هو شرح الزركشي على مختصر الخرقي، مروي عن الإمام أحمد، مصرح فيه بأنه يجوز الرمي قبل الزوال، لكن هناك قولان: قول أنه يرمي قبل الزوال ولا يخرج إلا بعد الزوال، وقول أنه يرمي قبل الزوال ويخرج قبل الزوال، والرواية والقول المشهور أنه لا يرمي ولا يخرج إلا بعد الزوال، وهو الأحوط.

وأما ما ذكروه عن أبي حنيفة ففي كتب الحنفية أن هذا خاص باليوم الثالث عشر، والذي في "المغني" أنه في المتعجل في اليوم الثاني عشر، وصاحب "المغني" لا بد أن عنده معتمد يعتمد عليه، ولا بد أنه يوجد عن أبي حنيفة رواية: أنه يصح للمتعجل أن يرمي قبل الزوال، سواء خرج قبل الزوال أو رمى قبل الزوال، ولم يخرج إلا بعده.

وبكل حال في هذه الظروف الحج الماضي -كما تعرفون- حصل الزحام، وحصلت الوفيات، وذكر بعضهم سببا، وهو: أن كثيرا من المطوفين أكدوا على الحجاج الذين كانوا تابعين لهم قالوا: لا بد أن تأتوا إلينا في المكان الفلاني، في الساعة الثانية بعد الظهر، فمن لم يأت فإننا سوف نسير ونتركه.

فمئات الألوف تابعين لأولئك المطوفين مطالبون بأنهم يرمون، ومطالبون بأنهم يسيرون إلى مكة، وربما يصيبهم زحام وشدة زحام في الطريق، ثم يطوفون الوداع، ثم يرجعون إلى المكان الذي أعيدوا فيه، وقد لا يقدرون على ذلك في ساعتين؛ فلأجل ذلك حشدوا في الساعة الثانية عشرة، وامتلأ المكان وحصل الزحام الشديد الذي حصل فيه الوفيات الكثيرة بسبب ذلك.

وكان الأولى بهؤلاء المطوفين ألا يشددوا هذا التشديد، وأن يرفقوا بحجاجهم وينتظروهم ولو إلى الساعة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة حتى يتكاملوا، وحتى لايتكلفوا أن كلهم يرمون في الساعة الثانية عشرة والنصف في لحظة واحدة، ثم عند الساعة الثانية وجد المكان خاليا أو خفيفا؛ لأن كل أو الأغلب قد خرجوا.

فهناك نظر إما في التوسعة و الرخصة: أن يرمي المضطر قبل الزوال بساعة أو بساعتين، ولو لم يخرج إلا بعد الزوال، أو يلاحظ على المطوفين أنهم لا يشددون على حجاجهم هذا التشديد.

س: هذا سؤال يقول: ما صحة حديث: «لا يرد القدر إلا الدعاء » ؟ .

ج: الحديث صحيح، ولكن ليس المراد أنه يرد قدرا مقدرا محتوما مكتوبا، بل المراد أن الدعاء سبب في حصول ما حصل من الأمور، فكأنه يقول: إن هذا الدعاء أثر في حصول هذا الأمر لهذا العبد، ولو لم يدع لم يحصل له: دعا الله -تعالى- بوفاء دينه، ولو لم يدع ما أوفي. دعا الله بالتوسعة عليه، ولو لم يدع ما حصلت التوسعة.

دعا -مثلا- بسعة الرزق، دعا الله بأن يفتح عليه الفتح المبين، دعا الله بالنصر، ولو لم يدع ما حصل ذلك. فهذا الدعاء هو الذي أثر ذلك، فكأنه هو الذي حقق هذا القدر، مع أن الله كتب أنه يدعو وأنه يحصل.

وهذا يقول:

س: ما حكم قول بعضهم: "ليتنا ما خلقنا" لما يرى من الفتن في هذا الزمان؟ .

ج: قد روي هذا -أيضا- عن بعض السلف أنهم تمنوا مثل ذلك حتى قال بعضهم، أو قال أبو ذر: ليتني شجرة تعبد. وقال بعضهم: ليتني كبش سمن لأهلي، ثم ذبحوني وأكلوا لحمي وشربوا مرقي. يعني: كأنه تمني أنه لم يكلف؛ لأن التكليف عرضة للابتلاء، وقد لا يكون هذا الابتلاء ناجحا في حقه.

والإنسان عليه أن يرضى بما قدر الله -تعالى- وما قضاه، وألا يعترض على الله بقدره، ولا شك أن ما قدر الله فإنه سوف يحصل، وكونه يقول: يا ليتنا ما خلقنا. عليه أن يصبر على ما وجد من هذه الفتن ومن هذه المصائب، ويعلم أن الله ما أوجدها إلا للاختبار وللامتحان، كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ وقال -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أي: للابتلاء والامتحان.

من صبر على هذا الابتلاء، ورزقه الله ثباتا عليه- فإنه سوف يجتاز هذا الامتحان وهذا الاختبار، ومن ضعف صبره حصل منه نقص وتقصير. والله -تعالى- أعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله:

بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

انتهينا من الكلام على القدر، وفيه الرد على القدرية من إمامين شهيرين: الإمام الشافعي يقول في القدرية الذين هم نفاة العلم: "ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا به كفروا" ويريد بهم الذين ينفون علم الله -تعالى- بالأشياء قبل حدوثها، وأما الذين ينفون قدرة الله -تعالى- على أفعال العباد- ويدعون أن الله لا يقدر أن يهدي ولا أن يضل -فرد عليهم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله عليه- بقوله: القدر قدرة الله. أي: من آمن بأن الله على كل شيء قدير لزمه أن يؤمن بأن الله قدر الأشياء وأرادها.

ذكرنا أن القدر على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: "العلم" أي: علمه بالاشياء قبل كونها.

والمرتبة الثانية: "الكتابة في اللوح المحفوظ".

والمرتبة الثالثة:"الإرادة" أي: أن الله أرادها وشاءها.

والمرتبة الرابعة:"الخلق" أي: أنه خلقها وأوجدها.

وأن التقدير الذي هو العلم والكتابة قسموه إلى أربعة أقسام:

التقدير العام: الذي في اللوح المحفوظ.

والتقدير العمري: الذي يكتب والجنين في بطن أمه.

والتقدير السنوي: في ليلة القدر.

والتقدير اليومي: كل يوم هو في شأن.

وأما المخالفة في قدرة الله فهم المعتزلة الذين ينفون قدرة الله على كل شيء، ويدعون أن العباد مستقلون بأفعالهم، وإن هناك طائفة من الأشاعرة غلوا في إثبات القدر، فسلبوا العبد قدرته وإرادته، وجعلوه بمنزلة الشجرة التي تحركها الرياح، ولم يجعلوا له اختيارا.

فالمعتزلة نفوا قدرة الله علي العباد، والجبرية -غلاة الأشاعرة- نفوا قدرة العبد ولم يجعلوا له أية قدرة ولا أية اختيار، والقول الوسط: إن قدرة العبد حاصلة، ولكنها مربوطة بقدرة الخالق؛ لقوله -تعالي-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وبهذه القدرة التي أعطوها يزاولون الأعمال، وتنسب إليهم الأفعال، ولله الحجة البالغة.

والآن ننتقل إلي ما بعده .