موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - عقيدة الفرقة الناجية - شرح العقيدة الواسطية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة
 عقيدة الفرقة الناجية
 أصول الإيمان
 الإيمان بما وصف به الله تعالى نفسه في كتابه
 ما يجب في صفاته تعالى
 الجمع بين علوه وقربه وأزليته وأبديته
 إثبات السمع والبصر لله سبحانه وتعالى
 إثبات المشيئة والإرادة لله سبحانه وتعالى
 إثبات محبة الله ومودته لأوليائه على ما يليق بجلاله
 إثبات اتصاف الله سبحانه بالرحمة والمغفرة
 ذكر رضى الله وغضبه وسخطه وكراهيته وأنه متصف بذلك
 ذكر مجيء الله لفصل القضاء بين عباده على ما يليق بجلاله
 إثبات الوجه واليدين والعينين لله تعالى
 إثبات السمع والبصر لله تعالى
 إثبات المكر والكيد لله تعالى على ما يليق به
 وصف الله بالعفو والمغفرة والرحمة والعزة والقدرة
 إثبات الاسم لله ونفي المثل عنه
 نفي الشريك عن الله تعالى
 إثبات استواء الله على عرشه
 إثبات علو الله على مخلوقاته
 إثبات معية الله لخلقه
 إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى
 إثبات تنزيل القرآن من الله تعالى
 إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
 فصل في الاستدلال على إثبات أسماء الله وصفاته من السنة
 ثبوت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا على ما يليق بجلاله
 إثبات أن الله يفرح ويضحك ويعجب
 إثبات الرجل والقدم لله سبحانه
 إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
 موقف أهل السنة والجماعة التي فيها إثبات الصفات الربانية
 مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة
 فصل في وجوب الإيمان باستواء الله وعلوه ومعيته على خلقه وأنه لا تنافي بينهما
 فصل في وجوب الإيمان بقرب الله من خلقه وأنه لا ينافي علوه وفوقيته
 فصل في وجوب الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ومواضع الرؤية
 فصل في ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر
 شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم
 إخراج الله بعض العصاة من النار برحمته وبغير شفاعة
 حقيقة الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة
 فصل في الواجب نحو الصحابة وذكر فضائلهم
 منهج أهل السنة النهي عن الخوض فيما وقع من الخلاف والنزاع والحروب بين الصحابة
 فصل في موقف أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء
 فصل في صفات أهل السنة والجماعة
 فصل في بيان مكملات العقيدة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي يتحلى بها أهل السنة
شرح العقيدة الواسطية - عقيدة الفرقة الناجية

عقيدة الفرقة الناجية

أصول الإيمان

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ﴿ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(1)

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا، أما بعد..

فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة -أهل السنة والجماعة-، وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره"


"الحمد لله" هذه افتتاحية في العقيدة الواسطية من تأليف الإمام الكبير الشهير بعلمه وجهاده وإحيائه للسنن ومحاربته للبدع: الإمام المعروف

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني -رحمه الله-.

يقول في هذا الكتاب الموصوف بالعقيدة الواسطية نسبة إلى من طلب من الشيخ كتابتها، وهو رجل من أهل العلم في نواحي "

واسط" بلد معروفة في شمال

العراق "واسط" فعرفت بالعقيدة الواسطية.

ولا مشاح في التسمية؛ فالمقصود التمييز، كما أن لشيخ الإسلام مؤلفات كثيرة في مسائل الاعتقاد، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن معظم مؤلفات شيخ الإسلام في مسائل الاعتقاد.

فقد ألف في مسائل الاعتقاد مؤلفات مطولة ومختصرة، ومعظمها ألفها إجابة للسائلين، فهو كما ذكر عن نفسه: لا يكاد يبتدئ التأليف ابتداء، بل جُل مؤلفاته إجابة لمسائل، وردود على المخالفين، ومن أمتع وأفضل ما ألف في الاعتقاد هذه العقيدة: "العقيدة الواسطية" التي ذكر أنه كتبها وهو قاعد بعد العصر، كتبها في مجلس واحد.

وقد نوظر في شأنها وجودل؛ لأنه قرر فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة من السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، ومن سلك سبيلهم.

وهذا يخالف ما عليه جمهور الناس من العلماء والعامة، فجمهور الناس وكثير من الناس قد دخلت عليهم المذاهب المبتدعة؛ فلذلك ينكرون ويستنكرون ما يخالف ما هم عليه.

وقد أبان -رحمه الله- في المناظرة التي كتبها، وبين أنه إنما يقرر في هذا الاعتقاد ما دل عليه الكتاب والسنة، وما درج عليه أهل القرون المفضلة من الصحابة والتابعين، وأنه في هذه العقيدة يتحرى الألفاظ الشرعية، فارجعوا إلى هذه المناظرة في مجموع الفتاوى، في المجلد الثالث صفحة مائة وستين وما بعدها.

وهذه العقيدة متميزة -كما قلت- على سائر ما ألفه -رحمه الله-؛ فإن كثيرا مما ألفه في مسائل الاعتقاد يشتمل على ذكر شبهات المفترين، ومناقشتها مناقشة عقلية وشرعية، كما هو ظاهر في "الرسالة التدمرية".

أما العقيدة الواسطية فإنها خالصة، فيها تقرير لمعتقَد أهل السنة والجماعة وبيان أصولهم، مع التبرير على ذلك من القرآن ومن السنة، من غير تعرض لشبهات المخالفين، ومن غير تطويل لمناقشتها؛ فلذلك كانت هذه العقيدة جديرة بالحفظ.

وقد عرض فيها لأكثر المسائل التي وقع فيها الافتراق بين فرق الأمة، أكثر المسائل التي خالف فيها أهل السنة سائر فرق الأمة.

يقول -رحمه الله- في خطبة هذه الرسالة أو هذه العقيدة:

"الحمد لله ﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(1)

وهذا مقتبس من القرآن؛ فإنه تعالى قال في غير موضع: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ(2) بل قال في سورة الفتح: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(1) .

وتقدم في الليلة الماضية ذكر المراد بالهدى ودين الحق، وأن الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وأن هذا جماع رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(1) "كفى بالله": كفى به مطلعا على عباده، وأحوالهم الظاهرة والباطنة.

وفي هذا إشارة إلى دليل من أدلة صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن الإيمان باطلاعه تعالى على أحوال الخلق يستلزم الإيمان بصدق محمد -عليه الصلاة والسلام- كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(3) .

فكفى دليلا على صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصدق ما جاء به من القرآن والحكمة، كفى دليلا على ذلك أنه تعالى على كل شيء شهيد ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(1) .

"وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا": وهذه كلمة التوحيد المركبة من نفي وإثبات، من نفي إلهية ما سوى الله، وإثبات الإلهية له تعالى وحده.

"وأشهد أن لا إله إلا الله وحده": فوحده هذه حال مؤكدة لمدلول الإثبات ومدلول الاستثناء "إلا الله".

"لا شريك له": هذه أيضا جملة مؤكدة لمدلول النفي "لا إله".

"لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا" وهذا تأكيد بعد توكيد: إقرارا به وتوحيدا له -سبحانه وتعالى- في إلهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.

"وأشهد أن محمدا عبده ورسوله": وهكذا يجب أن يشهد الإنسان للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه عبد الله ورسوله، يجب أن نجمع في الشهادة للرسول -عليه الصلاة والسلام- بأنه عبد عابد لله مربوب مدبَّر، ليس بإله، وليس له شيء من خصائص الإلهية، وهو رسول من عند الله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا(4) .

وهذا هو الصراط المستقيم: الشهادة بأن محمدا عبد الله ورسوله هو الصراط المستقيم فيما يجب اعتقاده في الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

فإن الناس في الرسول -عليه الصلاة والسلام- طرفان ووسط، فمن الناس من فرط في حقه فكذبه أو قصَّر في الإيمان برسالته -صلى الله عليه وسلم-.

ومنهم من غلا فيه، ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، وهذا ما حذر منه -عليه الصلاة والسلام- في قوله: «لا تطروني»(5) -يعني لا تبالغوا في مدحي ولا تغلوا فيَّ- «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»(5) -صلى الله عليه وسلم-، فهذا هو الصراط المستقيم: هو الشهادة بأنه عبد الله ورسوله.

"وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" -صلى الله عليه وسلم- كما في التشهد، "صلى الله عليه" وهذه صفة صلاتنا عليه: أن نسأل الله أن يصلي عليه، كما قال -عليه الصلاة والسلام- لما قال له الصحابة: «كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»(6) .

فصلاتنا على الرسول -عليه الصلاة والسلام- هو دعاؤنا وسؤالنا الله بأن يصلي عليه ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(7) .

وأحسن ما قيل في هذا المقام: إن الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملائكة، ولنبينا -عليه الصلاة والسلام- من ثناء الله أكمل ما أثنى الله به على عبد من عباده؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- هو سيد ولد آدم، فحظه من صلاة الله ومن ثناء الله هو أوفر حظ ونصيب.

"وعلى آله وصحبه": والآل هنا هم أتباعه -عليه الصلاة والسلام-، وعطف الصحابة على الآل في هذا المقام من عطف الخاص على العام، وقد درج أهل السنة على ذكر الصحابة في الصلاة على الرسول -عليه الصلاة والسلام-، يعني خارج الصلاة، أما في الصلاة فيتقيد بما ورد، بنص ما ورد: "وعلى آله وصحبه وسلم".

هذا كله دعاء له -عليه الصلاة والسلام- بأن يصلي الله عليه، وأن يسلم عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(7) وصلاتنا عليه وسلامنا عليه بأن نسأل الله بأن يصلي عليه، وأن يسلم عليه، ومن صفة السلام ما جاء في التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»(8) .

هذه هي الخطبة، فقد اشتملت هذه الخطبة على حمد الله، فله الحمد كله، له المدح والثناء كله؛ لأنه الموصوف بجميع المحامد، الموصوف بكل كمال، فلا يستحق الحمد كله والثناء كله إلا المستحق لكل كمال، الموصوف بجميع نعوت الجلال، وليس ذلك إلا الله وحده، فهو الذي له الحمد كله، له الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله -سبحانه وتعالى-.

يقول الشيخ -رحمه الله-: "صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم": يعني وسلم الله عليه، "وسلم تسليما": هذا مصدر مؤكد، "وسلم تسليما مزيدا": تسليما موصولا بالزيادة مستمرا دائما.

"وسلم تسليما مزيدا أما بعد": وأما بعد هذه جملة يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى الشروع في المقصود، وكان من هديه -عليه الصلاة والسلام- أنه يقول في خطبه: أما بعد، ومعناها عند أهل اللغة "أما بعد": يعني مهما يذكر من شيء بعد فهو كذا وكذا.

"أما بعد فهذا اعتقاد": "فهذا": إشارة إلى ما هو حاضر مما سيذكره الشيخ في هذه العقيدة، "فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة" بهذا يتبين أن الشيخ قصد في هذا التأليف إلامَ؟ إلى بيان اعتقاد الفرقة الناجية، إلى ما يعتقدونه في ربهم، إلى بيان ما يعتقدون مما أمر الله بالإيمان به.

"فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة": ووصفها بالصفتين، ووصفها بالناجية والمنصورة أخذا من حديث افتراق هذه الأمة، كما في الحديث المشهور المروي في المسانيد والسنن: «أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»(9) هذه هي الفرقة الناجية «قيل من هي يا رسول الله؟ قال من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»(9) وفي لفظ «وهي الجماعة»(10) الفرقة الناجية.

فالفرقة الملتزمة بما كان عليه الرسول -عليه الصلاة والسلام- توصف بأنها الناجية أخذا من هذا الحديث؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «كلها في النار إلا واحدة»(9) .

وهي المنصورة أيضا، فهي موصوفة بالنجاة وبالنصر أخذا من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى»(11) .

هذه هي الطائفة أو الفرقة الناجية المنصورة، وهم الفرقة الناجية المنصورة، هم أهل السنة والجماعة الذين التزموا طريقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما عليه جماعة المسلمين، واعتصَموا بحبل الله جميعا، وجانبوا الفُرقة وأسبابها،أهل السنة والجماعة هذا اعتقادهم، "فهذا اعتقاد الفرقة": الفرقة والطائفة معناهما متقارب، "فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة".

ثم بين الشيخ هذا الاعتقاد إجمالا بقوله: "وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره".

هذه هي أصول الإيمان التي فسر بها النبي الإيمان، كما في حديث جبريل حين سأل جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- «فقال: أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»(12) هذه أصول الإيمان الستة، فجميع مسائل الاعتقاد راجعة إلى هذه الأصول.

إذن هذا هو اعتقاد الفرقة الناجية على سبيل الإجمال، وهذا الاعتقاد بالإيمان بهذه الأصول على سبيل الإجمال، هذا فرض عين على كل مكلف أن يؤمن بهذه الأصول إيمانا مجملا، هذا فرض عين الإيمان بالله.

والإيمان بالله يشمل ثلاثة أمور:

(1) الإيمان به ربا يعني مالكا مدبرا منعما متفضلا خالقا رازقا.

(2) والإيمان به إلها معبودا لا يستحق العبادة غيره.

(3) والإيمان به مستحقا لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال. فالإيمان بالله يشمل الإيمان بربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته على سبيل الإجمال.

"الإيمان بالملائكة": لا بد من الإيمان بالملائكة كما أخبر الله عنهم في كتابه، الإيمان بأنهم مخلوقون موجودون، عباد مكرمون، خيار اختارهم الله، واصطفاهم وفضلهم، وجعلهم عبادا طائعين خاضعين.

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ(13) في هذا رد على من زعم أن الملائكة بنات الله فجعلوهم ولدا لله ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  (26)لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(14) .

﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ(15) في الآية الأخرى ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ(16) .

والآيات في ذكر الملائكة وصفاتهم وعبادتهم لربهم ودوام خضوعهم وتسليمهم كثيرة، فهم عباد، ليسوا آلهة ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(17) وحاشا أن يقول أحد منهم ذلك فهم معصومون.

الإيمان بالكتب -وهو الأصل الثالث- يتضمن الإيمان بكل ما أنزله الله من كتبه على من شاء من رسله، ما علمنا منها وما لم نعلم، يجب أن نؤمن بأن الله أنزل كتبا على من شاء من رسله، منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، وأعظم كتب الله هو هذا القرآن أعظم كتب الله.

والأصل الرابع: الإيمان بالرسل، فيجب الإيمان برسل الله إجمالا، يجب على كل مكلف أن يؤمن برسل الله، وأن الله أرسل إلى عباده رسلا يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويحذرون من عبادة ما سواه، يدعون إلى كل خير، ويحذرون من كل شر.

وقد سمى الله من شاء منهم في كتابه، وذكر أنه قص منهم ما قص، وطوى علم آخرين ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(18) .

وهكذا الأصل الخامس: وهو الإيمان باليوم الآخر، ويعبر عنه بالبعث؛ لأن البعث هو الذي يكون به الانتقال من دار البرزخ إلى الدار الآخرة، البعث بعد الموت، فيجب الإيمان بهذا الأصل، فهو أصل من أصول الإيمان.

وهذه الأصول الله تعالى يذكرها مجتمعة في بعض الآيات، أو يذكر جملة منها، ويذكرها في مواضع متفرقة، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ(19) .

وقال تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(20) .

والإيمان بالقدر يندرج في الإيمان بالله، وله أدلة مفصلة في القرآن، ومنها قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(21) .

ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) .

ومنها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(23) .

ويأتي الكلام في بعض هذه الجوانب مفصلا، فيما ذكره الشيخ في هذه الرسالة.

فهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة على سبيل الإجمال، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية، اعتقادهم على سبيل الإجمال، أو اعتقادهم إجمالا ما هو؟ إذن نقول: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، أو البعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.

هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة على سبيل الإجمال، فهذه أركان الإيمان، أو أصول الإيمان، وكما قلت لكم: إن جميع مسائل الاعتقاد يرجع إلى هذه الأصول الستة.. نعم.


(1) سورة الفتح: 28
(2) سورة التوبة: 33
(3) سورة فصلت: 53
(4) سورة الأعراف: 158
(5) البخاري : أحاديث الأنبياء (3445) , وأحمد (1/55).
(6) البخاري : أحاديث الأنبياء (3370) , ومسلم : الصلاة (406) , والترمذي : الصلاة (483) , والنسائي : السهو (1288) , وأبو داود : الصلاة (976) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (904) , وأحمد (4/244) , والدارمي : الصلاة (1342).
(7) سورة الأحزاب: 56
(8) البخاري : الأذان (831) , ومسلم : الصلاة (402) , والترمذي : النكاح (1105) , والنسائي : السهو (1298) , وأبو داود : الصلاة (968) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (899) , وأحمد (1/427) , والدارمي : الصلاة (1340).
(9) أبو داود : السنة (4597) , وأحمد (4/102) , والدارمي : السير (2518).
(10) أبو داود : السنة (4597) , وأحمد (4/102).
(11) مسلم : الإمارة (1920) , والترمذي : الفتن (2229) , وأبو داود : الفتن والملاحم (4252) , وابن ماجه : المقدمة (10) والفتن (3952) , وأحمد (5/279).
(12) البخاري : الإيمان (50) , ومسلم : الإيمان (10) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (4991) , وابن ماجه : المقدمة (64) , وأحمد (2/426).
(13) سورة الأنبياء: 26
(14) سورة الأنبياء: 26 - 28
(15) سورة فصلت: 38
(16) سورة الأعراف: 206
(17) سورة الأنبياء: 29
(18) سورة النساء: 164
(19) سورة البقرة: 177
(20) سورة البقرة: 285
(21) سورة القمر: 49
(22) سورة الحج: 70
(23) سورة الحديد: 22