حديث: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه"
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء »(1) أخرجه البخاري وأبو داود وزاد: « وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء »(2) .
قال عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء »(1) .
معنى الحديث:
أن الذباب وهو كل طير صغير يوصف بالعود إذا ذُبَّ، ولا يخص بالذباب المعروف عندكم، أن كل طير صغير إذا وقع في شراب المسلم فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر بغمسه يعني أن تغمس الذباب ثم ترفعه تغمسه.
تغمس الذباب حتى يموت في الإناء، أو حتى حتى يكون الذباب بأجمعه في داخل السائل، ثم ترفعه وتلقي الذباب.
قال: "فليغمسه ثم لينزعه": يغمسه يعني: يدخله كله في إناء، ثم ينزعه يرفعه، علل ذلك بقوله بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء.
أحد الجناحين لم يحدد، أحد الجناحين فيه الداء، والآخر فيه الشفاء، وقد ذكر بعض من رأوا الذباب أو تأملوا ذلك بأنه يدخل أحد الجناحين ويرفع الآخر، وهذا معنى قوله في الرواية الثانية: "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء".
لغة الحديث:
قوله: "الذباب": الذباب في اللغة اسم لكل طير صغير يوصف بأنه إذا ذب آب وعاد هذا من جهة اللغة، فالنحلة في اللغة ذباب، والبعوض في اللغة ذباب، والذباب ذباب -أيضا- وهكذا في أشياء كثيرة "كالذنبور" وكثير من الحشرات التي تطير، ويجمع الوصف بأنها إذا ذبت أتت يعني إذا طردت فإنها تذهب وتعود، والمقصود بالحديث هل يعم هذه الأصناف جميعا أم لا يأتي بحثه في الأحكام -إن شاء الله تعالى-.
قوله: "شراب أحدكم" يعني: ما يشرب سواء أكان ماء أم كان لبنا أم كان شايا أم أي نوع من أنواع الشراب؛ لأن قوله: "شراب أحدكم" يجمع الجميع.
"فليغمسه" يعني: يدخله في الشراب يغمس الذباب في الشراب، يدخل الذباب في الشراب، "ثم لينزعه" يعني: ثم يرفعه، أحد الجناحين فيه داء، الداء هو المرض، أو وسيلة المرض، والشفاء هو الدواء من ذلك الداء.
درجة الحديث:
الحديث رواه البخاري، والبخاري هو أعلى كتب الحديث في الصحة والشرط، وقوة شرط البخاري فيه معلومة عند الجميع، فأعلى كتب الحديث كما هو معلوم في الصحة وفي الشروط هو كتاب البخاري؛ ولهذا فإن ثمة طائفة من العقلانيين يردون مثل هذا الحديث وينكرون صحته، ويقولون إنه مصادم للعقل وللواقع، وهذا من جراء تقديمهم العقول على قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، مع أن العقل الصريح لا ينافي النقل الصحيح، بل قد أثبت الأطباء ما ذكره المصطفى -صلى الله عليه وسلم- هنا فتقوَّى الأطباء في بحوثهم بشهادة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لهم.
فالحديث إذن صحيح، ودلالته -كما ذكرت لكم- من جهة كون البخاري رواه، وأنه ثابت الصحة يقطع القول على من طعن في هذا الحديث.
من أحكام الحديث:
أولًا: أن الذباب إذا مات في الشراب فإنه لا ينجس الشراب؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر بغمس الذباب في الشراب، فغمس الذباب في الشراب قد يموت الذباب في داخل الشراب، فيكون إذن السائل أو الشراب قد مات فيه الذباب، وهذا يعني أن موت الذباب في الشراب لا ينجسه، وهل هذا يخص الذباب أم يعم ما كان من جنس الذباب فيما لا نفس له سائلة، للعلماء في ذلك أقوال، وأصحها أن كل ما لا نفس له سائلة فإنه، إذا مات في الشراب فإنه لا ينجس الشراب به، وعلة ذلك أن سبب التنجيس هو وجود الدم.
وقولنا: "ما لا نفس له سائلة" يعني: ما لا دم له سائل يجري في عروقه، وإذا مات خرج منه الدم، فإذن موته هنا وحياته ليست بالدم وجودا ووقوفا وعدما، وإنما هي بوجود النفس فقط فإذا هذا الحكم وهو أن موت الذباب في الشراب أو في الطعام لا ينجسه سواء كان جامدا أم كان سائلا لا ينجسه، وهذا حكم لكل ما لا نفس له سائلة ممن هو من جنس الذباب.
الفائدة الثانية: أو الحكم الثاني: أن اسم الذباب -كما ذكرت لكم- في اللغة يعم أصنافا كثيرة، فهل الحكم لكل أنواع الذباب أم لما سمي ذبابا بخصوصه وهو الطير الصغير المعروف، الأظهر هو الثاني لأجل مزيد العلة، وهي قوله: "فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" وقوله: "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء" والذين تأملوا وجدوا أن هذا الوصف إنما هو في الذباب المعروف لا في كل ما يصلح عليه أنه ذباب.
الحكم الثالث : أن قوله -عليه الصلاة والسلام- "فليغمسه ثم لينزعه " هذا أمر، وهل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب، من أهل العلم من أبقى الأمر على أصله فقال هو للوجوب. والقول الثاني: أن هذا الأمر محمول على الاستحباب؛ لأن الصارف له أنه من الآداب ومن الصوارف المعتبرة التي تصرف الأمر من الوجوب الى الاستحباب أن يكون الأمر الذي جاء فيه الوجوب أو جاء فيه الأمر أن يكون الأمر الذي أمر به المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أدبا من الآداب، بهذا حملوا أحاديث كثيرة، أعني جمهور العلماء على -أحاديث كثيرة فيها الأمر حملوها على- الاستحباب، وحملوا النهي على الكراهة لأجل أن الحكم الذي اشتمل عليه ذاك الحديث إنما هو الأدب مثل الأمر بالأكل باليمين والشرب باليمين وأشباه ذلك، فإن هذا لما حمل على الأدب جعلوا الأمر للاستحباب، وهذا هنا وارد فيكون الحكم هنا ليس على الإيجاب، وإنما هو على الاستحباب فليغمسه يعني: استحبابا، ثم لينزعه استحبابا فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء.
الرابع : أن هذا الشراب الذي وقع فيه الذباب لا يلزم أن يشرب فمن كانت نفسه تستقذره لا يعني أنه لم يتبع السنة، فإن النفس قد تستقذر ذلك فيريق الشراب جملة فلا بأس بذلك، لكن إن كان يحتاج إلى شرابه مثل وجود لبن أو حليب كثير أو وجود شراب يهمه ولا يريد أن يريقه فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أرشده إلى الطريق.
الفائدة الأخيرة : أن هذا الحكم وكثير من أحكام الشريعة التي قد يظهر لبعض الناس أنها لا توافق ما تمليه العقول يجب على المسلم أن يكون معه تسليم بكلام المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأن يتخلص من داعية هواه في تقديم العقل على ما قاله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ومن المتقرر عند المحققين من أهل العلم من أهل السنة والجماعة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يأتي بما تحيله العقول، ولكن يأتي بما تحار فيه العقول.
لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع من كلامه على الأنبياء في رده على الفلاسفة والعقلانيين قال: "الأنبياء تأتي بمحارات العقول لا بمحالات العقول" وهذا هو الحق وهو الواقع فإن العجز عند الإدراك إدراك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ليس طبيبا وإنما يقول هذا من جهة الوحي لا من جهة الاجتهاد؛ ولهذا أخبره الله -جل وعلا- بأن في أحد جناحي الذباب داء، وفي الآخر شفاء، وهذا مما لا يعلمه الناس عادة في ذلك الزمان، بهذا يجب على كل مسلم أن يسلم للرسول -صلى الله عليه وسلم- ما أتى به بأنه وحي يوحى ولو حار عقله فيما أتى به -عليه الصلاة والسلام-، لكن يجب أن يعلم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يأتي بما يحار فيه عقل العاقل، لكن العاقل البسيط لا يحيل ما أتى به النبي -عليه الصلاة والسلام-، بل يعلم أن العجز عن الإدراك إدراك. نعم.
(1) البخاري : بدء الخلق (3320) , وأبو داود : الأطعمة (3844) , وابن ماجه : الطب (3505) , وأحمد (2/340) , والدارمي : الأطعمة (2038). (2) أبو داود : الأطعمة (3844). |