موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حديث -هو الطهور ماؤه الحل ميتته- - شرح بلوغ المرام (الجزء الأول)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح بلوغ المرام (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
  
 
 شرح بلوغ المرام (الجزء الأول)
 كتاب الطهارة
 مقدمة
 خطبة الكتاب
 باب المياه
 حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"
 حديث: "إن الماء الطهور لا ينجسه شيء"
 حديث "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"
 حديث: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"
 حديث: "لا يغتسل أحدكم بالماء الدائم وهو جنب"
 حديث: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة"
 حديث: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات"
 حديث: "إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم"
 حديث: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد"
 حديث: "أحلت لنا ميتتان ودمان"
 حديث: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه"
 حديث: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت"
 باب الآنية
 حديث: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة"
 حديث: "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم "
 حديث: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر "
 "حديث: " دباغ جلود الميتة طهورها
 حديث: "لو أخذتم إهابها"
 حديث "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة"
 حديث: "أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر"
 باب إزالة النجاسة وبيانها
 حديث: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا"
 حديث: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية"
 حديث: "خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على راحلته"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة"
 حديث: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام"
 حديث: "قال في دم الحيض يصيب الثوب: تحته ثم تقرصه "
 حديث: " يكفيك الماء، ولا يضرك أثره"
 باب الوضوء
 حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء"
 صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
 حديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا"
 حديث: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء "
 حديث: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه"
 حديث: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ لأذنيه ماء"
 حديث: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين"
 حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله "
 حديث: " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم "
 حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين "
 حديث: "ابدءوا بما بدأ الله به"
 حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه "
 حديث: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق "
 حديث: "ثم تمضمض صلى الله عليه وسلم واستنثر ثلاثا، "
 حديث: "ارجع فأحسن وضوءك"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد "
 حديث: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء "
 باب المسح على الخفين
 حديث: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله "
 حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا"
 حديث: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم"
 حديث: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب"
 حديث: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما"
 حديث: " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة "
 حديث: "يا رسول الله أمسح على الخفين قال نعم "
 باب نواقض الوضوء
 حديث: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء "
 حديث: " لا إنما ذلك عرق وليس بحيض"
 حديث: "كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم "
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة "
 حديث: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه "
 حديث: " لا إنما هو بضعة منك "
 حديث: "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ "
 حديث: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أتوضأ من لحوم الغنم؟ "
 حديث: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ "
 حديث: "ألا يمس القرآن إلا طاهر"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ"
 حديث: "العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء "
 حديث: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته "
 باب آداب قضاء الحاجة
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه "
 حديث: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء"
 حديث: "خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته "
 حديث: "اتقوا اللاعنين الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم "
 حديث: "النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة "
 حديث: " إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه"
 حديث: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه "
 حديث: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول "
 حديث: " مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك"
 حديث: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط "
 حديث: " إن رسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث "
 حديث: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى "
 حديث: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات "
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء "
 باب الغسل وحكم الجنب
 حديث: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"
 حديث: "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه "
 حديث: "الماء من الماء "
 حديث: "إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع"
 حديث: "في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال تغتسل "
 حديث: "في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال: تغتسل"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع"
 حديث: "في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل "
 حديث: " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم "
 حديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا "
 حديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة"
 حديث: "قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي"
 حديث: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد"
 حديث: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب"
 حديث: "إن تحت كل شعرة جنابة"
 باب التيمم
 حديث "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي"
 حديث: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء"
 حديث: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين "
 حديث: "الصعيد وضوء المسلم"
 حديث: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للآخر لك الأجر مرتين"
 حديث: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح فيجنب"
 حديث: " انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أمسح على الجبائر"
 حديث: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة"
 حديث: "من السنة ألا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة"
 باب الحيض
 تعريف الحيض
 حديث: "ولتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل"
 حديث: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة "
 حديث: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي فكانت تغتسل لكل صلاة"
 حديث: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا "
 حديث: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح"
 حديث: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأئتزر فيباشرني وأنا حائض"
 حديث: "يتصدق بدينار أو بنصف دينار"
 حديث: "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم ؟"
 حديث: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت"
 حديث: "ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض"
 حديث: "كانت النفساء تقعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوما"
شرح بلوغ المرام (الجزء الأول) - حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"

حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"

قال رحمه الله تعالى : "كتاب الطهارة " باب المياه.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البحر: « هو الطهور ماؤه، الحل ميتته »(1) أخرجه الأربعة، وابن أبي شيبة واللفظ له، وصحَّحه ابن خزيمة والترمذي، ورواه مالك والشافعي وأحمد .


هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البحر: « هو الطهور ماؤه، الحل ميتته »(1) ومعنى قوله قال في البحر: يعني أنه ذكر البحر عنده فقال هذه الكلمة، وهذا الحديث له سبب أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سئل عن أنهم يكونون في البحر يعني على سفنهم ومعهم ماء قليل؛ ليشربوه أو ليطبخوا به أو نحو ذلك، وإن استعملوه في الوضوء نفد، وضاق الأمر عليهم فسألوه عن ذلك، فقال -عليه الصلاة والسلام- في البحر: « هو الطهور ماؤه »(1) ؛ لأن السؤال كان عن التوضؤ بماء البحر. هل نتوضأ بماء البحر أم لا نتوضأ؟ فقال -عليه الصلاة والسلام- في البحر -يعني في التطهر بماء البحر-: « هو الطهور ماؤه، الحل ميتته »(1) وسبب السؤال أنهم نظروا في ماء البحر ووجدوا طعمه متغيرا، وجدوا أن طعمه مالح، بل قد يكون شديد الملوحة، فهل يتوضأ بمثل هذه الحال بشيء تغير طعمه، فأشكل عليهم هل يتوضأ بما تغير طعمه أم لا؟

والنبي -عليه الصلاة والسلام- أجابهم بما يحتاجون، فبين أنه طهور، وزاد على ما يحتاجون لقوله: « الحل ميتته »(1) وهذه الزيادة سببها أن الراكب للبحر سأل عن الوضوء، وهو يلابسه أمر الصلاة، كما أنه يلابسه أمر الأكل فيحتاج إلى أشياء من أهمها: أمر عبادته وأمر غذائه، فلما سأل السائل عن واحدة أفاده -عليه الصلاة والسلام- باثنتين؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- بالمؤمنين رءوف رحيم.

المسألة الثانية: لغة الحديث.

قال -عليه الصلاة والسلام- في البحر: « هو الطهور »(2) ولفظ الطهور فعول من طاهر فهو مبالغة من طاهر، فيدخل في صيغ المبالغة كالغفور من غافر ونحو ذلك، وإذا كانت كلمة طهور مبالغة من طاهر فهذه المبالغة هل هي مبالغة في كونه طاهرا مبالغة في طهارته، أو هي مبالغة في تعدي الفعل إلى تطهير غيره؟

الوجه منهما هو الثاني؛ لأنهم لم يستشكلوا كون البحر طاهرا، وإنما سألوا عن التوضؤ بماء البحر؛ فلهذا دل قوله: « هو الطهور ماؤه »(2) أن المبالغة هنا المقصود منها مبالغة تعدي التطهير فهو طاهر في نفسه وأيضا يطهر غيره، وهذا الاستعمال هو استعمال شرعي عند طائفة من أهل العلم يعني أنه ليس بالحقيقة اللغوية، ولكنه حقيقة شرعية، وذلك أن الشرع جاء في استعمال لفظ طهور لما تتعدى لما يكون مطهرا لغيره، والتطهير قد يكون رفعا لحدث، أو قد يكون إزالة لخبث؛ لهذا من هذه اللفظة لفظة "طهور" قال طائفة من أهل العلم: إن هذه اللفظة في اللغة لها معنى، وهي المبالغة في كون الماء طاهرا، وأما في الاستعمال الشرعي فنفهم منها زيادة عن كون الشيء طاهرا، وهو كونه طاهرا ومطهرا -أيضا-، وهذا جاء في هذا الحديث: « هو الطهور ماؤه »(2) وهم يعلمون أن ماء البحر طاهر في نفسه فلما قال: « الطهور ماؤه »(2) علمنا أنهم فهموا من قوله: « الطهور ماؤه »(2) يعني: أن ماءه يتطهر به، ومثله قول النبي -عليه الصلاة والسلام- في التراب: « وجعلت تربتها لنا طهورا »(3) والتراب معلوم أنه طاهر، ولكنه جعل لهذه الأمة طهورا يعني: مطهرا، وهذا بحث لغوي مهم في هذا الحديث.

قال: « الحل ميتته »(4) ميتة هي: ما يموت في البحر من حيوانات البحر لا من غيره، الميتة ميتته هذه الإضافة تقتضي أن يكون ميتة البحر مما يعيش فيه، أما إذا كان يعيش في غيره ثم مات فيه فلا يصدق عليه أنه ميتة بحر، وإن كان مات بسبب البحر؛ لهذا قال: « الحل ميتته »(4) يعني: مما يموت ويطفو من حيوانات البحر كالسمك والحوت وغير ذلك.

المسألة الثالثة: في درجة الحديث.

الحديث صحيح: صححه جمع كثير من الأئمة، وقال بعض أهل العلم: إن طرقه لا تخلو من مقال، ولكنه بمجموعها يكون صحيحا، فالمعتمد دون تفصيل في التخريج والبحث في الأسانيد، المعتمد والذي عليه عامة أهل العلم أن الحديث صحيح، وهو أصل في بابه.

المسألة الرابعة: هي من أحكام هذا الحديث.

أولا: هذا الحديث افتتح به الحافظ ابن حجر هذا الكتاب، وهو كتاب الطهارة، والطهارة يبتدأ بها؛ لأن أعظم الأركان العملية الصلاة، والصلاة مفتاحها الطهارة، والطهارة لا تكون إلا بالماء؛ لذلك جعل كتاب الطهارة، ثم باب المياه، ثم ساق هذا الحديث في صدر أحاديث الباب.

ثانيا: الحديث دلَّ على أن الماء ينقسم إلى طهور وإلى طاهر، ووجه ذلك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- سألوا عن التطهر بماء البحر، فلم يشكل عليهم كون ماء البحر طاهرا، وإنما سألوا عن التطهر به، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر أن ماء البحر طهور يعني: أنه مطهر، وهذا يعني: أن الماء ينقسم إلى ماء يتطهر به، وإلى ماء لا يتطهر به، وهذا حجة كثير من أهل العلم في قسمهم الماء إلى ثلاثة أقسام: إلى طهور وطاهر ونجس، والحديث دل على قسمين على الطاهر والطهور.

ودلَّ -أيضا- تقسيم الماء إلى طاهر وطهور عدة أشياء منها: قوله -عليه الصلاة والسلام- في التراب مما فضل الله -جل وعلا- به هذه الأمة قال: « فضلت على الأنبياء بخمس »(5) ثم ساقه، وقال -عليه الصلاة والسلام- في آخره: « وجعلت تربتها لنا طهورا »(3) وقال -أيضا عليه الصلاة والسلام-: « فأيما مسلم أراد أن يصلي فعنده مسجده وطهوره »(5) .

ومعلوم أن هذه الأمة فضلت على غيرها من الأمم في شأن التراب بكون التراب لها طهورا، وهو لغيرنا طاهر، فدل على أن التراب لغيرنا طاهر ولنا طهور، وكذلك ماء البحر طهور وهو طاهر في نفس الأمر، فدل هذا على انقسام الماء إلى القسمين المشهورين إلى الطهور والطاهر وإلى النجس، فصار الماء ثلاثة أقسام: طاهر وطهور ونجس، وهذا واضح من جهة الاستدلال في هذا الحديث وفي غيره.

قال آخرون من أهل العلم: إن الماء قسمان: طهور ونجس، فالله -جل وعلا- أنزل من السماء ماء طهورا، والطهور هو الماء الباقي على أصله وعلى إطلاقه، فيكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره.

قالوا: الماء إنما ينقسم إلى قسمين: إلى طاهر ونجس، وهذا هو مذهب الإمام مالك والظاهرية، وعدد من أهل الحديث، جمع من أهل الحديث، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

وقال كثيرون من أهل العلم -وهم الجمهور-: إن الماء ينقسم إلى طاهر وطهور ونجس، وهذا من حيث الاستدلال أظهر -كما ذكرت لك-، من حيث إن الماء ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس، والفرق بين الطهور والطاهر أن الطهور ماء باق على أصل خلقته مطهر لغيره، الماء الطهور هو الذي بقي على أصل خلقته فهو طاهر في نفسه ومطهر لغيره، فإن خالطه شيء مازجه بعد أن نزل -يعني بعد خلقته- مازجه فغير أحد أوصافه، نقله من كونه طهورا إلى كونه طاهرا، وهنا يبقى بحث في هل بقي عليه اسم الماء، أم زال عن اسم الماء إلى غيره؟ وهذا هو محل النظر بين قول شيخ الإسلام ومن قسم الماء إلى قسمين، ومن قسمه إلى ثلاثة أقسام.

مثاله: ننظر إلى ماء البحر ماء البحر تغير أحد أوصافه وهو الطعم فطعمه مالح، ولكن هذا الطعم وهذا التغيير ليس تغيرا، وإنما هو باق على أصل خلقته فخلقته هكذا؛ ولهذا صار طهورا عند الجميع بنص كلام المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فإن جاء الماء شيء فخالطه فغيَّر أحد أوصافه بطهارة، يعني: شيء طاهر غيَّر أحد أوصافه، فهنا نظروا هل سلب عنه اسم الماء؟ فصار بدلا من الماء صار شايا، يعني: هو ماء فوضعت فيه الكيس فانتقل من كونه ماء إلى كونه شايا بتغير لونه فقط، يعني: لما خالطه لون الشاي تغير الاسم من كونه ماء إلى كونه شايا، فهنا تغير الاسم فإذا تغير الاسم فعند الجميع أنه لا يتطهر به، لكن محل البحث إذا تغير بعض أوصافه لكن لم يسلب عنه اسم الماء مثل بعض أثر لعجين، بعض أثر لطحين، بعض التغيرات التي لم تسلب عنه اسم الماء، لكن جاءه ملح خفيف تغير الطعم، جاءه ريحة بنزين خفيفة، جاءه في ريحه واحد ركب خزانا جديدا قال: فيه ريحة قليلة لكن بقي عليه اسم الماء، فهنا يحدث الخلاف ما بين من قسم الماء إلى ثلاثة أقسام، ومن قسمه إلى قسمين في مثل هذه المسائل.

والصحيح في هذا أن المسألة راجعة في التحقيق إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: إلى طهور وطاهر ونجس، وأن الماء إذا خالطه طاهر فغيَّر أحد أوصافه الثلاثة غيرها تماما بحيث نقله نقل هذا الوصف فغير يعني لاحظ لفظ التغير غير أحد أوصافه فإنه ينتقل من كونه طهورا إلى كونه طاهرا؛ لأن الماء الذي تعبدنا بالطهارة منه، إنما هو الماء الذي اسمه الماء، الله -جل وعلا- قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا(6) فإذا كان اسمه الماء فإننا نتوضأ ونتطهر، فإذا زال عنه اسم الماء إلى اسم جديد بتغير فإنه يلحق به.

والحديث -كما ذكرت لك- دلَّ على هذا التقسيم إلى طهور وطاهر، وكذلك حديث: « وجعلت تربتها لنا طهورا »(3) إلى أن هذه الأمة فضلت بنقل التراب من كونه طاهرا إلى كونه طهورا، وأما الماء المعتصر فهذا فيه بحث يطول، محله كتب الفقه.

الفائدة الثالثة: قوله -عليه الصلاة والسلام- في البحر: « الحل ميتته »(4) يدل على أن ليس كل ميتة حراما، فالله -جل وعلا- حرم علينا الميتة، ويستثنى من ذلك ميتة البحر كما سيأتينا في حديث ابن عمر: « أحلت لنا ميتتان ودمان »(7) وميتة البحر هي ما مات فيه من حيواناته من السمك والحيتان وفرس البحر أو أفاعي البحر، فكل ما مات من حيوان البحر وطفا، فإنه يجوز أخذه وأكله؛ لأنه لا زكاة له.

الفائدة الرابعة: أن المعلم أو المفتي ينبغي له؛ اقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- أن يستزيد في إفادة المستفتي إذا كانت حاجته ظاهرة للزيادة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كثيرا ما زاد المستفتي أكثر مما طلب، وهذا ظاهر في هذا الحديث أنهم سألوا عن التوضؤ بماء البحر فأجابهم بحل ميتته -صلى الله عليه وسلم وبارك عليه- نعم.


(1) الترمذي : الطهارة (69) , والنسائي : المياه (332) , وأبو داود : الطهارة (83) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (386) , وأحمد (2/361) , ومالك : الطهارة (43) , والدارمي : الطهارة (729).
(2) الترمذي : الطهارة (69) , والنسائي : المياه (332) , وأبو داود : الطهارة (83) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (386) , وأحمد (2/361) , ومالك : الطهارة (43) , والدارمي : الطهارة (729).
(3) مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (522).
(4) الترمذي : الطهارة (69) , والنسائي : المياه (332) , وأبو داود : الطهارة (83) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (386) , وأحمد (2/361) , ومالك : الطهارة (43) , والدارمي : الطهارة (729).
(5)
(6) سورة النساء: 43
(7) ابن ماجه : الأطعمة (3314) , وأحمد (2/97).