موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب أسباب الميراث - شرح المنظومة الرحبية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنظومة الرحبية لفضيلة د. سعد بن تركي الخثلان
  
 
 شرح المنظومة الرحبية
 المقدمة
 باب أسباب الميراث
 باب موانع الإرث
 باب الوارثين من الرجال
 باب الوارثات من النساء
 باب الفروض المقدرة في كتاب الله
 باب النصف
 باب الربع
 باب الثمن
 باب الثلثين
 شروط استحقاق كل واحد من أصحاب هذه الفروض
 باب من يرث الثلث
 باب من يرث السدس
 تابع من يرث السدس
 باب التعصيب
 تابع باب التعصيب
 باب الحجب
 باب المشركة
 قواعد الحجب والحرمان
 باب مسألة الجد والإخوة
 المسألة الأكدرية
 حساب الفرائض
 التصحيح وقسمة التركات
 باب السهام
 مسائل المناسخات
 باب ميراث الخنثى المشكل والمفقود والحمل
 باب ميراث المفقود
 باب ميراث الغرقى ونحوهم
 باب الرد
 باب ميراث ذوي الأرحام
شرح المنظومة الرحبية - باب أسباب الميراث

باب أسباب الميراث

قال المؤلف: ( باب أسباب الميراث )

الباب لغة هو المدخل إلى الشيء، واصطلاحا اسم لجملة مختصة من العلم تحته فصول ومسائل غالبا، وقوله أسباب جمع سبب، والسبب لغة هو ما يتوصل به إلى غيره، واصطلاحا ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، فالقرابة مثلا سبب للإرث يلزم من وجودها وجود الإرث هذا معنى قولنا ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم يلزم من عدم القرابة عدم الإرث لكن لذات السبب لذات السبب، ولكن قد يوجد الإرث مع عدم وجود القرابة لسبب آخر كالنكاح مثلا كالنكاح مثلا الزوج يرث من زوجته والزوجة ترث من زوجها مع عدم وجود القرابة ولكن هذا لسبب آخر .

 

قال: ( باب أسباب الميراث )

أسبـاب ميراث الورى ثلاثـة

 

كـل يفـيـد ربـه الوراثــة

 

أسباب ميراث الورى: الورى معناه الخلق أي أسباب ميراث الخلق ثلاثة، كل يفيد ربه: أي صاحبه يسقي ربه خمرا أي يسقي صاحبه خمرا كما هي في سورة يوسف، ومعنى كل يفيد ربه ميراثه أي كل واحد من الأسباب الثلاثة يفيد صاحبه المتصف به الإرث، ما هي هذه الأسباب ؟ بينها الناظم بقوله:

وهـي نكـاح وولاء ونـسـب

 

ما بعدهن للمواريـث سبـب

فذكر المؤلف ثلاثة أسباب:

الأول: قال نكاح. السبب الأول من أسباب الإرث النكاح، والنكاح هو عقد الزوجية الصحيح، تعريفه عقد الزوجية الصحيح وقولنا الصحيح احترازا من الفاسد فإنه لا أثر له في الإرث، قال العلماء: هو عقد الزوجية الصحيح وإن لم يحصل وطء ولا خلوة،بمجرد العقد يحصل التوارث؛ ولهذا لو أن رجلا عقد على امرأة ثم مات في الحال أو ماتت هي في الحال فإنهما يتوارثان، يعني إذا كان الميت الزوج ترثه وإذا كانت الميتة الزوجة يرثها وإن لم يحصل وطء ولا خلوة هذا بالإجماع، فبمجرد العقد يحصل التوارث بين الزوجين، ويدل لذلك قول الله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾1 وهذا بالنص والإجماع.

الثاني: قال: وولاء، الولاء لغة السلطة والنصرة ويطلق على القرابة، واصطلاحا هو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، إذا تعريف الولا اصطلاحا عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق؛ وقد جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « الولاء لحمة كلحمة النسب »2 أخرجه الشافعي والحاكم والبيهقي وله طرق وشواهد متعددة لعله يرتقي بها لدرجة الحسن أو الصحيح، فالولاء إذا سبب للتوارث بين الرقيق وبين المعتق فيرث المعتق الرقيق سواء كان العتق تطوعا أو واجبا، وهذا السبب دل له الحديث السابق « الولاء لحمة كلحمة النسب »2 وأيضا الإجماع قد أجمع العلماء على ذلك، وجاء في حديث آخر الميراث للعصبة فإن لم يكن عصبة فللمولى رواه سعيد موصولا لكنه ضعيف.

وبكل حال فهذا الحكم مجمع عليه بين العلماء؛ ولكن المعتق لا يرث عتيقه بالولاء إلا إذا لم يكن للعتيق عصبة أو فروض تستغرق فروضه من مال بهذا الشرط يعني المعتق لا يرث بالولاء إلا بهذا الشرط شرط ألا يكون للمعتق عصبة أو أصحاب فروض يستغرقون المال، قد قال الموفق بن قدامة – رحمه الله- في المغني لا نعلم في هذا خلافا فلو افترضنا أن رجل عتق آخر أعتق رقيقا وهذا الرقيق مات وليس له أقارب ليس له عصبة ولا أصحاب فروض تستغرق فروضه من مال فإن المال ينتقل إلى معتقه بالولاء.

السبب الثالث: قال: ونسب؛ النسب المراد به القرابة وهو اتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة ويشمل ذلك الأصول والفروع والحواشي، أما الأصول فهم الآباء والأجداد من جهة الأب والجدات مطلقا سواء كن من جهة الأب أو من جهة الأم هذا مقصودنا بالأصول، وأما الفروع فهم الأولاد وأولاد البنين وإن نزلوا فهم الأولاد وأولاد البنين وإن نزلوا وبهذه المناسبة أنبه على أن مصطلح الولد في الشرع وفي اللغة العربية أنه يطلق على الذكر والأنثى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾3 .

إذا قيل ولد فإنه يطلق على الذكر وعلى الأنثى، ولكن إذا أريد الذكر فماذا يقال له ابن والأنثى بنت فعندما يقال ولد إذن يشمل الذكر والأنثى وعندما يراد الذكر فقط يقال ابن وأبناء، فإذا الفروع هم الأولاد من بنين وبنات وأولاد البنين وإن نزلوا، وأما الحواشي إذا قيل الحواشي في الفرائض فالمقصود بهم الإخوة وبنوهم وإن نزلوا، والمقصود بالإخوة هنا الإخوة الأشقاء والإخوة لأب وبنوهم وإن نزلوا، وكذلك أيضا الإخوة لأم لكن لا يدخل فيه بنوهم فابن الأخ لأم لا يدخل في الوارثين إنما في ميراث ذوي الأرحام أما الأخ لأم فهو وارث بالفرض وله السدس وهو يشمل إذن الإخوة وبنوهم أي بني الإخوة الأشقاء والإخوة لأب فقط، وكذلك أيضا يشمل مصطلح حواشي الأعمام من جهة الأب وبنوهم وإن نزلوا أما الأعمام من جهة الأم فلا دخل لهم في الميراث، هذه هي إذا أسباب الميراث، قال المؤلف:

.................................

 

ما بعدهن للمواريـث سبـب

المؤلف يرى أن هذه الأسباب فقط هي أسباب الميراث وأنه ليس هناك أسباب أخرى لهذا أتى بهذه الجملة التي تفيد الحصر، وهذه الأسباب متفق عليها، لكن هناك أسباب مختلف فيها ومنها بيت المال هل يرث أو لا يرث؟ مع اتفاق العلماء على أنه إذا لم يكن للإنسان وارث فهو لبيت المال؛ لكن اختلفوا في مسائل أخرى هل يذهب فيها المال لبيت المال أم لا كما إذا لم يوجد الإنسان إلا أصحاب فرض فقط فأين يذهب الباقي هل يرد على أصحاب الفروض أو يذهب إلى بيت المال، لو مات إنسان وليس له في الدنيا إلا بنت لها النصف النصف الثاني أين يذهب فمن العلماء من قال إنه يرد عليها تأخذ التركة كلها ومنهم من قال إنه يذهب إلى بيت المال، فمن اعتبر بيت المال وارثا قال إنه يذهب لبيت المال مذهب المالكية والشافعية إذا كان بيت المال منتظما، ومنهم من قال إنه يرد عليه وهو الصحيح وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة بالتفصيل.

والصحيح أن بيت المال ليس وارثا وأن ما بقي من المال إما يرد على أصحاب الفروض إن كان هناك صاحب فرض، أو يرد على ذوي الأرحام ولكن لو لم يوجد للميت أقارب لا عصب ولا أصحاب فروض ولا ذوي الأرحام وليس له أي أحد فإنه يذهب لبيت المال ولا يترك، ومن الأسباب المختلف فيها أيضا الالتقاط: وهو أخذ طفل منبوذ لا يعرف نسبه ولا رقه فهل الالتقاط من أسباب الإرث والملتقط يرث هذا اللقيط التقاطه والقيام على تربيته وشئونه أم لا؟ جمهور العلماء وهو الذي عليه المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن الالتقاط ليس من أسباب الإرث، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الالتقاط من أسباب الإرث وروي ذلك عن إسحاق بن راهويه وهو رواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم، رحمة الله تعالى على الجميع.

وأصحاب هذا القول الذين يرون أن الالتقاط من أسباب التوارث يستندون في ذلك إلى حديث واثل بن الأسقع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه »4 عتيقها ولقيطها وهذا موضع الشاهد وولدها الذي لاعنت عليه؛ وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولكنه حديث ضعيف من جهة الإسناد لا يصح؛ ولهذا فإن القول الراجح – والله أعلم- في هذه المسألة هو قول الجمهور وهو أن الالتقاط ليس من أسباب التوارث؛ لأن أسباب التوارث لا تثبت إلا بشيء قوي إما حديث صحيح أو إجماع ولا يثبت سبب للتوارث بمثل هذه الأحاديث الضعيفة؛ الصواب ما عليه جماهير العلماء وهو الذي عليه العمل أن الالتقاط ليس من أسباب التوارث؛ والذي يظهر والله أعلم أن الأسباب منحصرة في هذه الثلاثة التي ذكرها المؤلف فقط نكاح وولاء ونسب، وما عداها فجميع ما قيل في ذلك معتمد على أحاديث ضعيفة لا تصح.

 

1 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:12
2 : الدارمي : الفرائض (3159).
3 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:11
4 : الترمذي : الفرائض (2115) , وأبو داود : الفرائض (2906) , وابن ماجه : الفرائض (2742).