موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المقدمة - شرح المنظومة الرحبية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنظومة الرحبية لفضيلة د. سعد بن تركي الخثلان
  
 
 شرح المنظومة الرحبية
 المقدمة
 باب أسباب الميراث
 باب موانع الإرث
 باب الوارثين من الرجال
 باب الوارثات من النساء
 باب الفروض المقدرة في كتاب الله
 باب النصف
 باب الربع
 باب الثمن
 باب الثلثين
 شروط استحقاق كل واحد من أصحاب هذه الفروض
 باب من يرث الثلث
 باب من يرث السدس
 تابع من يرث السدس
 باب التعصيب
 تابع باب التعصيب
 باب الحجب
 باب المشركة
 قواعد الحجب والحرمان
 باب مسألة الجد والإخوة
 المسألة الأكدرية
 حساب الفرائض
 التصحيح وقسمة التركات
 باب السهام
 مسائل المناسخات
 باب ميراث الخنثى المشكل والمفقود والحمل
 باب ميراث المفقود
 باب ميراث الغرقى ونحوهم
 باب الرد
 باب ميراث ذوي الأرحام
شرح المنظومة الرحبية - المقدمة

 

شرح المنظومة الرحبية

المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد.

فمع بداية هذه الدورة أسأل الله عز وجل للجميع العلم النافع والفقه في الدين وأن يبارك في هذه الدورة.

أيها الإخوة: إن وجود مثل هذه الدورات لنعمة عظيمة من الله تعالى علينا إذ يجتمع فيها عدد من طلاب العلم مع نخبة من العلماء يتدارسون فيها فنونا شتى، ومن ميزة هذه الدورات أنه تشرح فيها متون وفنون كثيرة في وقت وجيز، وهذه الدورات لا سيما هذه الدورة المباركة تذكرنا بما كان عليه حال أسلافنا الذين كانوا يرتحلون لأجل تحصيل العلم وطلبه؛ والرحلة في طلب العلم مشهورة عند أهل العلم وقد صنف فيها مصنفات؛ ومن أهل العلم من كان يرتحل لأجل سماع حديث واحد فقط، قد روي ذلك عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كجابر بن عبد الله الذي رحل من المدينة إلى الشام من أجل سماع حديث واحد فقط، وأبي أيوب الأنصاري الذي رحل إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط، والأمثلة في هذا كثيرة.

والمطلوب أيها الإخوة ممن يحضر هذه الدورة أن يحرص على الجد والاجتهاد والانضباط والحضور، الالتزام بالحضور وعدم التغيب خاصة في هذا الدرس -درس الفرائض- لأن المعلومات مترابطة ومتسلسلة وبعضها منبني على بعض، فعندما نشرح مثلا الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ثم نشرح بعده دروسا أخرى فإننا سنبني على ما شرح سابقا؛ ولهذا فأرجو من الإخوة حتى تكمل الفائدة وتعظم الاستفادة أن يلتزموا بالحضور وعدم التغيب؛ وكنا في تدريسنا في الجامعة نجعل درجات خاصة بمادة الفرائض لأجل الحضور؛ ولكن عندكم هنا ليس عندنا درجات فنحث الإخوة جميعا على الالتزام بالحضور حتى تكمل الفائدة.

هذه المنظومة التي بين أيدينا في هذا الدرس اشتهرت باسم ( الرحبية ) واسمها بغية الباحث؛ ولكن اشتهرت باسم ناظمها وهو: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الرحبي، المعروف بابن المثقنة، وفي بعض التراجم بابن المتفننة وقد وجد هذان ابن المتفننة وابن المثقنة، وذكر الذركلي في كتابه الأعلام ذكر هذين قال: لم أجد نصا على المتفننة أو المثقنة، قال: لكني رأيته في مخطوطة طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة بابن المثقنة بتشديد القاف، وهذه النسخة قال: يغلب عليها الصحة إن لم تكن هي بخط مؤلفها ويكون هذا هو الأقرب في الضبط يكون إذا هو الأقرب ابن المثقنة، وأما الرحبي فهو نسبة إلى رحبة مالك بن طوق وهي قريبة من دمشق ومن حلب، وقد تفقه الرحبي - رحمه الله - على عدد من العلماء وهو من فقهاء الشافعية ولهذا فإن هذه المنظومة على مذهب الإمام الشافعي، وقد أشار إلى هذا في بعض الأبيات قال: لا سيما وقد نحاه الشافعي، فهذه إذا منظومة على مذهب الشافعية، ولهذا نجد أنها خلت من بعض الأبواب كباب الرد وباب ذوي الأرحام؛ لأن الشافعية لا يقولون بالرد إذا كان بيت المال منتظما ولا يقولون بتوريث ذوي الأرحام كذلك، فإنكم لا تجدون في الرحبية لا تجدون فيها توريث ذوي الأرحام ولا تجدون فيها باب الرد، وهذا مما سنستكمله إن شاء الله بعدما نننتهي من شرح الرحبية.

سوف نعطي نبذة عن مسائل الرد وتوريث ذوي الأرحام لا سيما أن القول الراجح فيها حيث الدليل والله أعلم هو القول بالرد وبتوريث ذوي الأرحام، وهذه المنظومة نالت شهرة واسعة بل تكاد تكون أشهر منظومة في الفرائض وقد تلقفها طلاب العلم قديما وحديثا وأقبلوا على حفظها وفهمها ودراستها وتناولها العلماء بالشرح والبيان، وتمتاز بحسن العرض وجودة المادة وحسن السبك للعبارة والوضوح للمعاني، قد قصد المؤلف في ذلك التسهيل والتيسير، وقد أشار هذا في مقدمة المنظومة كما سنبين إن شاء الله، والشروح عليها كثيرة من أشهرها وأبرزها شرح سبط المرديني وهو محمد بن محمد البدر الدمشقي المعروف بسبط المرديني المتوفى سنة 907 للهجرة، وهي مطبوعة وعليها حاشية لمحمد بن عمر البقري، ومنها كذلك السبيكة الذهبية على المنظومة الرحبية الشيخ فيصل بن عبد العزيز المبارك المتوفى سنة 1366 للهجرة، ومنها حاشية جيدة للشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله المتوفى سنة 1392 للهجرة، ومنها أيضا شرح باسم الهدية في شرح الرحبية للقاضي رشيد بن محمد القيسي، وغيرها، الشروح عليها والحواشي كثيرة.

والمؤلف ولد في سنة 497 وتوفي سنة 577 لأنه عاش القرن السادس الهجري وبلغ نحوا من ثمانين سنة، رحمه الله تعالى.

سوف نشرح إن شاء الله في هذه الدورة هذه المنظومة كاملة ولعلنا في كل درس نأخذ عددا من الأبيات، والمرجو من الإخوة حتى تكمل الفائدة أيضا أن يحرصوا على الحفظ والمؤلف نفسه قال: فاحفظ فكل حافظ إمام، لما قال

والثـلثـان وهـمـا التـمـام

 

فاحفظ فكـل حـافظ إمـام

 

ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، حتى تكمل الفائدة نرجو حفظ هذه المنظومة التي كما أسلفت هي سهلة وميسرة للحفظ، والحفظ ميزته أنه أسهل من النثر وأقرب للنفس وأيضا يتميز الحفظ بأنه يبقى في الذهن أكثر من النثر وإن حفظت نثرا ونظما تجد أن النظم هو الذي يبقى ويستقر وإنما النثر سرعان ما ينسى؛ مثلا عندما تحفظ قول الرحبي

ويمنع الشخـص من الميراث

 

واحــدة مـن علـل ثـلاث

رق وقتل واخـتـلاف ديـن

 

.............................

عرفت أن موانع الإرث في هذه الأمور الثلاثة الرق والقتل واختلاف الدين لكن ربما لو حفظتها نثرا ربما سرعان ما تنساها، فأوصي الجميع قبل أن نبدأ الشرح بحفظ أبيات هذه المنظومة.

نبدأ على بركة الله، ابتدأ المؤلف في بعض النسخ بالتسمية: بسم الله الرحمن الرحيم، في بعضها خلت منها، وجرت عادة العلماء البداءة بالتسمية اقتداء بكتاب الله تعالى فإنه مبدوء بالتسمية والتسمية آية من القرآن نزلت للفصل بين السور وهي على القول الصحيح ليست بآية من سورة الفاتحة بدليل حديث أبي هريرة في الصحيحين يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه « قال الله تعالى: قسمت الصلاة - يعني الفاتحة - بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي »1 ولم يقل فإذا قال بسم الله الرحمن الرحمن فدل ذلك على إنها ليست آية من الفاتحة ولكنها آية بالإجماع نزلت للفصل بين السور فهي آية من القرآن بالإجماع؛ لكن الخلاف وقع هل هي آية من الفاتحة أو ليست منها وهي بعض آية من سورة النمل.

قال المؤلف:

أول مـا نســتفتح المقـال

 

بذكـر حـمد ربنــا تعـالى

فالحمد للـه على مـا أنعـم

 

حمدا به يجلو عن القلب العمى

 

ابتدأ المؤلف بحمد الله عز وجل، والحمد هو الثناء على المحمود مع الحب والتعظيم، وانتبه لهذا القيد مع الحب والتعظيم فإن هذا القيد يخرج به المدح فإن المدح ثنا على الممدوح؛ لكن قد لا يكون معه حب ولا تعظيم فإن المادح قد يمدح لغرض في نفسه، قد يمدح لأجل أن ينال عرضا من الدنيا قد يمدح لدفع مذمة تجد أن بعض الشعراء يمدح غيره لأجل الحصول على مال مثلا، وقد لا يحب الممدوح قد لا يكون صادقا فيما يقوله وقد يمدحه لدفع مذمة عنه أو خوفا منه، فالمدح لا يستلزم المحبة والتعظيم بخلاف الحمد فإن الحمد يستلزم المحبة والتعظيم ولذلك فإن الله تعالى يحمد وهو المحمود على كل حال، والحمد أعم من الشكر لأن الشكر إنما يكون في مقابلة نعمة بينما الحمد يكون في مقابلة نعمة ويكون في غيرها، والله تعالى محمود على كال حال محمود في السراء وفي الضراء وعلى كل حال وهو أعم وأبلغ من الشكر، وإن كان قد يطلق أحدهما على الآخر أيضا.

ثم الصـلاة بعـد والسـلام

 

علـى نبـي دينـه الإسـلام

محمـد خاتـم رسـل ربـه

 

وآلـه مـن بعـده وصحبـه

 

بعدما حمد المؤلف حمد الله تعالى ثنا بالصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاتم الأنبياء والرسل وعلى آله من بعده وأصحابه - رضي الله عنهم -، وأصح ما قيل في معنى الصلاة من الله تعالى هو ما قاله البخاري في صحيحه عن أبي العالية أن الصلاة من الله على نبيه أي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى ثناؤه عليه في الملأ الأعلى فعندما تقول ( اللهم صل على محمد ) أي اللهم أثني عليه في الملأ الأعلى، تدعو الله بأن يثني عليه في الملأ الأعلى.

ثم قال المؤلف:

ونسـأل اللَّـه لنـا الإعانـة

 

فيمـا توخينـا مـن الإبانـة

وسؤال الإعانة مطلوب من العبد في أي أمر يقوم به فحري به أن يسأل ربه الإعانة في أمور دينه ودنياه ويتأكد منها أمور الدين، فإن العبد مهما كان عليه من العلم فإنه ما لم يجد عونا من الله تعالى يبقى ضعيفا؛ ولذلك فإن من أعظم وأنفع الأدعية سؤال العبد ربه أن يعينه على طاعته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: تأملت أنفع الدعاء فوجدته سؤال العبد ربه أن يعينه على طاعته، ثم تأملت فوجدته مذكورا في قول الله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾2 وقد أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا بأن يدعو الله تعالى في كل صلاة يصليها في آخر الصلاة بأن يقول: « اللهم أعني على شكرك وذكرك وطاعتك وحسن عبادتك »3 ولهذا ينبغي لنا أيها الإخوة أن نكثر من سؤال الله تعالى العون على الطاعة وعلى حسن عبادة وحسن العمل والتوفيق لما يحب ويرضى؛ ولهذا المؤلف بعدما بعد الحمد والصلاة والسلام على رسول الله أتى بهذا البيت وهو سؤال الله الإعانة في هذا النظم فيما توخينا أي فيما تحرينا من الإبانة.

عن مذهب الإمام زيد الفرضي

 

إذ كـان ذاك مـن أهم الغـرض

 

والمقصود بالزيد هو زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي الجليل - رضي الله عنه - وسنتكلم بعد قليل عن وجه كونه مخصوصا بأنه أفرض الصحابة وهل تصح هذه المقولة وأنها لا تصح:

................................

 

إذ كـان ذاك مـن أهـم الغرض

يعني في هذا النظم علما هذا مفعول لأجله.

علما بأن العلم خير ما سعـي

 

.........................

العلم هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع، هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع، هذا أحسن ما قيل في حده، وهو كما قال الناظم: خير ما سعي

................................

 

فيه وأولى ما له العبد دعـي

أي من أفضل ما سعى إليه الساعون وخير ما دعي إليه الناس؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يعرف ما يحبه الله وما يكرهه الله إلا عن طريق العلم، ولا يمكن يتعبد لله سبحانه كما أمر الله وكما يحب الله إلا عن طريق العلم، « وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب »4 ولهذا قال الإمام أحمد: طلب العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، وهو معدود عند أهل العلم أفضل من نوافل العبادات؛ لهذا قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم فهو عند أهل العلم أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات حتى أفضل من صلاة النافلة مع عظم شأن الصلاة وأنها أحب العمل إلى الله تعالى، مع ذلك فكثير من أهل العلم إن اشتغال بطلب العلم أفضل من الاشتغال بالصلاة النافلة وبنوافل العبادات عموما، وذلك لأن طلب العلم نفعه متعدد بينما نوافل العبادات نفعها قاصر على صاحبها، والمقصود بالعلم إذا أطلق في الكتاب والسنة هو علم الشريعة ولا يدخل في ذلك العلوم الدنيوية الأخرى لا يدخل في ذلك علم الطب أو الهندسة أو الفلك أو غيرها من العلوم الدنيوية، ولذلك تجد أن بعض الناس عندما يستدل على فضل تلك العلوم الدنيوية يستدل بآيات قرآنية ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾5 .

وهذا استدلال غير صحيح لأن المقصود بالعلم في الكتاب والسنة هو علم الشريعة لأنه هو ميراث الأنبياء، الأنبياء لم يورثوا علوم الدنيا وإنما ورثوا علم الوحي علم الشريعة، وقد عقد الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتابه القيم مفتاح دار السعادة عقد مقارنة بين العلم والمال، وذكر أن العلم أفضل من المال من أكثر من مائة وخمسين وجها، كان من عجائب ما ذكر أن قال أن انظر حتى الكلاب تشرف بالعلم واستدل بقول الله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾6 الكلاب المعلمة صيدها حلال بينما الكلاب غير المعلمة صيدها حرام، والعلم هو الذي يخلد لصاحبه ذكرا في الدنيا والآخرة وانظروا إلى من كان قبلنا من الأمم الأجيال السابقة من الذين بقي ذكرهم مثلا في عصر الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد هل سمعتم أنه ترجم لتاجر من التجار أو غني من الأغنياء أو ثري، أبدا إنما الذين بقي ذكرهم ويترحم عليهم والدعاء لهم هم العلماء علماء الشريعة، فالعلم كما قال الإمام أحمد: لا يعدله شيء لمن صحت نيته، ولهذا أشار الناظم إلى هذا من أجل تحفيز الهمم، والعلم سبب لنيل الرفعة في الدنيا والآخرة ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾7

ثم قال المؤلف:

وأن هـذا العلم مخصوص بما

 

قد شاع فيه عند كل العلما

- يعني علم الفرائض أو المواريث أي وعلما بأن هذا العلم علم الفرائض - أي أن علم الفرائض مخصوص بأمر قد شاع وانتشر وهو ما ذكره في البيت التالي من أنه قال:

وأنـه أول علــم يفقـــد

 

في الأرض حتى لا يكاد يوجد

يشير بذلك الناظم إلى الحديث حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم وهو ينسى وهو أول علم ينزع من أمتي »8 هذا الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم والدارقطني، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ومداره على حفص بن عمر وهو متروك، وجاء في حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما »9 .

وهذا الحديث رواه أحمد والنسائي والحاكم والدارقطني والدارمي لكنه منقطع كما قال الحافظ في التلخيص، فهذا الحديث لا يصح من جهة الإسناد وإن كان كما قال الناظم قد اشتهر لكن الشهرة ليست بدليل على الصحة خاصة إذا كانت الشهرة متأخرة هذا من الأحاديث المشتهرة لكنها يعني لا تصح سندا، ولكن قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن العلم يقبض في آخر الزمان وأنه يكثر الجهل وبين - عليه الصلاة والسلام - صفة قبض العلم فقال: « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العلماء ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا »10 .

هذا يدل على أنه في آخر الزمان سوف يقل العلم والعلماء ويكثر الجهل لكن تخصيص هذا بالفرائض والمواريث لم يصح فيه شيء؛ ولكن على تقدير صحة الحديث يعني حاول بعض أهل العلم أن يستنبط ما جاء في حديث أبي هريرة من كون علم الفرائض نصف العلم فقالوا على تقدير صحة الحديث: ما وجه كون الفرائض نصف العلم ؟ ولهم في هذا أقوال كثيرة من أشهرها أن للناس أن للناس حالين حال حياة وحال موت، والفرائض تتعلق بأحكام الموت بينما بقية العلوم تتعلق بأحكام الحياة، فأصبحت بهذا الفرائض نصف العلم؛ ولكن كما قلنا الحديث لا يصح.

ثم قال المؤلف:

وأن زيـدا خـص لا محـالــة

 

بـما حبـاه خاتـم الرسالـة

مـن قولـه في فضلـه منبهـا

 

أفرضكـم زيـد وناهيك بهـا

فكـان أولـى بـاتباع التـابـع

 

لا سيـما قد نحـاه الشافعـي

 

وأن زيدا هو زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: خص لا محالة، يقصد الناظم بذلك حديث « أفرضكم »11 زيد« »12 ولهذا قال بقوله منبها أفرضكم زيد، اشتهر أن أفرض الصحابة زيد بن ثابت اشتهر ذلك شهرة كبيرة ولكنها عند التحقيق لا تصح؛ بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - قال إن زيد بن ثابت لم يكن معروفا بالفرائض على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا في مجموع الفتاوى المجلد الحادي والثلاثين صفحة ثلاثمائة واثنين وأربعين قال: الحديث « أفرضكم »11 زيد« »12 حديث ضعيف لا أصل له، ولم يكن زيد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - معروفا بالفرائض، هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، عندما نرجع للحديث حديث « أفرضكم »11 زيد« »12 أول هذا الحديث أوله « أرحم أمتي بأمتي »11 أبو بكر«، وأشدهم في أمر الله »12 عمر«، وأصدقهم حياء »12 عثمان«، وأقرؤهم لكتاب الله »12 أبي بن كعب«، وأفرضهم »12 زيد بن ثابت«، وأعلمهم بالحلال والحرام »12 معاذ بن جبل«، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة »12 أبو عبيدة« »12 .

هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم وهو من أحاديث بلوغ المرام وساقه الحافظ في بلوغ المرام بقوله وعن أبي قلابة عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « أفرضكم »11 زيد« »12 قال الحافظ أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي دواد وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وأعل بالإرسال، في قوله وعند سياق الحافظ قوله وعن أبي قلابة عن أنس ليس من عادته أن يذكر الراوي عن الصحابي ولكنه ساقه هنا لأجل التنبيه للمغزى، مغزى العلة في هذا الحديث وهي رواية أبي قلابة عن أنس، وقال الحافظ في الفتح فتح الباري إسناده صحيح إلا أن الحفاظ قالوا إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والذي اقتصر عليه البخاري قوله: « ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة »13 أبو عبيدة« »12 .

أما هذه الجملة: لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة، فهذه متفق على أنها صحيح قد أخرجها البخاري في صحيحه لا إشكال في هذا لكن أول الحديث أوله: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، والذي فيه أفرضهم زيد، هذه هي التي فيها الكلام وفيها المقال، إسناده إذا نظرنا إلى الإسناد نجد أن أسناده صحيح كما قال الحافظ؛ لكن فيه علة قادحة وهذه العلة لا يعرفها إلا الحذاق والحفاظ وكبارالأئمة ولذلك فإن علم الحديث من العلوم الدقيقة قد تكون فيه بعض العلل التي لا يعرفها إلا الحذاق وكبار الأئمة، هنا هذا الحديث روي من طريق أبي قلابة عن أنس وأبو قلابة سمع من أنس لكن الأئمة والحفاظ قالوا رغم أن أبا قلابة سمع من أنس إلا أنه لم يسمع منه هذا الحديث.

ولهذا قال الحافظ في التلخيص الحافظ ابن حجر قال في التلخيص سمعه أبي قلابة من أنس صحيح إلا أنه قيل إنه لم يسمع منه هذا الحديث، ثم نقل عن الأئمة عن الدارقطني والبيهقي والحافظ والخطيب البغدادي أن الموصول منه ذكر أبي عبيدة فقط وأن الباقي مرسل، ثم تكلم الحافظ عن بقية شواهده وضعفها، ويكون إذن هذا الحديث ضعيفا عند الأئمة والحفاظ، قد ذكره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في سلسلة الأحاديث الصحيحة ذكر هذا الحديث وذكر له عدة شواهد وصححه بمجموع شواهده؛ ولكن نقل لي أحد الإخوة عن أحد طلابه أن الشيخ - رحمه الله - روجع قبيل وفاته وأنه رجع عن تصحيحه وأنه صار إلى القول بتضعيفه وأتى لي بمقدمة لأحد طلابه ذكر فيها هذا أيضا، فيكون الشيخ ناصر - رحمه الله - أيضا تراجع عن تصحيحه واتفق مع بقية الأئمة على تضعيف هذا الحديث، فيكون إذن هذا الحديث عند التحقيق لا يصح.

ونحن نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: إنه ضعيف لا أصل له وأن زيدا لم يكن أصلا معروفا بالفرائض على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والعجيب اشتهار هذه يعني المقولة أن أفرض الصحابة زيد رغم أن هذا الحديث ضعيف، وهذا الرحبي الآن قد ذكر هذا في هذه المنظومة والشافعي - رحمه الله - بنى مذهبه كله على آراء زيد بن ثابت تجدون مذهب الشافعية مبني على آراء زيد كل مسألة يقول فيها زيد بقول يأخذ الشافعي برأيه بناء على هذا الحديث، ولذلك إن الشافعي لم يقل مثلا بتوريث لم يقل بأن الجد يحجب الإخوة؛ لأن زيد لم يقل بهذا.

ومسائل كثيرة نجد أن الشافعي يتبع فيها زيدا - رضي الله عنه - ولكن حتى على تقدير صحة الحديث أقول لو افترضنا صحة الحديث فإنه لا يلزم أن تكون جميع الآراء التي يراها زيد بن ثابت في الفرائض أن تكون هي الصواب لأن زيدا ليس معصوما عن الخطأ ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾14 من العلماء المعاصرين من وجه توجيها آخر مثل الشيخ محمد بن العثيمين - رحمه الله -قال إنه على تقدير صحته فإن هذا الحديث خطاب لقوم معينين قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرضكم زيد، وليس ذلك عاما لجميع الأمة، ولكن يشكل على هذا أنه جاء ببعض الروايات بأنه قال في أول الحديث « أرحم أمتي بأمتي »11 أبو بكر« »12 إلى أن قال: وأفرضهم - يعني أفرض الأمة - زيد، وفي كل حال فالحديث كما ذكرنا لا يصح من جهة الإسناد، والله تعالى أعلم.

ثم قال المؤلف:

فهاك فيه القول عن إيجـاز

 

.................................

إيجاز: يعني اختصار، والمختصر هو ما قل لفظه وكثر معناه

...............................

 

مبـرأ عـن وصمـة الألغـاز

الألغاز جمع لغز، واللغز هو الكلام المعمى الذي قد يفهم منه خلاف ما قصد به، وينبغي لطالب العلم ولمن يقصد التأليف أن يحرص على التبسيط والتيسير والبعد عن الكلام الذي قد لا يكون مفهوما قد لا يكون واضحا للمخاطب أو للقارئ، وهذا هو نهج السلف - رحمهم الله - ثم ذكر ذلك الشاطبي وغيره فهم يحرصون على تبسيط العبارة وعلى إلقاء الكلام على عواهله من غير تشدق في العبارة أو اختيار لغرائب الألفاظ؛ لأن هذا ليس من نهج السلف، كانوا يحرصون على التبسيط والتيسير، ولهذا كلما كان العالم أكثر رسوخا في العلم كلما كانت عبارته أوضح وأبسط وأيسر للمخاطبين.

ثم قال المؤلف: ( باب أسباب الميراث ).

قبل أن ندخل في أسباب الميراث يحسن أن نشير إلى الحقوق المتعلقة بالتركة يذكرها الفقهاء ويذكرها أيضا بعض من كتب في الفرائض والمواريث، فنقول: التركة هي ما يخلفه الميت من مال أو حق أو اختصاص، ويتعلق بها خمسة حقوق، الأول: مؤن تجهيز الميت من كفن وأجرة مغسل وحفار ونحو ذلك، ومن ذلك شراء القبر فإن في بعض الدول تباع القبور يدخل في هذا، وهذه مقدمة حتى على الدين والوصية، الأمر الثاني: الديون المتعلقة بعين التركة كالديون الموثقة برهن فإنها مقدمة على الديون المرسلة، الحق الثالث: الديون المطلقة المرسلة التي لا تتعلق بعين التركة وإنما تتعلق بذمة الميت، الرابع: الوصية الثلث فأقل لغير وارث؛ لقول الله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾15 في آية أخرى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾15 .

وهنا قدم الله تعالى في الذكر وصية، مع أن الدين مقدم على الوصية بالإجماع، وإنما قدم الله تعالى الوصية على الدين قيل لأن الوصية أفضل فإنها تقع على سبيل البر والصلة خلاف الدين فإنه يقع غالبا بنوع تفريط، وقيل لأن الورثة يغلب عليهم التساهل في تنفيذ الوصية لكونها شيء يؤخذ بغير عوض بخلاف الدين فإنه يؤخذ بعوض وله من يطالب به، فقدمت الوصية على الدين من باب الاهتمام بشأنها، وبكل حال العلماء مجموعون على أن الدين مقدم على الوصية ولكن قدمت الوصية على الدين لعلها لهذه المعاني التي ذكرنا ولعلها لمعان أخرى أيضا، والحق الخامس: هو الإرث والذي سنتكلم عنه بالتفصيل إن شاء الله.

 

1 : مسلم : الصلاة (395) , والترمذي : تفسير القرآن (2953) , وأحمد (2/285) , ومالك : النداء للصلاة (189).
2 : سورة الفاتحة (سورة رقم: 1)؛ آية رقم:5
3 : أحمد (2/299).
4 : الترمذي : العلم (2682) , وأبو داود : العلم (3641) , وابن ماجه : المقدمة (223) , وأحمد (5/196).
5 : سورة الزمر (سورة رقم: 39)؛ آية رقم:9
6 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:4
7 : سورة المجادلة (سورة رقم: 58)؛ آية رقم:11
8 : الترمذي : الفرائض (2091) , وابن ماجه : الفرائض (2719).
9 : الدارمي : المقدمة (221).
10 : البخاري : العلم (100) , ومسلم : العلم (2673) , والترمذي : العلم (2652) , وابن ماجه : المقدمة (52) , وأحمد (2/162) , والدارمي : المقدمة (239).
11 : الترمذي : المناقب (3791) , وابن ماجه : المقدمة (155) , وأحمد (3/281).
12 :
13 : البخاري : المناقب (3744) , ومسلم : فضائل الصحابة (2419) , والترمذي : المناقب (3791) , وابن ماجه : المقدمة (155) , وأحمد (3/281).
14 : سورة يوسف (سورة رقم: 12)؛ آية رقم:76
15 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:11