موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الشركات المساهمة - شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة لفضيلة د. سعد بن تركي الخثلان
  
 
 شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة
 مقدمة الشارح
 أحكام الأوراق المالية
 الشركات المساهمة
 الصناديق الاستثمارية
 مسائل متعلقة بشركات المساهمة
 الأوراق النقدية
 أحكام بيوع التقسيط
 حقيقة بيع العينة والتورق
 التأجير المنتهي بالتمليك
 بطاقات الائتمان
 عقود التوريد وعقود المناقصات والمزايدات
 المسابقات التجارية وأحكامها
 شركات التسويق الهرمي
 الأوراق التجارية
 خصم الأوراق التجارية
 قبض الأوراق التجارية
 شيكات التحويلات المصرفية
 جمعيات الموظفين
 التأمين
 خطاب الضمان
شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة - الشركات المساهمة
الشركات المساهمة

الشركات المساهمة

إذا أردنا أن ننتقل إلى الشركات المساهمة نريد أولا أن نعرف معناها ثم نأتي للتكييف الفقهي لها.

الشركات المساهمة: عرفت بأنها الشركة التي يكون لها رأس مال مقسم إلى أسهم متساوية القيمة قابلة للتداول، ويكون لكل شريك منها بحسب ما وضع من أسهم ولا يكون مسئولا إلا في حدود أسهمه فهي عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهما في هذه الشركة، وقد نشأت أول ما نشأت هذه الشركات المساهمة قبل خمسمائة عام تقريبا، نشأت في مدينة البندقية في إيطاليا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى المجتمعات الإسلامية وهي متأثرة بالنزعة الرأسمالية ذلك أن الهدف الأساسي منها هو جمع المال من المساهمين ما أمكن، فهي متأثرة بالنظام الرأسمالي والنزعة الرأسمالية، ولهذا من الأصول عندهم - عند القائمين على هذه الشركات - هي أن المال يجب ألا يبقى بل لا بد من استثماره وتحريكه فلا يبقى ساكنا لا يستثمر، ولهذا عندهم أنه لا بد من أن تؤخذ فوائد ربوية على أموال المساهمين، ويعتبرون بقاء أموال المساهمين بدون استثمار وذلك بأخذ الفوائد الربوية يعتبرون ذلك خطأ اقتصاديا، هكذا نشأت هذه الشركات بهذا التصور بهذا المفهوم، وانتقلت للمسلمين بهذا التصور ولهذا لا تعجب إذا وجدت أن جل الشركات المساهمة تتعامل بالربا إقراضا أو اقتراضا، بل إلى وقت قريب لا تكاد تجد ولو شركة مساهمة واحدة لا تتعامل بالربا، ما في ولا شركة واحدة، لكن الآن ولله الحمد وجد قرابة عشرين شركة أو إحدى وعشرين، أصبحت لا تتعامل بالربا في ما ظهر من القوائم المالية لها، وهذه المسألة سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى إذا انتهينا من الكلام عن أحكام هذه الشركات.

أقول: يعني هذا هو السبب في كون معظم الشركات المساهمة لا تخلو من التعاملات الربوية، لأن الأساس الذي قامت عليه هو يعني هذا المفهوم الرأسمالي، وهو أن الشركات لا بد أن تستثمر أموال المساهمين فيها، وألا تبقى ساكنة ومن وجوه الاستثمار عندهم هو أخذ الفوائد الربوية عليها، والاقتراض بالفوائد الربوية عند الحاجة، ولكن نحن المسلمين ينبغي ألا نتلقف هذه المفاهيم وهذه التصورات الخاطئة التي لا يقرها ديننا، ولكن مع الأسف بعض المسلمين يتلقفون كل ما يأتي من الغرب من غير تمحيص ومن غير تدقيق، وإلا فإن الشركات المساهمة هذه لها فائدة كبيرة في المجتمع لو أنها سلمت من الفوائد الربوية فإن لها فوائد عظيمة، وذلك لأن هذه الشركات تقوم بأعمال ضخمة فإنها تجمع من المساهمين رأس مال ضخم عندما تطرح شركة للاكتتاب تجمع رأس مال ضخم بالملايين وربما بالبلايين والمليارات، وتنشأ مشاريع ضخمة: مشاريع مثلا: ألبان، مشاريع زراعية، أسمنت، اتصالات، وهذه المشاريع الضخمة لا يستطيع أن يقوم بها الفرد الواحد من الناس، لا يمكن أن يقوم بها فرد واحد من الناس إلا ما ندر، فهذه الشركات إذًا لها فائدة بالنسبة لاقتصاد البلد، فهي تقوم بمعظم المشاريع الضخمة في البلد فيستفيد منها اقتصاد البلد، ويستفيد منها المساهمون أيضا بما تجنيه عليهم وتدر عليهم من أرباح، لكن لو أنها سلمت من هذه التعاملات الربوية فهي كما ذكرنا لها فائدة كبيرة على المجتمع، ولكن الإشكالية هو أنها لا تخلو في الغالب من هذه التعاملات المحرمة.

إذًا هذه هي الشركات المساهمة، إذا أردنا تكييفها الفقهي يعني على أي قسم يمكن تخريجها، نحن ذكرنا أقسام الشركة عند الفقهاء وذكرنا أنها تنقسم إلى: شركة عنان ومضاربة ووجوه وأبدان. فعندما عرفنا الشركات المساهمة عرفنا المقصود بها، فهل نعتبرها قسم مستقلا غير معروف عند الفقهاء، أو أنه يمكن أن نرجعها إلى أحد هذه الأقسام الأربعة.

بحثت هذه المسألة بحثها عدد من الباحثين، ومنها رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى في الشركات المساهمة، وخلص الباحث إلى أن الشركات المساهمة يمكن أن تكون شركة مضاربة، أو شركة عنان ومضاربة، فتكون شركة مضاربة إذا كان مجلس الإدارة لا يأخذ أو لا يكون مساهما، إذا كان مجلس الإدارة ليس مساهما، وإنما يأخذ مكافأته من الربح فإنها تكون مضاربة؛ لأنه يكون المال من المساهمين والعمل من مجلس الإدارة، فتكون مضاربة، وأما إذا كان مجلس الإدارة مساهما فإنها تكون عنان ومضاربة، إذا نقول: الشركات المساهمة إما أن تكون شركات مضاربة، إذا كان مجلس الإدارة ليس مساهما وإنما يأخذ مكافأته من الربح، وإما أن تكون عنان ومضاربة إذا كان مجلس الإدارة مساهما، وعلى كلا التقديرين فهي شركات الأصل فيها أنها مباحة، لأنها شركة العنان وشركة المضاربة كلها من الشركات المباحة، وبهذا يتبين لنا أن الأصل في الشركات المساهمة هو الحل والإباحة، هذا هو الأصل، وكما مثلت لكم قبل قليل في أننا لو اجتمعنا مثلا وأردنا تكوين مشروع من المشاريع وطرحناه على شكل أسهم فهذا الأصل فيه الإباحة، الأصل في مثل هذا الإباحة، ولكن يمكن تقسيم الشركات المساهمة الموجودة اليوم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يكون العمل الذي تمارسه مباحا، ولا تتعامل تلك الشركات بالربا إقراضا ولا اقتراضا، فتكون شركات زراعية أو صناعية أو في الاتصالات أو في غير ذلك، وهذا لا إشكال في جواز المساهمة فيها كما ذكرنا، هذا القسم الحكم فيه واضح تماما وهو أنه يجوز الدخول في هذه الشركات والمساهمة فيها.

القسم الثاني: أن يكون العمل الذي تمارسه الشركة محرم كشركات الخمور مثلا، شركات تصنيع الخمور، والتبغ يعني الدخان، والبنوك الربوية ونحو ذلك، فهذه أيضا الحكم فيها واضح وهو أنه تحرم المساهمة فيها وتداول أسهمها.

إذًا هذان القسمان الحكم فيهما واضح تماما، القسم الأول: شركات يكون العمل الذي تمارسه الشركة مباحا ولا تتعامل بالربا مطلقا هذه مباحة، القسم الثاني العكس تماما: العمل الذي تمارسه الشركة محرما فهذه أيضا يحرم الدخول فيها ويحرم تداول أسهمها.

القسم الثالث: أن يكون العمل الذي تقوم به الشركة مباح في أصله، كأن يكون في زراعة أو تجارة أو صناعة ونحو ذلك، ولكن تلك الشركة تتعامل بالربا إقراضا أو اقتراضا، وهذا هو حال معظم الشركات المساهمة الآن فتكون الشركة في أصلها مباحة في الأسمنت مثلا، في التصنيع، في الزراعة ولكنها تقترض بالربا أو تقرض بالربا، عندها قروض ربوية، هذا القسم هو موضع الإشكال في الحقيقة، وقد اختلف فيه العلماء المعاصرون على قولين مشهورين:

القول الأول: أنه يجوز الدخول في هذه الشركات والاكتتاب فيها وتداول أسهمها بشرط أن يتخلص المساهم من الربا بعد حصوله على الأرباح، وذلك بأن يتخلص من الربا إن عرف مقداره فإن لم يعرف مقداره فأكثر ما قيل أنه يتخلص من نصف الربح، وأبرز من قال بهذا القول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - وفتواه في هذا مكتوبة ومحررة، على أنه قال: الورع عدم الدخول في هذه الشركات، ولكن إذا لم يسلك المسلم سبيل الورع ودخل فيها فعليه أن يتخلص من نسبة الربا إن عرف مقداره فإن لم يعرف مقداره تخلص من نصف الربح.

وعلى هذا القول عامة الهيئات الشرعية في البنوك، فهم على هذا القول، على خلاف بينهم في تحديد نسبة الربا التي يجوز معها الدخول في تلك الشركات، وأكثر ما قيل: ثلاثين في المائة، وإنما حددوا بهذا التحديد أخذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « الثلث والثلث كثير »1 .

قالوا: فالثلث ثلاثة وثلاثين في المائة، وثلث وهذا هو الحد الكثير، وما كان أقل من ثلاثة وثلاثين يعتبر قليلا، فقالوا: ما دامت القروض الربوية في الشركة لا تزيد على ثلاثين في المائة فيجوز الدخول فيها مع التخلص من الربا، وبعضهم قال: حددها بعشرة في المائة وبعضهم حددها بخمسة في المائة لكن أكثر ما قيل هو ثلاثون في المائة.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات مطلقا، ولو كانت نسبة التعامل بالربا واحد في المائة، فيحرم الدخول في هذه الشركات، يحرم الاكتتاب فيها ويحرم تداول أسهمها - بيعا وشراء - أو نحو ذلك، وهذا القول قال به أكثر العلماء المعاصرين، وإنما قلت أكثر العلماء المعاصرين لأن أحد إخواننا المشايخ قد عمل استبانة لمعرفة آراء العلماء المعاصرين في هذه المسألة فوجد أن أكثر العلماء على هذا القول، وعلى هذا القول أيضا مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وسوف أنقل لكم نص القرار بعد قليل إن شاء الله، مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي برئاسة سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يعني صدر هذا القرار لما كان الشيخ عبد العزيز بن باز هو الرئيس لهذا المجمع، وأيضا ذهب لهذا القول مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فإذًا اتفق المجمعان على هذا القول، وأيضا ذهب لهذا القول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله.

إذًا هذان قولان مشهوران في هذه المسألة الشائكة في الحقيقة وبعض العلماء المعاصرين توقف في هذه المسألة نظرا لقوة الخلاف فيها.

فنعرض الآن لأدلة كل قول ثم نبين إن شاء الله تعالى القول الراجح فيها.

ينبني يا إخوان يعني على هذه المسألة حكم الصناديق الاستثمارية، إذا قلنا بالجواز جازت الصناديق الاستثمارية الشرعية -التي تسمى الشرعية الآن، وإذا قلنا بالتحريم قلنا بتحريم جميع الصناديق الاستثمارية يعنى هي مسألة مؤثرة في مسائل أخرى، لها أثر في مسائل أخرى فنريد الآن أن نذكر أدلة كل قول ومناقشتها ثم نبين القول الراجح في المسألة.

أدلة القول الأول: القائلون بالجواز أدلتهم ترجع إلى دليلين في الحقيقة:

الدليل الأول: هو الاستدلال ببعض القواعد التي ذكرها الفقهاء، والتي تدل على أنه يغتفر في القليل ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، وأنه إذا اختلط الحلال والحرام، وكان الحرام محرما لكسبه لم يحرم الجميع، فاستدلوا بهذه القواعد يعني منها: يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، فقالوا هذه القروض الربوية تدخل تبعا والحكم للأكثر، وهو يعني تعاملات الشركة في الأصل أنها مباحة: زراعية، صناعية، تجارية وقالوا أنه عند الفقهاء قاعدة وهي: أنه إذا اختلط المال الحلال بالمال الحرام وكان الحرام محرما لكسبه لم يحرم الجميع، وقالوا أيضا هنا قاعدة أخرى عند الفقهاء وهي: للأكثر حكم الكل. ونحو ذلك من القواعد، فقالوا: هذه القواعد تدل على أن المعول عليه هو الأكثر والمعول عليه هو الأغلب، قالوا: ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع اليهود وهم أكالون للسحت، وقد اختلط مالهم الحلال بمالهم الحرام ومع ذلك كان يقبل الهدية منهم بل قبل دعوتهم للوليمة، وذلك لأنه قد اختلط المال الحلال بالمال الحرام، فيكون الحكم إذًا للأكثر.

طيب لنسرد الأدلة ثم تأتي المناقشة، والدليل الثاني لهم: هو التبرير بالواقع، فقالوا: إن هذه الشركات المساهمة تقوم بأعمال عظيمة في المجتمعات فمثلا الكهرباء تعتمد على هذه الشركات شركات مساهمة، الإسمنت كذلك تقوم به شركات مساهمة، كثير من الصناعات التي يحتاج لها الناس تقوم بها شركات مساهمة، كثير من أمور التجارة التي يحتاج لها الناس تقوم بها شركات مساهمة، قالوا: فلو منعنا الناس من الدخول في هذه الشركات وقلنا: إنه يحرم الدخول فيها لتعطلت مصالح الناس، فالناس يحتاجون للكهرباء مثلا إذا قلنا أنه يحرم الدخول فيها انهارت هذه الشركات، ولحق الضرر بهؤلاء الناس، وهكذا الإسمنت مثلا يقوم على شركات مساهمة، فإذا قلنا بتحريم الدخول فيها انهارت هذه الشركات ولحق الناس الضرر، فإذًا المجتمع بحاجة لمثل هذه الشركات والواقع أن هذه الشركات تتعامل في جملتها بالربا، والذي لا يتعامل بالربا منها قليل جدا، إن لم يكن نادرا بالنسبة لمجموع الشركات، فنظروا هذه النظرة فقالوا: إن عموم البلوى يقتضي هو أن نقول بجواز الدخول فيها مع وجوب التخلص من نسبة الربا، بعد الحصول على الأرباح، هذه إذًا هي عمدة ما استدل به أصحاب هذا القول.

دليلهم الأول الاستدلال ببعض القواعد الفقهية: للأكثر حكم الكل، يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، إلى آخره. دليلهم الثاني: التبرير بالواقع وحاجة الأمة إلى هذه الشركات.

وأما أصحاب القول الثاني: القائلون بأنه لا يجوز الدخول في مثل هذه الشركات مطلقا فقالوا: إن المساهم يعتبر أحد ملاك هذه الشركة ودخوله في هذه الشركة يتضمن في الحقيقة مالا وعملا، فجميع أعمال الشركة تنسب إليه، لأن السهم في الحقيقة يمثل جزءا مشاعا من الشركة فالمساهم أحد ملاك هذه الشركة، فتنسب إليه جميع أعمال الشركة ومنها الإقراض أو الاقتراض بالربا، فيكون هذا المساهم قد تعامل بالربا بالوكالة، هو صحيح أنه لم يتعامل بالربا مباشرة لكنه تعامل بالربا بالوكالة، بأن وكل من يقوم عنه بجميع أعمال الشركة وهو مجلس الإدارة ومن ذلك الإقراض والاقتراض بالربا.

هذا هو ما استند إليه أصحاب هذا القول، فقالوا: إن جميع أعمال الشركة تنسب للمساهمين ومنها التعاملات الربوية، فتنسب إليك أنت أيها المساهم هذه التعاملات الربوية شئت أم أبيت، قالوا: ونجد أن الشريعة قد شددت في شأن الربا « فلعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه »2 قالوا فإذا كان كاتب الربا وشاهد الربا ملعون فكيف بمن يتعامل بالربا بطريق الوكالة.

إذًا هذه وجهة أصحاب هذا القول، وعند الموازنة بين هذه الأدلة نجد أن أدلة القول الأول الحقيقة يمكن أن تناقش، فاستدلالهم بالقواعد التي ذكرها الفقهاء من أن للأكثر حكم الكل، وأنه إذا اختلط المال الحلال بالحرام وكان الحرام حراما لكسبه لم يحرم الجميع، وأنه يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا. إلى غير ذلك مما ذكره الفقهاء من قواعد، هذه القواعد لا تنطبق على هذه المسألة في الحقيقة، لماذا؟ لأن هذه القواعد إنما تنطبق على ما إذا اختلط المال الحلال بالمال الحرام، بينما الشركات المساهمة تتضمن مالا وعملا ليس فقط مالا، مالا وعملا، ولئن اغتفرنا في مسألة المال فتبقي مسألة العمل، فأنت عندما تساهم في شركة من الشركات هناك مال وعمل منسوبان لك، المال قد بذلته والعمل منسوب لك أيضا، لكن بالوكالة وهو يقوم به مجلس الإدارة، فأنت ينسب لك مال وعمل، فلئن أخذنا بهذه القواعد وقلنا إنه يغتفر في القليل بالنسبة للمال فتبقي عندنا الإشكالية بالنسبة للعمل، فإذًا هذه القواعد إنما تنطبق على اختلاط مال حلال بمال حرام فقط، أما الشركات المساهمة لا تنطبق عليها هذه القواعد؛ لأنها تتضمن مالا وعملا، تنطبق هذه الشركات على إنسان اختلطت أمواله فيها حلال وحرام، فيجوز أن تبيع وتشتري منه وأن تقبل دعوته وتقبل هديته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود لكن الشركات المساهمة هي ليست اختلاط مال بمال فقط، ولكنها تتضمن مالا وعملا، فيكون الاستدلال بهذه القواعد إذًا غير صحيح.

وأما التبرير بحاجة الأمة إلى مثل هذه الشركات فهو غير صحيح، أرأيت لو تجرأ الناس على التعامل بالربا هل نقول بأنه يجوز التعامل بالربا لكون الناس قد احتاجوا له وتجرءوا عليه ونحو ذلك؟ ثم أيضا إن هذه الشركات المساهمة لم تتعين في الحقيقة طريقا للكسب، هناك طرق أخرى للكسب، وهناك طرق أخرى للاستثمار وطرق أخرى للنهوض بالاقتصاد، ثم أيضا إنه لا يقطع بارتفاع الحاجة من جراء ارتكاب هذا المحظور، فقد يساهم الإنسان بشركة مشبوهة فيخسر، ومن شروط استباحة المحظور عند الفقهاء أن يقطع بارتفاع الظلام، ثم أيضا أن معظم أسهم الشركات المساهمة إنما يملكها كبار المستثمرين وهم المتحكمون فيها، فتبقى نسبة من يزعم حاجتهم قليلة بالنسبة لأولئك، ثم قبل هذا كله إن الربا محرم قليله وكثيره، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبرر للناس التعاملات الربوية باسم الحاجة أو الضرورة، فالتبرير بالحاجة أو بالواقع غير مناسب واستدلال في غير محله، بل إن هذه الفتاوى في الحقيقة أو هذا الرأي في الحقيقة هو من أسباب استمرار تلك الشركات على هذه التعاملات، فيجدون من يفتيهم من يفتي المساهمين بجواز الدخول مع التخلص من الربا، فتستمر تلك الشركات في هذه التعاملات المحرمة.

فإذًا عرفنا وجهة أصحاب هذا القول وهو أنها ترجع إلى أمرين إلى قواعد وناقشناها وقلنا إن هذه القواعد لا تنطبق على الشركات المساهمة، الثاني: التبرير بالواقع وحاجة الأمة قلنا أيضا: إن هذا استدلال غير صحيح لأن الربا محرم قليله وكثيره، وحاجة الأمة أولا أنها غير مقطوع بها. ثانيا: حتى لو افترضنا أن هناك حاجة فإن الربا أمره عند الله تعالى عظيم جدا، ولا يمكن أن تكون الحاجة مبررة للدخول في هذه التعاملات الربوية.

وأما أصحاب القول الثاني الذين قالوا: بأنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات، فدليلهم في الحقيقة قوي جدا وكما سمعتم هم قالوا: إن الشريك يملك جزءا من هذه الشركة شاء أم أبى وتنسب إليه جميع أعمال هذه الشركة ومنها التعاملات الربوية.

والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الرأي الراجح في هذه المسألة هو القول الثاني، وهو أنه يحرم الدخول في الشركات المساهمة إذا كانت تتعامل بالربا ولو بنسبة واحد بالمائة، وذلك لقوة ما استدلوا به ولعدم وجود دليل صحيح يبرر أو يبيح الدخول في هذه الشركات التي تتعامل صراحة بالربا، وتعلن هذا صراحة في قوائمها المالية وتتجرأ على الربا الذي هو حرب لله ورسوله، وأنقل فيما يأتي قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - أنقل نص هذا القرار، وهو في الحقيقة قرار مهم؛ لأن هذا المجمع يمثل كبار علماء العالم الإسلامي، وهو أقوي من مجمع منظمة المؤتمر، فهو يمثل في الحقيقة كبار علماء العالم الإسلامي ليس خاصا بعلماء المملكة، وهذا القرار موجود في مجلة المجمع، ولكنه لم يبرز في الحقيقة بل إن القول الثاني لم يبرز، ولذلك فالقول الآن المعروف عند الناس هو أنه يجوز الدخول مع التخلص من الربا مع أن القول الثاني هو الأقرب للنصوص والقواعد الشرعية.

ولكنه كما ذكرت لم يبرز هذا القول.

قرار المجمع الفقهي القرار الرابع بشأن حكم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، نص القرار:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

فإن مجلس المجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة والتي بدأت يوم السبت العشرين من شهر شعبان 1415للهجرة قد نظر في هذا الموضوع وقرر ما يلي:

1- بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمر جائز شرعا. وهذا أشرنا إليه.

ثانيا: لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها. وهذا أيضا أشرنا إليه.

ثالثا: -هذا هو القسم الثالث للشركات الذي هو موضع الإشكال- يقول: لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشتري عالما بذلك.

رابعا: إذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا ثم علم فالواجب عليه الخروج منها، والتحريم في ذلك واضح.

هكذا نص قرار المجمع. يقول: والتحريم في ذلك واضح؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا؛ ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا؛ لأن السهم يمثل جزءا شائعا من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة.

فكل مال تقرضه الشركة بفائدة أو تقترضه بفائدة فللمساهم نصيب منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه وبتوكيل منه، والتوكيل بعمل محرم لا يجوز، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

هذا هو نص قرار المجمع أيها الإخوة، وهو كما ترون قرار قوي ومختصر وعبارته مركزة.

وهذا هو الذي ندين لله تعالى به، وهو الذي تقتضيه الأدلة والنصوص الشرعية؛ لأن الربا كما ذكرنا في درس الأمس أمره عند الله عز وجل عظيم جدا، وقد توعد الله تعالى وآذن بالحرب من تعامل بالربا، حتى إنه أعظم من الزنا وأعظم من شرب الخمر وهو من أكبر الكبائر ومحرم في جميع الأديان السماوية قليله وكثيره، وقد جاء في السنن عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند حسن أو صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم « سئل عن بيع الرطب بالتمر وقال عليه الصلاة والسلام: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذًا »3 بيع الرطب بالتمر يعني مع التقابض ومع التماثل بالكيل أو الوزن مع ذلك لا يجوز، يعني لو أردت أن تبيع كيلو تمر بكيلو رطب مع التقابض لا يجوز، مع أنه تحقق الشرطان التقابض والتماثل هذا كيلو وهذا كيلو ومع ذلك لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس، فهو تفاوت يسير بل يسير جدا، ومع ذلك منع منه النبي صلى الله عليه وسلم، فما الذي يبيح الدخول في الشركات تصل نسبة القروض الربوية فيها إلى ثلاثين في المائة، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم منع من بيع الرطب بالتمر مع أن التفاوت يسير جدا فما الذي يبيح الدخول في شركات تتعامل بالربا إلى نسبة ثلاثين بالمائة، بل تصل القروض إلى ملايين أحيانا، بل وصل في إحدى الشركات الكبيرة إلى مليارات، وصلت القروض الربوية إلى مليارات.

ثم إننا إذا نظرنا إلى مقاصد الشريعة نجد أن من مقاصد الشريعة تضييق المسالك الفضية للربا وسد جميع الذرائع المفضية للربا، ولذلك يحرم بيع العينة حتى لو حصل من غير مواطأة، العينة معناها أن يبيع شخص سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه نقدا، لو حصل هذا من غير مواطأة، نقول: حرام. لماذا؟ سدا للذريعة.

وأيضا يحرم بيعتان في بيعة، والصحيح أنه هو بيع العينة، وسلف وبيع والقرض الذي جر نفعا، كل هذا سدا لذريعة الربا.

وإذا كان الفقهاء يمنعون من الإسهام في المعصية بطريق غير مباشر فيمنعون من بيع السلاح وقت الفتنة، ويمنعون من بيع العنب لمن يتخذه خمرا ونحو ذلك؛ فلأن يقال بمنع الإسهام في المعصية بطريق مباشر من باب أولى.

فيمنع من الإسهام في الشركات المساهمة المشهورة بالربا؛ لأنها في الحقيقة قد تجرأت على هذا الأمر العظيم وهو الربا، وقد استخفت بأوامر الله ورسوله ومستمرة على هذا العمل، ولذلك فإذا أشيع مثل هذا القول بأنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات فإن هذا سيكون أكبر رادع هذه الشركات لكي لا تتعامل بالربا.

ولهذا نقول: إن القول الصحيح في هذه المسألة هو أنه يحرم الدخول في جميع الشركات التي تتعامل بالربا ولو بنسبة واحد بالمائة.

وكما ذكرت في بداية هذا الدرس قد كان في السابق لا يكاد يوجد ولا شركة واحدة لا تتعامل بالربا، وهذا الذي دفع أصحاب القول الأول لأن يقولوا بالجواز؛ لأنهم قالوا: إن هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية يجعلنا نعيد النظر ونجتهد ونقول بجواز الدخول في هذه الشركات مع وجوب التخلص من نسبة الربا.

وبعض أصحاب هذا القول قال: إنني أقول بهذا القول لفترة مؤقتة لحين أن توجد شركات لا تتعامل بالربا، وقد وجد ولله الحمد الآن مجموعة من هذه الشركات، وجد الآن ما يسمى بالشركات النقية وهي قرابة الثنتين وعشرين شركة.

وهذه الشركات يعيني صنفها بعض الإخوة بناء على دراسة القوائم المالية للشركات، فوجدوا أن القوائم المالية لهذه الشركات قد خلت من التعامل بالربا فسموا هذه الشركات بالشركات النقية، ولكن أيضا أشير هنا إلى أن هذه الشركات النقية التي تبلغ قرابة إحدى أو ثنتين وعشرين شركة نقاوتها نسبية، يعني ما في شركة نقية مائة بالمائة ما تجد شركة نقية الآن مائة بالمائة، إنما هذه الشركات نقاوتها نسبية؛ ومعنى ذلك يعني أن هذه الشركات ليست نقية نقاء كاملا، وذلك لأن أولا: الحكم عليها بأنها نقية إنما ذلك من خلال دراسة قوائمها المالية لسنة واحدة فقط أو سنتين وليس لجميع نشاطات الشركة من بدايتها، بل كانت كما ذكرت جميع الشركات تقريبا تتعامل بالقروض الربوية، فالحكم عليها بأنها نقية إنما كان بدراسة قوائمها المالية في سنة أو سنتين فقط.

الأمر الثاني: أن الحكم بأنها نقية إنما هو صادر من قراءة هذه القوائم المعلنة، ولا يعلن عن تعاملاتها في الباطن، ومعلوم كثرة الحيل عند الناس خاصة فيما يتعلق بالأمور المالية.

الأمر الثالث: أن هذه الشركات النقية تملك الحقيقة أسهما لشركات غير نقية، فإذًا يعني لا نستطيع أن نقطع بأنها نقية مائة بالمائة.

الأمر الرابع: أن هذه الشركات التي قيل إنها نقية لا نستطيع أن نضمن أنها لن تتعامل بالربا مستقبلا؛ لأنها تجرأت على الربا في الماضي فلا يبعد أن تتجرأ على الربا في المستقبل أو بطريق غير معلن، ولذلك يعني نقاوتها نسبية، ولكن بكل حال لا شك أنها أخف من الشركات التي تعلن صراحة أنها تتعامل بالربا، ولكن ينبغي أيضا كما ذكرت أن يعلم بأن هذه الشركات النقية نقاوتها في الحقيقة نسبية، ولهذا لا تكاد تجد شركة نقية مائة بالمائة، ولهذا إذا استنصحني أحد الناس وقال: أنا أريد تعاملا بعيد عن الشبهة أقول له: دع جميع الشركات المساهمة، لا يكاد الآن يوجد شركة مساهمة نقية مائة بالمائة، وقد يوجد ذلك في المستقبل ونرجو أن يتحقق ذلك لكن نتكلم عن الوضع في الوقت الحاضر، ولهذا من أراد البعد عن الشبهة يبتعد عن هذه الشركة، لكن من قال: أنا آخذ بالظاهر وأتعامل مع هذه الشركات التي ظهر منها الآن من خلال دراسة قوائمها المالية أنها نقية، فنرجو ألا يكون عليه حرج، ولكن إذا أراد أن يبتعد عن الشبهة مطلقا فعليه أن يبتعد عن جميع هذه الشركات؛ لأنها في الأصل الحقيقة هذه الشركات المساهمة كما ذكرت انتقلت لنا في الأصل من الغرب، وهي في أصلها وفي نظرتها وفي جذورها تنظر نظرة رأسمالية وهو أنه لا بد من تحريك رأس المال ولا بد من الإقراض أو الاقتراض بالربا.

وبعدما عرضنا لهذه المسألة أقول أيها الإخوة: إن القول الثاني رغم أنه هو القول الأقرب للنصوص والقواعد إلا أنه لم يبرز للناس بشكل واضح، ولذلك لأبرز هذا القول وأشيع، فإن هذا في الحقيقة سيكون أكبر رادع لمجالس إدارة الشركات التي تتعامل بالربا، والواقع أن القائمين على تلك الشركات يفعلون ذلك إما جهلا أو تساهلا، وعلى كلا التقديرين فهم مخطئون بهذا خطأ عظيما، ومرتكبون لجرم كبير، ولهذا فإن الذي ينبغي أن تقاطع هذه الشركات التي تتعامل بالربا حتى تصحح الوضع القائم، وفي ظني أن المجتمع يستطيع أن يضغط على هذه الشركات، فإذا رأت تلك الشركات أن المجتمع قد قاطع هذه الشركات لكونها تتعامل بالربا واتجه للشركات النقية، فإنها سوف تبدأ في مراجعة حساباتها، وتتخلص من الربا حتى تكسب الناس وتكسب المساهمين.

كما أن المجتمع لما ضغط على البنوك فانكب الناس على البنوك الإسلامية وقل إقبالهم على البنوك التقليدية أو الربوية كان ذلك حافزا ودافعا لهذه البنوك لأن تبدأ في مراجعة حساباتها، فأنشأت هيئات شرعية وبدأت في استبعاد الكثير من التعاملات المحرمة بل إن بعض هذه البنوك الآن في طريقها للتحول لأن تكون بنوكا إسلامية، بل قال بعض العلماء: إنه ربما بعد بضع سنوات تتحول جميع البنوك الموجودة إلى بنوك إسلامية. والسبب في هذا هو ضغط المجتمع على تلك البنوك فالمجتمع إذا قاطع تلك الشركات التي تتعامل بالربا فإن هذا في الحقيقة هو أكبر رادع يردع هذه الشركات عن التعامل بالربا، أما أن نقول ندخل في هذه الشركات مع التخلص من الربا فهذا في الحقيقة يجعل هذه الشركات تستمر في هذا الطريق وتتجرأ على الربا، هذا ما يتعلق بالشركات المساهمة.

1 : البخاري : الوصايا (2743) , ومسلم : الوصية (1629) , والنسائي : الوصايا (3634) , وابن ماجه : الوصايا (2711) , وأحمد (1/233).
2 : مسلم : المساقاة (1597) , والترمذي : البيوع (1206) , وأبو داود : البيوع (3333) , وابن ماجه : التجارات (2277) , وأحمد (1/402).
3 : الترمذي : البيوع (1225) , والنسائي : البيوع (4546) , وأبو داود : البيوع (3359) , وابن ماجه : التجارات (2264) , وأحمد (1/179) , ومالك : البيوع (1316).