موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ - شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني)
 بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ
 بَابُ صَلاةِ الْكُسُوفِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ
 بَابُ أَحْكَامِ الجَنَازَةِ
 الأَسْئِلَةُ
 كِتَابُ الزَّكَاةِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ
 بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ
 بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ
 بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ
 بَابُ أَهْلِ الزَّكَاةِ. وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ، لا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ
 الأَسْئِلَةُ
 الْغَارِمُونَ، وَهُمُ الْمَدِينُونَ
 وَصَدَقَةُ التِّطَوُّعِ مَسْنُونَةٌ كُلَّ وَقْتٍ
 كِتَابُ الصِّيَامِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ مُا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
 وَأَفْضَلُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ
شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني) - بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ

بِسْمِ اللِه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للِه رَبِّ العَالمَيِنَ، وَصَلَّى اللُه وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ، وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ، وَاهْتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ..

ُثمَّ أَمَّا بَعْدُ..

قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

 (وَإِذَا اسْتَفَادَ مَالاً فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ إِلاَّ نِتَاجَ السَّائِمَةِ وَرِبْحَ التِّجَارَةِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلاَ تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ. رَوَاهُ مَالِكٌ. وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَيَضُمُّ الْمُسْتَفَادُ إِلَى مَا بِيَدِهِ إِنْ كَانَ نِصَابًا مِنْ جِنْسِهِ أَوْ فِي حُكْمِهِ كَفِضَّةٍ مَعَ ذَهَبٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ وَلاَ فِي حُكْمِهِ فَلَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ).

هَذِهِ المَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ العِلْمِ بِاسْمِ: الماَلُ المُسْتَفَادُ، وَمَعْنَى كَوْنِ المَالِ مُسْتَفَادًا: أَنْ يَكْتَسِبَ المَرءُ مَالًا بَعْدَ ابْتِدَاءِ الحَوْلِ فِي مَالٍ غَيْرِه، وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَالٌ ابْتَدَأَ بِهِ الحَوْلَ، وَفِي أَثْنَاءِ الحَوْلِ أَوْ بَعْدَ ابْتِدَائِهِ اكْتَسَبَ مَالًا جَدِيدًا. فَهَذَا مَعْنَى: الماَلُ المُسْتَفَادُ، أَيْ أَنَّهُ اسْتَفَادَ مَالًا جَدِيدًا فِي أَثْنَاءِ الحَوْلِ، وَلَيْسَ مِنْ بِدَايَتِهِ؛ مِنْ بِدَايَةِ الحَوْلِ.

وَيَقُولُ أَهْلُ العِلْمِ: إِنَّ المَالَ المُسْتَفَادَ لَهُ أَرْبَعُ حَالَاتٍ:

الحَالَةُ الأُولَى: أَنْ يَكُونَ المَالُ المُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ أَوْ مِنْ نَمَاءِ المَالِ الأَوَّلِ.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَّا يَكُونَ المَالُ المُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ وَلَا مِنْ نَمَاءِ المَالِ الأَوَّلِ.

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ نَمَائِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ.

الحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَمَائِهِ.

وَقَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي حُكْمِ وَأَمْثِلَةِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الأَرْبَعَةِ، نَذْكُرُ: مَا مَعْنَى الجِنْسِ؟ وَمَا مَعْنَى النَّمَاءِ؟

أَوَّلًا: مَعْنَى الجِنْسِ: سَبَقَ أَنْ قُلْنَا: إِنَّ الأَمْوَالَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: سَائِمَةُ الأَنْعَامِ، وَالذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَهُمَا الأَثْمَانُ، وَالخَارِجُ مِنَ الأَرْضِ وَهُوَ لَيْسَ دَاخِلًا مَعَنَا فِي المَالِ المُسْتَفَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَوْلَ لَهُ، فَالمَالُ المُسْتَفَادُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي ابْتِدَاءِ الحَوْلِ فَقَطْ وَالرِّكَازُ، وَهُوَ الخَارِجُ مِنَ الأَرْضِ وَهُوَ عُرُوضُ التِّجَارَةِ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ الأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٌ؛ فَبَهِيمَةُ الأَنْعَامِ مِنْهَا: جِنْسُ الإِبِلِ، وَجِنْسُ الغَنَمِ، وَجِنْسُ البَقَرِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ.

وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ فَكُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ أَنْوَاعُ البَضَائِعِ. فَلَوْ كَانَ الشَّخْصُ يُتَاجِرُ فِي أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ؛ كَأَنْ يُتَاجِرُ فِي الَموَادِّ الغِذَائِيَّةِ، وَيُتَاجِرُ فِي المَلْبُوسَاتِ.. فَنَعْتَبِرُ الجَمِيعَ جِنْسًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا عُرُوضُ تِجَارَةٍ. بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ؛ فَإِنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَأَمَّا الأَثْمَانُ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الجِنْسِ الوَاحِدِ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِ الجُمْلَةِ: (إِنْ كَانَ نِصَابًا مِنْ جِنْسِهِ أَوْ فِي حُكْمِهِ). أَيْ: فِي حُكْمِ الجِنْسِ، فَالأَثْمَانُ كُلُّهَا فِي حُكْمِ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَالذَّهَبُ وَالفِضَّةُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالذَّهَبُ وَالرِّيَالَاتُ وَالدُّولَارَاتُ وَالجُنَيْهَاتُ.. كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ.

إِذَنِ الجِنْسُ هُوَ: الاسْمُ الَّذِي يَشْمَلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً، لَكِنْ يَجْمَعُ الجَمِيعَ مَعْنًى وَاحِدٌ لِمَعْنًى مُتَّفِقٍ بَيْنَهَا.

وَالغَالِبُ أَنَّ تَحْدِيدَ الأَجْنَاسِ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَصٍّ وَتَبْيِينِ وَدَلِيلٍ، سَوَاءٌ هُنَا فِي الزَّكَاةِ أَمْ فِي الرِّبَا أَمْ فِي غَيْرِهَا مِنَ المَسَائِلِ.

إِذَنْ عَرَفْنَا أَنَّهُمَا اتَّحَدَا جِنْسًا المَالُ الأَصْلِيُّ الأَوَّلُ، وَالمَالُ المُسْتَفَادُ وَعَرْفَنَا مَا مَعْنَى كَوْنِهَا مُتَّحِدَةً جِنْسًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ إِبِلٌ ثُمَّ اكْتَسَبَ إِبِلًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُسَمَّى: اكْتَسَبَ مَالًا مُسْتَفَادًا مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ. أَوْ كَانَ عِنْدَهُ إِبِلٌ ثُمَّ اسْتَفَادَ بَقَرًا، فَهُنَا اسْتَفَادَ مَالًا لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ. أَوْ كَانَ عِنْدَهُ إِبِلٌ ثُمَّ اكْتَسَبَ رِيَالَاتٍ، فَهُنَا اكْتَسَبَ مَالًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ. أَوْ عِنْدَهُ رِيَالَاتٌ ثُمَّ اكْتَسَبَ ذَهَبًا، فَهُوَ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ... لِأَنَّنَا قُلْنَا: إِنَّ الأَثْمَانَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَفِي حُكْمِ الجِنْسِ الوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَسَيَمُرُّ مَعَنَا فِي الرِّبَا أَنَّهَا كَذَلِكَ. فَهَذَا مَعْنَى إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ.

ثَانِيًا: مَعْنَى النَّمَاءِ: الزِّيَادَةُ. فَالأَصْلُ فِي النَّمَاءِ الزِّيَادَةُ، فَمَا كَانَ نَمَاءً إِمَّا أَنْ يَكُونَ رِبْحًا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَادَةً فِيهِ أَوْ نَتَاجًا. إِذَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا تُسَمَّى نَمَاءً؛ فَرِبْحُ التِّجَارَةِ يُسَمَّى نَمَاءً، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ تُسَمَّى نَمَاءً، مِثْلُ: الزِّيَادَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الشَّاةِ النَّحِيفَةِ فَتَسْمَنُ، وَكَذَلِكَ النَّتَاجُ يُسَمَّى نَمَاءً، مِثْلُ: أَنْ تُنْتَجَ الإِبِلُ وَالبَقَرُ صِغَارًا لََها. فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَشْيَاءُ تُسَمَّى نَمَاءً.

نَأْخُذُ المَالَ المُسْتَفَادَ بِنَاءً عَلَى تَقْسِيمِنَا السَّابِقِ، نَأْتِي بِمِثَالٍ لِلقِسْمِ الأَوَّلِ، وَهُوَ: أَنْ يَسْتَفِيدَ المَرْءُ مَالًا مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَمِنْ نَمَائِهِ. مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنْ يَبْتَدِئَ الحَوْلُ عَلَى المَرْءِ وَهُوَ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ مِنَ الإِبِلِ فِي أَوَّلِ المُحَرَّمِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكْتَسِبُ مَالًا مِنْ نَفْسِ جِنْسِ الإِبِلِ وَمِنْ نَمَائِهَا، أَيْ: مِنْ نَتَاجِهَا، فَأُنْتَجَتْ هَذِهِ الإِبِلُ فَأَصْبَحَتْ سِتِّينَ.

مِثَالٌ آخَرُ: رَجُلٌ عِنْدَهُ مَالٌ، وَتَاجَرَ بِهِ فَزَادَ.. فَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ حَوْلَ المَالِ المُسْتَفَادِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ هُوَ حَوْلُ المَالِ الأَوَّلِ. وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ.

فَإِذَنِ الحَالَةُ الأُولَى: أَنْ يَكُونَ المَالُ المُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَمِنْ نَمَائِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الشَّرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ نَمَائِهِ. فَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ حَوْلَ المَالِ الثَّانِي هُوَ حَوْلُ المَالِ الأَوَّلِ، فَإِذَا وَجَبَتْ زَكَاةُ المَالِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُزَكِّي فِي المَالِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ المَالُ الثَّانِي لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا قَبْلَ انْتِهَاءِ حَوْلِ المَالِ الأَوَّلِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الحَوْلُ فِي المَالِ المُسْتَفَادِ هُنَا، لِأَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ المَالِ الأَصْلِيِّ.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ عَكْسُهَا، وَهِيَ أَنْ يَسْتَفِيدَ المَرْءُ مَالًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَلَا مِنْ نَمَائِهِ. فَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ لَهَا حَوْلًا جَدِيدًا، عَكْسُ الحَالَةِ الأُولَى.

مِثَالُهَا: رَجُلٌ عِنْدَهُ مَالٌ نَقْدٌ، وَقَبْلَ الحَوْلِ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِشَهْرَيْنِ جَاءَهُ شَخْصٌ فَأَهْدَى لَهُ بَهِيمَةَ أَنْعَامٍ، وَبَهِيمَةُ الأَنْعَامِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ، فَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الرِّيَالَاتِ، وَلَيْسَتْ مِنْ نَمَائِهَا، فَلَمْ يَشْتَرِ بِهَا الإِبِلَ، وَإِنَّمَا جَاءَتْهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ هَذِهِ البَهِيمَةَ الَّتِي اكْتَسَبْتَهَا قَبْلَ الحَوْلِ بِشَهْرَيْنِ يُبْتَدَأُ حَوْلُهَا مِنْ حِينَ اكْتَسَبَتْهَا، وَلَا يَكُونُ حَوْلُهَا حَوْلَ المَالِ الأَوَّلِ.

مِثَالٌ آخَرُ: شَخْصٌ عِنْدَهُ مَالٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي أَوَّلِ المُحَرَّمِ، وَفِي الشَّهْرِ التَّاسِعِ أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ عُرُوضَ تِجَاَرَةٍ أَرْضًا أَوْ سَيَّارَةً وَنَوَى بَيْعَهَا، وَعَرَضَهَا لِلبَيْعِ مُبَاشَرَةً. وَلَكِنَّهَا إِلَى الآنَ لَمْ تُبَعْ، فَهُوَ اسْتَفَادَ عُرُوضَ تِجَارَةٍ وَعَرَضَهَا لِلبَيْعِ، فَسُمِّيَتْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَهُوَ النَّقْدُ لِأَنَّ العُرُوضَ غِيْرُ النَّقْدِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ هَذِهِ الأَرْضِ أَوِ السَّيَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ إِلَّا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ. وَهَذَا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ أَيْضًا.

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ المَالُ مِنْ نَمَائِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَلِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا فَنَذْكُرُهَا.

وَمِثَالُ هَذِهِ الصُّورَةِ: أَنْ تَنِضَّ العُرُوضُ دَرَاهِمَ هَذِهِ عِبَارَةُ الفُقَهَاءِ أَوِ الدَّرَاهِمُ عُرُوضًا. مِثْلُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّخْصُ بِالدَّرَاهِمِ أَرْضًا، ثُمَّ يَبِيعُ الأَرْضَ وَتَأْتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ دَرَاهِمُ أَيْ: نَقْدٌ فَهَذَا مِنْ نَمَائِهَا، وَبِسَبَبِ الرِّبْحِ زَادَ المَالُ، لَكِنِ انْتَقَلَ الجِنْسُ مِنْ كَوْنِهِ نَقْدًا إِلَى كَوْنِهِ عُرُوضًا. فَإِنَّ حَوْلَ المَالِ المُسْتَفَادِ هُوَ حَوْلُ المَالِ الأَوَّلِ بِشِبْهِ اتِّفَاقٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَمْ يُخَالِفْ إِلَّا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّهُ خِلَافٌ مَهْجُورٌ وَضَعِيفٌ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الَّتِي مِنَ الجِنْسِ وَمِنَ النَّمَاءِ، وَهِيَ هُنَا مِنَ النَّمَاءِ فَقَطْ وَلَيْسَتْ مِنَ الجِنْسِ.

الحَالَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ الأَهَمُّ وَالَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا السُّؤَالُ: عِنْدَمَا يَكُونُ المَالُ المُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَمَائِهِ، وَهَذِهِ الَّتِي تَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَّا، بَلْ رُبَّمَا مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيَقَعُ لَهُ هَذَا المِثَالُ.

وَمِثَالُ هَذِهِ الصُّورَةِ: أَنْ يَتَمَلَّكَ المَرْءُ مَالًا فِي أَوَّلِ شَهْرِ المُحَرَّمِ مَثَلًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي أَوَّلِ المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ التَّالِيَةِ، وَلَكِنَّهُ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ مِنَ السَّنَةِ التَّالِيَةِ اكْتَسَبَ مَالًا آخَرَ لَيْسَ بِسَبَبِ تِجَارَةٍ لِكَيْ لَا يَكُونَ نَمَاءً، وَإِنَّمَا اكْتَسَبَهُ بِهِبَةٍ أَوْ أُجْرَةٍ.. أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَمَتَى تَكُونُ زَكَاةُ المَالِ الثَّانِي؟ وَهَذِهِ يَحْتَاجُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ جُلَّ النَّاسِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الرَّوَاتِبِ، وَالرَّوَاتِبُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نَمَائِهِ.

وَمِثَالُهُ أَيْضًا: أُجُورُ المُسَتَغَلَّاتِ وَالعَوَامِلِ عِنْدَمَا يَكُونُ لِلشَّخْصِ بَيْتٌ يُؤَجِّرُهُ أَوْ سَيَّارَةٌ يُؤَجِّرُهَا، فَإِنَّهُ تَأْتِيهِ الأُجْرَةُ بِصَفَةٍ دَوْرِيَّةٍ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ.. فَهَذَا اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ جِنْسِ المَالِ الَّذِي عِنْدَهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِهِ، وَإِنَّمَا بِسَبَبٍ آخَرَ. هَذِهِ الحَالَةُ تَحْتَاجُ إِلَى تَرْكِيزٍ، وَلِأَهَمِّيَّتَهِاَ سَأَقِفُ مَعَهَا: فَجُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ المَالَ المُسْتَفَادَ هُنَا يَبتَدِئُ حَوْلَهُ مِنْ حِينِ اكْتَسَبَهُ، وَلَا يَكُونُ الحَوْلُ الأَوَّلُ حَوْلًا لَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَنُسِبَ اخْتِيَارًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَانْتَصَرَ لَهُ الشَّيْخُ ابْنُ سَعْدِيٍّ، وَهُوَ رَأْيُ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّ المَالَ المُسْتَفَادَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ يَكُونُ حَوْلُهُ حَوْلَ المَالِ الأَوَّلِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ(1) أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ(2) قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ يَسْتَحِبُّونَ إِذَا جَاءَ حَوْلُ مَالِهِمْ أَنْ يُزَكُّوا مَالَهُمْ مَا دَارَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، وَمَا لَمْ يَدُرْ عَلَيْهِ الحَوْلُ.

نَقُولَ رَدًّا عَلَى جَوَابِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ.. وَلَمْ يَقُلْ: كَانُوا يُوجِبُونَ. وَنَحْنَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الاسْتِحْبَابِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الوُجُوبِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَكُلُّ مَالٍ تَكْتَسِبُهُ اكْتِسَابًا جَدِيدًا فَإِنَّ حَوْلَهُ مِنْ حِينِ اكْتَسَبْتَهُ. فَلَوْ كَانَ يَأْتِيكَ إِيجَارُ مُسْتَغَلاَّتٍ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ: فِي الشَهْرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ، فَالمَالُ الَّذِي اكْتَسَبْتَهُ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ إِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ لِلسَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَإِنَّكَ تُزَكِّي عَنْهُ، وَأَمَّا المَالُ الَّذِي اكْتَسَبْتَهُ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ، فَإِنَّكَ تَنْتَظِرُ إِلَى الشَّهْرِ السَّادِسِ مِنَ السَّنَةِ القَابِلَةِ فَتُزَكِّيهِ، وَلَا تُزَكِّهِ مَعَ المَالِ الأَوَّلِ. هَذَا هُوَ الوَاجِبُ.

لَكِنْ كَمَا ثَبَتَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ السُّنَّةُ وَالأَفْضَلُ وَالأَتَمُّ أَنْ يُزَكِّيَ المَرْءُ مَالَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً. فَيَجْعَلُ لَهُ يَوْمًا فِي السَّنَةِ يَجْمَعُ مَالَهُ كُلَّهُ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يُزَكِّيهِ فِي هَذَا اليَوْمِ، وَلَوْ كَانَ لَمْ يَسْتَفِدْهُ إِلَّا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَلِيلٍ. وَهَذَا هُوَ المَفْهُومُ مِنْ أَثَرِ عُثْمَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ شَهْرُ زَكَاةٍ، فَأَدُّوا مَا عَلَيْكُمْ مِنَ الدُّيُونِ، ثُمَّ أَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ إِنَّمَا كَانُوا يُزَكُّونَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ، فَيَجْمَعُونَ مَالَهُمْ كُلَّهُ الَّذِي امْتَلَكُوهُ قَبْلَ حَوْلٍ وَالَّذِي امْتَلَكُوهُ قَرِيبًا، ثُمَّ يُزَكُّونَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.

وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الذَّهَابَ لِهَذَا القَوْلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَازِمٌ، وَالسَّبَبُ: أَنَّ المُوَظَّفِينَ وَجُلَّ النَّاسِ إِنَّمَا حِسَابَاتُهُمْ فِي البَنْكِ وَاحِدَةٌ، فَيَدْخُلُ رَاتِبُ الشَّهْرِ الأَوَّلِ وَرَاتِبُ الشَّهْرِ الثَّانِي وَرَاتِبُ الشَّهْرِ الثَّالِثِ... إِلَى الثَّانِي عَشَرَ وَتَخْتَلِطُ مَعًا، فَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَيِّزَ رَاتِبَ الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي... وَأَنَّ المَبْلَغَ الَّذِي يَأْخُذُهُ هَلْ هُوَ رَاتِبُ الشَّهْرِ الأَوَّلِ أَمِ الثَّانِي؟ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ المَالُ مُتَفَرِّقًا، وَيُعْرَفُ أَنَّ هَذَا رَاتِبُ شَهْرِ كَذَا، وَهَذَا رَاتِبُ شَهْرِ كَذَا. فَلِذَلِكَ وَلِلمَشَقَّةِ فِي أَنْ يُزَكَّى كُلُّ مَالِهِ في حِينِهِ، وَلِعَدَمِ دِقَّةِ الحِسَابِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُذْهَبُ إِلَى القَوْلِ الثَّانِي. وَسَبَقَ أَنَّهُ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ ابْنُ سَعْدِيٍّ وُجُوبًا، وَإِنْ كَانَ الجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ؛ لِظَاهِرِ الأَثَرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ.

وَالآنَ نَمُرُّ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ، وَنُطَبِّقُهُ عَلَى القَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالأَنْوَاعِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ قَلِيلٍ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ لِزَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ). المَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ: أَنَّهُ إِذَا اسْتَفَادَ مَالًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَلَا مِنْ نَمَائِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَقُولُ: إِذَا اسْتَفَادَ مَالًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَلَا مِنْ نَمَائِهِ فِبِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ, وَيَسْتَأْنِفُ لِلمَالِ الثَّانِي المُسْتَفَادَ حَوْلًا جَدِيدًا غَيْرَ حَوْلِ المَالِ الأَوَّلِ.

ثُمَّ قَالَ: (إِلَّا نَتَاجَ السَّائِمَةِ وَرِبْحَ التِّجَارَةِ). وَمَالُ السَّائِمَةِ هُوَ: المَالُ المُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَمِنْ نَمَائِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَرِبْحَ التِّجَارَةِ)، أَي: نَضَّتِ العُرُوضُ دَرَاهِمَ، وَنَضَّتِ الدَّرَاهِمُ عُرُوضًا، وَرِبْحُ التِّجَارَةِ مِنْ هَذَا الجِنْسِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ نَضًّا، فَيَكُونُ فِي رِبْحِ التِّجَارَةِ اسْتَفَادَ مَالًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ، لَكِنَّهُ مِنْ نَمَائِهِ، فَهَذَا هُوَ رِبْحُ التِّجَارَةِ.

مَرَّةً ثَانِيَةً نَقُولُ: ذَكَرْنَا الآنَ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ:

إِذَا اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى اسْتَفَادَ مَالًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا مِنْ نَمَائِهِ، فَلَا يَكُونُ حَوْلُهُ حَوْلَ المَالِ الأَوَّلِ، بَلْ يَسْتَأْنِفُ لَهُ حَوْلًا جَدِيدًا. قَالَ: (إِلَّا نَتَاجَ السَّائِمَةِ)، وَنَتَاجُ السَّائِمَةِ هُوَ: مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِنْسِ المَالِ الأَوَّلِ وَمِنْ نَمَائِهِ، فَيَكُونُ حَوْلُهُ حَوْلَ المَالِ الأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: (وَرِبْحَ التِّجَارَةِ)؛ لِأَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.

مِثَالٌ: عِنْدِي أَرْضٌ ثُمَّ بِعْتُهَا، فَجَاءَنِي نَقْدٌ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُ بِالنَّقْدِ سَيَّارَةً، وَبِعْتُ السَّيَّارَةَ.. فَهُنَا تَغَيَّرَ الجِنْسُ، فَالسَّيَّارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِ لَكِنَّهَا مِنْ نَمَائِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ مِنْ أَنْوَاعِ النَّمَاءِ، فَقُلْنَا: إِنَّهُ شِبْهٌ إِجْمَاعٍ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَوْلُهُ حَوْلَ المَالِ الأَوَّلِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ.

قَالَ: (لِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ). وَالسَّخْلَةُ هِيَ: البَهِيمَةُ عِنْدَمَا تُولَدُ، (وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ) سَيَأْتِي الحَدِيثُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ، (رَوَاهُ مَالِكٌ) فِي المُوَطَّأِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. ثُمَّ قَالَ: (وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ).

أَمَّا الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ فَهِيَ: إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَمَائِهِ، فَكَمَا ذَكَرْتُ: فَإِنَّهُ أَيْضًا يَبْتَدِئُ بِهِ حَوْلًا، لَكِنْ قُلْنَا: إِنَّمَا يُذْهَبُ لِلقَوْلِ الثَّانِي لِمَشَقَّةِ الحِسَابِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَيُضَمُ المُسْتَفَادُ إِلَى مَا بِيَدِهِ إِنْ كَانَ نِصَابًا مِنْ جِنْسِهِ أَوْ فِي حُكْمِهِ كَفِضَّةٍ مَعَ ذَهَبٍ). وَهَذَا مَعْنَى: إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ وَلَا فِي حُكْمِهِ فَلَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ)، هَذِهِ الجُمْلَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِحَوَلَانِ الحَوْلِ، فَقَدِ انْتَهَيْنَا مِنْ حَوَلَانِ الحَوْلِ؛ لِقَوْلِ الشَّيْخِ: (وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ)، لَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ العَدِّ.

إِذَنِ المَالُ المُسْتَفَادُ يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِالمَالِ الأَوَّلِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ حَوَلَانِ الحَوْلِ وَانْتَهَيْنَا مِنْهَا وَمِنْ جِهَةِ العَدِّ، فَهَلْ يُعَدُّ مَعَهُ أَمْ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا؟ فَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُعَدُّ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ مُخْتَلِفٍ فَإِنَّ زَكَاتَهُ مُخْتَلِفَةٌ.

وَعَلَى ذَلِكَ: لَوْ أَنَّ شَخْصًا عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ أَرْبَعٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَعِنْدَهُ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَعِنْدَهُ مِنَ الغَنَمِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ.. فَكُلُّ جِنْسٍ مِمَّا عِنْدَهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، لَكِنْ لَوْ جَمَعَهَا لَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، نَقُولُ: لَا تُجْمَعُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَرِيَالَاتٌ وَدُولَارَاتٌ.. فَنَقُولُ: اجْمَعِ الجَمِيعَ، وَلَوْ كَانَ آحَادُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ دُونَ النِّصَابِ.

إِذَنِ الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ المَقْصُودُ بِهَا: عَدُّ المَالِ إِذَا كَانَ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ جِنْسٍ، فَإِنَّهُ يُجْمَعُ وَيُعَدُّ مَعًا إِذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ لِكُلٍّ حُكْمُ نَفْسِهِ.

هَذَا بَيَانٌ لِلمُقَدِّمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ لِبَيَانِ بَابِ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ).

المُرَادُ بِبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ: الأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ: الإِبِلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ. وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّصُّ، وَمَا عَدَاهَا فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَالمَقْصُودُ بِبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ: الأَنْعَامُ الأَهْلِيَّةُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تُرَبَّى فِي بُيُوتِ النَّاسِ وَتَعِيشُ مَعَهُمْ، وَأَمَّا الوَحْشِيَّةُ مِنْهَا كَالبَقَرِ الوَحْشِيِّ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِنْ سُمِّي بَقَرًا. فَلَوْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُرَبِّي فِي بَيْتِهِ الغِزْلَانَ بِكَمِّيَّاتٍ تُجَاوِزُ الثَّلَاثِينَ لِأَنَّنَا اعْتَبَرْنَاهَا مِنَ البَقَرِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ وَإِنْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا بَقَرٌ وَحْشِيٌّ، وَلَيْسَتْ بَقَرًا أَهْلِيًّا.

وَأَمَّا الأَنْعَامُ الأَهْلِيَّةُ إِذَا تَوَحَّشَتْ أَيْ: أَصْبَحَتْ مِثْلَ حَيَوَانَاتِ البَرِّ، مِثْلَ الإِبِلِ الضَّالَّةِ الَّتِي تَتَوَالَدُ فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى إِنْ تَمَلَّكَهَا الشَّخْصُ أَهْلِيَّةً بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا. وَبَهِيمَةُ الأَنْعَامِ لَهَا حِسَابٌ فِي الزَّكَاةِ يُخَالِفُ غَيْرَهَا مِنَ الأَمْوَالِ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الَّتِي سَبَقَ تَعْدَادُهَا، وَسَنَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَهُنَاكَ ثَلَاثُ حَالَاتٍ يُصْبِحُ حِسَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ مُخْتَلِفًا عَنْ هَذَا البَابِ. بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ عِنْدَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ وَيَحْسِبُ زَكَاتَهَا بِغَيْرِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا، لَكِنْ نَذْكُرُهَا فِي البِدَايَةِ لِكَيْ نُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا البَابِ، فَنَقُولُ: إِنَّنَا نُعَنْوِنُ لِهَذِهِ المَسْأَلَةِ فَنَقُولُ: هُنَاكَ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ مَا يُحْسَبُ زَكَاتُهَا بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ طَرِيقَةِ البَابِ.

الحَالَةُ الأُولَى: مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ قَبْلُ، وَهِيَ إِذَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى مُعَيَّنٍ فَسَبَقَ أَنَّ مَشْهُورَ المَذْهَبِ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا إِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى مُعَيَّنٍ، فَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَتْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ مِنَ العَوَامِلِ، وَمَعْنَى العَوَامِلِ أَيْ: أَنَّهَا تُؤَجَّرُ إِمَّا لِكِرَاءٍ فَتُرْكَبُ، أَوْ تُؤَجَّرُ لِمِهْنَةٍ مِثْلَ أَنْ يُسْقَى بِهَا المَاءُ.. وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ مِنَ العَوَامِلِ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فِي السَّنَةِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي غَلَّتِهَا. فَيُصْبِحُ حُكْمُهَا حُكْمَ المُسْتَغَلاَّتِ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ الفُقَهَاءُ: المُسْتَغَلَّاتُ وَالعَوَامِلُ.. أَيْ: المُسْتَغَلَّاتُ مِنَ العَقَارِ وَنَحْوِهِ، وَالعَوَامِلُ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ.

فَالمُسَتَغَلاَّتُ خَرَجَتْ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَالعَوَامِلُ خَرَجَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ، فَأَصْبَحَ لَهَا حِسَابٌ مُسْتَقِلٌّ.

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ عُرُوضَ تِجَارَةٍ، أَيْ أَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ عَرَضَهَا لِلبَيْعِ، فَيَبِيعُ فِيهَا وَيَشْتَرِي، وَلَمْ يَجْعَلْهَا لِلنَّمَاءِ وَلَا لِلتَّكَاثُرِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا عُرُوضَ تِجَارَةٍ، فَسَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللهُ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ عُرُوضُ تِجَارَةٍ أَوْ لَيْسَتْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (لاَ تَجِبُ إِلاَّ فِي السَّائِمَةِ؛ وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى أَكْثَرَ الْحَوْلِ، فَلَوِ اشْتَرَى لَهَا أَوْ جَمَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا).

مَعْنَى السَّائِمَةِ: الَّتِي تَرْعَى أَكْثَرَ الحَوْلِ. فَقَوْلُهُ: (لَا تَجِبُ) أَيْ: زَكَاةُ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ، (إِلَّا فِي السَّائِمَةِ)؛ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ(3) عَنْ أَبِيهِ(4) عَنْ جَدِّهِ(5) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ»(6). فَقَوْلُ النَّبِيِّ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ».. هَذَا اسْمُهُ جِنْسُ الإِبِلِ، وَقُيِّدَ بِقَيْدٍ، فَمَفْهُومُ المُخَالَفَةِ فِيهِ: أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ لَا زَكَاةَ فِيهَا. وَغَيْرُ السَّائِمَةِ هِيَ الَّتِي قَالَ عَنْهَا الشَّيْخُ: (فَلَوِ اشْتَرَى لَهَا عَلَفًا، أَوْ جَمَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا). أَيْ: لَوْ كَانَ صَاحِبُهَا يَشْتَرِي مَا تَأْكُلُهُ أَوْ يَجْمَعُهُ هُوَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ هَذَا مُقَدَّرٌ بِثَمَنٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ وَيَأْتِي لَهَا بِالحَشِيشِ مِنَ البَرِّ، ثُمَّ يَأْتِي لَهَا بِهِ، أَوْ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ لَهَا خُبْزًا مِنْ المَحَلَّاتِ وَلَوْ كَانَ مَجَّانًا فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ سَائِمَةً، فَالسَّائِمَةُ هِيَ الَّتِي تَرْعَى فِي الفَلَاةِ أَكْثَرَ السَّنَةِ، أَيْ: أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الإِبِلُ، فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانَ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ إِجْمَاعًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ. فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ وَهُوَ مَا لَهُ سَنَتَانِ. وَفِي سِتٍّ وَثَلاَثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ. وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ لَهَا ثَلاَثُ سِنِينَ. وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ. وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ. وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ. وَفِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ. ثُمَّ تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. فَإِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ؛ فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ).

قَوْلُهُ: (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الإِبِلُ)، قَدَّمَ الشَّيْخُ الإِبِلَ لِشَرَفِهَا، فَإِنَّ العَرَبَ تُعَظِّمُ الإِبِلَ فَلِذَلِكَ يُبتَدَأُ بِهَا. وَقَبْلً أَنْ نَبْدَأَ الحَدِيثَ عَنِ الإِبِلِ يَحْسُنُ أَنْ نُبَيِّنَ أَسْنَانَ الإِبِلِ؛ لِكَيْ يَسْهُلَ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ الأَنْصِبَةِ. أَسْنَانُ الإِبِلِ خَمْسَةٌ:

أَوَّلُهَا: بِنْتُ المَخَاضِ، وَهِيَ الَّتِي أَتَمَّتْ سَنَةً، بِحَيْثُ كَانَتْ أُمُّهَا قَدْ وَلَدَتْ فِي مَخَاضٍ، وَفِي الغَالِبِ أَنَّ الإِبِلَ تَحْمَلُ فِي السَّنَّةِ مَرَّةً، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ أُمُّهَا قَدْ وَلَدَتْ، وَإِنَّمَا هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ. أَمَّا ابْنُ المَخَاضِ فَهُوَ مَا أَتَمَّ سَنَةً.

الثَّانِيَةُ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَهِيَ الَّتِي أَتَمَّتْ سَنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ اللَّبُونِ. وَسَيَتَّضِحُ بَعْدَ قَلِيلٍ: مَا الفَرْقُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى فِي المَسْأَلَةِ القَادِمَةِ. فَبِنْتُ لَبُونٍ هِيَ مَا أَتَمَّتْ سَنَتَيْنِ، وَسُمِّي ابْنَ لَبُونٍ أَوْ بِنْتَ لَبُونٍ؛ لِأَنَّهُ يُصْبِحُ لِأُمِّهَا لَبَنٌ.

الثَّالِثَةُ: الحِقَّةُ أَوِ الحِقُّ. فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَإِنَّهُ حِقٌّ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَإِنَّهَا حِقَّةٌ. وَهُوَ الَّذِي أَتَمَّ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الرُّكُوبَ، وَأَمْكَنَ رُكُوبُهُ.

الرَّابِعَةُ: الجَذَعَةُ، وَهِيَ مَا أَتَمَّتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَسَقَطَتْ أَسْنَانُهَا فَتُسَمَّى جَذَعَةٌ، أَوْ جَذَعٌ إِنْ كَانَ ذَكَرًا.

الخَامِسَةُ: الثَّنِيُّ، أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ سِنَّانِ مَعْرُوفَانِ، والثَّنِيُّ مَا تَمَّ خَمْسَ سَنَوَاتٍ.

فَالأَسْنَانُ الأَرْبَعَةُ: بِنْتُ المَخَاضِ وَبِنْتُ اللَّبُونِ وَالحِقَّةُ وَالجَذَعَةُ هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالزَّكَاةِ، أَمَّا الثَّنِيُّ فَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِي الأُضْحِيَةِ وَالهَدْيِ وَمَا فِي حُكْمِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الأُضْحِيَةِ أَنْ تَكُونَ ثَنِيًّا، أَيْ: تَبْلُغَ خَمْسَ سَنَوَاتٍ. وَيَجِبُ حِفْظُ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ؛ لِأَنَّنَا سَنُكَرِّرُهَا بَعْدَ قَلِيلٍ كَثِيرًا، فَحَسَنٌ أَنْ نَبْدَأَ بِهَا لِكَيْ نَفْهَمَ.

الأَمْرُ الثَّانِي لِكَيْ يَسْهُلَ عَلَيْنَا مَعْرِفَةَ الأَنْصِبَةِ: أَنَّ الوَاجِبَ فِي الإِبِلِ جَمِيعًا الإِنَاثُ، وَلَا يَجِبُ الذُّكُورُ. فَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الذُّكُورِ مُطْلقًا إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ: فِي حَالَةٍ وَرَدَ بِهَا النَّصُّ، وَفِي حَالَةٍ فِيهَا خِلَافٌ.

وَالَّذِي يَجِبُ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ إِنَّمَا يَجِبُ مِنَ الإِنَاثِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ الذُّكُورَ مُطْلَقًا. إِذْ لَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُ ذَكَرٍ إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَدَ بِهَا النَّصُّ، وَهِيَ: إِذَا لَمْ يَجِدْ بِنْتَ مَخَاضٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ عُمْرُهَا سَنَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ ابْنَ لَبُونٍ عُمْرُهُ سَنَتَانِ فَهَذِهِ الحَالَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّصُّ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَنْهَا بَعْدَ قَلِيلٍ.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ: لَوْ كَانَ الشَّخْصُ يَمْلِكُ مِنَ الإِبِلِ ذُكُورًا فَقَطْ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِي أُنْثَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ، أَمْ يُخْرِجَ مِنَ الذُّكُورِ؟ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ مُوسَى فِي (الإِقْنَاعِ): أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يُخْرِجُ مِنَ الذُّكُورِ، وَعَارَضَهُ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ(7) فِي (الكَشَّافِ) وَغَيْرُهُ، فَقَالَ: إِنَّ ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ إِنَاثٌ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أُنْثَى لِيُخْرِجَهَا. وَسَنَذْكُرُ مِثَالًا بَعْدَ قَلِيلٍ غَيْرَ هَذَا المِثَالِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (أَحَدُهَا: الإِبِلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَفَيِهَا شَاةٌ). لِمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا دُونَ الخَمْسِ.

وَقَوْلُ الشَّيْخِ: (حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا)، كَيْفَ تُعَدُّ هَذِهِ الخَمْسُ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعُدَّ الإِبِلَ وَالبَقَرَ؟ نَقُولُ: إِنَّ بَهِيمَةَ الأَنْعَامِ تُعَدُّ بِحَسَبِ رُؤُوسِهَا، وَلَا يُنْظَرُ لِحَالِهَا، فَتُعَدُّ كُلُّهَا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ سِنِّهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَمْ كَبِيرَةً؟ وَتُعَدُّ بِغَضِّ النَّظرِ عَنْ سَقَمِهَا وَصِحَّتِهَا، فَقَدْ تَكُونُ سَقِيمَةً أَوْ سَلِيمَةً... فَكُلُّهَا فِي العَدِّ سَوَاءٌ.

إِذَنْ فِي العَدِّ نَنْظُرُ لِلرُّؤُوسِ وَلَا نَنْظُرُ لِلحَالِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا عِنْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ لِلحَالِ، مِثَالٌ: الأَرْبَعُونَ مِنَ الغَنَمِ فِيهَا وَاحِدَةٌ، فَنَعُدُّ الأَرْبَعِينَ بِغَضِّ النَّظَرِ عِنِ الحَالِ، وَفِي الأَرْبَعِينَ وَاحِدَةٌ. وَعِنْدَ إِخْرَاجُ هَذِهِ الوَاحِدَةِ نَنْظُرُ لِحَالِ الأَرْبَعِينَ، فَنَقُولُ: تُخْرَجُ مِنْ أَوَاسِطِ المَالِ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الأَحَسَنِ وَلَا مِنَ الضَّعِيفِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعِيبَةً، وَالمَعِيبُ سَيَأْتِي. فَالأَمْرُ الأَوَّلُ إِذَنْ: أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَوَاسِطِ المَالِ.

الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ البَدَلَ يَكُونُ كَحُكْمِ المُخْرَجِ، فَلَوْ أَنَّ الشَّخْصَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ ذَاتِ القِيمَةِ العَالِيَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ شَاةً قِيمَتُهَا عَالِيَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ الضَّعِيفَةِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ شَاةً لَكِنَّهَا مُجْزِئَةٌ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُجْزِئَةً مِنَ النَّوْعِ الأَرْخَصِ. فَهُنَا نَنْظُرُ فِي الأَصْلِ وَفِي الحَالِ. مَعَ العِلْمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الصَّغِيرَةِ وَلَا المَعِيبَةِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ فِي الأُضْحِيَةِ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ مَعِيبًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَ بَدَنَةً غَيْرَ مَعِيبَةٍ، فَلَا تُجْزِئُ العَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُهَا.. وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِهَا لِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ). فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا، وَهَذِهِ الشَّاةُ إِنْ كَانَتْ مِنْ مَالِهِ أَخْرَجَهَا إِنْ كَانَ عِنْدَهُ شَاةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً فَيُخْرِجَهَا، وَهُنَا مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ وَهِيَ: هَلْ يَجُوزُ إِخْرَاجُ القِيمَةِ فِي زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ أَمْ لَا؟

أَوْ: شَخْصٌ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، فَالوَاجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سَأُخْرِجُ سِتَّمِائَةِ رِيَالٍ، أَوْ سَبْعَمِائَةِ رِيَالٍ، أَوْ أَلْفَ رِيَالٍ قِيمَةَ الشَّاةِ؟ جَمَاهِيُر أَهْلِ العِلْمِ عَلَى عَدَمِ الجَوَازِ وَهُوَ المَذْهَبُ. وَالقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ مُهِمٌّ؛ لِأَنَّ العَمَلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ القِيمَةِ فِي زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ إِنْ كَانَ أَصْلَحَ لِلفَقِيرِ، أَوْ أَصْلَحَ لِلسَّاعِي الَّذِي يَأْتِي مِنْ بَيْتِ المَالِ. وَالعَمَلُ عِنْدَنَا فِي المَمْلَكَةِ عَلَى هَذَا الشَّيْءِ، فَإِنَّ سُعَاةَ الزَّكَاةِ وَجُبَاتَهَا يَأْخُذُونَ القِيمَةَ فِي أَحَايِينَ كَثِيرَةٍ، وَهذَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، فَإِنَّ الفَتْوَى الرَّسْمِيَّةَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ القِيمَةِ لِلمَصْلَحَةِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَفِي العَشْرِ شَاتَانِ). أَيْ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ سِنِّهَا وَقُوَّتِهَا وَجَوْدَتِهَا.. وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ شَاتَانِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنَّهُ قَالَ: «وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ». أَيْ: مِنَ الإِبِلِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، «إِجْمَاعًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ». وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِي أَرْبِعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ»(8).

يَقُولُ الشَّيْخُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ)، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ، أَوْ حَمَلَتْ دُونَ الوِلَادَةِ. ثُمَّ قَالَ: (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سُنَّةٌ، فَإِنَّ عَدَمَهَا)، أَي: لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فِي مَالِهِ، (أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ مَا لَهُ سَنَتَانِ)؛ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ»(9). وَالنَّصُّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي إِبْدَالِ الذَّكَرِ فِي بِنْتِ المَخَاضِ دُونَ غَيْرِهَا، فَبِنْتُ اللَّبُونِ إِنْ لَمْ تُوجَدْ لَا نَأْتِي بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، فَلَا نَقُولُ: الحِقُّ يَقُومُ مَقَامَهَا، وَالحِقُّ إِذَا لَمْ تُوجَدْ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الجَذَعَةَ تَقُومُ مَقَامَهَا، وَالجَذَعَةُ إِذَا لَمْ تُوجَدْ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الثَّنِيَّةَ تَقُومُ مَقَامَهَا. إِنَّمَا النَّصُّ قَدْ وَرَدَ فَقَطْ بِبِنْتِ المَخَاضِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَلِذَلِكَ لَا يُخْرَجُ الذَّكَرُ إِلَّا هُنَا.

قَالَ: (فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ مَا لَهُ سَنَتَانِ). مَعْرُوفٌ أَنَّ الإِبِلَ الإِنَاثَ أَغْلَى بِكَثِيرٍ مِنَ الذَّكَرِ وَلَا شَكَّ، وَلِذَلِكَ فَالَّذِي تُذْبَحُ لِلأَكْلِ هِيَ الذُّكُورُ القِعْدَانِ، وَأَمَّا الإِنَاثُ فَإِنَّهَا أَغْلَى؛ فَلِذَلِكَ يُحْتَفَظُ بِهَا. فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَأَخْرَجَ مَكَانَهَا ابْنَ لَبُونٍ. وَلَكِنَّ قِيمَةَ ابْنِ اللَّبُونِ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ بِنْتِ المَخَاضِ، فَهَلْ يُجْزِئُ أَمْ لَا؟ قَالُوا: نَعَمْ يُجْزِئُ، وَلَوْ قَلَّتِ القِيمَةُ؛ لِأَنَّنَا هُنَا لَا نَنْظُرُ لِلقِيمَةِ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ. هَذِهِ الحَالَةُ الأُولَى.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ وَلَا بِنْتُ مَخَاضٍ، نَقُولُ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ ذَكَرًا أَعْلَى مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنِ ابْنِ لَبُونٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ حِقًّا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ جَذَعًا فِي هَذِهِ الحَالَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنِ ابْنِ لَبُونٍ. فَمَا دَامَ الصِّغِيرُ جَائِزًا فَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَجُوزُ الكَبِيرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ فَقَطْ.

إِذَنْ فَصَاحِبُ المَالِ إِنْ لَمْ يَجِدْ بِنْتَ المَخَاضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ ابْنَ لَبُونٍ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى ذَكَرٍ أَعْلَى مِنْهُ وَهُوَ الْحِقُّ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الحِقِّ، جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، وَهُوَ الجَذَعُ. وَنَحْنُ قُلْنَا عَلَى الخِلَافِ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ مَالٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المَالُ قِيمَةَ بِنْتِ المَخَاضِ، وَلَا يَكُونُ قِيمَةَ ابْنِ لَبُونٍ، فَيَكُونُ قِيمَةَ الأَصْلِ. فَلَوْ قَالَ صَاحِبُ المَالِ لِلسَّاعِي: لَيْسَ عِنْدِي بِنْتُ مَخَاضٍ، لَكِنْ سَأُعْطِيكَ قِيمَةَ ابْنِ لَبُونٍ. نَقُولُ: لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ لِلأَصْلِ، فَتُخْرِجَ قِيمَةَ بِنْتِ مَخَاضٍ.

فَلَوْ كَانَ الشَّخْصُ عَاجِزًا عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ فَبِنْتُ اللَّبُونِ أَفْضَلُ وَلَا شَكَّ مِنِ ابْنِ اللَّبُونِ، لَكِنِّي أَتَكَلَّمُ عَنِ الرُّخْصَةِ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِهَا. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِنَاثِ وَعَجَزَ عَنِ الذُّكُورِ، فَعَجَزَ عَنْ بِنْتِ المَخَاصِ وَعَجَزَ عَنِ ابْنِ لَبُونٍ فَمَا فَوْقَ، فَنَقُولُ: يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِنْتَ مَخَاضٍ فَيُخْرِجَهَا، إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ القِيمَةَ، إِذَا كَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ وَلَيْسَ عَلَى الإِطْلَاقِ، فَالقِيمَةُ تَكُونُ إِذَا كَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلفَقِيرِ أَوْ لِلسَّاعِي.

ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (فَإِنْ عَدِمَهَا). أَيْ: عَدِمَ القُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذِهِ الكَلِمَةُ تَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ بِنْتُ المَخَاضِ، أَوْ أَنَّهَا عِنْدَهُ لَكِنَّهَا مَعِيبَةٌ، فَهِيَ مَعْدُومَةٌ حُكْمًا؛ كَأَنْ تَكُونَ عَرْجَاءَ بَيِّنٌ عَرَجُهَا، أَوْ مَرِيضَةً، أَوْ مَعِيبَةً لَا تُجْزِئُ فِي الأُضْحِيَةِ.. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ فِي شَرْطِ المُخْرَجِ أَنْ يَكُونَ مُجْزِئًا فِي الأُضْحِيَةِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ)، وَبِنْتُ اللَّبُونِ عُمْرُهَا سَنَتَانِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي البُخَارِيِّ، وَالسُّؤَالُ: إِنْ عَدِمَ بِنْتَ اللَّبُونِ، فَجَاءَهُ السَّاعِي وَوَجَدَ عِنْدَهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ نَاقَةً، فَقَالَ السَّاعِي: أَخْرِجْ بِنْتَ لَبُونٍ. فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي بِنْتُ لَبُونٍ. فَمَا الَّذِي يَفْعَلُهُ؟ إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا سِنًّا، وَهِيَ: الحِقَّةُ.

لَكِنْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَكَرٍ حِقٍّ أَعْلَى مِنْهَا؟ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ يُجْزِئُ فَقَطْ فِي حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ بِنْتِ المَخَاصِ، وَمَا عَدَاهَا فَلَا يُجْزِئُ. إِذَنْ إِنْ عَدِمَ بِنْتَ اللَّبُونِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَعْلَى سِنًّا مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ عَدِمَ بِنْتَ المَخَاضِ، فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَعْلَى مِنْهَا سِنًّا، وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَكَرٍ أَعْلَى مِنْهَا سِنًّا.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَفِي إِحدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ)، كُلَّ هَذَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ)، أَيْ: يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ نَاقَتَيْنِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَهَا سَنَتَانِ. قَالَ: (وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ)، وَالحِقَّةُ عُمْرُهَا ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ، فَيُخْرِجُ نَاقَتَيْنِ عُمْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ أَوْ أَعْلَى. قَالَ: (وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ)، لِمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (وَفِي مِئَةٍ وَعِشْرِينَ ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ)(10). وَإِنَّمَا سَارَ العُلَمَاءُ لِزِيَادَةِ الوَاحِدِ لِرِوَايَةٍ أُخْرَى ثَبَتَتْ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى مِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ، فَحَمَلُوا الرِّوَايَةَ الأُولَى حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَيَكُونُ مِائَةً وَوَاحِدًا وَعِشْرِينَ، وَهِيَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ الفَرِيضَةُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ). يَعْنِي: مَا زَادَ عَنِ المِائَةِ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ فَبِحِسَابِهَا، (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ). ثُمَّ قَالَ: (فَإِذَا بَلَغَ مِائَتَينِ اتَّفَقَتِ الفَرِيضَتَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ). نَبْدَأَ بِهَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ الحِسَابِ؛ لِكَيْ نَضْبِطَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ. نَحْنُ قُلْنَا: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فِيهَا حِقَّتَانِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ: مِائَةً وَعِشْرِينَ مُلْحَقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا. أَمَّا مِائَةٌ وَوَاحِدٌ وَعِشْرُونَ فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَنِ.

إِذَنْ تَكُونُ الزَّكَاةُ هَكَذَا: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فِيهَا حِقَّتَانِ، وَمِائَةٌ وَوَاحِدٌ وَعِشْرُونَ فِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَمِائَةٌ وَثَلَاثُونَ فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ؛ فَالحِقَّةُ بِخَمْسِينَ، وَبِنَتَا اللَّبُونِ بِثَمَانِينَ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ. وَمِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الإِبِلِ فِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ. وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَيْ: ثَلَاثُ خَمْسِينَاتٍ وَالخَمْسُونَ فِيهَا حِقَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِذَنْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ. أَمَّا مِائَةٌ وَسِتُّونَ إِنْ أَخَذْتَ ثَلَاثَ حِقَاقٍ سَتَكُونُ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَالعَشَرَةْ لَمْ تُحْسَبْ فَلَا يَصِحُّ إِذَنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ. وَمِائَةٌ وَسَبْعُونَ فِيهَا حِقَّةٌ بِخَمْسِينَ، وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ بِمَائَةٍ وَعِشْرِينَ. أَمَّا مِائَةٌ وَثَمَانُونَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ بِمِائَةٍ، وَبِنْتَا لَبُونٍ بِثَمَانِينَ. أَمَّا مِائَةٌ وَتِسْعُونَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَاحِدَةٌ.

وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذِهِ الأَرْقَامَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حِسَابُنَا مُسْتَوْعِبًا الرَّقْمَ كَامِلًا، وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الرَّقْمِ الأَخِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ مِائَتَيْنِ، فَإِذَا وَصَلْنَا إِلَى مِائَتَيْنِ أَصْبَحَ لَكَ الخِيَارُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ تَخْتَارَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ: (أَرْبَعَ حِقَاقٍ، أَوْ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ). وَالَّذِي لَهُ حَقُّ الاخْتِيَارُ؛ إِمَّا المُتَصَدِّقُ وَهُوَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ الأَصْلُ، أَوِ السَّاعِي.

وَهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ: إِذَا وَجَبَ عَلَى شَخْصٍ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَعَجَزَ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَكَانَهَا ابْنَ مَخَاضٍ؟ نَقُولُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ المَخَاضِ أَقَلُّ مِنْ بِنْتِ اللَّبُونِ. وَالمَقْصِدُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ الإِغْرَابُ؛ لِكَيْ نَعْرِفَ أَنَّنَا ضَبَطْنَا ابْنَ المَخَاضِ وَابْنَ اللَّبُونِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (الثَّانِي: الْبَقَرُ، وَلاَ زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاَثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، كُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ سَنَةٌ. وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ لَهَا سَنَتَانِ. وَفِي سِتِّينَ تَبِيعَانِ. ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ).

قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي البَقَرُ)، وَالبَقَرُ يَأْتِي تَالِيًا لِلإِبِلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ فَضْلَ يَوْمِ الجُمُعَةِ لَمَّا ذَكَرَ أَجْرَ الَّذِينَ يَرِدُونَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ»(11). مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِبِلَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الهَدْيُ، وَمِنْ حَيْثُ القِيمَةُ عِنْدَ العَرَبِ، فَرَتَّبَ لِأَجْلِ القِيمَةِ. قَوْلُهُ: (البَقَرُ)، أَيِ: البَقَرُ الأَهْلِيُّ، وَلَيْسَ الوَحْشِيَّ. فَالبَقَرُ الوَحْشِيُّ لَيْسَ دَاخِلًا مَعَنَا فِي الزَّكَاةِ هُنَا.

يَقُولُ: (وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ)، فَالبَقَرُ لَيْسَ كَالإِبِلِ، فَالإِبِلُ إِنْ كَانَتْ دُونَ النِّصَابِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهَا الشِّيَاهُ، وَلَكِنَّ البَقَرَ دُونَ الثَّلَاثِينَ لَا زَكَاةَ فِيهَا مُطْلَقًا لَا شَاةً وَلَا غَيْرَهَا. قَالَ: (فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ)، هَذِهِ الحَالَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا إِخْرَاجُ ذَكَرٍ فِي البَقَرِ، فَصَاحِبُ المَالِ مُخَيَّرٌ هُنَا بَيْنَ إِخْرَاجِ الذَّكَرِ أَوِ الأُنْثَى فِي التَّبِيعِ دُونَ المُسِنَّةِ –وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.

وَالتَّبِيعُ أَوِ التَّبِيعَةُ هُوَ: مَا لَهُ سَنَةٌ مِنْ عُمْرِهِ، وَسُمِّي تَبِيعًا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فِي المَشْيِ، وَيَقُولُونَ: مِنْ عَلَامَةِ التَّبِيعِ: أَنْ يَكُونَ قَرْنَاهُ قَدْ ظَهَرَا، وَأَنْ يَكُونَا بِطُولِ أُذُنَيْهِ. كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الضَّأْنَ كَمَا سَيَأْتِي هُوَ الَّذِي قَدِ انْكَسَرَ شَعْرُ جِسْمِهِ، فَلِأَنَّ الشَّاةَ عِنْدَمَا تَكُونُ صَغِيرَةً فَإِنَّ شَعَرَهَا يَكُونُ وَاقِفًا ثُمَّ يَنْكَسِرُ، فَإِذَا انْكَسَرَ سُمِّي ضَأْنًا.

فَهَذِهِ عَلَامَاتٌ، وَلَكِنَّ العِبْرَةَ بِالسِّنِّ وَلَيْسَتْ بِالعَلَامَاتِ. وَقَدْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ فِي الإِبِلِ وَالبَقَرِ فِي الأُضْحِيَّةِ أَنْ تَكُونَ ثَنِيَّةً، لَكِنْ لَوْ أَنَّ ثَنِيَّتَيهَا لَمْ تَنْبُتَا قَطُّ، فَهَلِ العِبْرَةُ بِظُهُورِ الأَسْنَانِ وَلَوْ تَأَخَّرَتْ أَمْ بِالسِّنِّ؟ العِبْرَةُ بِالسِّنِّ، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الأَسْنَانُ مِنْ بَابِ العَلَامَةِ، فَإِذَا تَعَارَضَتِ العَلَامَةُ مَعَ السِّنِّ فَالسِّنُّ مُقَدَّمٌ.

وَذَكَرْتُ لَكُمْ قَبْلُ أَنَّ العِبْرَةَ بِالسِّنِّ فِي التَّقْدِيرِ وَلَيْسِ بِالتَّحْدِيدِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ نَقَصَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ أَجْزَأَ، فَكَثِيرٌ مِنَ الإِخْوَانِ يَقُولُ: إِنَّ مَا وُلِدَ بَعْدَ اليَوْمِ العَاشِرِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ لَا يُجْزِئُ فِي الأُضْحِيَّةِ. نَقُولُ: لَا، مَا وُلِدَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ يَوْمَ الحَادِي عَشَرَ، أَوِ الثَّانِي عَشَرَ أَوِ الثَّالِثَ عَشَرَ يَكُونُ عُمْرُهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَوْمَ الأَضْحَى، وَإِنْ نَقَصَ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى شَهْرٌ وَإِنْ نَقَصَ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ. فَلَيْسَ المَقْصُودُ التَّحْدِيدَ الدَّقِيقَ، وَإِنَّمَا التَّقْرِيبُ.

فَهُنَا يَجِبُ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الذَّكَرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَاجِبُ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً فَهُوَ المُخَيَّرُ، وَالمُتَصَدِّقُ هُوَ الَّذِي يَخْتَارُ. قَالَ الشَّيْخُ: (وَفِي أَرْبَعِينَ) أَيْ: مِنَ البَقَرِ، (مُسِنَّةٌ)، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُ المُسِنُّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُسِنَّةً فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا سِنًّا وَهُوَ الثَّنِيُّ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي المُسِنَّةِ إِخْرَاجُ ثَنِيٍّ ذَكَرٍ، أَمْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ ثَنِيَّةً أُنْثَى؟ نَقُولُ: لَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ثَنِيَّةً أُنْثَى.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَفِي سِتِّينَ تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ). لَا إِشْكَالَ، (وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ)، وَالدَّلِيلُ: مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَهَذِهِ بَعْضُ الأَمْثِلَةِ عَمَّا زَادَ عَنِ الأَرْبَعِينَ: فِي الخَمْسِينِ مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا نَحْسِبُ الزِّيَادَةُ عَنِ الأَرْبَعِينَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُسَمَّى وَقْصًا. وَفِي السَّبْعِينَ تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، أَوْ تَبِيعَةٌ وَمُسِنَّةٌ. وَفِي الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَانِ. وَفِي التِّسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبَاعٍ أَوْ ثَلَاثُ تَبِيعَاتٍ. وَفِي الِمائَةِ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ. وَفِي الِمائَةِ وَعَشَرَةٍ مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ.

أَمَّا المِائَةُ وَعِشْرُونَ فَهِيَ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الأَمْرَانِ، فَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تُخْرِجَ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَ تَبِيعَاتٍ.

أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لِلجَمِيعِ التَّوْفِيقَ.


(1) هو: عبد الرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر، الحميري مولاهم، الصنعاني، الثقة، الحافظ الكبير، عالم اليمن. ارتحل إلى الحجاز، والشام، والعراق، وسافر في تجارة. حدث عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ووثقاه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ مصنف، وكان يتشيع. ولد سنة ست وعشرين ومئة، وتوفي سنة إحدى عشرة ومئتين. ومن أشهر مصنفاته "المصنف". انظر: تهذيب الكمال (18/ 52 ترجمة 3415)، وسير أعلام النبلاء (9/ 563 ترجمة 220).

(2) هو: محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب بن عبدالله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو بكر، القرشي، الزهري، المدني، نزيل الشام، الإمام العلم، حافظ زمانه. قال ابن حجر في التقريب: متفق على جلالته وإتقانه. ولد سنة إحدى وخمسين، ومات سنة أربع -أو ثلاث- وعشرين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (26/ 419 ترجمة 5606)، وسير أعلام النبلاء (5/ 326 ترجمة 160).

(3) هو: بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، القشيرى، أبو عبد الملك، البصرى، الإمام المحدث. له عدة أحاديث عن أبيه، عن جده، وعن زرارة بن أوفى. قال ابن حجر في التقريب: صدوق. توفي قبل الخمسين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (4/ 259 ترجمة 775)، وسير أعلام النبلاء (6/ 253 ترجمة 114).

(4) هو: حكيم بن معاوية بن حيدة، القشيري، البصري، والد بهز وسعيد ومهران، روى عن أبيه معاوية بن حيدة وله صحبة، روى عنه: ابنه بهز، وابنه سعيد، وابنه مهران، وسعيد بن إياس الجريري، وأبو قزعة سويد بن حجير، استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له في الأدب، وروى له الباقون سوى مسلم، قال ابن حجر في التقريب: صدوق من الثالثة. انظر: تهذيب الكمال (7/ 202 ترجمة 1462)، وتهذيب التهذيب (8/ 326 ترجمة 784).

(5) هو: الصحابي معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، القشيري، جد بهز بن حكيم، نزل البصرة، غزا خراسان ومات بها، له وفادة وصحبة، وسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم. انظر: أسد الغابة (4/ 432 ترجمة 4975)، والإصابة (6/ 149 ترجمة 8071).

(6)أخرجه أحمد في (مسنده) (5/4)، وأبو داود في (سننه): كتاب الزكاة- باب في زكاة السائمة (1575)، والنسائي في (المجتبى): كتاب الزكاة- باب عقوبة مانع الزكاة (2444)، والطبراني في (المعجم الكبير) (19/410/985)، من حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه.

(7) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس، أبو السعادات، الْبُهُوتِي -نسبةً إلى بُهُوتِ مصر- الإمام العلامة المدقق، أحد كبار أئمة المذهب، شيخ الحنابلة في مصر دون مدافع، شارح الإقناع والمنتهى. ومؤلفاته كلها موجودة لم يُفقد منها أي شيء. وكتابه "الروض المربع" دال على إمامته وعلو كعبه، ولد سنة ألف، وتوفي سنة إحدى وخمسين وألف. انظر: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (3/ 1131 ترجمة 766)، والأعلام (7/ 307).

(8)أخرجه البخاري في (صحيحه): كتاب الزكاة- باب زكاة الغنم (1454).

(9) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة- باب في زكاة السائمة (1572).

(10) تقدم تخريجه.

(11) أخرجه البخاري في (صحيحه): كتاب الجمعة- باب فضل الجمعة (881)، ومسلم في (صحيحه): كتاب الجمعة- باب الطيب والسواك يوم الجمعة (850).